فرنسا تستقبل الشعلة الأولمبية بـ1000 زورق

تطوف أحياء مرسيليا تحيّةً للتنوّع بهذا الميناء الرائع

«نايسترو» (تصوير: فيليب دوانون)
«نايسترو» (تصوير: فيليب دوانون)
TT

فرنسا تستقبل الشعلة الأولمبية بـ1000 زورق

«نايسترو» (تصوير: فيليب دوانون)
«نايسترو» (تصوير: فيليب دوانون)

بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون، ونخبة من كبار المسؤولين، وبمشاركة 150 ألف متفرّج حجزوا موقعهم على ضفاف ميناء مرسيليا القديم، وصلت إلى شاطئ جنوب فرنسا سفينة «البلم» الشراعية التاريخية وسط رنين صافرات أكثر من 1000 زورق صغير خرج لاستقبالها بقيادة ملّاحي المدينة وصيّاديها. وسعت فرنسا إلى تنظيم استقبال احتفالي، بعدما غادرت السفينة ميناء أثينا في اليونان في 16 من الشهر الماضي حاملةً عدداً من أبطال الرياضة لحراسة الشعلة الأولمبية التي تنتظر فرنسا عودتها إليها منذ 100 عام.

ولدى وصول السفينة، نُصب ممشى عائم يربط بينها وبين الشاطئ. ومن المقرَّر أن تبقى الشعلة يومين في مرسيليا وتطوف أحياءها الشمالية تحيّةً للتنوّع العرقي والديني في هذا الميناء الفريد والرائع. بعد ذلك، ستأخذ وجهتها نحو العاصمة. وكان أول المترجّلين منها السبّاح فلوران مانادو، صاحب الميداليات الأولمبية الثلاث، رافعاً بيُمناه الشعلة التي صمَّمها ماتيو لوهانور، مُستهماً رموز الماء والمساواة والسلام.

12 يوماً في البحر الأبيض المتوسّط، قبل قَطْع 5 آلاف كيلومتر محمولةً بأيدي 11 ألف عدّاء اختيروا بعناية، بحيث يمثّلون مختلف الفئات والمناطق الفرنسية، يتناوبون على إيصال هذا الرمز الأولمبي إلى باريس مع افتتاح دورتها المرتقبة في 26 من يوليو (تموز) المقبل. وأوضحت نائبة عمدة مرسيليا سامية غالي، أنّ الشعلة ستبدأ رحلتها الفرنسية انطلاقاً من بلدة ماساليا الإغريقية في جنوب فرنسا.

ووفق التقديرات، فإنّ مليار متفرّج أبدى اهتماماً بمتابعة مراسم وصول الشعلة عبر شاشات العالم. ووصل إلى مرسيليا 1500 صحافي لتغطية الحدث الذي حشدت له فرنسا أفضل مبتكراتها من تشكيلات جوّية بالطائرات البهلوانية والألعاب النارية. ومن بين آلاف الحاضرين في الميناء، يحضُر 45 ألفاً الحفل الموسيقي الخاص بمراسم الاستقبال. ويلفت النظر اختيار مغنّي الأوبرا العربي الأصل نبيل راشدي المعروف بـ«نايسترو» للغناء فيه. وأعلن «نايسترو» الذي ترعرع في المدينة الجنوبية، عن تأدية النشيد الوطني الفرنسي (المارسييز) بصوته الأوبرالي، وأمام الرئيس ماكرون.

السفينة الشراعية تقترب من مرسيليا (أ.ف.ب)

حكاية نبيل راشدي...

من الملاكمة إلى الغناء، وعَبْر السجن، اجتاز راشدي المراحل من قاع المجتمع إلى أضواء الشهرة. وهو اليوم مغنّي أوبرا معروف في فرنسا باسمه الفنّي «نايسترو»، وقع عليه الاختيار للغناء في مراسم استقبال الشعلة.

حين يرتدي «نايسترو» بدلة السهرة، ويقف على المسرح، فإنه لا يختلف في مظهره عن أي «تينور» ممن نشأوا في ميلانو أو برشلونة. لكنه يحبّ أن يُطلق على موسيقاه تسمية أوبرا المدن والشوارع. فهذا الشاب الثلاثيني الذي نشأ في بلدة بور دو بوك، غير بعيد عن مرسيليا. كان في مراهقته صبياً متمرّداً خارجاً على القانون، يقود عصابته الصغيرة، ويحبّ أغنيات الراب والإيقاعات الراقصة.

اكتشف الصبي قوّته حين دخل مع أشقّائه الأكبر سنّاً نادياً للملاكمة. كانت تلك الرياضة وسيلته للتعبير عن الغضب الذي يملأ صدره، والانتقام من ظروفه المعيشية الصعبة. وهو قد تقدَّم ونال ميداليات عدّة من دون أن ينجح في تهدئة شعوره بالغبن. قال المدرّب لأشقائه: «هذا الصغير عندما يُلاكم، فإنه يكشف عن سخط كبير». كان ناجحاً في المدرسة ويحلم بأن يصبح محامياً. أحد الأشقاء صار شرطياً والآخر ضابط شرطة. وارتدى الصغير القفازات في سنّ 16 عاماً، وانضمّ إلى فنون القتال المختلطة. وبعد عامين، انضمّ إلى الفريق الفرنسي وكان اللاعب الأصغر.

كان يمكن أن يصبح ملاكماً شهيراً، لكنه تورَّط في قضية مخدّرات قادته إلى السجن. كان رفيقه في الزنزانة إيطالياً يُدعى برونو، يغنّي بلغة لا يفهمها. أغنيات من نمط لم يسمع به الملاكم العربي من قبل. لقاء سيُغيّر مصيره لأنه تعلّم من شريكه في الزنزانة الكلمات الثلاث الأولى من أغنية بافاروتي «O Sole mio». راح يردّدها ويكتشف قدرات حنجرته وهي تنطلق بأعلى ما يمكن.

سمعه مدير السجن الذي كان من عشاق الأوبرا فأذهله الصوت. وأهداه أسطوانتين لبافاروتي. وهو لا يزال يحتفظ بهما حتى اليوم. وقد تمكّن من ترجمة الكلمات بمساعدة برونو، وراح يغنّي ليلَ نهار، ولم يعد يطبق فمه منذ تلك اللحظة. يقول إنَّ اليوم الذي يمرّ من دون موسيقى ليس من عمره.

في عام 2015، تعرّف الجمهور إلى المغنّي الجديد من خلال النسخة الفرنسية من برنامج «فرنسا لديها مواهب». ثم دُعي إلى الاستعراض الذي ينظّمه الكوميدي جمال دبوز في مراكش. ومع صدور أسطوانة «بيللا تشاو» عام 2018، بلغ نبيل راشدي عتبات الشهرة، وصار اسمه «نايسترو». وهي الأسطوانة التي تعاون فيها مع فنّانين من جيله عاشوا ظروفاً مشابهة. ومنذ ذلك الحين، عكف السجين السابق على سلسلة من المشاريع الفنية الناجحة، آخرها أسطوانة يمزج فيها بين موسيقى الراب والأوبرا.

يقول في مقابلة تلفزيونية: «هذا النمط الموسيقي هو المفضل لديّ. لكنني أحببتُ فقط غناء النوتات العليا. النغمات السفلية تُشعرني بالملل قليلاً. لذلك خطرت ببالي فكرة دعوة مغنّي راب لأداء هذا الجزء. ثم سألني مديري الفنّي إن كنت أعرف تأدية الراب، وطلب مني تقديم النوعين، العالي والخافت». هكذا نشأت فرقة أوبرا المدينة. ومنذ صدور الأغنية في الخريف الماضي، جمعت مليونَي مشاهدة على «يوتيوب».

يبدو أنّ هذا الأسلوب الجديد قد حاز إعجاب الجمهور. منذ نشرها في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، حصدت الأغنية أكثر من مليوني مشاهدة على الموقع المذكور.

بالعودة إلى حفل الاستقبال، فقد بلغت تكلفته 1.8 مليون يورو، وفق تقديرات صحيفة «لوموند». ويسهر على تأمين الموقع 5 آلاف رجل شرطة ودرك فتّشوا المباني المطلّة على الميناء ومئات المراكب الخاصة الراسية في محيطه. كما مسح 200 غواص قعر الميناء تحسّباً لعبوات متفجّرة قد تكون زُرعت فيه. وسترافق قوّة من 20 رجل أمن مسيرة الشعلة في كل مراحلها عبر 52 مدينة وقرية فرنسية، قدّمت كل منها 150 ألف يورو للاحتفال بمرورها في أراضيها. بينما خصّصت وزارة الداخلية مليون يورو للمسيرة. وتأتي هذه الإجراءات نظراً إلى بيانات سابقة من متطرّفين يساريين هدّدوا بتخريب الدورة الأولمبية. وهي الثانية التي تستضيفها فرنسا بعد دورة عام 1924.


مقالات ذات صلة

رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة: نحلم ببلوغ أولمبياد لوس أنجليس 2028

رياضة سعودية الأمير محمد بن عبد الرحمن بن ناصر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»

رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة: نحلم ببلوغ أولمبياد لوس أنجليس 2028

أكد الأمير محمد بن عبد الرحمن بن ناصر، رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة، أن الحلم الأكبر الذي يعمل عليه الاتحاد يتمثل في التأهل إلى أولمبياد لوس أنجليس 2028.

سلطان الصبحي (الرياض)
رياضة عالمية قرارات الأولمبية الدولية لاقت انتقادات لاذعة (د.ب.أ)

سياسة الأولمبية الدولية بشأن الأهلية الجنسية تثير انقساماً للآراء

شهدت ردود الفعل على السياسة الجديدة للجنة الأولمبية الدولية بشأن اختبارات تحديد الجنس انقساما كبيرا الخميس.

«الشرق الأوسط» (لوزان)
رياضة عالمية الأهلية للمنافسة في الفئات النسائية باتت مقتصرة على الأشخاص من الجنس البيولوجي الأنثوي (د.ب.أ)

«أولمبياد 2028»: «الأولمبية الدولية» تعيد العمل بالاختبارات الجينية لتحديد الأنوثة

اشترطت اللجنة الأولمبية الدولية، الخميس، المشارَكة في منافسات السيدات في «أولمبياد لوس أنجليس 2028 » بإجراء اختبارات كروموسومية.

«الشرق الأوسط» (لوزان)
رياضة عالمية أولمبياد لوس أنجليس يكشف هويته البصرية (أ.ب)

أولمبياد لوس أنجليس يكشف هويته البصرية

كشف منظمو دورة الألعاب الأولمبية وذوي الاحتياجات الخاصة في لوس أنجليس 2028 الاثنين الهوية البصرية الرسمية للألعاب.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
رياضة عالمية اللجنة الأولمبية الدولية قالت إنها لم تتخذ قرارها بعد (رويترز)

دعوات للأولمبية الدولية للتخلي عن خططها لاختبارات تحديد الجنس للسيدات

دعت أكثر من 80 منظمة لحقوق الإنسان ومجموعات دعم الرياضة، اللجنة الأولمبية الدولية للتخلي عن خططها المعلنة لإجراء اختبارات جينية شاملة لتحديد الجنس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

تطبيق «إذاعة القرآن الكريم» يجتذب 50 مليوناً في وقت قياسي

تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)
تراث إذاعة القرآن الكريم على تطبيقها وموقعها الإلكتروني (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام في مصر عن أن تطبيق إذاعة القرآن الكريم اجتذب ما يزيد على 50 مليون طلب تحميل التطبيق، في وقت قياسي خلال الأيام الخمسة الأولى لإطلاق التطبيق، وهو ما عدّته الهيئة «رقماً تاريخياً مقارنة بالتطبيقات المماثلة».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعطى إشارة البدء لإطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم في الاحتفالات بليلة القدر.

ويتيح التطبيق والموقع الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في كل أنحاء العالم، وإتاحة تراثها منذ نشأتها في ستينات القرن العشرين وحتى اليوم. كما يضم الموقع جميع التلاوات ترتيلاً وتجويداً، وجميع البرامج والابتهالات على مدى زمني يمتد لأكثر من ستين عاماً.

ووجهت الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب أحمد المسلماني الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي على منحه إشارة البدء لانطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.

وقال المسلماني، في بيان للهيئة، إن الرئيس وجّه بحماية تراث الإذاعة والتليفزيون وفي المقدمة تراث إذاعة القرآن الكريم، موضحاً: «تلقينا في أغسطس (آب) 2025 توجيهاً من الرئيس بالعمل على إنهاء الموقع والتطبيق استعداداً لإطلاقه»، ووفق تصريحاته فقد بذل فريق عمل إذاعة القرآن الكريم والموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام بالتعاون مع وزير الاتصالات والمستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية جهوداً متواصلة، حتى تم إطلاق الموقع والتطبيق في ذكرى الاحتفال بليلة القدر.

وأرجع رئيس إذاعة القرآن الكريم، إسماعيل دويدار، الطلب الكبير على استخدام التطبيق والموقع الخاص بالإذاعة إلى المكانة الكبرى التي حظي بها التطبيق بعد افتتاحه من قبل رئيس الجمهورية، وفي الوقت نفسه فإن مكانة إذاعة القرآن الكريم مترسخة في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المستمعين كانوا يتمنون الاستماع لإذاعة القرآن الكريم في جميع البلدان العربية والإسلامية، فلما انطلق هذا التطبيق تحقق الغرض والهدف، فمن الطبيعي أن يصل العدد إلى أكثر من 50 و60 مليوناً، ونتوقع أن يصل إلى 100 مليون خلال الأيام المقبلة إن شاء الله».

بيانات حول عدد مستخدمي التطبيق (الهيئة الوطنية للإعلام)

واحتل موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة المركز الأول وتصدر «#Top App Store» في الأكثر بحثاً ومطالعة وتحميلاً على «غوغل بلاي» ليصبح الأعلى بحثاً في مصر لخمسة أيام متواصلة منذ انطلاق الموقع والتطبيق في احتفالات ليلة القدر.

ولفت دويدار إلى أن التطبيق والموقع بهما كل أرشيف إذاعة القرآن الكريم، موضحاً أن «الأمر لا يقتصر على وقت افتتاح إذاعة القرآن الكريم عام 1964، وإنما هناك تلاوات وقراءات وبرامج دينية منذ انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934، كل البرامج والقراءات منذ ذلك الوقت متاحة على التطبيق».

ووفق بيان سابق للهيئة، ارتفع الطلب على الموقع والتطبيق بشكل كبير في أول 24 ساعة من افتتاحه وتصدرت مصر المنحنى الصاعد بأكثر من 15 مليون طلب، تلتها المملكة العربية السعودية بنحو 2 مليون طلب، ثم الإمارات العربية المتحدة بأكثر من 500 ألف طلب دخول للموقع والتطبيق، وفي المركز الرابع الكويت بأكثر من 400 ألف، وفي المركز الخامس جاءت الولايات المتحدة بأكثر من 200 ألف طلب، وفي المركز السادس جاءت دولة قطر بـ150 ألف طلب تقريباً، ثم إيطاليا بنحو 100 ألف، تليها بريطانيا ثم عمان بالعدد نفسه، وفي المركز العاشر جاءت ألمانيا بما يقرب من 100 ألف طلب تقريباً، وفق تقرير للهيئة.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن خلال احتفالية ليلة القدر التي أقيمت في 16 مارس (آذار) إطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم ليكون رسالة محبة وسلام من مصر إلى كل مسلمي العالم.

ويرى أستاذ الفقه والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، أن مصر على مدى تاريخها دائماً كانت في خدمة الإنسانية وفي نفع البشرية بعلومها وأزهرها الذي يقارب عمره 1083 عاماً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العام وفي شهر رمضان المبارك يأتي العطاء المصري من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، لنقل البث الإعلامي لإذاعة القرآن الكريم من المحلية إلى العالمية، وهي من أعظم المهمات في خدمة القرآن الكريم ونفع الناس على اختلاف مستويات ثقافتهم ومشاربهم، فلا عجب أن يصل عدد من انضموا إلى التطبيق إلى 50 مليوناً، فالمسلمون متعطشون لمثل هذه الجهود التي تبذل لخدمة القرآن ونشره في أنحاء الأرض».