ما لم يحدث وإمكانية فتح الأقواس في نهاية «خيوط المعازيب»

الدراما مثل الرواية والفيلم تشتغل كالمجاز المرسل

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
TT

ما لم يحدث وإمكانية فتح الأقواس في نهاية «خيوط المعازيب»

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)

ينتهي المسلسل السعودي «خيوط المعازيب» بتحقّق «العدالة الشعرية»، بانتصار الخير على الشر؛ فالشرير أبو عيسى (عبد المحسن النمر) يلقى حتفه غرقاً في العين مقيّد اليدين والقدمين، وتُلقي الشرطة القبض على الجاني أبو أحمد (سعيد قريش)، ويمتلئ الجزء الأخير من الحلقة الأخيرة بالعرضة والغناء احتفالاً بعيد الأضحى، وبلحظات التسامح والتصالح بين الأصدقاء وطي صفحات الماضي.

⁨يتناول المسلسل منطقة الأحساء في حقبة الستينات من القرن الماضي (الشرق الأوسط)⁩

لم تَرُق هذه النهاية للبعض، كما يظهر في التعليقات والكتابات في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يدلّ على انتظارهم نهاية مختلفة، أو مفتوحة، ولكن خابت توقعاتهم؛ إذ كان لصانعي المسلسل وجهة نظر مختلفة تجسدت في إنهائه بخاتمة، بحل وإخماد بؤر الصراع والتوترات.

كتب وزير الثقافة والإعلام الأسبق إياد مدني، في «إكس»، مُعَلِّقاً على النهاية: «وجاء المشهد الأخير تقريرياً مُقحماً. وانتهى السيناريو سعيداً مفرحاً، فقد انهزم الأشرار وانتصر الأخيار وحُلَّت العُقد». وكتب الدكتور حسن مدن في مقالته الموسومة بـ«خيوط المعازيب» المنشورة في («التقدمي» - 14/ 4/ 2024): «بدا لنا أن ما نريد تسميته (إغلاق الأقواس) في الحلقة الأخيرة من المسلسل بنهاياتٍ (سعيدة) لمسارات التناقض والصراع في أحداث المسلسل وبين شخصيّاته، مُفْتَعلاً، وربما كان الأفضل إبقاء تلك الأقواس مفتوحة، تمهيداً لعملٍ متمّم».

لا يختلف رأيي في نهاية المسلسل عن موقفَي الوزير والدكتور، كنت مثلهما أنتظر نهاية مختلفة مفتوحة تدعو المشاهدين إلى تخيّل نهايات للمسلسل. لكنني لا أرى أن انتهاء المسلسل بإغلاق/ قفلة، يمنع صنع جزءٍ ثانٍ. أعتقد لو أن صانعيه أرادوا إنهاءه بما يمهد لتتمة، لفعلوا ذلك وبسهولة، مع إبقاء جزء العرضة والغناء من الحلقة. على سبيل المثال، بدفع عودة شيخة (مريم حسين) إلى ما بعد مشاهد الاحتفال بالعيد والغناء، وإنهاء الحلقة بدخولها بيت أبو عيسى أو حتى بوقوفها في المدخل. سيكون وقوفها نهاية مشوقة وموحية بتتمة.

مريم حسين في مشهد من العمل (الشرق الأوسط)⁩

مما قد يحدث في الجزء الثاني بعد عودة شيخة:

تعود شيخة إلى البيت الذي غادرته مُكرهة تفادياً لطلاقها، بعد أن رأت أنه لم يعد بيتها، ولم تعد السيدة فيه كما كانت قبل أن تدخله بدرية (ريم إرحمة) زوجة ثالثة لأبو عيسى. وزاد الطين بِلَّة تفضيل أبو عيسى لزوجته الأخرى مريوم (دانة آل سالم) على شيخة بعد أن ساءت العلاقة بينه وبين بدرية. فما أتخيل حدوثه هو سعي شيخة، في اللحظات الأولى بعد عودتها، إلى بسط سيطرتها على البيت، واسترداد مكانتها. لن تواجه في تحقيق هدفها أي صعوبة، فمريوم ضعيفة ومهيضة الجناح (حتى هذه اللحظة)، ولا تستطيع الوقوف في وجه شيخة المدعومة من ابن أختها عيسى (ياسر عماد). ولن يطمئن قلبها قبل أن تخطف «المرتعشة» من مريوم.

وربما يكون الاستيلاء عليها أول شيء تقوم به. شيخة لن تشعر بأنها «شيخة البيت»، قبل أن ترتعش «المرتعشة» المشهورة على صدرها.

المثير أن لـ«مرتعشة» أبو عيسى حياة، وحكاية خاصة؛ حكاية انتقالات وتغيرات في وظائفها ودلالتها. فبانتزاع شيخة للمرتعشة من مريوم، يكون صدرها «المكان» الذي تنبسط المرتعشة فيه وتخطف الأنظار إليها لأول مرة منذ اشتراها أبو عيسى لبدرية.

اشترى أبو عيسى «المرتعشة» لبدرية غطاءً لكذبته؛ بأن رحلته إلى البحرين للبحث عن ابنها فرحان (محمد عبد الخالق) باءت بالفشل، بينما هو لم يسافر لأبعد من الدمام. وعاد إليها بالمرتعشة ليغطي بها كذبته، ويغطي بها صدرها، لتكون، في الآن نفسه، رمزاً ودليلاً على حبه وتفضيله إياها، ودالة على ثرائه، ومثيرة لغيرة النساء الأخريات. ثم تحوّلت القلادة الذهبية الكبيرة إلى أداة لعقاب بدرية، عندما انتزعها أبو عيسى منها بعد اكتشافه محاولتها تسميمه وقتله، فانتهى المطاف بـ«مرتعشة أبو عيسى» على صدر مريوم، التي ارتفعت مكانتها، ما أثار غضب شيخة. سيكون صدر شيخة، في حال انتزاع «المرتعشة» من مريوم، المرفأ الأخير الذي طال انتظاره لرسوّها واستيلائها عليه.

يُعرف المسلسل ملامح الحياة الاجتماعية الأحسائية القديمة في العمل (الشرق الأوسط)

شيخة ترمي بتفاحة الخلاف في بيت أبو عيسى وخارجه

ثمة تشابه، إلى حد ما، في شخصيتي أبو عيسى وشيخة، في تجاور الحب والكره، والخير والشر، والنزعة التآمرية، وحب السيطرة. أبو عيسى جشعٌ وقاسٍ ومستبدٌ في الخارج، وفي بيته أبٌ محبٌ وحنون، وزوج محبٌ، خصوصاً لزوجته الأولى أم عيسى، ولبدرية، قبل أن يقلبَ عليها ظهر المجن. أما شيخة، فقد دفعها حبها لابن وابنة أختها وحرصها عليهما إلى الزواج من أبو عيسى.

أعتقد أن بعض الشر الذي غادر البيت وخلت «الديرة» منه بموت أبو عيسى سيعود متجسّداً في شيخة، وستكون مريوم أولى ضحاياه المحتمَلين؛ فمع وجودها وشيخة تحت سقف واحد ستجد مريوم نفسها خادمة لضرتها الأولى مثلما كانت من قبل. الشر لا يموت ولا ينتهي من العالم، وشيخة امرأة يلتقي فيها النزوع للشر والغيرة والشعور بالظلم لاعتقادها أنها لم تنل من «أبو عيسى» التقدير الذي تستحقه، رغم أن العلاقة بينهما لا يمكن وصفها بالعلاقة الزوجية العادية، أو بأنها قائمة على المودة بينهما، وهي التي أبقت باب حجرتها موصداً في وجهه منذ أن تزوجته.

ومن المحتمل أن ترمي شيخة تفاحة الخلاف بين عيسى وزوجة أبيه مريوم حول توزيع ميراث الأب، وبينه وبين بدرية التي ستُطالب بنصيب ابنتها من الميراث؛ ما قد يؤدي إلى تفجير خلاف بين عيسى وفرحان الذي من الطبيعي أن يَهُبَّ إلى مؤازرة أمه التي يرى أن «أبو عيسى» اضطهدها وظلمها، ولم تحصل منه إلاّ على البيت الخرابة. وقد تُحَرِّضُ شيخة ابن أختها على ملاحقة مَن سرقوا ثروة أبيه، ما يؤدي إلى اندلاع صراعات جديدة. وكان لذلك سابقة في تحريضها لعيسى وشقيقته فاطمة (إرم فيصل) على أبيهما، ومطالبته بنقل ملكية البيت إليهما.

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)

لكن وبينما أنا أكتب هذا السيناريو، أدركُ أنه غير ملائم، لأسباب، أهمها أنه يُكرّر ويبعث توترات وصراعات قديمة، والتكرار يُوَلِّد الرتابة، ويخفضُ مستوى إلا بداع والإمتاع. ولا يُميّز هذا السيناريو سوى عرضه الشر بوجه أنثى (شيخة)، بالإضافة إلى تقديم بيت أبو عيسى كصندوق باندورا مصدَرَ كل الشرور، بينما الشر في كل مكان وزمان، وحتى في كل شخص، يشتبك في صراع مع نقيضه الخير.

إن إغلاق الأقواس لن يمنع صنع جزءٍ ثان، ولا أشك في أن صانعي المسلسل قادرون على فتحها، ربما بسهولة إزاحة مشهد عودة شيخة إلى نهاية الحلقة الأخيرة، لو أرادوا أو فكروا في ذلك. فإن لم يكن لديهم أي مفتاح الآن لمعالجة الأقواس التي أغلقوها بالنهايات السعيدة كما يقول د. مدن، فأمامهم ما يكفي من الوقت لصنع مفاتيح وابتكار حلول تمكّنهم من وَصْلِ المتأخر بالمتقدم، وبأكثر من طريقة.

يركز العمل على علاقة الأبناء بالآباء قديماً (الشرق الأوسط)

الدقة التاريخية والمقاربة المجازية للمكان

«خيوط المعازيب» (دراما فترة)، التفاتة إلى الوراء جميلة وممتعة «صمّغَت» عيون الكثيرين عبر العالم العربي بالشاشة الصغيرة. دراما تصوّر أجواء الحياة في الأحساء في ستينات القرن العشرين، يتجلى في حلقاتها اهتمامٌ كبير بالمكان، أفضى إلى انفراده بالبطولة في المسلسل كما ذكر الناقد محمد العباس، أو إلى طغيانه على عناصر أخرى، مثل بناء الشخصيات وتطويرها، حسب الأديبة والسيناريست الكويتية منى الشمري. طغيان المكان ناشئ، كما يبدو، عن الحرص على مطابقة الصورة للواقع ومحاولة نسخه/ استنساخه بدلاً من استحضاره وبعثه. كان يمكن تصوير المكان واستحضاره بأسلوب المجاز المرسل، حيث الجزء يرمز أو يعبّر عن الكل أو العكس، والقليل عن الكثير، وبأقل عدد من ملامح ومفردات الثقافة والبيئة الأحسائية آنذاك، وتركُ المشاهد ليشارك في إكمال صورة المكان معتمداً على ذاكرته أو مخيلته، أو عليهما معاً. أعتقد أن الدراما (مثل الرواية والفيلم) تشتغل كالمجاز المرسل في مقاربتها واستحضارها الأحداث التاريخية والأمكنة بموجوداتها، بدرجة عالية من والاختيار والانتقاء، حتى لو نجم عن ذلك تجاهل أحداث كبيرة في الحقبة التاريخية التي تعود إليها. يُحسب لـ«خيوط المعازيب»، عدم التفاته إلى الأحداث الكبيرة في المنطقة لأنها خارج دائرة الاهتمام، وليس لها تأثير على مجرى الأحداث. من ناحية أخرى، أتمنى لو أن صانعي المسلسل لم يُغرقوا العمل بفائض من الأشياء والتفاصيل التي جعلت المكان يظهر في «صورة متحفية»، كما علَق الناقد عيد الناصر.

سيكون الجزء الثاني، إن جاء، أفضل، وخالياً من المفارقات التاريخية ونقاط الضعف التي أشرت وأشار إليها آخرون. ومثل سابقه، سيوفر «خيوط المعازيب - 2» فرصة مشاهدة ممتعة، وسَيُلْصِقُ عيوناً كثيرة بالشاشات الصغيرة.


مقالات ذات صلة

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

يوميات الشرق زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس جمعية علم الحيوان (حديقة حيوان لندن)

قصيدة «القمر وحديقة الحيوان»: احتفاء خاص بجمعية علم الحيوان بلندن

كلفت «جمعية علم الحيوان» في لندن، شاعر البلاط الملكي بتأليف قصيدة لحساب فيلم رسوم متحركة، احتفاءً بمرور 200 عام على تأسيسها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحديد الموقع الدقيق لعقار ويليام شكسبير (كينغ كوليدج لندن)

بعد أكثر من 400 عام: الكشف عن موقع منزل شكسبير «المفقود»

الآن، أصبح بالإمكان تحديد الموقع الدقيق لعقار ويليام شكسبير الوحيد في لندن، والكائن في شارع هادئ بمنطقة بلاكفرايرز، وذلك بفضل اكتشاف مخطط أرضي لم يكن معروفاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)

مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

حصدت «مؤسسة بينالي الدرعية» جائزة «آرت بازل» 2026 تقديراً لدورها في تعزيز حضور الفنون المعاصرة والإسلامية عالمياً ودعم التبادل الثقافي.

«الشرق الأوسط» ( الدرعية)

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».


مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

أعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام» عودة «ماسبيرو» إلى الإنتاج «الدرامي التاريخي» مجدداً. وفي بيان صحافي، الاثنين، أفاد الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة، بأن «قطاع الإنتاج» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

وأوضح المسلماني في بيانه أن «ماسبيرو» يعود تدريجياً إلى سوق الدراما في ظل تحديات اقتصادية وإنتاجية كبيرة، لافتاً إلى أن «التركيز سيكون على الملفات ذات القيمة الفكرية والثقافية والتاريخية، إلى جانب تضمين الدراما الاجتماعية منظومة القيم والمبادئ الوطنية».

ورحّب نقاد فنيون مصريون بهذه العودة، من بينهم حنان شومان، التي أوضحت أن الحكم على المضمون سيكون بعد مشاهدته فعلياً.

أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام (حساب الهيئة على فيسبوك)

وأضافت حنان شومان لـ«الشرق الأوسط» موضحة أن «فكرة العودة إلى الإنتاج لا تتمحور حول الإعلان بقدر ما ترتبط بمستوى العمل وكيفية تقديمه»، لافتة إلى أن «الإنتاج السخي هو العامل الأول والأساس في خروج أي عمل بشكل جاذب للجمهور، على عكس الميزانيات الضعيفة».

ونوّهت حنان إلى أن امتلاك «قطاع الإنتاج» سابقاً، خلال مسيرته الحافلة بالروائع الفنية، لأدوات قوة، أبرزها الميزانيات الضخمة، والقدرة على استقطاب النجوم والكتّاب والمخرجين وسائر صُنّاع العمل، إضافة إلى العرض على التلفزيون الرسمي؛ يجعل المنافسة في ظل المتغيرات الجديدة أمراً صعباً، خصوصاً مع تنوع جهات الإنتاج، واختيار الفنان للجهة التي تحقق له طموحه الفني والمادي.

وعن جاذبية الأعمال التاريخية ومدى إقبال الجمهور عليها راهناً، أكدت شومان أن «محتوى العمل ومعالجته الدرامية، لا اسم الشخصية، هما الفيصل؛ سواء كانت الشخصية تاريخية أم لا، لأن جودة المضمون هي التي تحدد حجم الإقبال الجماهيري، ومدى تحقيق أهداف الصناعة، واستمرار حركة الإنتاج الفني».

وعاش الإمام السيوطي في القرن الـ15، قبل نحو 500 عام، حيث وُلد في القاهرة لعائلة من أسيوط، وله مئات المؤلفات والرسائل ذات المكانة الرفيعة في العلوم الإسلامية. وقد حفظ «القرآن الكريم» في سن مبكرة، ومن ثَمّ اتجه إلى حفظ المتون وطلب مختلف العلوم، منها الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، واللغة، مما جعله موسوعة في العلوم الشرعية والعربية.

وحسب بيان «الوطنية للإعلام»، فإن مسلسل «دعاة الحق»، الذي عُرض قبل أكثر من 20 عاماً، تناول عدداً من الشخصيات الإسلامية، من بينها شخصية «السيوطي» عبر حلقتين فقط، ولم يُنتج مسلسل مستقل عنه.

«ماسبيرو» يُقرر إنتاج مسلسل عن الإمام المصري جلال الدين السيوطي (الهيئة الوطنية للإعلام)

ولفتت الهيئة إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أشاد، في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، بسيرة الإمام السيوطي العلمية التي جعلت أعماله باقية وحاضرة بعد 500 عام، مؤكداً «أهمية الاقتداء به بوصفه نموذجاً يُحتذى».

وقبل المسلسل الرمضاني الذي سيتناول سيرة الإمام السيوطي، أعلن «ماسبيرو»، قبل أشهر عدَّة، عودته إلى الإنتاج الدرامي بعد توقف دام أكثر من 10 سنوات، عبر مسلسل «حق ضايع» المكوّن من 15 حلقة، بإنتاج مشترك مع شركة «إكسيليفون فيلم» للمنتج عوض ماهر، وبطولة أحمد صلاح حسني، ونسرين أمين، ولوسي، ونضال الشافعي، ورنا سماحة، ومن تأليف حسين مصطفى محرم، وإخراج محمد عبد الخالق. لكن التصوير توقف، وتقرر تأجيل عرض المسلسل في موسم رمضان الماضي.

وقدّمت الدراما المصرية خلال السنوات الماضية عدداً محدوداً جداً من المسلسلات التاريخية، من بينها «الحشاشين» لكريم عبد العزيز، الذي حقق نسب مشاهدة كبيرة وأثار جدلاً واسعاً وقت عرضه، وكذلك «رسالة الإمام» عن حياة الإمام محمد الشافعي، وهو من بطولة الفنان خالد النبوي.


«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثّلاً السعودية في مسابقة الأفلام العربية ضمن الدورة الـ12 من مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، التي تنطلق في 27 أبريل (نيسان) الحالي. وكان الفيلم قد شهد عرضه الافتتاحي في «مهرجان البحر الأحمر» خلال دورته الخامسة العام الماضي، ويُعد عرضه في الإسكندرية أول عرض له في القارة الأفريقية.

صُوِّر الفيلم في مدينة الرياض، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول الشاب سعيد، الذي يبدأ يومه المليء بالفوضى؛ إذ يستيقظ متأخراً ويتغيب عن اجتماعاته، ثم يتناول إفطاره ويغادر متجهاً إلى عمله. وبعد أن يذكّره نادلٌ متجهم بالصلاة، يعود ليجد حذاءه قد سُرق، ليبدأ رحلة بحث عنه تتخللها مطاردات مضحكة وغير متوقعة. الفيلم من بطولة الممثل السعودي عبد الحميد العمير، ومن تأليف وإخراج محمد الزوعري، الذي بدأ مسيرته في مجال الإعلانات، ثم اتجه إلى الدراما حيث كتب وأخرج مسلسل «كروموسوم». ويُعد «يوم سعيد» أول أفلامه الروائية القصيرة.

وتشهد مسابقة الأفلام العربية في المهرجان مشاركة 7 أفلام أخرى إلى جانب الفيلم السعودي، من بينها الفيلم التونسي «المسمار» للمخرج رائد بوسريح، والقطري «ارحل لتبقى الذكرى» للمخرج علي الهاجري، والمصري «ديك البلد» للمخرجة ناتالي ممدوح، والأردني «ثورة غضب» للمخرجة عائشة شحالتوغ، والفلسطيني «سينما حبي» لإبراهيم حنضل ووسام الجعفري، إلى جانب الفيلم المصري - الإماراتي «أغداً ألقاك» للمخرج مؤمن ياسر، والفيلم اللبناني «كبّ القهوة خير» للمخرج إليو طرابيه.

ملصق فيلم «يوم سعيد» (إدارة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

في حين تشهد مسابقة الفيلم الروائي مشاركة 15 فيلماً، من بينها فيلم «قبل الظهر»، وهو إنتاج مشترك بين مصر والسعودية للمخرج مروان الشافعي، ويُعرض عالمياً للمرة الأولى، إلى جانب أفلام من الجزائر، وليبيا، وفرنسا، والبرازيل، وإسبانيا، وبلجيكا، وبولندا، والمكسيك. كما تتضمن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي» مشاركة 17 فيلماً من دول عدَّة، من بينها الولايات المتحدة، ومصر، والصين، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وبولندا، وإسبانيا، والجزائر، فيما تضم مسابقة أفلام الطلبة 8 أعمال.

واستحدث المهرجان في هذه الدورة مسابقة تحمل اسم المخرج خيري بشارة، يتنافس على جوائزها 20 فيلماً مصرياً. وأكد محمد محمود، رئيس مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الجائزة تأتي احتفاءً بمسيرة المخرج الكبير خيري بشارة، كما تُعد تكريماً لصنّاع الأفلام، حيث سيحصل الفائزون على جائزة تحمل اسمه، وسيُسلِّمها بنفسه في حفل الختام.

وعن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، التي يقيمها المهرجان للعام الثاني على التوالي، قال محمود إن «الإقبال عليها كان لافتاً في الدورة الماضية، وشهدت مناقشات ثرية. وهذا العام تلقينا أفلاماً من عدد أكبر من المخرجين، ما يؤكد أن ثمة شيئاً يتغيَّر، وربما لا يتقبله البعض، لكنه أصبح واقعاً بالفعل؛ فالذكاء الاصطناعي مقبل بقوة إلى عالم السينما».

ترام الإسكندرية يتصدر ملصق مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» (إدارة المهرجان)

ولفت محمود إلى اهتمام المهرجان بالسينما العربية عبر تخصيص مسابقة لها، موضحاً أنه بدأ عربياً ونجح في تكوين قاعدة واسعة من صنّاع الأفلام العرب، قبل أن يتحول في دورته الـ8 إلى مهرجان دولي.

وأشار إلى أن المهرجان حصل منذ دورته الـ11 على حق ترشيح الفيلم الفائز بجائزة «هيباتيا الذهبية» لمنافسات الأوسكار، مؤكداً أن ذلك يُعد اعترافاً عالمياً بمكانته بوصفه أحد أهم مهرجانات الأفلام القصيرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن شراكته مع مهرجان «كليرمون فيران» في فرنسا، وهو الأكبر عالمياً في مجال الأفلام القصيرة.

واختتم بأن هذه الدورة تشهد حضور عدد من الضيوف يفوق التوقعات، رغم الظروف الراهنة والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يشارك ضيوف من خارج مصر، إضافة إلى مخرجين شباب حضروا على نفقتهم الخاصة، ما يعكس حالة الأمان في مصر وأهمية المهرجان وقيمته.

واستُلهم ملصق الدورة الـ12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير من «ترام الإسكندرية»، أحد أبرز رموز المدينة، الذي رغم غيابه عن المشهد حالياً، سيظل جزءاً من ذاكرتها وشاهداً على تاريخها.