على مائدة دونالد ترمب... هامبرغر وبيتزا ودجاج مقليّ وكولا

لقّبوه برئيس الـ«فاست فود» وهو غير مستعدّ للتنازل عن حميته غير الصحيّة

ترمب يتناول البيتزا خلال إحدى جولاته الانتخابية في ولاية فلوريدا العام الماضي (أ.ب)
ترمب يتناول البيتزا خلال إحدى جولاته الانتخابية في ولاية فلوريدا العام الماضي (أ.ب)
TT

على مائدة دونالد ترمب... هامبرغر وبيتزا ودجاج مقليّ وكولا

ترمب يتناول البيتزا خلال إحدى جولاته الانتخابية في ولاية فلوريدا العام الماضي (أ.ب)
ترمب يتناول البيتزا خلال إحدى جولاته الانتخابية في ولاية فلوريدا العام الماضي (أ.ب)

لم يستطع دونالد ترمب مقاومة النعاس خلال جلسات محاكمته الماليّة الطويلة، والمتواصلة منذ أيام في محكمة الجنايات في مانهاتن. وقد نقلت مراسلة صحيفة «نيويورك تايمز» المتواجدة داخل القاعة، أنّ الرئيس الأميركي السابق والبالغ 77 عاماً، استسلم لغفوةٍ سريعة ومالَ رأسُه لا إرادياً نحو صدره، كما بدا فمُه متراخياً.

هكذا بدا ترمب خلال جلسة محاكمته في نيويورك قبل أيام (أ.ف.ب)

هذا المشهد الذي وثّقته بعض الصور، مُظهرةً عينَي ترمب الناعستَين والحمراوَين، نفاه مسؤولو حملته الانتخابية، واصفين الأخبار بالكاذبة. في المقابل، فسّر عددٌ من خبراء النوم ما جرى على أنه ناتجٌ عن حرمان ترمب من مشروبه المفضّل خلال الجلسات الطويلة. والمقصود هنا الـ«دايت كوك» (Diet Coke) التي يتناول ترمب 12 عبوة منها يومياً، وفق تقارير صحافيّة، وتأكيداتِ أشخاصٍ مقرّبين منه.

هوَس ترمب بهذا المشروب الغازيّ دفع به إلى تركيب زرٍّ أحمر صغير على طاولة مكتبه في البيت الأبيض خلال ولايته الرئاسيّة، وكان كلّما ضغط على ذاك الزرّ يأتيه النادل بكوبٍ من الكولا. في المقابل، نادراً ما يشرب ترمب الكحول، وهو يمتنع عن القهوة، والشاي، مستعيضاً عنها بـ552 مليغراماً من مادّة الكافيين، والتي تحتويها الـ12 عبوة من الدايت كوك.

يتناول ترمب يومياً 12 عبوة Diet Coke (أ.ف.ب)

«برغر» و«بروستد» في الجوّ

لا يتوقّف ولعُ ترمب بالأطعمة غير الصحيّة عند حدود المشروبات الغازيّة. فوفق ما يكتب المدير السابق لحملته الانتخابية كوري ليفاندوفسكي، تتكوّن حميته من 4 مجموعات غذائيّة هي: وجبات «ماك دونالدز» للهامبرغر، ووجبات «KFC» للدجاج المقلي، والبيتزا، إضافةً إلى الدايت كوك. أما الطبق المفضّل بالنسبة إليه، فهو شريحة اللحم «الستيك» مع الكاتشب، شرط أن تكون مشويّة بالكامل إلى درجة أنها «تصطدم بالصحن ثم تقفز منه» لفرط جفافها، وقسوتها، على حدّ وصف أحد الطهاة السابقين في البيت الأبيض.

لا يخجل ترمب، الملقّب بـ«رئيس الفاست فود»، بنظامه الغذائيّ القائم على الوجبات السريعة والدهنيّة، بل يجاهر به كلّما سنحت الفرصة. خلال حملته الانتخابيّة عام 2016، شارك صوراً على وسائل التواصل الاجتماعي وهو يتناول البطاطا المقليّة، والهامبرغر، والدجاج في طائرته الخاصة. وعندما يُسأل عن أسباب هذا الولَع، يقول إن تلك المأكولات سريعة التحضير، وسلاسل المطاعم التي تقدّمها معروفة بمعايير النظافة العالية التي تعتمدها، وهو حريصٌ على عدم التعرّض للتسمّم.

ترمب يأكل وجبات ماك دونالدز وKFC في طائرته الخاصة (إنستغرام وإكس)

وفق مدير حملته السابق، فإنّ ترمب قادر على الامتناع عن الطعام لأكثر من 14 ساعة، لكن عندما يأكل فغالباً ما تكون الوليمة عبارة عن وجبة «ماك دونالدز» مكوّنة من قطعتَي برغر باللحم، وقطعتَين بالسمك، إلى جانب شراب الشوكولاته، والحليب. أما إذا صودف أن تناول طعام الفطور، فهو يختار البيض مع اللحم المقدّد.

رغيف اللحم وخزائن السكاكر

من بين الأطعمة المفضّلة لديه، رغيف اللحم (meatloaf) وهو طبق أميركيّ تقليديّ كانت تعدّه له أمّه، وهو ما زال يحتفظ بالوصفة المكتوبة بخطّ يدها.

رغيف اللحم أو الـmeatloaf من الأطباق المفضّلة لدى دونالد ترمب (إنستغرام)

تنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن مصادر مقرّبة من الرئيس الأميركي السابق أنّ الخزائن على متن طائرته الخاصة مليئة بالبسكويت، ورقائق البطاطا «التشيبس»، وشتّى أنواع السكاكر. حمية ترمب تشبه شخصيّته، وهي تتلاقى كذلك وحمية أي طفلٍ لا يستطيع أحدٌ ضبطَ عاداته الغذائيّة السيّئة.

في زمنٍ تزايدَ فيه الوعي بالأكل الصحّي، ما زال ترمب عالقاً في حقبة الهامبرغر، والبيتزا. انعكس هذا الأمر سلباً على صحّته، وفصلَه نصفُ كيلوغرام فقط عن دخول مرحلة البدانة. حصل ذلك عام 2018، وقد نقلت شبكة «بلومبرغ» حينها أنّ ترمب اضطرّ إلى الخضوع لحميةٍ قاسية قائمة على السَلطات، والحساء بدل الوجبات السريعة.

يستهلك ترمب الكثير من السكاكر والبسكويت ورقائق التشيبس (رويترز)

ساعدَه في الحمية طبيبه السابق د. روني جاكسون، الذي كشف لـ«نيويورك تايمز» بعض التقنيات التي اعتمدها، كأن يدسّ له القرنبيط في البطاطا المهروسة، أو أن يُخفيَ عنه مثلّجات الفانيليا بالكرز التي يحبّ. غير أنّ كل الحيَل التي لجأ إليها الطبيب لم تنجح، فهو اعترف لاحقاً بفشله في إنقاص وزن الرئيس.

استراتيجيّة غذائية سياسية

يبدو ترمب متعايشاً مع واقعه الغذائيّ، وغير راغبٍ في تبديله، فهو مازحَ ساخراً الجمهور المحتشد في أحد تجمّعاته الانتخابية قبل أسابيع قائلاً، إنه كان ليعيش 200 عام لو لم يتناول هذا القدر الكبير من الوجبات السريعة.

ترمب ووجبة التاكو باللحم المكسيكيّة (إكس)

يقرأ المحلّلون السياسيون في هذه الصورة التي يسوّق لها ترمب ما هو أبعد من مجرّد مشاركة الأميركيين ما يضع على مائدته. في الأمر استراتيجيّةٌ تحاول أن تعكس قُرباً من الطبقات المتوسّطة، ومن العمّال، هو القائل: «لم يكن والدي يرتدي بذلة السهرة، ويأكل الكافيار، كان يفضّل البرغر، والبيتزا».

لم يقترب صاحب المليارات من المطابخ الفاخرة. صحيح أنه كان جالساً في طائرته الثمينة، ويأكل الدجاج المقليّ مستعيناً بالشوكة والسكّين، إلّا أنه في نهاية الأمر كان يأكل طعام الشارع. وهو يدافع بشراسة عن هذا الطعام قائلاً: «لا شيء أقرب إلى الهويّة الأميركيّة وإلى الناس الأميركيين أكثر من الفاست فود (الوجبات السريعة)».

ترمب متناولاً الطعام في أحد المطاعم الشعبية في ولاية نورث كارولينا (أ.ب)

ولائم الهامبرغر

علاقة ترمب الخاصة جداً بالهامبرغر دفعت به إلى التشجيع على استبدال مآدب العشاء الرسميّة، بوَضعه على طاولات الاجتماعات والمؤتمرات من أجل إنجاز صفقات أفضل مع الصين، وغيرها من الدول، وفق تعبيره.

أما عندما دعا عام 2019 المنتخب الجامعيّ الوطني في رياضة الرغبي لتكريمهم في البيت الأبيض، فكان الهامبرغر نجم المائدة. وفي خطابه حينذاك بدا ترمب وكأنّه بائع متجوّل: «طعام أميركي رائع! لدينا البيتزا، لدينا 300 قطعة من الهامبرغر، والكثير الكثير من البطاطا المقليّة. كلّ أطباقنا المفضّلة هنا».

مأدبة الهامبرغر على مائدة البيت الأبيض عام 2019 (إ.ب.إ)

ليس ترمب الرئيس الأميركي الوحيد المهووس بالهامبرغر، فنظيرُه الـ36 ليندون جونسون كان يتناوله يومياً كوجبة غداء. أما الرئيس جورج بوش الابن فعُرف باختراعه البيتزا على هيئة هامبرغر بالجبن، والتي كان يطلبها تكراراً من مطبخ البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تسعى لإصدار ورقة 250 دولاراً تحمل صورته

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 27 مايو 2026 ( رويترز)

إدارة ترمب تسعى لإصدار ورقة 250 دولاراً تحمل صورته

تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طباعة ورقة نقدية من فئة 250 دولاراً تحمل صورته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

الحكومة والجيش الإسرائيليان يتعرضان لانتقادات، ونتنياهو يخشى أن يتسبب ذلك في هزيمته الانتخابية، والجنرالات يخشون من فقدان الهيبة.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لإي. جين كارول وهي تغادر المحكمة الفيدرالية في نيويورك بعد مثول الرئيس السابق دونالد ترمب أمامها عام 2024 في نيويورك (أ.ب)

فتح تحقيق جنائي مع كاتبة ربحت دعوى ضد ترمب

فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً جنائياً ضد الكاتبة إي. جين كارول، التي اتهمت الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه اعتدى عليها خلال التسعينات من القرن الماضي.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كوبيون ينقلون خزان مياه في هافانا يوم 27 مايو (أ.ب)

إدارة ترمب تتوقع انهيار النظام في كوبا بحلول الصيف

تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتعامل فوراً مع احتمال انهيار النظام الشيوعي في كوبا مبكراً، هذا الصيف، وسط انتقاد صيني لسياسة «التنمر» الأميركية.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع إبستين (رويترز) p-circle

ترمب يعود لملاحقة «وول ستريت جورنال» قضائياً بسبب رسالة لإبستين

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معركته القانونية ضد صحيفة «وول ستريت جورنال»، إذ رفع دعوى تشهير معدَّلة ضد ناشري الصحيفة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
TT

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)
اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في محاضرةٍ مثيرةٍ للجدل ألقاها عام 1885 بلندن... «نادراً ما تكون الطبيعة على صواب، لدرجةٍ تجعلنا نكاد نقول إنّها غالباً ما تكون على خطأ»... في متحف «تيت - بريطانيا» بتلك المدينة، حيث يُقام أكبر معرضٍ استعاديٍّ أوروبيٍّ لأعمال الفنان حتى 27 سبتمبر (أيلول)، تتردد هذه الكلمات - حرفياً - في أروقة المتحف المتعرجة التي تأخذ الزائر في رحلةٍ عبر 3 عقودٍ من إبداع هذا الرسام الرائد. هذه الكلمات مقتبسةٌ من خطابه الشهير «السيد ويسلر في العاشرة»، وقد جُسّد هنا بالكامل من قِبل ممثلٍ - مرتدياً بدلة الفنان الداكنة المميزة، مع شعره الجميل وشاربيه الأنيقين - على شاشةٍ كبيرة.

«سمفونية بالأبيض 2» لجيمس ويسلر (متحف تيت - بريطانيا)

ولد ويسلر في لويل، بولاية ماساتشوستس، عام 1834، ونشأ بسانت بطرسبرغ في روسيا، ثم في لندن، بفضل عمل والده مهندس سكك حديدية (الذي تضمن تعيينه من قبل نيكولاس الأول للعمل بأحد أوائل خطوط السكك الحديدية في روسيا). غرس هذا الترحال المبكر في نفسه شعوراً بعدم الاستقرار لازمه طيلة حياته، حيث سافر على نطاق واسع وعاش في 4 قارات. (قال في سنواته الأخيرة: «سأولد متى وأينما أشاء، ولا أختار أن أولد في لويل»، مُصرّاً على أنه صانع مصيره). منذ صغره، كان ويسلر أشبه بطفل مشاغب، له أفكاره الخاصة بشأن كيفية التعامل مع القيود المحافظة للحياة في القرن الـ19؛ أو بالأحرى تجنبها. كان طفلاً متمرداً وسريع الغضب، لكن والديه وجدا في الرسم ملاذاً له. في روسيا، التحق بصفوف الفنون وملأ دفاتر الرسم برسومات دقيقة بالقلم الرصاص تُظهر اهتماماً فطرياً بالحياة اليومية بدلاً من الدراسة الكلاسيكية. في سن المراهقة، أُرسل إلى «الأكاديمية العسكرية الأميركية» في ويست بوينت. طُرد منها لسوء أدائه وقلة أدبه، لكن موهبته الوحيدة ظلت الرسم. تُصوّر مجموعة من الرسومات في معرض «تيت - بريطانيا» زملاءه من الطلاب العسكريين وأحداثاً محلية بخطوط بسيطة وحيوية.

في سن الـ21، وبعد أن ورث ثروة متواضعة، وصل ويسلر إلى باريس لمواصلة دراسته.

تضم إحدى قاعات المعرض، بعنوان «مشاهد من بوهيميا»، مجموعة مذهلة من الرسومات والنقوش لشوارع المدينة؛ الأقل ثراءً، وداخلها، بالإضافة إلى أصدقائه، ومعظمهم من النساء العاملات، في أوضاع مختلفة.

كثيراً ما انتقد النقاد والفنانون ويسلر لطبيعة لوحاته «غير المكتملة»، حيث كان يُنظر إلى انسيابية أسطحها - التي تُعدّ نتاجاً لعمليات تقنية دقيقة، بما في ذلك وضع طبقات محددة من الدهانات المخففة، أو العمل الدقيق على ظهر القماش لإضفاء ملمس مميز - بوصفها دليلاً على الكسل. أما الآن، فتبدو نعومتها وأسلوبها الانطباعي المبكر في غاية الحداثة، وكذلك استخدامه الخط والتكوين؛ فالصورة ليست مجرد تمثيل للموضوع، بل هي عمل فني متناغم يجمع بين التصميم واللون والحجم، حيث تُرتَّب عناصره بدقة متناهية.

اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

كان للفن الياباني في الطباعة، باستخدامه المميز الخطوط الأفقية والمنظور، تأثير كبير، وقد عُرض كثير من أعماله ضمن المعروضات. ومن بين كثير من اللوحات الشخصية المعروضة، تَبرز اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم1)»، (صورة والدة الفنان)، التي تُظهر آنا ويسلر داخل مرسم ابنها في لندن. تجلس في وضع جانبي، ثابتةً بثوبها الأسود وقبعتها البيضاء، وهما لونان ينعكسان في الستارة المعلقة على يسار اللوحة، وفي بياض وسواد اللوحات المنسدلة على الجدار الرمادي الداكن خلفها؛ مما يوحي بترتيب هندسي بقدر ما يوحي بديكور داخلي منزلي. كثيراً ما استخدم الفنان تصنيفاً موسيقياً مميزاً بدلاً من العناوين الوصفية، وتتوالى «الترتيبات» و«السمفونيات» و«التنويعات» و«التناغمات». على سبيل المثال، لوحة «تنويعات في البنفسجي والأخضر» تصور 3 نساء يرتدين ألواناً بنفسجية فاتحة ويجلسن على ضفة نهر. أما لوحة «سمفونية في الأبيض (رقم3)» فتُظهر امرأتين ترتديان فساتين بيضاء أمام أريكة بيضاء، مع أزهار بيضاء تتدفق إلى المشهد من خارج إطار اللوحة.

تضم غرفةٌ مخصصةٌ للوحات «الليلية» 7 لوحاتٍ، رُسمت بين عامي 1872 و1880، تتميز بألوانها الداكنة الناعمة، ونقائها وبريقها؛ مما يُضفي على المرء شعوراً بالهدوء البصري. تُعدّ هذه اللوحات من أشهر أعمال ويسلر، وقد وُضعت في تاريخ الفن ضمن سلسلةٍ من الفنانين، مثل تيرنر قبله وكلود مونيه بعده، الذين انشغلوا بطبيعة الضوء والرؤية العابرة، بل وبالحياة نفسها. كما كانت هذه اللوحات سبباً في إلقاء ويسلر محاضرته اللاذعة «العاشرة»، وفي تدهور وضعه المالي. ففي عام 1877، رفع الفنان دعوى قضائية ضد جون راسكن بتهمة التشهير، بعد أن وصف الناقد لوحته «ليلية بالأسود والذهبي: الصاروخ الساقط» بأنها «غرورٌ جاهل» أشبه بـ«رشّ دلوٍ من الطلاء في وجه الجمهور». انتصر الفنان، لكن القضية كانت طويلة ومكلفة، وأضرّت نزعة ويسلر العدائية بسمعته بين أقرانه، فتركته منعزلاً دون مأوى. طيلة حياته، جال في أنحاء أوروبا وأنتج مئات النقوش الصغيرة ولوحات المناظر الطبيعية.

لوحة «ليلية... ذهبي وبني» (متحف تيت - بريطانيا)

تُظهر لوحة كبيرة من أواخر حياته، بعنوان: «ذهبي وبني: صورة ذاتية»، أنجزها قبل وفاته بعامين، التزام ويسلر الراسخ بمقولته: «الكمال سببٌ للزوال». يطلّ من بين هالة من درجات الذهبي والبني الناعمة، وعلى وجهه ابتسامة مرحة، ويده ممدودة كموجة خفيفة؛ أو تذكير خفي بأن الفنان، لا الناقد، هو من يملك الكلمة الأخيرة في النهاية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الأطعمة تهيمن على أنماط الاحتفال بالأعياد في مصر

الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
TT

الأطعمة تهيمن على أنماط الاحتفال بالأعياد في مصر

الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)
الموائد ارتبطت بالمناسبات والأعياد (يوتيوب)

اعتاد هيثم محمود (48 سنة) أن يقيم وليمة لعائلته خلال عيد الأضحى المبارك، ويعتبر هذه الوليمة أو «العزومة» فرصة ليجتمع مع عائلته على مائدة واحدة لمرات قليلة في السنة، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

وأضاف هيثم، وهو صاحب محل ملابس بمحافظة البحيرة (شمال مصر): «هذه العادة كان يحرص عليها أبي قبل رحيله وتعلمتها منه وحافظت عليها بقدر الإمكان، ففي عيد الفطر نجتمع حول أكلة سمك مع الكعك والبسكويت، وفي عيد الأضحى أحرص على إقامة عزومة لإخوتي وأبنائهم تضم أنواعاً من اللحوم، وفي أحيان كثيرة نلتقي أيضاً في عيد شم النسيم لأكل الفسيخ والرنجة».

يتصدر الطعام قائمة مظاهر الاحتفال بالأعياد في مصر، سواء كان أكلات معينة ارتبطت بالأعياد أو بالولائم التي تزدهر في تلك المناسبات، للدرجة التي جعلت حضور الطعام كتسمية للأعياد أقرب للعرف الشعبي بين فئات اجتماعية واسعة، تطلق على أعياد الفطر والأضحى، وحتى عيد شم النسيم التاريخي، تعريفات مثل: «عيد الكعك» و«عيد اللحمة» و«عيد الفسيخ والرنجة».

الأعياد ارتبطت بالولائم والطعام لدى بعض المصريين (فيسبوك)

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر صالح أن «ثقافة الطعام وعاداته لدى المصريين لا تكمنان في الطعام نفسه، وإنما في اعتبار الولائم والمناسبات والأعياد فرصة للتجمع واللقاء بين أفراد العائلة الواحدة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «العادات الاجتماعية الخاصة بالطعام تمنح الأعياد سمتها وتضيف إليها البهجة بالتجمع حول مائدة واحدة سواء كانت وليمة العيد المرتبطة بعيد الأضحى، أو حتى صينية من الكعك والبسكويت وخلافه من الحلويات التي ارتبطت بعيد الفطر، أو التجمع حول أكلة سمك بمناسبة أعياد الربيع وشم النسيم».

وتحتل ثقافة الطعام مساحة كبيرة في تاريخ وحضارة المصريين، وتنعكس بشكل واقعي ومعاصر على حياتهم، وقد أطلق المتحف القومي للحضارة المصرية مبادرة في هذا الصدد بعنوان «طبلية مصر»، رصدت دور الغذاء والطعام وحضوره الاحتفالي في التاريخ المصري، وهي المبادرة نفسها التي كان لها الفضل في تسجيل «الكشري» بوصفه أكلة مصرية أصيلة ومميزة على قائمة التراث الحضاري العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

وتستعيد مسؤولة مبادرة «طبلية مصر» بالمتحف القومي للحضارة المصرية، الدكتورة هند طه، الأبعاد التاريخية للولائم و«العزومات» والأكلات المرتبطة بالأعياد في المجتمع المصري، قائلة إن «المصريين القدماء أول شعوب العالم في استخدام الطعام للاحتفال بالأعياد والمناسبات، حيث كان لكل عيد أو مناسبة طعام خاص بها؛ إذ إنهم استخدموا ذبح الأضاحي سواء تقديمها كقربان للمعبودات أو تناولها في أثناء تلك الأعياد حيث عرفوا ذبح العجول وتقسيمها إلى قطعيات»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه العادات التاريخية أخذت طابعاً اجتماعياً على مر العصور، ولكنها ما زالت راسخة في المجتمع المصري».

وتابعت هند: «كما كان لوجود نهر النيل دور كبير في تنوع الثروة السمكية مما ساعد المصريين في تعدد طرق طهي الأسماك خصوصاً التجفيف والتمليح كنوع من الحفظ، من ثم كانت ضيفاً ثابتاً على موائد المصريين في مناسبات عدة».

وأشارت إلى أن «المصريين أول من عرف صناعة الكعك، حيث إن كلمة كعك هي كلمة هيروغليفية، وهي أصل كلمة cake باللغات الأجنبية، واحتفلوا في الأعياد بالكعك المنقوش المحشو بالعسل والفواكه المجففة مثل الزبيب والتمر».

جانب من فعاليات «طبلية مصر» بمتحف الحضارة (وزارة السياحة والآثار)

مصطفى عبد الفتاح (58 سنة)، موظف بشركة للأدوات الكهربائية، أكد أنه اعتاد سنوياً على ذبح أضحية بالاشتراك مع إخوته الثلاثة، ويتم تقسيمها بينهم، وكل عام تقام وليمة في بيت أحدهم بمناسبة عيد الأضحى.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بعض الأحيان قد لا نتمكن من تجميع أنفسنا على مائدة واحدة، ولكن على الأقل نجمع أكبر عدد من العائلة على مائدة العيد، وهي عادة نحرص عليها في عيد الأضحى، وكذلك في مناسبات أخرى مثل (شم النسيم)، لكن عيد الأضحى هو الموعد الثابت الذي نجتمع فيه حول مائدة واحدة».

ووفق إحصائيات رسمية، يستهلك المصريون آلافاً من أطنان اللحوم خلال عيد الأضحى المبارك، وكشفت وزارة الزراعة المصرية عن قيام مجازرها بذبح 10.172 أضحية مجاناً للمواطنين، ضمن خطتها لتقديم خدمات الإشراف البيطري والكشف والفحص على أضاحي المواطنين، والتأكد من سلامة اللحوم بعد الذبح، تيسيراً على المواطنين، وحفاظاً على البيئة والصحة العامة.

وخلال اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك، تم ذبح 5.588 رأساً من الأبقار، و2.641 رأساً من الأغنام، فضلاً عن 1.551 رأساً من الجاموس، و254 رأساً من الماعز، بالإضافة إلى 138 رأساً من الجمال، وذلك بالمجازر الحكومية المعتمدة.


مصر: اكتشاف صهاريج ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب الأثري بحلايب

مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف صهاريج ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب الأثري بحلايب

مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من اللقى الأثرية وشظايا من الخزف الصيني (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الخميس، الكشف عن خزانات وصهاريج مياه ضخمة ومبانٍ ومنشآت خدمية نادرة بميناء عيذاب الأثري على ساحل البحر الأحمر بمنطقة حلايب (جنوب مصر على الحدود مع السودان)، الذي كان محطة رئيسية للحجيج.

وجاء الكشف خلال أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، بموقع ميناء عيذاب الأثري، الذي كان «أحد أبرز وأهم الموانئ المصرية خلال العصور الإسلامية»، بحسب بيان وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، أن «الكشف يبرز جانباً مهماً من المنشآت الخدمية التي اعتمد عليها ميناء عيذاب التاريخي، حيث مثّلت صهاريج المياه عنصراً أساسياً في دعم النشاط الملاحي والتجاري، فضلاً عن توفير احتياجات الحجاج الوافدين إلى الميناء في طريقهم إلى الأراضي المقدسة»، وفق البيان.

المكان يضم مباني أثرية خدمية للحجيج (وزارة السياحة والآثار)

وأسفرت أعمال الحفائر عن كشف صهريج رئيسي ضخم يبلغ طوله نحو 15.10 متر، وعرضه 3.15 متر، وارتفاعه قرابة 3 أمتار، شُيّد باستخدام الحجر الرملي والأحجار المرجانية المحلية، ثم غُطي بطبقة من الملاط الجيري الأبيض لعزل المياه، ومنع تسربها، بالإضافة إلى الكشف عن عدد من الصهاريج الأخرى بالجهة الجنوبية من الموقع.

وأشار رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية الدكتور ضياء زهران، إلى أن «أعمال المسح الأثري بالمنطقة المحيطة كشفت أيضاً عن بقايا أساسات مبانٍ سكنية، وأبراج مراقبة، ومنشآت خدمية، بما يشير إلى وجود منظومة متكاملة لإدارة الميناء، وتلبية احتياجات الحجاج والتجار الذين توافدوا عليه عبر قرون طويلة».

اكتشاف صهاريج مياه ومبانٍ نادرة بميناء عيذاب بحلايب (وزارة السياحة والآثار)

وعثرت البعثة على مجموعة من اللقى الأثرية، من بينها كسر فخارية تعود إلى العصر الفاطمي، بعضها مطلي باللون الأخضر، إلى جانب شظايا من الخزف الصيني المستورد، وهو ما يعكس ازدهار النشاط التجاري بالميناء، واتساع شبكة علاقاته البحرية مع العديد من المناطق، خصوصاً الهند واليمن وشرق أفريقيا.

وعد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي الكشف بمثابة «مساهمة في إبراز التطور الذي شهدته الموانئ المصرية القديمة، وما تمتعت به من بنية تحتية متقدمة لخدمة حركة التجارة والحجاج»، وقال، في بيان صحافي، إن «الكشف يؤكد المكانة الاستراتيجية لمصر بوصفها مركزاً حضارياً وتجارياً رئيسياً عبر العصور».

وشدد فتحي على «اهتمام الوزارة بأعمال الحفائر والدراسات الأثرية بالمناطق الحدودية والنائية، لما تمثله من أهمية تاريخية وثقافية كبيرة».

بعض القطع المكتشفة في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

بدوره، عد المؤرخ الدكتور بسام الشماع هذا الاكتشاف «واحداً من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن الحادي والعشرين»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الاكتشافات الأثرية ليست بحجمها، بل بمدى ما تقدمه من فهم للتاريخ في الأوقات المختلفة».

وأوضح أن «الكشف يثبت وجود علاقات اجتماعية وتجارية بين آسيا ومصر امتدت إلى الصين وغيرها من الحضارات»، كما أنه «يتضمن أبعاداً إنسانية وأمنية بما عثر عليه من مبانٍ خدمية وصهاريج مياه كانت مخصصة لخدمة الحجيج في تلك الفترة وأبراج مراقبة لتأمين الحدود».

واقترح الشماع «تنظيم رحلات سياحية إلى موانئ مصر القديمة، واستغلال الاكتشافات الأثرية في عدد من الموانئ التاريخية على شاطئي البحر الأحمر والمتوسط».

يُذكر أن ميناء عيذاب كان من أبرز موانئ البحر الأحمر خلال العصور الوسطى، حيث مثّل محطة رئيسية للحجاج القادمين من مصر وبلاد المغرب في طريقهم إلى الأراضي المقدسة، فضلاً عن دوره المحوري في حركة التجارة البحرية.