على آخر خُطى ميخائيل نعيمة... «حارسة الذاكرة» تكشف خبايا السنوات الأخيرة

سهى نعيمة لـ«الشرق الأوسط»: حوّلت البيت إلى متحف لالتصقَ بروح ميخائيل ومَي

TT

على آخر خُطى ميخائيل نعيمة... «حارسة الذاكرة» تكشف خبايا السنوات الأخيرة

على هذه الكنبة كان يجلس نعيمة وقد حوّلت سهى كل زاوية إلى ذكرى (الشرق الأوسط)
على هذه الكنبة كان يجلس نعيمة وقد حوّلت سهى كل زاوية إلى ذكرى (الشرق الأوسط)

ليست حكاية عاديّة تلك التي ترويها سهى نعَيمة، التي أمضت إلى جانب الأديب والمفكّر اللبناني ميخائيل نعيمة السنوات الـ20 الأخيرة من حياته. وهي في الأصل سهى حدّاد، لكنّ القلب اختار اسم «جدّو ميشا»، الذي ربّى الفتاة في غياب الأب بعد طلاق الوالدَين عندما كانت بعدُ في أحشاء والدتها.

«باستثناء الأبوّة البيولوجيّة، كان ميخائيل نعيمة أبي بكلّ معاني الكلمة. رغم سنّه المتقدّمة يوم وُلدت –80 عاماً– فهو ربّاني بتَعبِه وأطعمني وكَساني وأرسلني إلى المدرسة والجامعة»، هذا بعضٌ قليل مما تقوله سهى عن عمّ والدتها في لقائها مع «الشرق الأوسط».

تنادي سهى الأديب ميخائيل نعيمة «جدّو ميشا» وهو في الواقع عمّ والدتها لكنها تعده والدها الحقيقي (الشرق الأوسط)

«ميماسونا»

بعد أن غادر عمّها الأكبر ووالدتها هذه الدنيا، حلّ الفراق ثقيلاً عليها وآلمتها الوحدة، فقرّرت ملء الفراغ بما يُحيي ذكراهما ويؤنسها في آنٍ معاً. «للتعويض عن الغياب وللتخفيف من الألم، عملتُ على تحويل البيت الذي جمعنا 20 عاماً إلى ما يشبه المتحف». سمّت المكان MiMaSuNa (ميماسونا) جامعةً الحروف الأولى من أسمائهم واسم العائلة.

تعيش سهى اليوم في متحف ميخائيل ومَي، كما لو أنها قرّرت الالتصاق بروحَيهما. هي حارسة الذاكرة وهذا يُسعدُها. «لم أشعر بالتعب خلال تحويلي البيت إلى متحف عام 2015. ساقَني حبّي وشَوقي لهما. عملت بشغف على المشروع، وموّلته من راتبي المتواضع كأستاذة جامعيّة. هذا المكان بمثابة طفلي ولا أستطيع الابتعاد عنه».

على هذه الكنبة كان يجلس نعيمة وقد حوّلت سهى كل زاوية إلى ذكرى (الشرق الأوسط)

مخطوطاتُه، وكتبُه، وأقلامُه، وتفاصيلُ وجهه، وقبّعتُه وعصاه، وعلبة سجائره، والأواني التي تناول الطعام فيها، ونظّاراتُه، وسريره والعباءة... كلُّ تفصيلٍ هنا يُشعر الزائر كأنّه في معبد نعَيمة، الذي عُرف بـ«ناسك الشخروب» نسبةً إلى عشقه لقريته بسكنتا ولعزلته وسط طبيعتها. لكن كيف نزل نعيمة إلى المدينة وانغمسَ في صخبها بعد 37 عاماً أمضاها في أعالي لبنان، متخلياً بذلك عن النُّسك والهدوء؟

ميخائيل ومَي

تشرح سهى أنّ صلابة العلاقة التي جمعت نعيمة بابنة شقيقه و«ابنته الروحيّة» مي، عوّضته عن تلك الغربة. «صارت مي هي الشخروب وبسكنتا والطبيعة والوطن. أينما حلّت حلّ البيت». وما الصور التي تزيّن أرجاء المنزل كافّة سوى دليل على خصوصية تلك العلاقة. هنا احتفلا معاً بعيد ميلاد الصغيرة، وهناك احتسيا قهوة العصر على كنبة الزاوية، وفي الشخروب إجازة صيفيّة في أحضان الطبيعة، أما قرب غرفة نومه فلقطاتٌ لمَي وهي تساعده في الحلاقة بعد أن خانته يداه مع تقدّمه في السنّ.

صورة لميخائيل ومي وسهى نعيمة خلال إحدى إجازات الصيف قرب صخرة الأديب في الشخروب (الشرق الأوسط)

يوم عاد ميخائيل نعيمة من غربته الأميركية إلى لبنان في الـ43 من عمره، أقام مع شقيقه في بسكنتا وشارك في تربية أبنائه الثلاثة. تعلّق الأولاد به، خصوصاً الكبرى مَي التي تأثّرت بثقافته واتّساع فكره. تذكر سهى أنّ «العمّ ميخائيل وسّع آفاق ابنة أخيه، ومنحها الثقافة من خلال القراءات، كما أنه غذّى روحها وفكرَها وهي ابنة القرية النائية». ولاحقاً خلال سنوات المراهقة، كان يصطحبها إلى بيروت لشراء الملابس والحليّ؛ «أيقظها إلى قيمتها شكلاً ومضموناً».

استوعب نعيمة مَي في مراحل حياتها كافّة، وحتى عندما انفصلت عن زوجها في زمنٍ كان الطلاق فيه أمراً نافراً، احتضنها وفتح لها بيتاً وانتقل للإقامة معها ومع مولودتها.

أمضى ميخائيل نعيمة السنوات الـ20 الأخيرة من حياته إلى جانب ابنة شقيقه وابنتها (الشرق الأوسط)

بعد كل ما تُبصره العين وتسمعه الأذن عن حكاية ميخائيل ومَي، يجوز التساؤل إن كانت تلك العلاقة قد تطوّرت إلى ما هو أعمق من بنوّة روحيّة. هل كان كل ذلك الاهتمام حباً بين رجل وامرأة؟ تنفي سهى نعيمة الأمر، وتحفظ العلاقة في خانة المحبّة الصافية بين عمّ تعامل مع ابنة شقيقه كأنها ابنته، وهي بادلته الاهتمام تفانياً فكرّست حياتها لخدمته، تحديداً في آخر 20 سنة من عمره. وتضيف سهى أنّ تلك العلاقة أوحت لنعيمة بأكثر من كتاب، من بينها «عدوّ النساء» و«نجوى الغروب».

صورة لميخائيل نعيمة في زاويته المفضّلة وإلى جانبه ابنة شقيقه مَي (الشرق الأوسط)

خبز وزبدة وعسل

في سنواته الأخيرة، غالباً ما لجأ نعيمة إلى كتبه فأعاد قراءتها. أحبُّها إلى قلبه، وفق ما تنقل عنه سهى، «كتاب مرداد» الذي خطّ جزأه الأكبر خلال جلوسه داخل صخرته في الشخروب. وقد رافقته الكتابة حتى الرمق الأخير؛ «آخر ما كتبه كانت أمنية لي بمستقبل باهر. حصل ذلك قبل 5 أيام من رحيله»، تُخبر سهى.

إلى جانب الذكريات الملموسة، تحتفظ سهى نعيمة بمشاهد في البال عن «جدّو ميشا». «أراه جالساً في زاوية هذه الكنبة وهو يلعب الورق. كنت آتي إليه وأضع رأسي على كتفه ويحضنني قائلاً: (يا روحات جدّك إنتِ)، ثم نصمت طويلاً». في أرشيف ذاكرتها كذلك، عاداته اليوميّة الصغيرة التي كانت تبدأ بحركاتٍ رياضيّة، يليها استحمامٌ ووجبة فطور لم تتبدّل يوماً، وهي مؤلّفة من الجريب فروت وخبزٌ محمّص مع الزبدة والعسل. لاحقاً كان يجلس إلى طاولة المائدة ويكتب، أو يستقبل كتّاباً وصحافيين، بانتظار عودة سهى من المدرسة وتناول طعام الغداء معاً.

تحتفظ سهى بأغراض نعيمة كلّها... وهنا عدّة الحلاقة وصورٌ لمَي وهي تساعده (الشرق الأوسط)

أغمضَ عينَي جبران

من بين الوجوه التي توافدت إلى منزل نعيمة، تذكر سهى توفيق يوسف عوّاد، وشارل مالك، وكمال جنبلاط، وإميلي نصر الله، ومتري بولس، وغيرهم من كبار الأدباء والمفكّرين. غير أنّ الصديق الذي تربّع على عرش الذاكرة، رغم أنّ الموت فرّقهما باكراً، كان جبران خليل جبران.

تصف العلاقة التي جمعت جبران ونعيمة بالعميقة فكرياً وروحياً، رغم طباعهما المختلفة. «لم يكتب جبران شيئاً إلّا وأخذ رأي نعيمة فيه. أسّسا معاً الرابطة القلميّة بهدف النهوض بالأدب العربيّ. وكان نعيمة معجباً بثورة جبران على التقاليد البالية».

جمعت صداقة الروح والفكر بين جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة (الشرق الأوسط)

تُوّجت تلك العلاقة بين الأديبَين الفيلسوفَين، بأنْ رافقَ نعيمة جبران على سرير الموت عام 1931، «كان الوحيد إلى جانبه»، وفق ما تخبر سهى، «وهو واكب الصراع الأخير الذي دام 6 ساعات، قبل أن يغمض له عينَيه».

أما وفاة نعيمة عام 1988، ورغم أنها كانت متوقّعة بسبب سنّه المتقدّمة، فقد خلّفت فجوة هائلة في حياة مَي وقلب سهى. هي التي اعتادت منذ الطفولة أن تصلّي يومياً كي يحفظ الله «جدّو ميشا»، وكانت توقظه أحياناً قبل الذهاب إلى المدرسة خوفاً من أن يرحل في غيابها، صارت تبحث عنه في كل الأماكن. حتى إنها قررت دراسة الفلسفة علّها تعثر عليه فيها.

غرفة نوم ميخائيل نعيمة وجزء صغير من مكتبته التي بقي القسم الأكبر منها في قريته بسكنتا (الشرق الأوسط)

اليوم وهي تتوسّط أغراض ميخائيل نعيمة وأفكاره، تسترجع سهى مطمئنّةً أنفاسه وطاقتَه. لا تحتفظ بالذكرى لنفسها، بل تفتح بيتها المتحف 3 مرات سنوياً أمام العامّة ومحبّي نعيمة، احتفاءً بذكرى ولادته (17 أكتوبر - تشرين الأول)، وإحياءً لذكرى رحيله (28 فبراير - شباط) ورحيل مَي (15 يناير - كانون الثاني).


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.