على آخر خُطى ميخائيل نعيمة... «حارسة الذاكرة» تكشف خبايا السنوات الأخيرة

سهى نعيمة لـ«الشرق الأوسط»: حوّلت البيت إلى متحف لالتصقَ بروح ميخائيل ومَي

0 seconds of 4 minutes, 1 secondVolume 90%
Press shift question mark to access a list of keyboard shortcuts
00:00
04:01
04:01
 
TT
20

على آخر خُطى ميخائيل نعيمة... «حارسة الذاكرة» تكشف خبايا السنوات الأخيرة

على هذه الكنبة كان يجلس نعيمة وقد حوّلت سهى كل زاوية إلى ذكرى (الشرق الأوسط)
على هذه الكنبة كان يجلس نعيمة وقد حوّلت سهى كل زاوية إلى ذكرى (الشرق الأوسط)

ليست حكاية عاديّة تلك التي ترويها سهى نعَيمة، التي أمضت إلى جانب الأديب والمفكّر اللبناني ميخائيل نعيمة السنوات الـ20 الأخيرة من حياته. وهي في الأصل سهى حدّاد، لكنّ القلب اختار اسم «جدّو ميشا»، الذي ربّى الفتاة في غياب الأب بعد طلاق الوالدَين عندما كانت بعدُ في أحشاء والدتها.

«باستثناء الأبوّة البيولوجيّة، كان ميخائيل نعيمة أبي بكلّ معاني الكلمة. رغم سنّه المتقدّمة يوم وُلدت –80 عاماً– فهو ربّاني بتَعبِه وأطعمني وكَساني وأرسلني إلى المدرسة والجامعة»، هذا بعضٌ قليل مما تقوله سهى عن عمّ والدتها في لقائها مع «الشرق الأوسط».

تنادي سهى الأديب ميخائيل نعيمة «جدّو ميشا» وهو في الواقع عمّ والدتها لكنها تعده والدها الحقيقي (الشرق الأوسط)
تنادي سهى الأديب ميخائيل نعيمة «جدّو ميشا» وهو في الواقع عمّ والدتها لكنها تعده والدها الحقيقي (الشرق الأوسط)

«ميماسونا»

بعد أن غادر عمّها الأكبر ووالدتها هذه الدنيا، حلّ الفراق ثقيلاً عليها وآلمتها الوحدة، فقرّرت ملء الفراغ بما يُحيي ذكراهما ويؤنسها في آنٍ معاً. «للتعويض عن الغياب وللتخفيف من الألم، عملتُ على تحويل البيت الذي جمعنا 20 عاماً إلى ما يشبه المتحف». سمّت المكان MiMaSuNa (ميماسونا) جامعةً الحروف الأولى من أسمائهم واسم العائلة.

تعيش سهى اليوم في متحف ميخائيل ومَي، كما لو أنها قرّرت الالتصاق بروحَيهما. هي حارسة الذاكرة وهذا يُسعدُها. «لم أشعر بالتعب خلال تحويلي البيت إلى متحف عام 2015. ساقَني حبّي وشَوقي لهما. عملت بشغف على المشروع، وموّلته من راتبي المتواضع كأستاذة جامعيّة. هذا المكان بمثابة طفلي ولا أستطيع الابتعاد عنه».

على هذه الكنبة كان يجلس نعيمة وقد حوّلت سهى كل زاوية إلى ذكرى (الشرق الأوسط)
على هذه الكنبة كان يجلس نعيمة وقد حوّلت سهى كل زاوية إلى ذكرى (الشرق الأوسط)

مخطوطاتُه، وكتبُه، وأقلامُه، وتفاصيلُ وجهه، وقبّعتُه وعصاه، وعلبة سجائره، والأواني التي تناول الطعام فيها، ونظّاراتُه، وسريره والعباءة... كلُّ تفصيلٍ هنا يُشعر الزائر كأنّه في معبد نعَيمة، الذي عُرف بـ«ناسك الشخروب» نسبةً إلى عشقه لقريته بسكنتا ولعزلته وسط طبيعتها. لكن كيف نزل نعيمة إلى المدينة وانغمسَ في صخبها بعد 37 عاماً أمضاها في أعالي لبنان، متخلياً بذلك عن النُّسك والهدوء؟

ميخائيل ومَي

تشرح سهى أنّ صلابة العلاقة التي جمعت نعيمة بابنة شقيقه و«ابنته الروحيّة» مي، عوّضته عن تلك الغربة. «صارت مي هي الشخروب وبسكنتا والطبيعة والوطن. أينما حلّت حلّ البيت». وما الصور التي تزيّن أرجاء المنزل كافّة سوى دليل على خصوصية تلك العلاقة. هنا احتفلا معاً بعيد ميلاد الصغيرة، وهناك احتسيا قهوة العصر على كنبة الزاوية، وفي الشخروب إجازة صيفيّة في أحضان الطبيعة، أما قرب غرفة نومه فلقطاتٌ لمَي وهي تساعده في الحلاقة بعد أن خانته يداه مع تقدّمه في السنّ.

صورة لميخائيل ومي وسهى نعيمة خلال إحدى إجازات الصيف قرب صخرة الأديب في الشخروب (الشرق الأوسط)
صورة لميخائيل ومي وسهى نعيمة خلال إحدى إجازات الصيف قرب صخرة الأديب في الشخروب (الشرق الأوسط)

يوم عاد ميخائيل نعيمة من غربته الأميركية إلى لبنان في الـ43 من عمره، أقام مع شقيقه في بسكنتا وشارك في تربية أبنائه الثلاثة. تعلّق الأولاد به، خصوصاً الكبرى مَي التي تأثّرت بثقافته واتّساع فكره. تذكر سهى أنّ «العمّ ميخائيل وسّع آفاق ابنة أخيه، ومنحها الثقافة من خلال القراءات، كما أنه غذّى روحها وفكرَها وهي ابنة القرية النائية». ولاحقاً خلال سنوات المراهقة، كان يصطحبها إلى بيروت لشراء الملابس والحليّ؛ «أيقظها إلى قيمتها شكلاً ومضموناً».

استوعب نعيمة مَي في مراحل حياتها كافّة، وحتى عندما انفصلت عن زوجها في زمنٍ كان الطلاق فيه أمراً نافراً، احتضنها وفتح لها بيتاً وانتقل للإقامة معها ومع مولودتها.

أمضى ميخائيل نعيمة السنوات الـ20 الأخيرة من حياته إلى جانب ابنة شقيقه وابنتها (الشرق الأوسط)
أمضى ميخائيل نعيمة السنوات الـ20 الأخيرة من حياته إلى جانب ابنة شقيقه وابنتها (الشرق الأوسط)

بعد كل ما تُبصره العين وتسمعه الأذن عن حكاية ميخائيل ومَي، يجوز التساؤل إن كانت تلك العلاقة قد تطوّرت إلى ما هو أعمق من بنوّة روحيّة. هل كان كل ذلك الاهتمام حباً بين رجل وامرأة؟ تنفي سهى نعيمة الأمر، وتحفظ العلاقة في خانة المحبّة الصافية بين عمّ تعامل مع ابنة شقيقه كأنها ابنته، وهي بادلته الاهتمام تفانياً فكرّست حياتها لخدمته، تحديداً في آخر 20 سنة من عمره. وتضيف سهى أنّ تلك العلاقة أوحت لنعيمة بأكثر من كتاب، من بينها «عدوّ النساء» و«نجوى الغروب».

صورة لميخائيل نعيمة في زاويته المفضّلة وإلى جانبه ابنة شقيقه مَي (الشرق الأوسط)
صورة لميخائيل نعيمة في زاويته المفضّلة وإلى جانبه ابنة شقيقه مَي (الشرق الأوسط)

خبز وزبدة وعسل

في سنواته الأخيرة، غالباً ما لجأ نعيمة إلى كتبه فأعاد قراءتها. أحبُّها إلى قلبه، وفق ما تنقل عنه سهى، «كتاب مرداد» الذي خطّ جزأه الأكبر خلال جلوسه داخل صخرته في الشخروب. وقد رافقته الكتابة حتى الرمق الأخير؛ «آخر ما كتبه كانت أمنية لي بمستقبل باهر. حصل ذلك قبل 5 أيام من رحيله»، تُخبر سهى.

إلى جانب الذكريات الملموسة، تحتفظ سهى نعيمة بمشاهد في البال عن «جدّو ميشا». «أراه جالساً في زاوية هذه الكنبة وهو يلعب الورق. كنت آتي إليه وأضع رأسي على كتفه ويحضنني قائلاً: (يا روحات جدّك إنتِ)، ثم نصمت طويلاً». في أرشيف ذاكرتها كذلك، عاداته اليوميّة الصغيرة التي كانت تبدأ بحركاتٍ رياضيّة، يليها استحمامٌ ووجبة فطور لم تتبدّل يوماً، وهي مؤلّفة من الجريب فروت وخبزٌ محمّص مع الزبدة والعسل. لاحقاً كان يجلس إلى طاولة المائدة ويكتب، أو يستقبل كتّاباً وصحافيين، بانتظار عودة سهى من المدرسة وتناول طعام الغداء معاً.

تحتفظ سهى بأغراض نعيمة كلّها... وهنا عدّة الحلاقة وصورٌ لمَي وهي تساعده (الشرق الأوسط)
تحتفظ سهى بأغراض نعيمة كلّها... وهنا عدّة الحلاقة وصورٌ لمَي وهي تساعده (الشرق الأوسط)

أغمضَ عينَي جبران

من بين الوجوه التي توافدت إلى منزل نعيمة، تذكر سهى توفيق يوسف عوّاد، وشارل مالك، وكمال جنبلاط، وإميلي نصر الله، ومتري بولس، وغيرهم من كبار الأدباء والمفكّرين. غير أنّ الصديق الذي تربّع على عرش الذاكرة، رغم أنّ الموت فرّقهما باكراً، كان جبران خليل جبران.

تصف العلاقة التي جمعت جبران ونعيمة بالعميقة فكرياً وروحياً، رغم طباعهما المختلفة. «لم يكتب جبران شيئاً إلّا وأخذ رأي نعيمة فيه. أسّسا معاً الرابطة القلميّة بهدف النهوض بالأدب العربيّ. وكان نعيمة معجباً بثورة جبران على التقاليد البالية».

جمعت صداقة الروح والفكر بين جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة (الشرق الأوسط)
جمعت صداقة الروح والفكر بين جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة (الشرق الأوسط)

تُوّجت تلك العلاقة بين الأديبَين الفيلسوفَين، بأنْ رافقَ نعيمة جبران على سرير الموت عام 1931، «كان الوحيد إلى جانبه»، وفق ما تخبر سهى، «وهو واكب الصراع الأخير الذي دام 6 ساعات، قبل أن يغمض له عينَيه».

أما وفاة نعيمة عام 1988، ورغم أنها كانت متوقّعة بسبب سنّه المتقدّمة، فقد خلّفت فجوة هائلة في حياة مَي وقلب سهى. هي التي اعتادت منذ الطفولة أن تصلّي يومياً كي يحفظ الله «جدّو ميشا»، وكانت توقظه أحياناً قبل الذهاب إلى المدرسة خوفاً من أن يرحل في غيابها، صارت تبحث عنه في كل الأماكن. حتى إنها قررت دراسة الفلسفة علّها تعثر عليه فيها.

غرفة نوم ميخائيل نعيمة وجزء صغير من مكتبته التي بقي القسم الأكبر منها في قريته بسكنتا (الشرق الأوسط)
غرفة نوم ميخائيل نعيمة وجزء صغير من مكتبته التي بقي القسم الأكبر منها في قريته بسكنتا (الشرق الأوسط)

اليوم وهي تتوسّط أغراض ميخائيل نعيمة وأفكاره، تسترجع سهى مطمئنّةً أنفاسه وطاقتَه. لا تحتفظ بالذكرى لنفسها، بل تفتح بيتها المتحف 3 مرات سنوياً أمام العامّة ومحبّي نعيمة، احتفاءً بذكرى ولادته (17 أكتوبر - تشرين الأول)، وإحياءً لذكرى رحيله (28 فبراير - شباط) ورحيل مَي (15 يناير - كانون الثاني).


مقالات ذات صلة

كرسي عبد العزيز المانع... إضافات ثريَّة إلى اللغة العربية

ثقافة وفنون عبد العزيز المانع

كرسي عبد العزيز المانع... إضافات ثريَّة إلى اللغة العربية

وأنا أكتب عن كرسي الدكتور عبد العزيز المانع في جامعة الملك سعود، وما أضافه هذا الكرسيُّ من إنجازات لهذه الجامعة العريقة، وبالتالي إلى لغتِنا العربية

عبد الجليل الساعدي
ثقافة وفنون «أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر

«أغالب مجرى النهر» تؤرّخ لنصف قرنٍ من تاريخ الجزائر

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائري سعيد خطيبي. وفيها يصوّر الكاتب أناساً انتهتْ بهم الحياة أسرى أقدارهم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون أماندا نغوين

أماندا نغوين نجت من رعب الاغتصاب... ثم ارتحلت إلى الفضاء

هناك عبارة تتكرر في مواضع رئيسية في جميع أنحاء مذكرات أماندا نغوين القوية والمؤثرة عن النشاط والتعافي بعنوان «إنقاذ خمسة».

سيلفيا براونريغ
ثقافة وفنون 5 قطع ثعبانية من موقع سلّوت الأثري في سلطنة عُمان

أفاعي سلّوت في ولاية بهلا بسلطنة عُمان

بدأ استكشاف تاريخ سلطنة عُمان الأثري في النصف الثاني من القرن الماضي، وأدّى إلى العثور على سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى أزمنة سحيقة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

أربعة أمور أساسية كانت وراء المشهد المختلف لعالم رواية «صيف سويسري» لإنعام كجه جي - منشورات تكوين/ الرافدين 2024 - يتَّصل الأول بالذاكرة السردية لمشروع الكاتبة

حمزة عليوي

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)
العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)
TT
20

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)
العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

نجح مسلسل «بالدم» في ألا يُخيّب مَن راهنوا على حضور الدراما اللبنانية. ظلَّ إيقاعه يتصاعد حتى الجنريك الأخير، وقلَّما ارتطم باللحظة المملّة. فجمهوره تعلَّق، على الأقل، بشخصية من شخصياته وأفسح لها المجال لتسكُن أفكاره. استطاع إثبات أنه أكثر من مُشاهَدة، حين حرَّك أسئلةً عن الروابط الأُسرية وأعاد تعريف معنى الانتماء. كان تأكيداً على أنّ «المخاطرة» ليست طوال الوقت خاسرةً، ومغادرة مساحات الراحة عبورٌ نحو الأفضل.

تتجرأ «إيغل فيلمز» وتُحرّض على الجرأة. فالظنُّ بأفول عصر الدراما اللبنانية من النوعية الجيدة، أتى ما يؤكد عكسه. والعمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير، وهو وعد بما ليس مُتوقَّعاً ووفى بوعوده، مُشعلاً الرغبة في انتظار حلقاته وعدم تفويت أي مشهد.

جناح فاخوي أطلَّت بحضور مُتقَن (لقطة مع ماغي بوغصن في المسلسل)
جناح فاخوي أطلَّت بحضور مُتقَن (لقطة مع ماغي بوغصن في المسلسل)

الموضوع المُعالَج مهم، وطرحُه ليس مُستهلكاً. مسألة الدم أبعد من ظنّها تحصيلاً حاصلاً لمجرّد أن نولَد في عائلة. هي روابط ومفاهيم وعلاقات إنسانية. كتبت نادين جابر حكاية بُنيَ جزء منها على معاناة وليدة الواقع اللبناني، وفرَّعتها إلى ما لا بدَّ أن يلامس المتلقّي. فالعمل يُشبه مراجعة يُجريها المرء مع نفسه في محاولة للإجابة عن أسئلة شاقّة: هل يحدّد الدمُ مَن نحن؟ ما العائلة؛ أسماء على هوية أم إحساس؟ حملت الشخصيات أكثر من جواب.

يكمُن المأخذ في أنّ مزيداً من العمق تراءى مفقوداً. شيءٌ من «الاستسهال» في كشف الحقائق فرض ظلاله حتى المَشاهد الأخيرة، فسلَّم منطق الأحداث إلى بعض التضعضع. عند هذا الحدّ شعرنا بأنه «مسلسل». والمسلسل يعني فورة المصادفات وغلبة «الدراما» (تجلَّت في الحلقة النهائية). كأنَّ الهَمّ تشويقيّ أكثر مما هو واقعي رغم الأرضية الواقعية، مما أبقى على الظنّ بأننا نشاهد مسلسلاً، قبل أي شيء آخر.

جيسي عبدو ورلى بقسماتي منحتا دورَيْهما الأفضل (لقطة من المسلسل)
جيسي عبدو ورلى بقسماتي منحتا دورَيْهما الأفضل (لقطة من المسلسل)

عزَّز الشعور بـ«المسلسل» تشابُه الحوار بين جميع الشخصيات تقريباً. «عدلا» (سنتيا كرم بأداء متفوّق) شكَّلت الاستثناء الوحيد. وبينما أسلوب صوغ الجُمل يبدو نفسه بين «غالية» (ماغي بوغصن) و«تمارة» (جيسي عبدو) و«جانيت» (جوليا قصار)، وصولاً إلى «إكرام» (سمارة نهرا)، و«حنين» (ماريلين نعمان)، و«آدم» (سعيد سرحان)، ووو... بما يُبيّن أنّ الكاتبة تتكلَّم، لا الشخصية؛ تخرج «عدلا» بالمختلف، في النطق والصمت، والمظهر والداخل، لتبلغ بالأداء والمعاني بين سطور الدور ذروة فنّية.

بلغت سنتيا كرم بالأداء والمعاني بين سطور الدور ذروة فنّية (لقطة من المسلسل)
بلغت سنتيا كرم بالأداء والمعاني بين سطور الدور ذروة فنّية (لقطة من المسلسل)

نادين جابر خلّاقة، تُسافر في الخيال وتعود بالحدث المُفاجئ. عند هذا الحدّ، تتصدَّر الترتيب. مسلسلاتها تضمن النتيجة: لا ملل، وغالباً لا تطويل ولا برودة. هنا تُصيب وهنا تتفوّق. لكنها لا تنجو دائماً من أن تكون هي شخصياتها وألسنتهم ومشاعرهم. على الشخصية أن تكون الشخصية. لا الكاتب ولا الممثل ولا المخرج. المكتوب جميل، ومعظم الأحيان على الوتر، توعوي، مُحرِّض على التفكير. النَفَس الواحد لا يصلح لجميع الأرواح. وليس بالضرورة أن تتعمَّد الشخصية إثبات عمقها، فذلك ينبغي أن يجري مثل مياه صافية دون أن يشعر به أحد.

برع العمل في ألا يكون قصة واحدة، رافعاً شأن جميع حكاياته. ومع ذلك، اصطدم أحياناً بزحمة أمكن الاستغناء عنها لتفادي التشتُّت المُضرّ. صحيح أن حكاية «ديانا» (نتاشا خضرو) حملت رسالة عن قسوة الاستغناء منذ الطفولة، لكنّها بدت «مُقحَمة» لزيادة الأحداث. ولولا مَنْح «تمارة» شخصية إضافية، لظلّت قصّتها مرتبكة. نتفهَّم أنَّ موضوعاً مهماً هو تجميد البويضات قد طُرِح من خلالها، لكنّها بدت كمَن قال كلّ شيء منذ أن عرفنا ذلك. مدُّها بشخصية «جميلة» أنصف دورها الفعلي.

مدُّ جيسي عبدو بشخصية «جميلة» أنصف دورها الفعلي (حساب الممثلة في «إكس»)
مدُّ جيسي عبدو بشخصية «جميلة» أنصف دورها الفعلي (حساب الممثلة في «إكس»)

بجانب الحضور المستَهلك لثنائية ماغي بوغصن وبديع أبو شقرا، لم يأتِ الأخير بلمعة مُنقِذة. شكَّل مُساندة يمكن لأيّ كان تأديتها، وهذه ليست إضافة فنّية. على العكس، اختزلت ثنائية «حنين» و«آدم» الدفء الإنساني والعوض بعد شقاء. من خلالهما، مرَّر العمل بقيادة كاميرا فيليب أسمر، معانيَ بديعة عن النجاة والتحمُّل، فلم نشعر بأنّ الحديث عن السرطان أو الفشل الكلوي أو التبرّع بالأعضاء مُقحَم، وإنما ظلَّ خلفية «أنيقة»، تتقدّم بإنسانية ورقيّ من دون إزعاج القضايا الأخرى أو التشويش عليها.

ماريلين نعمان حضور دافئ وأداء حقيقي (لقطة من المسلسل)
ماريلين نعمان حضور دافئ وأداء حقيقي (لقطة من المسلسل)

والخطّ الأصدق تقريباً، والقريب من معظم المنازل، مثَّلته رلى بقسماتي بشخصية «ليان». أداء مُتقَن في سياق منطقي. عند هذا الدور، تشكَّلت مرايا أمكن لنساء كثيرات رؤية انعكساتهنَّ فيها. مهمٌ طَرْح المسلسل إشكالية الأمومة المبتورة والضغط الاجتماعي، ذاهباً بالمعالجة إلى المواجهة بعد إذعان. هنا المرأة التي لا تُنجب تنتفض على النظرة المُجحفة حيال أنوثتها وجسدها، وترفض وسمها بالنقص وهزَّ ثقتها بنفسها. البداية من جديد نورٌ يهزم النفق.

دعَّم دورها باسم مغنية بشخصية «طارق». وإذا كانت والدة الأخير، «فدوى» (أداء مميز لنوال كامل)، قد مثَّلت التحيُّز الاجتماعي حيال الذَكَر، وربط مكانة المرأة بقدرتها على الإنجاب، فإنّ «طارق» ظلَّ على مسافة شَعرة من أن يكون عبرة للرجال المُنصفين، ممَّن يرون المرأة أبعد من رحم، لولا أنْ جرَّه النَّصّ إلى خارج هذا النُبل.

لم يبخل المسلسل بالمتعة واللحظة المُبهرة. أبطاله تقريباً في أدوارهم، قدَّموا العطاء اللافت. ماغي بوغصن كانت وفية لـ«غالية»، بدهائها وهشاشتها. تُبيّن أنّ الاجتهاد مسؤولية كبرى. الملاحظة في أنّ النصّ يُحمّلها دائماً طاقات «استثنائية». صحيح أنّ مهنة المحاماة تُبرّر الدهاء وبُعد النظرة، لكنّ يُفضَّل تفادي تكرار امتلاكها قوة «مبهرة» في جميع أدوارها.

جناح فاخوري وكارول عبود أدّتا الدورَيْن بمهارة (لقطة من المسلسل)
جناح فاخوري وكارول عبود أدّتا الدورَيْن بمهارة (لقطة من المسلسل)

الموت في النهاية مُتوقَّع؛ مهَّد له السيناريو. وفساتين الزفاف طَقْس جميع النهايات تقريباً. كشفُ ابن «جانيت» بسؤال على المطار، بدا «مسلسلاتياً». عموماً، العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل.