يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

«متروبوليس» استعادت 4 أفلام للمخرج النرويجي المُنهمِك بالإنسان المعاصر

«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
TT

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر ما يتشكّل عبر الاختيارات. فسينماه لا تبحث عن قفلة مطمئنة، لتترك الحكايات مفتوحة على مساراتها غير المحسومة، في تأكيد ضمني على أنّ الحياة نفسها لا تُمنَح عادة نهاية واضحة. فالإنسان أمام كاميرته مسودة لا تنتهي ولا تصحّ مقاربته على أنه حكاية تُغلق بقفلة مُحكَمة.

في سينما «متروبوليس» بمنطقة مار مخايل البيروتية، عُرضت 4 أفلام لتريير، تسنَّت لكاتبة السطور مشاهدة 3 منها: «أوسلو، 31 أغسطس» و«أسوأ إنسان في العالم» و«قيمة عاطفية»، بينما بقي «إعادة تشغيل» خارج التجربة، ممّا يستدعي استبعاده من باب الأمانة النقدية. واللافت طوال الأمسيات أنّ المقاعد كانت ممتلئة دائماً، في إشارة إلى تفاعل ملحوظ مع هذا النوع من السينما، وتعطُّش جمهور بيروت لأعمال تشتغل على أسئلتها بعمق غير مُتعجّل، وتُقيم تواصلها مع المُشاهد عبر التفكير والمساءلة، قبل أي إثارة آنية سريعة الزوال.

بين الرغبة والتأجيل يتسرّب العمر في سينما يواكيم تريير (متروبوليس)

يُمسك تريير بالخيط الرفيع بين الحرّية والذنب والرغبة وعدم اليقين، ليضع المتلقّي بين «أنا» يُحبّها في خياله و«أنا» يعيشها فعلاً. لا يطارد الحبكة، وإنما أثرها النفسي. كلّ لقطة عنده تبدو كأنها تُسجّل «درجة حرارة» داخلية من خلال الصمت الذي يسبق الكلام، والتردّد الذي يُفسد القرار، والوعي الذي يتحوّل إلى ثقل داخلي حين يزداد أكثر مما يحتمل صاحبه.

في «أوسلو، 31 أغسطس»، يضغط تريير حياة كاملة داخل يوم واحد، ليُضيّق المسافة بين البطل ومصيره أو بين المدينة وأحكامها. بطله يتجوّل في أوسلو مثل مَن يتحسَّس إمكانية العودة إلى الحياة بعد انقطاع طويل، لكن المدينة تُكمل سَيرها من دون أن تكترث لاحتضانه أو مخاصمته. هذه العادية نفسها تُخزِّن القسوة. فالأصدقاء تزوّجوا، والمسارات استقرّت، والأحاديث تُقال بنبرة هادئة تُخفي مساءلة قاسية عن زمن مضى من دون أن يُستَثمر. فيصبح الإدمان في الفيلم أحد عوارض الحساسية الزائدة أمام عالم يشترط على الفرد أن يندمج من غير فسحة للتشكيك. لذلك لا يطلب تريير من المُشاهد سوى أن يُصغي إلى تلك الهوّة التي تُفتَح حين يشعر الإنسان بأنّ الحياة سبقته.

المسافة عند يواكيم تريير لا تُردم بين ما كان وما صار (متروبوليس)

وفي «أسوأ إنسان في العالم»، يأخذ تريير القلق الوجودي ذاته إلى طبقة مختلفة. هنا العكس: وفرة الخيارات تتحوَّل إلى شلل. بطلته اختزال لجيل يعيش تحت ضغط الاستحقاق الدائم. جيل مُطالب بأن يكون الأفضل والأنجح والأكثر توازناً، وأن يفعل ذلك فيما الأبواب كلّها مفتوحة والوقت البيولوجي يقرع من بعيد. هي واعية، وهذا الوعي مشكلتها. ترى الاحتمالات كلّها فتفقد القدرة على الالتزام بأيّ منها. فكلّ خيار يعني خسارة خيارات أخرى. لهذا يبدو الفيلم سردية عن الحرّية حين تغدو امتحاناً متواصلاً، وعن تحوُّل الحبّ من احتمال خلاص إلى محاكاة للزمن. فالرجل الأكبر سنّاً يريد شكلاً للحياة واستمرارية، والرجل الآخر الأصغر سنّاً يمنحها خفّة «الآن». لكن الخفّة نفسها لا تبني بيتاً. فمشهد توقُّف الزمن الذي يلمع على سطح الفيلم مثل فانتازيا شاعرية، يحمل في العمق اعترافاً قاسياً بأنّ الحرّية المطلقة لا تتحقّق إلا خارج الزمن، أي خارج الواقع.

«أوسلو، 31 أغسطس»... العودة إلى الحياة سؤال أثقل من القدرة على الإجابة (متروبوليس)

ثم يأتي «قيمة عاطفية» ليُعيد السؤال إلى العائلة وما يتراكم فيها من ديون نفسية لا تُسدَّد بالكلمات. عبره، يعود تريير إلى المنبع الأكثر تعقيداً ليُحوّل السينما إلى لغة اعتذار متأخّرة. فالأب مُخرِج يحاول أن يستعيد صلة بابنته عبر مشروع فيلم جديد، وكأنّ السيناريو رسالة لم يعرف كيف يكتبها في حياته. حين ترفض الابنة تأدية الدور، دفاعاً عن الذات ضدّ ابتزاز عاطفي مُقنَّع باسم الفنّ، تدخل ممثّلة أجنبية إلى المعادلة لتقلبها. عند هذه الثلاثية، الأب والابنة والنجمة السينمائية، يخترق المُشاهد طبقات الأب الداخلية حيث لا مجال لحَسْم إنْ كان يريد ابنته بوصفها ابنة أم بوصفها مادة تصلح للدور. هنا تُصبح «القيمة العاطفية» قيمة الشيء الذي نحتفظ به لأنّ التخلّي عنه اعتراف بعدم القدرة على الإغلاق، مثل بيت قديم أو علاقة مُتعِبة أو ذاكرة لا نعرف أين نضعها.

ما يجمع الأفلام الثلاثة رغم اختلاف أجيالها ومزاجها، هو أن تريير لا ينحاز إلى الإجابات النهائية. في «أوسلو، 31 أغسطس» نرى إنساناً لا يجد ما يكفي ليبقى. وفي «أسوأ إنسان في العالم» نرى إنسانة تخاف أن تختار فتخسر. وفي «قيمة عاطفية» نرى عائلة تحاول أن تتكلّم متأخّرة عبر الفنّ لأنّ الكلام المباشر كان دائماً أصعب. كأنّ تريير يرسم ثلاث حركات لرقصة واحدة، حين ينفد المعنى وحين يفيض المعنى وحين يتحوّل المعنى إلى إرث ثقيل داخل بيت.

«أسوأ إنسان في العالم»... امرأة ترى كل الاحتمالات فتتعثّر أمام خيار واحد (متروبوليس)

قدَّمت «متروبوليس» هذه الأفلام في بيروت ضمن سياق يُشجّع على التلقّي المتأنّي وإعادة الحسبان لزمن المُشاهدة ومعناها. فالجمهور الذي ملأ المقاعد لم يأتِ ليتفرَّج على «حكايات من الشمال». حَضَر للتفاعل مع سينما تُدرك أنّ الإنسان لا يُعرَّف ببطولاته وبمواقفه الكبرى وحدها، وليقترب من سينما تراه في تعقيده اليومي قبل اختزاله بمواقف فاصلة. ولا تكتسب هذه العروض أهميتها في كونها «تُعرض» فحسب، وإنما في تكريسها سينما تُقارب القلق الإنساني على أنه حالة قابلة للتفكير، وليس ذريعة درامية في مدينة تضطر غالباً إلى التكيُّف مع الخسارات.

سينما تريير تعبير صريح عن كون السينما مساحة لنتقبَّل أننا نتبدّل ونُخطئ ونؤجّل ونعود إلى أنفسنا متأخرين، ونكتشف في النهاية أنّ أكثر ما نحتاج إليه ليس حُكماً علينا، وإنما قراءة أمينة لِما نحن عليه.


مقالات ذات صلة

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد السعدني - مهرجان مالمو

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

قال الفنان المصري أحمد السعدني إن تجربته في فيلم  «ولنا في الخيال حب» تمثل محطة مميزة في مشواره.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يستثمر الفيلم في مرافق البوليفارد ليحولها إلى بيئة درامية جديدة (لقطة من الفيديو الدعائي للفيلم)

«عوو»... أول فيلم سعودي يُصوَّر بالكامل في «بوليفارد وورلد»

بدأ في الرياض، مطلع الأسبوع الحالي، تصوير الفيلم السعودي «عوو»، المعروف سابقاً باسم «البوليفارد»، في خطوة تعكس توسّع الإنتاج السينمائي المحلي

«الشرق الأوسط» ( الدمام)
يوميات الشرق الممثلة السعودية خلال كلمتها المصوَّرة في حفل ختام «هوليوود للفيلم العربي» (إدارة المهرجان)

لمار فادان «أفضل ممثلة صاعدة» في «هوليوود للفيلم العربي»

أكّدت في كلمتها المسجَّلة، لعدم تمكّنها من السفر إلى أميركا، أنّ الجائزة ليست لها وحدها، بل لجميع فريق العمل...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)

دراسة: القرود تأكل التربة لتهدئة اضطرابات المعدة الناتجة عن تناول الوجبات السريعة

قرود تحمل طعاماً في جبل طارق (رويترز)
قرود تحمل طعاماً في جبل طارق (رويترز)
TT

دراسة: القرود تأكل التربة لتهدئة اضطرابات المعدة الناتجة عن تناول الوجبات السريعة

قرود تحمل طعاماً في جبل طارق (رويترز)
قرود تحمل طعاماً في جبل طارق (رويترز)

تشير الأبحاث إلى أن القرود في جبل طارق تعلمت أكل التربة لتهدئة معدتها بعد تناولها كميات كبيرة من الأطعمة غير الصحية كالوجبات السريعة.

ووفق ما ذكرته شبكة «سكاي» البريطانية، يعتقد العلماء أن الأوساخ تساعد القرود على تبطين أمعائها، مما يمنع تهيجها الناتج عن الأطعمة الغنية جداً بالسعرات الحرارية والسكريات والملح ومنتجات الألبان.

وتوفر التربة أيضاً بكتيريا ومعادن تفتقر إليها الأطعمة غير الصحية التي تُقدم أو تُسرق من السياح، مثل ألواح الشوكولاته ورقائق البطاطس والآيس كريم.

وتُسبب هذه الوجبات الخفيفة آثاراً سلبية على الجهاز الهضمي للقرود، وقد تُؤدي إلى أعراض تتراوح بين الغثيان والإسهال، إلا أنها «لذيذة بالنسبة لها» تماماً كما هي لذيذة للبشر، وفقاً لدراسة أجرتها جامعة «كامبريدج» البريطانية.

ولوحظ أن الحيوانات التي تتواصل باستمرار مع زوار جبل طارق تأكل كميات أكبر من التراب، ويزداد هذا السلوك خلال موسم الذروة السياحي.

ويعتقد الباحثون أن هذا السلوك مُكتسب اجتماعياً، إذ تُفضّل مجموعات القرود المختلفة أنواعاً معينة من التربة. وأوضح الخبراء أن التربة تعمل كحاجز في الجهاز الهضمي، مما يحدّ من امتصاص المركبات الضارة.

وأضاف الدكتور سيلفين ليموين، عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية بجامعة كامبريدج: «قد يُخفف هذا من أعراض الجهاز الهضمي، بدءاً من الغثيان وصولاً إلى الإسهال. كما قد تُوفر التربة بكتيريا نافعة تُساعد في الحفاظ على صحة الميكروبيوم المعوي».

ووفق شبكة «سكاي»، فإن هذا النظام الغذائي غير الصحي «مختلف تماماً» عن الأطعمة التي تتناولها هذه القرود عادة، كالأعشاب والأوراق والبذور والحشرات أحياناً، وكان هذا التحول في السلوك «مدفوعاً بالكامل بقربها من البشر».


مأساة في مدينة ملاهي: احتجاز عاملة داخل لعبة يؤدي إلى وفاتها

الحادث وقع داخل مدينة ملاهي «طوكيو دوم سيتي أتراكشنز» (رويترز)
الحادث وقع داخل مدينة ملاهي «طوكيو دوم سيتي أتراكشنز» (رويترز)
TT

مأساة في مدينة ملاهي: احتجاز عاملة داخل لعبة يؤدي إلى وفاتها

الحادث وقع داخل مدينة ملاهي «طوكيو دوم سيتي أتراكشنز» (رويترز)
الحادث وقع داخل مدينة ملاهي «طوكيو دوم سيتي أتراكشنز» (رويترز)

في حادث مأساوي يسلّط الضوء على مخاطر العمل في الصيانة التقنية، لقيت عاملة شابة مصرعها داخل إحدى مدن الملاهي في العاصمة اليابانية طوكيو، بعدما علقت داخل آلية تشغيل لعبة ترفيهية خلال تنفيذ أعمال صيانة دورية، في واقعة أثارت تساؤلات حول إجراءات السلامة المتبعة في مثل هذه المواقع.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست»، فقد توفيت العاملة بعد أن ظلت محتجزة لفترة طويلة داخل آلية إحدى الألعاب في مدينة الملاهي.

وأوضحت الشركة المشغّلة أن الحادث وقع يوم الثلاثاء داخل مدينة ملاهي «طوكيو دوم سيتي أتراكشنز»، وتحديداً في لعبة تُعرف باسم «البالون الطائر».

وقالت الشركة، في بيان رسمي: «أثناء أعمال الصيانة الدورية للعبة، علق أحد موظفينا داخل آلية العربة المعلقة. وبعد تنفيذ عمليات الإنقاذ، نُقلت الموظفة إلى المستشفى، حيث أُعلن عن وفاتها لاحقاً».

وبحسب ما أفادت به وسائل إعلام محلية، فقد حددت الشرطة هوية الضحية، وهي كاميمورا هينا، البالغة من العمر 24 عاماً. واستغرقت جهود فرق الإنقاذ نحو 5 ساعات لتحريرها من داخل الآلية، قبل أن تُنقل إلى المستشفى، حيث فارقت الحياة متأثرة بإصابتها.

وتُعد لعبة «البالون الطائر» من الألعاب التي تتسع لـ12 راكباً، يجلسون في ترتيب دائري حول عمود مركزي، بينما تدور المقاعد وترتفع تدريجياً على طول الهيكل لتصل إلى ارتفاع يقارب 9 أمتار.

وخلال الفحص الشهري الذي تجريه الشركة المشغّلة، جرى رفع المقاعد إلى أعلى، ما أتاح للضحية و5 من زملائها الوصول إلى الأجزاء الميكانيكية الخاصة باللعبة لإجراء أعمال التفقد والصيانة، وفقاً لما ذكرته المصادر.

ويُعتقد أن الحادث وقع عندما كانت العاملة تقف على سلم متحرك أثناء أداء عملها، قبل أن تهبط المقاعد المرفوعة بشكل مفاجئ، ما أدى إلى انحشارها بين هذه المقاعد والعمود المركزي للعبة.

وفي بيانها، أعربت الشركة عن حزنها العميق للحادث، قائلة: «نتقدم بأحرّ التعازي وأصدق المواساة لروح الموظفة المتوفاة، ونعرب عن خالص تعازينا ومواساتنا لأسرتها المفجوعة. كما نود أن نتقدم مرة أخرى بخالص اعتذارنا لجميع العملاء والجهات المعنية الذين تضرروا من هذا الحادث وشعروا بالقلق نتيجة له».

وعلى إثر الحادث، قررت إدارة مدينة الملاهي تعليق جميع العمليات بشكل فوري، وذلك حتى إشعار آخر، ريثما تتضح ملابسات الواقعة وتُستكمل التحقيقات.


اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

يسلط اكتشاف تمثال أثري ضخم بموقع تل فرعون بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية (دلتا مصر) الضوء على الكثير من مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا.

وقالت وزارة السياحة والآثار المصرية في بيان صحافي أصدرته الأربعاء أنها «عثرت على تمثال ضخم يفتقد الجزء السفلي «الأرجل، والقاعدة»، ورجحت أن يكون للملك رمسيس الثاني.

يتميز التمثال المكتشف بضخامة لافتة، ويُقدّر وزنه بين 5 إلى 6 أطنان، ويبلغ طوله نحو 2.20 متر، وهو في حالة حفظ سيئة نسبياً، بينما تُظهر الأجزاء المتبقية سمات فنية وملكية ترجّح أنه كان جزءاً من مجموعة ثلاثية، على غرار ما تم الكشف عنه في عدد من المواقع الأثرية بمحافظة الشرقية.

الحالة السيئة التي ظهر عليها التمثال دعت الدكتور فاروق شرف، خبير ترميم الآثار، للتحذير من استخدام أدوات تضر بالتمثال، مثل الجاروف، والجرافة التي ظهرت خارج المنطقة الأثرية، عبر صور التقطت من الموقع الأثري.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد معلومات عن الطريقة التي تم بها نقل التمثال حيث ستتم دراسته بشكل معمق، وترميمه». وأوضح أن «الدراسات التي سيتم إجراؤها على التمثال سوف توضح حالته جيداً، وإمكانيات تحمله، والخدوش الموجودة على جسمه، وكل هذا سوف يوضح الأسلوب الذي سيتبعه الخبراء في ترميمه».

تمثال يصور رمسيس الثاني (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعد شرف الطريقة التي يتم بها نقل التمثال من موقع اكتشافه إلى منطقة دراسته وترميمه خطوة شديدة الأهمية، مشيراً إلى ضرورة أن تتم بطريقة يدوية، لحماية الاكتشاف من أية مخاطر.

ويعد التمثال حسب بيان وزارة السياحة والآثار من الشواهد الأثرية المهمة التي تسلط الضوء على مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا، وقال الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه يسهم في تعزيز وفهم ظاهرة نقل وإعادة توظيف التماثيل الملكية خلال عصر الدولة الحديثة، لا سيما في سياق ارتباط المواقع الإقليمية بالمراكز الملكية الكبرى.

وتشير الدراسات الأولية للتمثال إلى أنه تم نقله في العصور القديمة من مدينة «بر-رمسيس» إلى موقع تل فرعون، المعروف قديماً باسم «إيمت»، لإعادة استخدامه داخل أحد المجمعات الدينية، وهو ما يعكس الأهمية الدينية والتاريخية للموقع عبر العصور. وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أنه «في إطار الحفاظ على التمثال، تم نقله فور العثور عليه من داخل مجمع المعابد بالموقع إلى المخزن المتحفي بمنطقة صان الحجر، تمهيداً لبدء أعمال الترميم الدقيقة والعاجلة، وفقاً لأعلى المعايير العلمية المتبعة في صيانة وحفظ الآثار».

وتبرز أهمية منطقة «تل فرعون» في كونها تضم بقايا معبد قديم يرجع للأسرة الـ19، ويجسد التمثال شخصيتين في مجسم واحد، وهو نمط فني كان شائعاً في عهد رمسيس الثاني لإظهار الملك بجوار أحد الآلهة تأكيداً على شرعيته، وارتباطه الإلهي وفق معتقدات المصري القديم.

ويقع «تل فرعون» الأثري على بعد 10كم جنوب صان الحجر في القسم الشرقي من دلتا النيل، وكانت تلك المنطقة تعد من أبرز المراكز السكانية في الوجه البحري خلال عصري الدولة الحديثة والعصر المتأخر، وتميزت بوجود معبد ضخم مكرّس لعبادة الإلهة واجيت، والذي لا تزال أطلاله قائمة على الجانب الغربي من الموقع.