يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

«متروبوليس» استعادت 4 أفلام للمخرج النرويجي المُنهمِك بالإنسان المعاصر

«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
TT

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر ما يتشكّل عبر الاختيارات. فسينماه لا تبحث عن قفلة مطمئنة، لتترك الحكايات مفتوحة على مساراتها غير المحسومة، في تأكيد ضمني على أنّ الحياة نفسها لا تُمنَح عادة نهاية واضحة. فالإنسان أمام كاميرته مسودة لا تنتهي ولا تصحّ مقاربته على أنه حكاية تُغلق بقفلة مُحكَمة.

في سينما «متروبوليس» بمنطقة مار مخايل البيروتية، عُرضت 4 أفلام لتريير، تسنَّت لكاتبة السطور مشاهدة 3 منها: «أوسلو، 31 أغسطس» و«أسوأ إنسان في العالم» و«قيمة عاطفية»، بينما بقي «إعادة تشغيل» خارج التجربة، ممّا يستدعي استبعاده من باب الأمانة النقدية. واللافت طوال الأمسيات أنّ المقاعد كانت ممتلئة دائماً، في إشارة إلى تفاعل ملحوظ مع هذا النوع من السينما، وتعطُّش جمهور بيروت لأعمال تشتغل على أسئلتها بعمق غير مُتعجّل، وتُقيم تواصلها مع المُشاهد عبر التفكير والمساءلة، قبل أي إثارة آنية سريعة الزوال.

بين الرغبة والتأجيل يتسرّب العمر في سينما يواكيم تريير (متروبوليس)

يُمسك تريير بالخيط الرفيع بين الحرّية والذنب والرغبة وعدم اليقين، ليضع المتلقّي بين «أنا» يُحبّها في خياله و«أنا» يعيشها فعلاً. لا يطارد الحبكة، وإنما أثرها النفسي. كلّ لقطة عنده تبدو كأنها تُسجّل «درجة حرارة» داخلية من خلال الصمت الذي يسبق الكلام، والتردّد الذي يُفسد القرار، والوعي الذي يتحوّل إلى ثقل داخلي حين يزداد أكثر مما يحتمل صاحبه.

في «أوسلو، 31 أغسطس»، يضغط تريير حياة كاملة داخل يوم واحد، ليُضيّق المسافة بين البطل ومصيره أو بين المدينة وأحكامها. بطله يتجوّل في أوسلو مثل مَن يتحسَّس إمكانية العودة إلى الحياة بعد انقطاع طويل، لكن المدينة تُكمل سَيرها من دون أن تكترث لاحتضانه أو مخاصمته. هذه العادية نفسها تُخزِّن القسوة. فالأصدقاء تزوّجوا، والمسارات استقرّت، والأحاديث تُقال بنبرة هادئة تُخفي مساءلة قاسية عن زمن مضى من دون أن يُستَثمر. فيصبح الإدمان في الفيلم أحد عوارض الحساسية الزائدة أمام عالم يشترط على الفرد أن يندمج من غير فسحة للتشكيك. لذلك لا يطلب تريير من المُشاهد سوى أن يُصغي إلى تلك الهوّة التي تُفتَح حين يشعر الإنسان بأنّ الحياة سبقته.

المسافة عند يواكيم تريير لا تُردم بين ما كان وما صار (متروبوليس)

وفي «أسوأ إنسان في العالم»، يأخذ تريير القلق الوجودي ذاته إلى طبقة مختلفة. هنا العكس: وفرة الخيارات تتحوَّل إلى شلل. بطلته اختزال لجيل يعيش تحت ضغط الاستحقاق الدائم. جيل مُطالب بأن يكون الأفضل والأنجح والأكثر توازناً، وأن يفعل ذلك فيما الأبواب كلّها مفتوحة والوقت البيولوجي يقرع من بعيد. هي واعية، وهذا الوعي مشكلتها. ترى الاحتمالات كلّها فتفقد القدرة على الالتزام بأيّ منها. فكلّ خيار يعني خسارة خيارات أخرى. لهذا يبدو الفيلم سردية عن الحرّية حين تغدو امتحاناً متواصلاً، وعن تحوُّل الحبّ من احتمال خلاص إلى محاكاة للزمن. فالرجل الأكبر سنّاً يريد شكلاً للحياة واستمرارية، والرجل الآخر الأصغر سنّاً يمنحها خفّة «الآن». لكن الخفّة نفسها لا تبني بيتاً. فمشهد توقُّف الزمن الذي يلمع على سطح الفيلم مثل فانتازيا شاعرية، يحمل في العمق اعترافاً قاسياً بأنّ الحرّية المطلقة لا تتحقّق إلا خارج الزمن، أي خارج الواقع.

«أوسلو، 31 أغسطس»... العودة إلى الحياة سؤال أثقل من القدرة على الإجابة (متروبوليس)

ثم يأتي «قيمة عاطفية» ليُعيد السؤال إلى العائلة وما يتراكم فيها من ديون نفسية لا تُسدَّد بالكلمات. عبره، يعود تريير إلى المنبع الأكثر تعقيداً ليُحوّل السينما إلى لغة اعتذار متأخّرة. فالأب مُخرِج يحاول أن يستعيد صلة بابنته عبر مشروع فيلم جديد، وكأنّ السيناريو رسالة لم يعرف كيف يكتبها في حياته. حين ترفض الابنة تأدية الدور، دفاعاً عن الذات ضدّ ابتزاز عاطفي مُقنَّع باسم الفنّ، تدخل ممثّلة أجنبية إلى المعادلة لتقلبها. عند هذه الثلاثية، الأب والابنة والنجمة السينمائية، يخترق المُشاهد طبقات الأب الداخلية حيث لا مجال لحَسْم إنْ كان يريد ابنته بوصفها ابنة أم بوصفها مادة تصلح للدور. هنا تُصبح «القيمة العاطفية» قيمة الشيء الذي نحتفظ به لأنّ التخلّي عنه اعتراف بعدم القدرة على الإغلاق، مثل بيت قديم أو علاقة مُتعِبة أو ذاكرة لا نعرف أين نضعها.

ما يجمع الأفلام الثلاثة رغم اختلاف أجيالها ومزاجها، هو أن تريير لا ينحاز إلى الإجابات النهائية. في «أوسلو، 31 أغسطس» نرى إنساناً لا يجد ما يكفي ليبقى. وفي «أسوأ إنسان في العالم» نرى إنسانة تخاف أن تختار فتخسر. وفي «قيمة عاطفية» نرى عائلة تحاول أن تتكلّم متأخّرة عبر الفنّ لأنّ الكلام المباشر كان دائماً أصعب. كأنّ تريير يرسم ثلاث حركات لرقصة واحدة، حين ينفد المعنى وحين يفيض المعنى وحين يتحوّل المعنى إلى إرث ثقيل داخل بيت.

«أسوأ إنسان في العالم»... امرأة ترى كل الاحتمالات فتتعثّر أمام خيار واحد (متروبوليس)

قدَّمت «متروبوليس» هذه الأفلام في بيروت ضمن سياق يُشجّع على التلقّي المتأنّي وإعادة الحسبان لزمن المُشاهدة ومعناها. فالجمهور الذي ملأ المقاعد لم يأتِ ليتفرَّج على «حكايات من الشمال». حَضَر للتفاعل مع سينما تُدرك أنّ الإنسان لا يُعرَّف ببطولاته وبمواقفه الكبرى وحدها، وليقترب من سينما تراه في تعقيده اليومي قبل اختزاله بمواقف فاصلة. ولا تكتسب هذه العروض أهميتها في كونها «تُعرض» فحسب، وإنما في تكريسها سينما تُقارب القلق الإنساني على أنه حالة قابلة للتفكير، وليس ذريعة درامية في مدينة تضطر غالباً إلى التكيُّف مع الخسارات.

سينما تريير تعبير صريح عن كون السينما مساحة لنتقبَّل أننا نتبدّل ونُخطئ ونؤجّل ونعود إلى أنفسنا متأخرين، ونكتشف في النهاية أنّ أكثر ما نحتاج إليه ليس حُكماً علينا، وإنما قراءة أمينة لِما نحن عليه.


مقالات ذات صلة

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد القس في دور «صقر القفوف» العقل المدبر لكل مصائب الحي (شاهد)

خيوط الشك تمزّق «حي الجرادية»... وتثير جدل الجمهور

تشهد الدراما السعودية في موسم رمضان هذا العام تنوعاً متزايداً في الموضوعات والبيئات الاجتماعية، ويأتي مسلسل «حي الجرادية» ضمن هذه الأعمال.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (2)... في سباق أفضل سيناريو فيلم «خاطئون» في المقدمة

في سباق أفضل سيناريوهين، أصلي ومقتبس، للفوز بجائزة الأوسكار يكمن الفارق الأول بين سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما، وسيناريو مقتبس عن مسرحية أو كتاب أو أي مصدر آخر.

محمد رُضا (لندن)
خاص الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

خاص جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الفنان اللبناني جورج خبّاز عن تجربته الاستثنائية في فيلم «يونان» ونقاط التلاقي بينه وبين البطل «منير».

كريستين حبيب (بيروت)

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.