أو جيه سيمبسون من شهرة كرة القدم إلى تحقيق ثروات في الأفلام

محاكمته بتهمة قتل زوجته وصديقها نقطة تحوّل عرقية في أميركا

لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)
لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)
TT

أو جيه سيمبسون من شهرة كرة القدم إلى تحقيق ثروات في الأفلام

لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)
لحظة صدور الحكم ببراءة سيمبسون من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها (رويترز)

ذاعت شهرة أو جيه سيمبسون، في ملاعب كرة القدم. ومع الوقت حقّق الرجل الأميركي ثروات من الأفلام والتلفزيون والإعلانات. وفي عام 1995 بُرّئ من جريمة قتل زوجته السابقة وصديقها في محاكمة جرت بلوس أنجليس، وأذهل الحكم حينها الأمة.

توفي سيمبسون يوم الأربعاء الماضي، في منزله في لاس فيغاس، عن عمر ناهز 76 عاماً، بعد صراع مع مرض السرطان، حسبما أعلنت عائلته على وسائل التواصل الاجتماعي.

سيمبسون في عام 1973 كان أفضل لاعب في اتحاد كرة القدم الأميركي (أ.ب)

قضيته، كانت بمثابة مرآة متصدعة لأميركا السوداء والبيضاء، وتبرئته من جريمة القتل التي اتُهم بها، غيّرت مسار حياته، ففي عام 1997، رأت دعوى مدنية تقدّمت بها عائلات الضحايا، أنه مسؤول عن وفاة نيكول براون سيمبسون ورونالد غولدمان، وأمرته بدفع 33.5 مليون دولار تعويضات، سدّد منها القليل. انتقل بعدها إلى فلوريدا وكافح من أجل إعادة بناء حياته، وتربية أطفاله والبقاء بعيداً عن المتاعب.

وفي عام 2006، باع مخطوطة كتاب بعنوان «لو فعلت ذلك»، كما أجرى مقابلة تلفزيونية، قدّم خلالها رواية «افتراضية» عن جرائم قتل كان ينفي ارتكابها دوماً؛ بيد أن صرخة غضب عامة قضت على مشروعيه. وحازت عائلة غولدمان حقوق الكتاب، وأضافت مواد تُنسِب الذنب إلى سيمبسون، ومن ثمّ نشرته.

وفي عام 2007، أُلقي القبض عليه بعد أن اقتحم مع رجال آخرين غرفة في فندق بلاس فيغاس تخص بعض تجار التذكارات الرياضية، واستولى على مجموعة من هذه المقتنيات؛ وادّعى أن القطع قد سُرقت منه، لكن هيئة المحلفين أدانته بـ12 تهمة في عام 2008، بما في ذلك السطو المسلح والاختطاف، بعد محاكمة لم تستقطب سوى بعض الصحافيين والمشاهدين؛ وحُكم عليه بالسجن من 9 إلى 33 سنة في سجن ولاية نيفادا. قضى الحد الأدنى من المدة وأطُلق سراحه في عام 2017.

سيمبسون مع زوجته السابقة نيكول سيمبسون وأطفالهما (رويترز)

على مرّ السنين، ولّدت قصة أو جيه سيمبسون موجة من الكتب، والأفلام، والدراسات، والنقاشات في مسائل العدالة، والعلاقات بين الأعراق والمشاهير في أمة تعشق أبطالها، سيما أولئك الذين يُصوّرون بصورٍ نمطية، من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش، بيد أن الأمر لم يكن مريحاً على الإطلاق مع كل التناقضات العميقة.

أحداث عديدة اصطحبت ملحمة سيمبسون، فالقصّاصات القديمة للصحف تُظهر أولى الصور لطفل فقير في فترة ما بعد الحرب، مصاب بالكساح ومُجبر على ارتداء دعامات فولاذية على ساقيه النحيلتين، في حياة صعبة يعيشها الصبي داخل مشروع سكني كئيب، متسكّعاً مع عصابات المراهقين في الشوارع الخلفية القاسية في سان فرنسيسكو، حيث تعلّم الركض.

في عام 1975 قال سيمبسون، وحينها كان واحداً من أشهر لاعبي كرة القدم الأميركية وأعلاهُم أجراً، وهو حامل كرة القدم المتنقل والدوار في فريق «بافالو بيل»، ومعروف عالمياً باسم «جوس»: «كنت عدّاءً طوال حياتي».

وهكذا كان عليه الركض في وضح النهار في ملعب جامعة جنوب كاليفورنيا وفي المدرجات الصاخبة لدوري كرة القدم الوطني لمدة 11 عاماً، كما ركض تجاه أقطاب الأفلام في هوليوود، وصانعي الصّور في شارع ماديسون وشبكات التلفزيون، وركض نحو قمة النجاح في الرياضة والترفيه.

سيمبسون نجم كرة القدم الأميركية والممثل الذي بُرّئ في محاكمة مثيرة عام 1995 (رويترز)

وعلى طول الطريق، حطّم الأرقام القياسية الجامعية والمهنية، وفاز بجائزة «هايزمان»، وكُرّم في قاعة مشاهير كرة القدم المحترفين. ظهر في عشرات الأفلام والإعلانات التجارية التي لا تُنسى لشركة «هيرتز» وغيرها من العملاء؛ وكان محللاً رياضياً لشبكة «إي بي سي» و«إن بي سي»؛ وحصل على منازل وسيارات وعائلة شهيرة؛ وذاعت شهرته في جميع آفاق أميركا، محارباً وسيماً، يتمتع بصوت رخيم يدلّ على رجل لطيف؛ كما مارس خلال مسيرته رياضة الغولف.

في الظاهر كانت حياته تبدو جيدة، بيد أن الواقع كان مختلفاً ومليئاً بالاضطرابات، يبدأ بمأساة طفلة رضيعة غرقت في مسبح الأسرة، وانفصاله عن حبيبته في المدرسة الثانوية، مروراً بزواجه العاصف من نادلة شابة، واتصالها المتكرر بالشرطة عندما كان يضربها، وعن ثورات الغيرة لرجل مُصاب بالإحباط.

مكالمات إلى الشرطة

اعتداءاته المتكررة بالضرب على زوجته نيكول سيمبسون خلّفت رضوضاً على جسمها وعانت معه من الرعب، لكن الشرطة نادراً ما اتخذت إجراءات ذات مغزى. وفي يوم رأس السنة من عام 1989، بعد اتصال نيكول بالشرطة ومجيئها إلى منزلهما، وجدها أحد الضباط شبه عارية وقد تعرضت لضرب مبرح، مختبئة بين الشجيرات خارج المنزل؛ صرخت به وهي تجهش بالبكاء: «سيقتلني!». حينها أُلقي القبض على سيمبسون وأدين بإساءة معاملة زوجته، ولكن أُطلق سراحه بعد دفع غرامة، وأُبقي تحت المراقبة.

انفصل الزوجان في عام 1992، ولكن المواجهات استمرت بينهما. وفي يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1993، اتصلت سيمبسون بالشرطة مرة أخرى؛ وقالت لموظفة الطوارئ: «لقد عاود أفعاله»، وتدخل الضباط مرة ثانية.

وبعد ذلك، وقعت الفاجعة. ففي 12 يونيو (حزيران) 1994، تعرّضت سيمبسون (35 عاماً)، وغولدمان (25 عاماً)، للهجوم خارج نطاق شقتها السكنية في قسم برينتوود في لوس أنجليس، على مقربة من ملكية السيد سيمبسون، ووجدت مذبوحة ورأسها على وشك أن تُقطع عن جسدها، ووجد السيد غولدمان مقتولاً بقطع الرأس.

أداة الجريمة اختفت، ولم يُعثر على السكين، بيد أن الشرطة اكتشفت قفازاً ملطخاً بالدماء في مكان الحادث، وكثيراً من الشعر، والدماء، والألياف. والمحققون، الذين كانوا على علم بإساءة معاملة السيد سيمبسون (46 عاماً) السابقة ومكالمات زوجته وطلبها المساعدة، يعتقدون منذ البداية أنه هو القاتل. وجدوا آثار دماء في سيارته، وفي بيته، وعثروا على قفازٍ عليه دماء، يطابق القفاز الذي التُقط بالقرب من الجثتين، ولم يكن هناك أي مشتبه به آخر.

أسطول من السيارات يلاحق سيمبسون بسيارته البيضاء من طراز فورد برونكو (أ.ب)

بعد 5 أيام، وبعد أن حضر السيد سيمبسون جنازة نيكول مع طفليهما، وُجّهت إليه تهمة القتل، ولكنه هرب بسيارته «فورد برونكو» بيضاء اللون، وتبعه أسطول من سيارات دورية الشرطة والمروحيات الإخبارية في مطاردة تلفزيونية بطيئة على طول 60 ميلاً فوق الطرقات السريعة في جنوب كاليفورنيا.

استبقت الشبكات عرض المشهد في وقت الذروة، والتقطت كاميرات الأخبار في المروحيات بعضاً منه، وشاهده نحو 95 مليون شخص على مستوى البلاد لساعات عدّة. وقد اكتظت الممرات وجوانب الطرقات بالمتفرجين. وأغلقت الشرطة الطرقات السريعة، وتوقف سائقو السيارات للمشاهدة، وبعضهم يلوحون ويهتفون بمرور السيارة «برونكو» التي لم تتوقف. وأخيراً عاد السيد سيمبسون إلى منزله واحتُجز.

واستمرت المحاكمة التي تلت ذلك، 9 أشهر، من يناير (كانون الثاني) إلى أوائل أكتوبر (تشرين الأول) 1995، وأسرت حينها الأمة برواياتها الواهية عن جرائم القتل، وتكتيكات المدّعين العامين واستراتيجياتهم، والدفاع الذي شمل «فريق الأحلام» من جوني إل كوشران جونيور، وإف لي بيلي، وآلان إم ديرشوفيتز، وباري شيك وروبرت إل شابيرو.

صورة سيمبسون الصادرة عن قسم شرطة لوس أنجليس (أ.ف.ب)

كان لدى الادّعاء، بقيادة مارسيا كلارك وكريستوفر داردن، ما بدا أنه أدلة دامغة: اختبارات تُظهر أن الدم، وبصمات الأحذية، وخصلات الشعر، وألياف القميص، وخيوط السجاد، وغيرها من الأشياء التي وُجدت في مسرح الجريمة جاءت من السيد سيمبسون أو من منزله. واختبارات الحمض النووي تُظهر أن القفاز الدموي الذي عُثر عليه في منزل السيد سيمبسون يُطابق القفاز الموجود في مسرح الجريمة. ولدى المدّعين العامين أيضاً قائمة تضمّ 62 حادثة من سلوك السيد سيمبسون السيئ والعدائي ضد زوجته.

لكن مع سير المحاكمة أمام القاضي لانس إيتو وهيئة المحلفين المؤلفة من 12 عضواً، التي كانت تضمّ 10 أشخاص من السود، أصبح واضحاً أن التحقيق الذي تجريه الشرطة كان مشككاً به. فقد فُقدت الأدلة المصورة أو صُنّفت بشكل خاطئ، وجُمع الحمض النووي وخزّن بشكل غير صحيح، ممّا يثير احتمال تلوثه. واعترف المحقق مارك فورمان، وهو شاهد رئيسي، أنه دخل منزل سيمبسون ووجد القفاز المطابق وأدلة حاسمة أخرى. وكل ذلك كان من دون مذكرة تفتيش.

سيمبسون في المحكمة العليا في لوس أنجليس 1994 (أ.ف.ب)

«إذا كانت القفازات غير مناسبة»

جادل الدفاع، ولكن لم يثبت أبداً، أن السيد فورمان زرع القفّاز الثاني. لكن الأسوأ هو الهجوم على تاريخه الحافل بالتصريحات العنصرية. وأقسم السيد فورمان بأنه لم يستخدم لغة عنصرية منذ عقد من الزمن. ولكن 4 شهود ومقابلة إذاعية مسجلة أُجريت مع هيئة المحلفين تعارضت معه وقوّضت مصداقيته. (بعد المحاكمة، لم يطعن السيد فورمان على تهمة الشهادة الزور. وكان الشخص الوحيد الذي أُدين في القضية).

وفيما عدّ خطأ فادحاً في المحاكمة، طلب الادعاء من السيد سيمبسون، الذي لم يُستدعَ للشهادة، أن يجرب ارتداء القفازات. ولقد كافح من أجل ذلك. ويبدو أنها كانت صغيرة للغاية.

وقال السيد كوشران لهيئة المحلفين في وقت لاحق: «إذا لم يكن القفاز مناسباً، فيجب عليكم تبرئته».

وفي النهاية، كان الدفاع هو صاحب القضية السّاحقة، مع العديد من الأسباب التي تدعو إلى الشك المعقول، وهو معيار البراءة. ولكنها أرادت المزيد. وصُوّرت شرطة لوس أنجليس على أنها عنصرية، واتهمت رجلاً أسود ظُلماً، وحثّت هيئة المحلفين على التفكير فيما وراء الذنب أو البراءة وإرسال رسالة إلى مجتمع عنصري.

سيمبسون يدلي بشهادته خلال جلسة استماع للأدلة في محكمة بلاس فيغاس 2013 (رويترز)

في يوم صدور الحكم، اجتاحت قصّاصات الأوتوغراف، وبائعي القمصان القصيرة، والخطباء، والمصورين الصحافيين سلالم المحكمة. وبعد ما أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام اسم «محاكمة القرن»، حيث قدمت 126 شاهداً، و1105 من الأدلة، و45 ألف صفحة من النصوص، تداولت هيئة المحلفين، (المنعزلة لمدة 266 يوماً، أطول من أي وقت مضى في تاريخ كاليفورنيا)، لمدة 3 ساعات فقط.

تجمّدت الحياة لدى كثير من الأميركيين. وتسمّر الناس في المنازل، والمكاتب، والمطارات، ومراكز التسوّق يتابعون المحاكمة. حتى أن الرئيس بيل كلينتون غادر المكتب البيضاوي للانضمام إلى فريق السكرتارية لمتابعة القضية. وفي المحكمة، تردّدت صرخات «نعم!» و«لا!» في كل أنحاء الأمة، فالحكم أبهج كثيرين من السود، وترك كثيرين من البيض في حالة ذهول.

في أعقاب ذلك، أصبح السيد سيمبسون والقضية مصدراً أولاً للعروض التلفزيونية الخاصة، والأفلام، وأكثر من 30 كتاباً، غالبيتها بواسطة المشاركين الذين حقّقوا الملايين. وأنتج السيد سيمبسون مع لورانس شيلر كتاباً عنوانه: «أريد أن أخبرك»، وهو عبارة عن مجلّد رقيق من الرسائل، والصور الفوتوغرافية، والتعليقات المبرّرة ذاتياً، بيعت منه مئات الآلاف من النسخ، وحقق سيمبسون أكثر من مليون دولار من ورائه.

سيمبسون في محكمة مقاطعة كلارك بلاس فيغاس عام 2013 (أ.ف.ب)

بعد 474 يوماً من الاحتجاز أطلق سراح سيمبسون، بيد أن محنته لم تنتهِ، فقد أُعيد إحياء جانب كبير من القضية من أجل الدعوى المدنية التي رفعتها ضدّه عائلتا غولدمان وبراون. وكانت هيئة المحلفين ذات الأغلبية البيضاء التي تتمتع بمستوى أقل من الأدلة، قد حمّلت السيد سيمبسون المسؤولية، ومنحت العائلات تعويضات هائلة قُدرت بنحو 33.5 مليون دولار. وكانت هذه القضية المدنية، التي استبعدت القضايا العرقية بوصفها تحريضية وتخمينية، بمثابة تبرئة من نوع ما للعائلات، وضربة للسيد سيمبسون، الذي أصر على أنه لا يملك فرصة لسداد التعويضات المطلوبة على الإطلاق.

خدمة: «نيويورك تايمز»*


مقالات ذات صلة

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

يوميات الشرق لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

نيو هامبشاير من الولايات القليلة في الولايات المتحدة التي لا توجد بها مدرسة مخصَّصة للصم. ويُعدّ بن الطالب الأصمّ الوحيد في منطقته التعليمية بأكملها...

«الشرق الأوسط» (نيو هامبشاير (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح وسعرها 1300 جنيه إسترليني تُباع في متجر حلويات في غرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)

يورغو شلهوب: الإحساس الفطري هو الأساس في التمثيل

يورغو شلهوب قدَّم في «المحافظة 15» أداءً مؤثراً لشخصية «فؤاد» عبر دراسة نفسية، وتجارب معتقلين حقيقيين، ما منح الدور واقعية كبيرة.

فيفيان حداد (بيروت)

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.