مسلسلات رمضان بين المميّز والأقل تميّزاً وغير المُوفَّق

الموسم لمعت فيه أسماء أكثر مما تألّقت نصوص

الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
TT

مسلسلات رمضان بين المميّز والأقل تميّزاً وغير المُوفَّق

الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية
الأعمال الرمضانية متفاوتة القيمة الفنية

أثرُ بعض المسلسلات، لم ينقذ الموسم الرمضاني من ضعف طاغٍ. شاهدنا 4 أعمال مشتركة (لبنانية – سورية) و6 سورية؛ القيِّم بينها قليل. مسلسلات انطلقت بانطباع، وانتهت بآخر. الحلقات الثلاثون فضحت الخواء وأكدت التطويل. هذا موسم لمعت فيه أسماء أكثر مما تألّقت نصوص. بقيادة ممثلين، وصلت أعمال إلى برّ الأمان، من دون أن يُبحر بعضها بالضرورة نحو مكانه المحفوظ في الذاكرة. التأثير ليس دائماً الإفراط في قتل الشخصيات. هو العِبرة مما يجري.

الأكثر تميّزاً

معيار التصنيف القيمة الفنية فقط. فالمسلسل السوري «مال القبان» حمل دلالات، تألّق، وتصدَّر قائمة الأفضل. هنا «سوق الجبر» بمثابة سوريا؛ والتلاعب بالأسعار، والاحتكار، وشراهة التجار، اختزالات لقسوة الواقع على إنسانها. استطاع نصُّ الكاتبين علي وجيه ويامن الحجلي، أمام كاميرا المخرج سيف السبيعي، رواية مرحلة تُباع فيها ضمائر فيدفع ناسها الثمن، ويأتي الندم متأخراً. ذلك تقدَّم بسردية لافتة بيَّنت قيمته الفنية، والمعنى خلف السطور ضمن إسقاطات لمّاعة على المجتمع المعاصر.

«مال القبان» أفضل المسلسلات السورية

ودراما هذا الموسم شهدت مسلسلَي قضية. الأول لبناني مع حضور سوري يمثّله مهيار خضور وضيفة الشرف ديمة الجندي. فمسلسل «ع أمل»، انتشل صوت النساء من الخفوت. إصبعه مباشر على الجرح، وضميره صاحٍ. أمام كاميرا المخرج السوري رامي حنا، تقدّمت مشهدية الظلم. فنصُّ الكاتبة اللبنانية نادين جابر صوَّر حالة قابلة للإسقاط على كل مجتمع تُساق فيه المرأة إلى مصير يقرّره الرجل. بإمكان ما لا تُحقّقه مظاهرة أو احتجاج، أو مطالبة بعدالة لا تلقى صدى، أن يفعله هذا المسلسل. وهنا مكانته. دفع قضايا النساء نحو مزيد من الضوء، وتصدَّر الموسم.

«ع أمل» حرَّك الشارع (لقطة من الحلقة الأخيرة عن صفحة مهيار خضور)

مسلسل القضية الآخر هو «أغمض عينيك». عمل سوري أمين لحكاية المصابين باضطراب طيف التوحّد، والتعايش في مجتمعات غير مجهَّزة لاحتواء «المختلف». كتب أحمد الملا ولؤي النوري نصاً هدفه إعلان الحب وإعلاء دوره في الاحتضان والشفاء وردِّ الروح. أحياناً راوح مكانه، لكنه ظلَّ راقياً في معالجته، لا يبحث عن موقع وسط السرب. تتبَّع رحلة المُتوحِّد من طفولته إلى شبابه. أحاطه بالأخيار والأشرار، وقدَّم عِبرة من كل موقف. كان مدرسة من حيث لا يدري. أضاء على ظلمات ونوَّر الدروب. والأهم أنه أيقظ الوعي حيال التعامل مع الحالات الخاصة. هنا، صبَّ اهتمامه، وتألَّق. والنتيجة دراما دافئة، تصنع التأثير ولا تتبع المألوف.

أمل عرفة تألّقت بشخصية «حياة» في مسلسل «أغمض عينيك» (حسابها الشخصي)

«تاج» أيضاً من الأعمال المتصدِّرة والواثقة بمكانتها وإن كثُر المتنافسون. هذا المسلسل السوري سرَدَ مرحلة، واستعاد حقبة. نصّ عمر أبو سعدة، وكاميرا سامر البرقاوي، تخطّيا المُنتَظر من دراما الاحتلال الفرنسي لسوريا، إلى الانغماس في مشهدية كاملة تحبس النَفَس. كانت دمشق في أوج حضورها، وشبابها وشاباتها أمام أدوارهم المؤثّرة. مسلسلٌ أبعد من إدانة لاحتلال. إنه تحية لتضحيات، ولزمن سوري جميل عَبَر الترومواي في شوارعه، وتألّق بحركته الثقافية، والتعايش الاجتماعي، ودور المرأة في كتابة تاريخه.

«تاج» أحد أهم وأضخم الإنتاجات السورية (البوستر الرسمي)

الأقل تميّزاً

الصنف المتميّز، تليه أعمال أقل تميّزاً. يمكن تصنيف «ولاد بديعة» بين المنزلتين، بعدما تألّق بقسمه الأول، وارتبك مع مرور الحلقات، فضلَّ طريقه نحو المرتبة الأولى. شخصياته في الصدارة. لكنّ نصّ علي وجيه ويامن الحجلي وقع في المراوغة رغم براعة الحوارات. فالمسلسل لم يقل إنّ الساقي سيُسقى بما سقى، إلا بالإفراط في تصوير كلّ شيء أسود. تناول عناوين منها التفكُّك، والماضي القذر، وضريبة المكان، والإنسان الوحش، وحين قال كل ما لديه، ملأ الحكاية بما هدفه إطالة عمرها.

«ولاد بديعة» أمكن أن يتصدَّر المشهد لولا التطويل (لقطة من الحلقة الأخيرة)

لننتقل إلى «العربجي 2». أجَّج حكايته بإدخال ابنة المتصرّف في اللعبة، وبالمواجهة مع «الظلّ»، وعرف كيف يشدّ الأنظار. استمرار الحكاية لم يأتِ بما يضيف إلى نجاحاتها السابقة فارقاً جوهرياً، رغم استطاعته الدفع بإيقاعه إلى الأمام كلما قلَّ وهجه. هذا مسلسل تشويق، أفرد المساحة الكبرى لتألُّق بطله «عبدو» (باسم ياخور بأداء ممتاز)، وتأكيد مهارة ديمة قندلفت في جَعْل شخصيتها، «بدور»، رافعة العمل.

«العربجي» حافظ على إيقاعه المتصاعد (الشركة المُنتِجة)

أعمال لم تُوفَّق

مسلسل «2024» من بطولة نادين نجيم، أحدها. عالم المطاردات، والشرطة والأكشن، ضمن نصّ بدا متراخياً، لخفوت لمعاته الحوارية وتسلُّل فراغات إلى سياقه. لم يأتِ بـ«نفضة» للمشهد المألوف عندما يتعلّق الأمر بالقبض على تاجر مخدرات (لا بدّ أن يُقتل في النهاية ويتزوّج البطلان!). جزء ثانٍ لم يكن من داعٍ له.

مسلسل «2024» أمكن أن يكون أفضل (لقطة من المسلسل)

مسلسل آخر يلتحق بما لم يشكّل قيمة كبيرة، هو «نقطة انتهى». تحرَّك بعدما طال تحرُّكه، لكنّ خُطاه ظلّت مُكبَّلة. حاولت قصّته (فادي حسين) عبور مسار مختلف لحكاية العصابة والضحية والابتزاز والورطة، فأتى الإيقاع بطيئاً، والأثر قليلاً. شيء ما ظلَّ مفقوداً، من دون أن يشكّل مزيد من جرائم القتل حصانه الرابح. أمكن ربّانٌ ماهر التحايُل على الأمواج وإنقاذ المركب من الغرق، لكنّ المخرج محمد عبد العزيز لم يقدّم أفضل ما لديه. حَرَم القصة مجالاً لإثبات نفسها، رغم حضور ندى أبو فرحات العفوي وأسماء من قيمة، فلم تنل ما طمحت إليه، وإنْ استحقّت فرصة.

«نقطة انتهى» لم يكن بين الأفضل (البوستر الرسمي)

مما لم يُوفَّق أيضاً، المسلسل اللبناني – السوري «نظرة حب». عملٌ لم يُشكّل إضافة تُذكَر. ضربه ممل، ولم يحافظ على ماء وجهه. نيّته تقديم الحب بقالب فلسفيّ عذب، اصطدمت بتنفيذ حوَّل النيات أمنيات ضائعة. الفكرة مقدَّرة، لو أُلحِقت بنصّ متماسك وإخراج رشيق يشدّ الانتباه. لم يحدُث. كان الظنّ أنّ حضور باسل خياط يضمن النتيجة، وحلَّت خيبة. كارمن بصيبص أدّت مَشاهد جيدة في مسلسل سيئ.

«نظرة حب» نياته الحسنة أضرَّها تنفيذه (البوستر الرسمي)

سوء التنفيذ لاحق أيضاً مسلسل «كسر عضم السراديب»، غير الموفَّق بالعودة في جزء ثانٍ. الموضوع الأمني، والفساد، والتجاوزات، وحُكم القوي على الضعيف، والإنسان السوري المُعلّق من عنقه، مقاربات مهمّة لو صُبَّت بقالب متين، وأمسكتها كاميرا أكثر ثقة بنفسها. الرهان على نجاح سابق، لا يضمن نجاحاً آتياً. المسلسل «ضحية» هذا الرهان الخاسر.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».