ناتاشا شوفاني لـ«الشرق الأوسط»: منذ قراءتي الأولى لنصّ «تاج» أدركتُ اختلافه

تطلُّ قريباً في «ترتيب خاص» بشخصية تُشبهها في الواقع

أُعجبت بشخصية «ماريون» التي تجسّدها خصوصاً أنها واقعية (صور الفنانة)
أُعجبت بشخصية «ماريون» التي تجسّدها خصوصاً أنها واقعية (صور الفنانة)
TT

ناتاشا شوفاني لـ«الشرق الأوسط»: منذ قراءتي الأولى لنصّ «تاج» أدركتُ اختلافه

أُعجبت بشخصية «ماريون» التي تجسّدها خصوصاً أنها واقعية (صور الفنانة)
أُعجبت بشخصية «ماريون» التي تجسّدها خصوصاً أنها واقعية (صور الفنانة)

تُحقّق الممثلة اللبنانية ناتاشا شوفاني نجاحات درامية متتالية، حتى بات المخرجون يدركون طبيعة الأدوار اللائقة بشخصيتها. فاسمُها على لائحة الدراما العربية المشتركة، والخليجية، والسورية. توكل إليها مهمّة تجسيد شخصيات تُبرز موهبتها في المكان المناسب.

وفي موسم رمضان الماضي، تابعها المشاهد العربي بدور الطالبة الجامعية «هناء» ضمن مسلسل «سفر برلك». لفتته بأداء صُقل بتجارب متراكمة بدأتها في الدراما منذ عام 2013. حينها، شاركت في مسلسل لبناني بعنوان «اخترب الحي»، وبعدها أطلّت في مسلسلات «الحجرة»، و«الثمانية»، و«دكة العبيد» وغيرها، بخطى ثابتة وواثقة.

تُشارك حالياً في مسلسل «تاج» الذي يحظى بنسبة مشاهدة عالية لبنانياً وعربياً، وتؤدّي دور الطبيبة الفرنسية «ماريون» التي تغلِّب إنسانيتها على انتمائها، فتُساند المقاومة السورية ضدّ الاحتلال الفرنسي، وتدعم شبابها. ومع الممثل جوزيف بو نصار، كانا اللبنانيَيْن الوحيدَيْن المشاركَيْن في هذا العمل السوري؛ مما اضطرّهما إلى التحدُّث بلهجة أهل هذا البلد، فوقائع القصة تفرض ذلك، إذ تدور حول حقبة الانتداب. تُعلّق الممثلة: «كان من الطبيعي أن أتحدّث باللهجة السورية، نظراً إلى الحبكة والأحداث. المطلوب الأداء المقنع، وعلى أي حال هي لهجة جميلة وإجادتي لها كانت تحدّياً».

تؤدّي في «تاج» دور طبيبة فرنسية مُساندة للمقاومة السورية (صور الفنانة)

تتحدّث لـ«الشرق الأوسط» عن تجربتها في «تاج»، وتصفها بالممتعة. فمنذ قراءتها الصفحات الأولى للنصّ، تحمّست للمشاركة: «شعرتُ على الفور أنه مسلسل مختلف، بعدما رسمتُ دوري في خيالي».

ما كثَّف حماستها، هو تعاونها مجدّداً مع المخرج سامر البرقاوي. فسبق أن وقفت أمام كاميرته في مسلسلات؛ بينها «شبابيك» و«الهيبة 3»، وأدركت أنّ أجواء العمل ستكون رائعة لأنها من المعجبين بأسلوبه الإخراجي. تصفه بالهادئ وصاحب العين الثاقبة، وتشير إلى أنها لاحظت شغف فريق العمل منذ الاجتماع الأول: «كانوا يدقّقون بكل تفصيل ويستفهمون عنه. وما أكّد صواب خياري، رؤيتي عملية بناء منطقة المرجة القديمة في سوريا. الجميع من مهندسين ومعماريين وتقنيين كان منهمكاً بنسخ صورتها على أكمل وجه. ونجحوا في ذلك بعدما لاحظنا التشابه الكبير بين المدينة المستحدثة والقديمة».

تؤدّي في «تاج» دور طبيبة فرنسية مُساندة للمقاومة السورية (صور الفنانة)

تطلّب مسلسل «تاج» إنتاجاً ضخماً وصفه صاحب الشركة المُنتِجة صادق الصبّاح بالقول: «من الصعب تكرار عمل مشابه له، ولو بعد 10 سنوات». ومَن يتابعه، يلمس الإتقان في تصويره، وتصميم أزياء شخصياته، وضخامة عدد الممثلين بينهم «الكومبارس». توضح شوفاني: «اهتمّ الجميع بالمسلسل ليرتقي إلى المستوى المطلوب. حتى فريق (الكومبارس) انجذب إلى أحداثه، كأنه أحد أبطاله. كان (تاج) الطفل الصغير الذي يريد الجميع المساهمة في نشأته».

تصف ناتاشا شوفاني شخصية الطبيبة «ماريون» بالإنسانية والحاضرة للقيام بما يخدم مبدأها، فتُطبّق الصحّ ولو على حساب انتمائها الفرنسي. وتضيف: «أحببتُها جداً، وذبتُ في خطوطها وأعدُّها نموذجاً للمرأة المستقلّة والحرّة والمثقفة في حقبة الأربعينات. فهي لا تخاف السلطة، وشُجاعة لا ترهبها المواقف الخطيرة. ولأنها طبيبة في مستشفى يستقبل يومياً عشرات الجرحى، احتكّت بالموت، وباتت جاهزة له. كما أنها تمتاز برومانسية تُترجمها بعلاقة جميلة مع الصحافي سليم (كفاح الخوص) المُقاوم للانتداب».

وتؤكد أنّ «ماريون» مبنية على شخصية حقيقية تعلّقت ببلاد الشام وأقامت في دمشق... ولكن هل مِن نقاط تشابه بينهما؟ تردّ: «أعمل في قسم إدارة الكوارث بمؤسّسة (الصليب الأحمر) اللبنانية. تماهيتُ مع الشخصية من باب تجارب عشتُها مع أمي وبعض أصدقائي في قسم الإسعاف. لا أعلم إنْ أضفتُ إليها مني أو استعرتُ من تصرّفاتها وأفكارها. لكننا بالتأكيد متشابهتيْن بالحسّ الإنساني الذي نتمتّع به».

شكّلت مع الممثل كفاح الخوص ثنائياً متناغماً (صور الفنانة)

تهوى شوفاني قراءة التاريخ منذ الصغر، وكوَّنت فكرة وافية عن حقبات مرّت بها المنطقة، لا سيما ما عاشه لبنان وسوريا قبل الاستقلال. وفي الشخصية، غرفت من معلوماتها لتُضفي الواقعية على دورها: «ما همّني هو التقرُّب قدر الإمكان من فكر (ماريون)، لأنها تؤمن بأنّ الجميع متساوون، فلا تُفرّق بين عِرق وجنسية ولون ومذهب. شخصيتها الحلوة أثّرت بي، فنقلتُها امرأةً مستقلّةً وموضوعية وحنونة وقوية».

أما الصعوبات التي واجهتها في «تاج»، فتختصرها بطول وقت التصوير، خصوصاً أنه يرتكز على عدد كبير من الممثلين و«الكومبارس»: «لكل عمل صعوباته، لكننا كنا سعداء في إنجاز مشروع من هذا النوع مع فريق متناغم ومنسجم».

خاضت شوفاني تجارب عدة في الدراما التاريخية، من بينها «دكة العبيد». تعترف بأنها تتميّز بنكهة خاصة، وتعلّق: «أحب المسلسلات التاريخية، لكنني أركّز دائماً على النصّ ورسالته. فطبيعة دوري، متى دارت في هذا الاتجاه، أكون سعيدة بأي نوع درامي أشارك فيه».

قبل أيام، انتهى تصوير «تاج»، وتحتفظ شوفاني بذكريات جميلة مع جوزيف بو نصار، وكفاح الخوص، وبسام كوسا، وتيم حسن وجميع الممثلين: «شخصية الكولونيل (جول) القاسية التي أدّاها بو نصار لا تشبهه. فهو رجل هادئ ولطيف أحببتُ كثيراً التعاون معه. وبالنسبة إلى كفاح الخوص، فقد تعلّمتُ منه كثيراً. إنه أستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية بسوريا، يعرف كيف يوجّه الممثل أمامه وكيف يريحه. كذلك تيم حسن وبسام كوسا، فسبق وعملت معهما في (سرّ) و(الهيبة)».

من زفاف الطبيبة الفرنسية والصحافي السوري ضمن أحداث المسلسل (صور الفنانة)

تطلّ قريباً في دراما جديدة بعنوان «ترتيب خاص»، من إنتاج «فالكون فيلم» للمُنتج رائد سنان، تُعرض عبر منصّة «أمازون»، من إخراج ميار النوري، وبطولة ماكسيم خليل، وفؤاد يمّين، وكارول الحاج. توضح: «أجسّد شخصية فتاة تعاني ضعفاً في السمع وتضع جهازاً في أذنها لتسمع جيداً. وهو أمرٌ أعانيه، وتفاجأتُ بموضوع المسلسل وتناوله هذه الحالة. تشاركتُ والمخرج في كيفية صنع المشهد ليلامس واقعاً أعيشه».

وعن نهاية «تاج»، تختم لـ«الشرق الأوسط»: «القصة مبنية على أحداث حقيقية، وعليكم المتابعة حتى النهاية، وعندها ستتعرّفون إلى مصير علاقة الطبيبة (ماريون) مع حبيبها الصحافي (سليم)».


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.