مهيار خضّور لـ«الشرق الأوسط»: تفاعُل المُشاهد مع «ع أمل» يغسل تعبنا

يَعِد بأحداث ومفاجآت قبل انكشاف اللغز

يترجم مهيار خضّور بلغة جسد مُتقنة أداءه التمثيلي (صور الممثل)
يترجم مهيار خضّور بلغة جسد مُتقنة أداءه التمثيلي (صور الممثل)
TT

مهيار خضّور لـ«الشرق الأوسط»: تفاعُل المُشاهد مع «ع أمل» يغسل تعبنا

يترجم مهيار خضّور بلغة جسد مُتقنة أداءه التمثيلي (صور الممثل)
يترجم مهيار خضّور بلغة جسد مُتقنة أداءه التمثيلي (صور الممثل)

يلفت الممثل السوري مهيار خضّور، أحد أبطال المسلسل الرمضاني «ع أمل»، بشخصية الأستاذ الجامعي «نبال»، مُشاهده بأداء محترف.

تميّزه يعود لتمرّسه في عالم الرقص التعبيري منذ بداياته. يترجم حواراته كمن يرسم لوحات، فيستخدم لغة جسد يُعبّر فيها عن مشاعر الشخصية بإتقان، لتلامس القلوب، لا سيما أنه يصقلها بحضور خاص.

في المسلسل، ينجح خضّور في تقديم شخصية مركبة تُضاف إلى مشواره التمثيلي. فهي تتخبّط وسط مشاعر متناقضة يكتنفها الغموض. ومنذ لحظاتها الأولى، تدفع بالمشاهد إلى التساؤل عن سرّها وغاياتها. فما يفهمه هو أنه ينوي الانتقام من بطلة العمل «يسار» (ماغي بو غصن)، ومع مرور الحلقات، يبدأ تفكُّك الألغاز التي يتركها كألغام على وشك أن تنفجر.

يجسّد خضّور دور الأستاذ الجامعي الراغب في الانتقام (صور الممثل)

يقول مهيار خضّور لـ«الشرق الأوسط» إنه منذ قراءته الأولى للدور، استنبط فيه خطاً تمثيلياً جديداً: «أجريتُ مناقشات مع كاتبته نادين جابر، ومخرجه رامي حنا، لأضعه على الخطّ المستقيم. ارتكاز الشخصية على عوالم مبطّنة تضمر عكس ما تُظهره، يجعل تركيبتها صعبة، مما يستدعي الإبحار في عملية إيصالها إلى المُشاهد ليفهمها بسهولة. ومثل سلّم موسيقي يتصاعد بأسلوب (الكريشاندو)، تتفكّك معالمها تدريجياً، وهو ما يميّزها عن أي شخصية نمطية واضحة المعالم».

أسوةً بلقاء أول بين طرفين يصعب فيه تكوين فكرة واضحة عن الآخر؛ يصف خضّور لقاءه بالشخصية: «من البديهي استغراق الأمر وقتاً لأتشرّب طبيعتها، فلا أستطيع اكتشافها منذ اللحظات الأولى. كما أنّ (نبال) يعاني حالة نفسية، فتراوده هواجس تتعلّق بمرض الوسواس القهري، إضافة إلى نوبات هلع. استغرقتُ وقتاً لإيجاد الطريقة الأفضل لإيصال الشخصية. وحاولت استخدام كل الأدوات التي تفيدني في هذه المسألة. كان المطلوب مني الدخول في تفاصيلها لأعبّر عنها بحركة يد، وبنظرة، أو عبارة تزوّدها بالدفق التمثيلي».

يحبّ خضّور مشاعر الخوف التي تعتريه عند التصوير والعرض (صور الفنان)

وعن كيفية اختياره أدواره، يوضح بأنه عادة ما يبحث عما يُجدّد مسيرته: «يهمّني دور أستطيع الإضافة إليه ويحفّزني على الإعجاب به لألعبه. دائماً تكون النتائج مجهولة وفق الجهد المبذول، والتوقّعات بمثابة كتاب مُغلق، لا نضمن ماذا نقرأ فيه. فكلّ شيء يعود إلى ردّ فعل المشاهد وتفاعله».

يركز مهيار خضّور في خياراته على عناصر العمل مكتملةً، وكما المخرج والكاتب، يهتمّ بالممثلين والجهة المُنتجة. التمثيل برأيه «صناعة كغيرها من الصناعات، تتطلّب الدقّة والتفاني، والمطلوب اتّباع خطوات مدروسة، لا عشوائية».

يُعد اليوم واحداً من أبطال الشاشة العربية المحبّبين إلى المُشاهد. فقد حجز لنفسه مكانة مهمة في الدراما المشتركة، تُعزّزها النجاحات؛ فهل يخشى على موقعه من الاهتزاز؟ يردّ: «يجب أن أخاف، وهذا يصبّ في خانة المسؤولية. كل منا يعمل لإنجاز طموحات كثيرة. ومنذ بداية مشواري قبل 16 عاماً، أنجزتُ الكثير. من الضروري أن أبقى حذراً، فأُقدم دائماً على الخطوة اللازمة. لا أحد يدخل هذا المجال من دون أحلام وأفكار. لكنني أؤمن دائماً بالجهد الفردي، ولا بدّ أن يصبّ وجوده، مع الطموح، في مصلحة المهنة».

برأي خضور، الشعور بقليل من عدم الرضا يدفع صاحبه إلى الأمام، «لذلك أطالب نفسي دائماً بالأفضل والأصعب مهما بلغ صدى النجاح».

يُبدي خضّور سعادته بتعاونه مع «إيغل فيلمز» (صور الممثل)

يتحدّث عن الشراكة مع شركة «إيغل فيلمز»، ويعدّها «جيدة ومهمة، ويمكنها أن توصل إلى أماكن قادرة على إحراز الفارق، ومن الجميل أن أكون جزءاً من مشاريعها». هل يعني هذا أنه بات ينتمي إلى إنتاجاتها حصراً؟ يردّ: «لا، فارتباطي بها له علاقة ببناء الأفضل، ولا يرتكز على ناحية الانتماء. فهي بيتي وعائلتي، وأشعر بالسعادة عندما أتعاون مع شركة رائدة في عالمنا العربي».

استمتع خضّور في تجربة «ع أمل» من نواحٍ كثيرة، من بينها وجود المخرج رامي حنا. فمكانته لديه تعود إلى بداياته: «إنه مخرج من الطراز الرفيع يهتمّ بالممثل بتفانٍ، ويساعده على تجسيد الشخصية كما يجب. يلتقط أفكاره بسرعة ويترجمها بكاميرته، مما يولد الشعور بالطمأنينة لدى الواقف أمامها».

الخوف يراوده منذ المرحلة الأولى لقراءته الدور، مروراً بآلية التصوير، ووصولاً إلى توقيت العرض. ولكنه يحبّه ويتماهى معه: «أجلد نفسي مرات عندما أشاهدُ أدائي، وألاحظ أخطاء كثيرة وأدوّنها. ولكن هذا الخوف يمدّني بالقوة».

يلوّن خضّور دوره في «ع أمل» بـ«قفشات كوميدية تليق بأدائه، فيوصلها بعفوية بلا مبالغة». ولكن لماذا طعّم دور دكتور «نبال» بخفّة الظلّ؟ يردّ: «هو إطار تُبنى عليه بعض نواحي الشخصية، وأردنا نكهة تلطّفها، فتقرّبها من الناس، ومن (يسار)، التي تُردّد، تكراراً، بأنّ (نبال) يُضحكها. كانت الطرافة وسيلة لإغوائها، لا سيما أنها تغطّي حقيقة مشاعره نحوها». في هذا السياق، لا يستبعد دخول أعمال كوميدية إنْ أقنعه نصّ. وخلال دراسته الجامعية في المعهد العالي للتمثيل بدمشق، كانت له تجارب أحبَّها في هذا المضمار.

يرفض مهيار خضّور تقييم نفسه أو الادّعاء بأنه «أستاذ بالتمثيل»، فالتصنيفات يقرّرها الجمهور: «إنه رأسمالنا ومَن يضع المعادلات. وما نشهده اليوم من تفاعل مع المسلسل يسعدنا جداً، ويغسل تعبنا. هدفنا هو الدخول إلى قلوب الناس وعقولهم».

يَعِد خضّور بأحداث مفاجئة في الحلقات الأخيرة (صور الممثل)

مَشاهد عدّة برع في تقديمها، لا سيما تلك التي تطلّبت تجسيد دور مريض بالوسواس القهري يعاني نوبات هلع، وكذلك حين يتحدّث عن ذكرى ابنتيه اللتين يتّهم «يسار» بموتهما؛ فمتى تنكشف أسباب رغبته في الانتقام؟ يجيب: «هي ألغاز ستتفكك تباعاً، ليظهر المخفي في الحلقة الأخيرة. لا يزال ثمة كثير من الأحداث والمفاجآت، لنكتشف إنْ كان (نبال) جانياً أو ضحية».

وهل يفضّل النهاية السعيدة للعمل الدرامي؟ يردّ: «ليس بالضرورة أن تكون هكذا. الأمر يتعلق بسياق القصة وشخصياتها وما يناسبها. فلا تكون دائماً وردية؛ لأنّ الدراما تنبع أيضاً من واقعٍ فيه الحلو والمرّ. ولأنّ (ع أمل) واقعيّ، فيمكننا أن نستشف أحداثاً تشبه ما يحدُث في الحياة».

يختم خضّور بالحديث عن الانسجام الملحوظ بين الممثلين في المسلسل: «وُلد بيننا جميعاً تفاهُم وتناغُم كبيران، فشعرنا كأننا عائلة. تعلّمنا من بعضنا كثيراً، وكنا كرماء في تبادل الخبرات، مما رفع المستوى».


مقالات ذات صلة

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

يوميات الشرق آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

رغم مرور 33 عاماً على رحيل الفنان المصري عبد الله غيث، فإنه تصدَّر استطلاعاً للرأي حول أفضل فنان جسّد دوراً صعيدياً، وتصدر اسمه «الترند» على منصة «إكس» في مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)

الموسم الخامس لـ«اللعبة» يجدد الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات

جدد الموسم الخامس من مسلسل «اللعبة» الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات بعد ردود الفعل المتباينة التي نالها الجزء الجديد المعروض حالياً على منصة «شاهد».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

تنطلق أحداث مسلسل «الفرنساوي» من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة، فلا تبدو النصوص القانونية كضامن مطلق للحقيقة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان أحمد عزمي في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

أحمد عزمي: تجاوزت «الفترة الضبابية» بدعم يحيى الفخراني ووحيد حامد

أكد الفنان المصري أحمد عزمي أنَّ مسلسل «حكاية نرجس» الذي شارك في بطولته بموسم رمضان الماضي جذبه منذ الحلقات الأولى للسيناريو.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق أحمد السعدني - مهرجان مالمو

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

قال الفنان المصري أحمد السعدني إن تجربته في فيلم  «ولنا في الخيال حب» تمثل محطة مميزة في مشواره.

أحمد عدلي (القاهرة)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».