كسوف كلي للشمس قريباً... متى يحدث وأين يمكن رؤيته؟

صورة لمحطة الفضاء الدولية أثناء كسوف للشمس (أ.ب)
صورة لمحطة الفضاء الدولية أثناء كسوف للشمس (أ.ب)
TT

كسوف كلي للشمس قريباً... متى يحدث وأين يمكن رؤيته؟

صورة لمحطة الفضاء الدولية أثناء كسوف للشمس (أ.ب)
صورة لمحطة الفضاء الدولية أثناء كسوف للشمس (أ.ب)

سيحجب القمر الشمس تماماً عن ملايين الأشخاص في أميركا الشمالية على طول مسار يبدأ من المكسيك إلى الولايات المتحدة ثم كندا، في كسوف كلي للشمس في 8 أبريل (نيسان) المقبل.

وفيما يلي شرح لكسوف الشمس وأين سيحدث، وفقاً لوكالة «رويترز»:

ما الكسوف الكلي للشمس؟

عند كسوف الشمس الكلي، يمر القمر بين الشمس والأرض، ليغطي سطح الشمس بالكامل بطول مسار صغير من سطح كوكبنا. وهذا ما يسمى «طريق الكسوف». وتتحول السماء نهاراً إلى ظلام شبيه بغسق المغيب أو غبش الفجر. مما يحير الحيوانات الليلية ويجعلها تستيقظ ظناً منها أن الليل قد حل.

وفي الأماكن الواقعة على طول مسار الكسوف الكلي، سيتمكن الناس من رؤية هالة الشمس، وهي الغلاف الجوي الخارجي للنجم، والتي عادة ما تكون غير مرئية بسبب سطوع الشمس. وسيشاهد الأشخاص الذين يراقبون من خارج مسار الكسوف الكلي كسوفاً جزئياً يحجب فيه القمر معظم وجه الشمس، ولكن ليس كله.

وقد يفسد يوم غائم المشهد، خصوصاً أنه بعد هذا الكسوف، فإن الكسوف الكلي التالي للشمس الذي يمكن مشاهدته من الولايات المتحدة لن يحدث قبل عام 2044.

أين يمكن رؤيته؟

وفقاً لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، يبدأ الكسوف يوم 8 أبريل فوق جنوب المحيط الهادي، ويصل مساره إلى ساحل المكسيك على المحيط الهادي نحو الساعة 11:07 صباحاً بتوقيت المحيط الهادي، قبل دخول الولايات المتحدة في تكساس.

ثم يمر مساره عبر أوكلاهوما وأركنسو وميزوري وجزء صغير جداً من تينيسي وإيلينوي وكنتاكي وإنديانا وأوهايو، ومساحة صغيرة من ميشيغان، وبنسلفانيا ونيويورك وفيرمونت ونيوهامشير ومين.

ويدخل المسار بعد ذلك كندا في أونتاريو، وينتقل عبر كيبيك ونيو برونزويك وجزيرة الأمير إدوارد وكيب بريتون، ويخرج من أميركا الشمالية القارية على ساحل نيوفاوندلاند على المحيط الأطلسي بكندا، الساعة 5:16 مساء بتوقيت نيوفاوندلاند. ومن المقرر أن يكون الكسوف الجزئي مرئياً للناس في جميع الولايات الأميركية المتجاورة الـ48.

كسوف كلي للشمس سيشهده كثير من المناطق في 8 أبريل (أ.ب)

أين أفضل الأماكن لمشاهدة الكسوف؟

تقع بعض المدن الكبرى ومناطقها الحضرية في مسار الكسوف الكلي أو بالقرب منه، ومن بينها مازاتلان وتوريون في المكسيك، وسان أنطونيو وأوستن وواكو وفورت وورث ودالاس في تكساس، وليتل روك في أركنسو، وسانت لويس في ميزوري، ولويزفيل في كنتاكي، وإنديانابولس في إنديانا، ودايتون وكولومبوس وتوليدو وكليفلاند في أوهايو، وديترويت في ميشيغان، وإيري في بنسلفانيا، وبوفالو وروتشستر وسيراكوز في نيويورك، وهاملتون وتورنتو ومونتريال في كندا.

ما اتساع طريق الكسوف؟

في 21 أغسطس (آب) 2017، شهد ملايين الأشخاص كسوفاً كلياً للشمس عبر مساره داخل الولايات المتحدة المتجاورة. ومسار الكسوف الكلي في 8 أبريل سيكون أوسع من مسار عام 2017، لأن القمر كان بعيداً قليلاً عن الأرض في ذاك الكسوف. ووفقاً لـ«ناسا» تراوح عرض المسار في عام 2017، ما بين 100 و114 كيلومتراً، بينما سيتراوح عرض مسار العام الحالي ما بين 174 و196 كيلومتراً، أي أن مساحته أكبر. ومن المقرر أيضاً أن يمر مسار الكسوف هذا العام فوق مناطق أكثر كثافة سكانية من تلك التي حدثت في عام 2017.

ماذا سنرى أثناء الكسوف؟

يحدث الكسوف الكلي للشمس عبر بضع مراحل منفصلة.

فهو يبدأ بمرحلة كسوف جزئي، حيث يبدأ القمر بالمرور بين الأرض والشمس، فيحجبها جزئياً، ويترك الشمس تبدو كأنها على شكل هلال.

في مرحلة تالية، تعرف باسم خرزات بيلي، تشرق نقاط ضوء من الشمس حول حواف القمر، بسبب تضاريس القمر غير المنتظمة، مما ينتج حبات صغيرة من الضوء.

وفي مرحلة الخاتم الألماس، تظهر نقطة مضيئة واحدة على طول حافة القمر حين يترك الغلاف الجوي للشمس حلقة من الضوء حول القمر. وتظهر الصورة كأنها خاتم ألماس. وهذه الظاهرة تسبق الكسوف الكلي.

وبعد الكسوف الكلي، تتكرر المراحل الأخرى حيث يستمر القمر في التحرك على طول مساره حتى ينتهي الكسوف.

القمر يغطي الشمس خلال كسوف كلي يوم 21 أغسطس 2017 (أ.ب)

كيف يختلف هذا عن الكسوف الحلقي للشمس؟

في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شهد الناس على طول الطريق الممتد من شمال غربي الولايات المتحدة المطل على المحيط الهادي عبر المكسيك وأميركا الوسطى وكولومبيا والبرازيل، كسوفاً حلقياً للشمس، وهو حدث مختلف قليلاً. ويحدث كسوف الشمس الحلقي عندما يمر القمر بين الشمس والأرض عندما يكون القمر عند أو بالقرب من أبعد نقطة له عن كوكبنا. وبالتالي، فهو لا يغطي الشمس بالكامل، ويترك ما يشبه «حلقة النار» في السماء.

كيف يمكنك مشاهدة الكسوف بأمان؟

يحذر الخبراء من أنه من غير الآمن النظر مباشرة إلى الشمس الساطعة دون استخدام وسائل حماية العين المتخصصة المصممة للنظر نحو أشعة الشمس. ووفقاً لهؤلاء الخبراء، فإن مشاهدة الكسوف من خلال عدسة الكاميرا أو المنظار أو التلسكوب دون استخدام مرشح شمسي خاص يمكن أن يسبب إصابة خطيرة للعين.

وينصحون باستخدام نظارات شمسية آمنة أو نظارة شمسية آمنة محمولة باليد، مشيرين إلى أن النظارات الشمسية العادية ليست آمنة لمشاهدة الشمس. اللحظة الوحيدة التي يمكن فيها إزالة حماية العين بأمان أثناء كسوف الشمس الكلي وهو الوقت القصير الذي يحجب فيه القمر سطح الشمس بالكامل.

ما حجم الأرض والقمر والشمس؟

سيغطي القمر وجه الشمس بالنسبة لمن ينظرون من الأرض فقط، لأن القمر في الواقع أصغر بكثير من الشمس، لكنه أقرب بكثير إلى كوكبنا. ويبلغ قطر القمر 3476 كيلومتراً، مقارنة بقطر الشمس الذي يبلغ نحو 1.4 مليون كيلومتر، وقطر الأرض 12742 كيلومتراً.

كيف يختلف كسوف الشمس عن خسوف القمر؟

يحدث خسوف القمر عندما تقع الأرض بين القمر والشمس ويغطي ظل كوكبنا سطح القمر. وهذا يجعل القمر يبدو معتماً من الأرض، وأحياناً بلون مائل للحمرة. ويمكن رؤية خسوف القمر من نصف الكرة الأرضية، وهي مساحة أوسع بكثير من كسوف الشمس.

الكسوف المستقبلي

قالت «ناسا» إن الناس في أنحاء مختلفة من العالم سيشهدون مزيداً من حالات الكسوف في الأشهر والسنوات المقبلة.

وسيحدث كسوف حلقي للشمس يوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، يمكن رؤيته في أميركا الجنوبية، مع كسوف جزئي مرئي في أميركا الجنوبية والقارة القطبية الجنوبية والمحيط الهادي والمحيط الأطلسي وأميركا الشمالية.

وسيحدث كسوف جزئي للشمس في 29 مارس (آذار) 2025، يمكن رؤيته في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا الشمالية وأميركا الجنوبية والمحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي.

وسيحدث كسوف جزئي للشمس في 21 سبتمبر (أيلول) 2025، ويمكن رؤيته في أستراليا والقارة القطبية الجنوبية والمحيط الهادي والمحيط الأطلسي.

وسيحدث كسوف حلقي للشمس في 17 فبراير 2026، ويمكن رؤيته في القارة القطبية الجنوبية، مع كسوف جزئي مرئي في القارة القطبية الجنوبية وأفريقيا وأميركا الجنوبية والمحيط الهادي والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي.

وسيحدث الكسوف الكلي التالي للشمس في 12 أغسطس (آب) 2026، ويمكن مشاهدته في غرينلاند وآيسلندا وإسبانيا وروسيا وجزء صغير من البرتغال، مع حدوث كسوف جزئي يمكن رؤيته في أوروبا وأفريقيا وأميركا الشمالية والمحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي والمحيط الهادي.


مقالات ذات صلة

رصد 2850 طائراً نادراً في محمية الملك سلمان ضمن برنامج تتبع «عقاب السهول»

يوميات الشرق تضم المحمية منطقة رئيسية للتنوع البيولوجي معترفاً بها دولياً وفق المعايير الخاصة بالطيور (واس)

رصد 2850 طائراً نادراً في محمية الملك سلمان ضمن برنامج تتبع «عقاب السهول»

أعلنت هيئة تطوير محمية الملك سلمان بن عبد العزيز الملكية رصد أكثر من 2850 طائراً جارحاً نادراً تقضي موسمها الشتوي داخل نطاق المحمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
بيئة منظر عام للحقول المزهرة حول قرية كاستيلوتشيو دي نورسيا في منطقة أومبريا بإيطاليا - 17 يونيو 2024 (إ.ب.أ)

تقرير: الشركات مدعوّة لحماية الطبيعة الآن أو مواجهة خطر الانقراض

ذكر تقرير صدر اليوم (الاثنين) أن فقدان التنوع البيولوجي يمثل خطراً على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي، وحض الشركات على التحرك فوراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تقف وحدها كأنها تعرف أن الزمن ليس في صفّها (غيتي)

«الشجرة الوحيدة» في ويلز... نجمة «إنستغرام» مهدَّدة بالاختفاء

قد يكون الوقت المتبقي لنجومية ما تُعرف بـ«الشجرة الوحيدة» على موقع «إنستغرام» قد أوشك على الانتهاء...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الطبيعة رفيقة طريق في رحلة التعافي (قصر كنسينغتون)

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

قالت أميرة ويلز، كيت ميدلتون، إنّ الطبيعة أدَّت دوراً محورياً في مساعدتها على التعافي من مرض السرطان...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما لا نراه تحت التربة... (تقنيات رايزوكور)

فطر يُنقذ الغابات... «قوى خارقة» تعمل تحت الأرض

تستخدم شركة رائدة في مجال تجديد وإعادة إحياء الغابات «القوى الخارقة» للفطر، إذ تُنتج حبيبات فطر مصنوعة بشكل خاص.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
TT

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

في ظلّ حرب قاسية تلفّ لبنان، يبحث المرء عمّا يُنسيه شبحها الذي يلاحقه. فنشرات الأخبار من جهة، والتقارير الصحافية من جهة أخرى، تفرض متابعتها. وإذا ما حاول الإفلات من الشاشة الصغيرة، فإن الإشعارات القصيرة التي يتلقّاها عبر هاتفه تُعيده إلى الأمر الواقع.

فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين تجد في الدراما الرمضانية ملاذها للهروب من تداعيات الحرب وأخبارها، فتلجأ إليها في لحظات التوتّر لتخفيف ضغط إنذارات القصف المُتتابعة.

يُحلّق المُتفرّج مع قصي خولي وكاريس بشار في مسلسل «بخمس أرواح» إلى عالم من الإثارة، وينتقل عبر «مولانا» إلى فضاء درامي مشوّق بقيادة المخرج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن. ومع مسلسلات مثل: «المحافظة 15»، و«بالحرام»، و«لوبي الغرام»، و«الست موناليزا»، و«على قد الحبّ» وغيرها، يجد المُشاهد برّ أمان ولو لساعات قليلة.

«المحافظة 15» من المسلسلات التي يتشوّق لبنانيون لمتابعتها (إنستغرام)

أحاديث اللبنانيين في زمن الحرب يطغى عليها الخوف والتحليلات السياسية. والجملة التي يردّدونها كثيراً، «شو بعرّفني؟»، تُشكّل بداية هذه الأحاديث ونهايتها؛ إذ لا يجدون بصيص أمل يتّكئون عليه لاستحضار طاقة رجاء، فلا حلول تلوح في الأفق.

من هنا، وجد المُتفرّج في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة. فالحلقات التي يتابعونها على مدى 30 يوماً تصل في النهاية إلى نقطة مُنتظرة. لذلك يشاهدونها صباحاً أو بعد الإفطار والسحور، آملين في لحظات راحة تبعد عنهم أجواء الحرب.

تقول لمياء، المقيمة في مدينة طرابلس، إنّ الأعمال الرمضانية أنقذتها من حالة اكتئاب حادّة كانت ستصيبها. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بداية الحرب كنتُ أتابع الأخبار دقيقة بعد أخرى، ثم لاحظتُ أنّ حالتي النفسية تتدهور بسرعة. قرّرتُ النأي بنفسي والتحوّل إلى متابعة الدراما الرمضانية. معها أجد استراحة بين جولة قصف وأخرى. فإذا انتهيتُ من حلقة من (مولانا) وكانت وتيرة الحرب لا تزال مرتفعة، أبحثُ عن دقائق راحة أخرى مع (بخمس أرواح). وعندما يشتدّ الأمر ويصبح هدير الطيران الحربي مسموعاً أكثر، أشاهد مسلسلاً آخر، حتى لو لم أكن قد تابعته منذ البداية».

«بخمس أرواح» ومتعة متابعة الثنائي قصي خولي وكاريس بشار (إنستغرام)

وما تقوله السيدة الطرابلسية ينطبق أيضاً على نايلة التي تسكن في منطقة بصاليم. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري كيف كنتُ سأواجه هذه الأيام الثقيلة من دون مسلسلات. أجدها العلاج الوحيد للتوتّر والأرق اللذَين يصيبانني إثر قصف منطقة أو أخرى. أجلس في صالة الجلوس، أقرمش رقائق البطاطا وأتابع مسلسلاً». وتضيف: «أحياناً، عندما ننعم بساعات هدوء حذر، ألهي نفسي بأعمال المطبخ. لكن المسلسلات وحدها قادرة على أخذي في رحلة حالمة أنسى معها كلّ ما يحيط بي».

لغز اكتشاف ابنة «جود» في «بالحرام» يُحيّر متابعيه (إنستغرام)

ويلجأ بعض اللبنانيين إلى الزيارات القصيرة للجيران لتسجيل نزهة خاطفة خارج المنزل. وفي أحيان أخرى، يتجمّعون في غرف آمنة ليتسلّوا بورق اللعب. لكن منى معيقل، من منطقة الأشرفية، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب تشلّ حركتي وتجعلني أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة. هذه المرة، وبفضل الشهر الكريم، حظينا بنعمة الدراما الرمضانية. فهي تُسلّينا وتُنسينا أجواء الحرب، لا سيما أنّ غالبيتها تحمل موضوعات جميلة. وبصراحة لم أعد أهتمّ بموعد انتهاء هذه الحرب الشعواء ومَن سيربح أو يخسر فيها. أشغلُ نفسي بفكّ ألغاز تطرحها مسلسلات عدة، بينها اكتشاف من ستكون ابنة (جود) في مسلسل (بالحرام)».

وتختم: «أحياناً أتعمَّد تفويت بعض الحلقات لأجمعها معاً. وعندما أشاهد 3 حلقات أو أكثر دفعة واحدة، أشعر كأنني حجزت لنفسي موعداً طويلاً يبعدني عن أخبار الحرب لساعات. كأنني أتناول طبق حلوى يسيل له اللعاب كلّما فكّرت به».


سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
TT

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)

كشفت دراسة أميركية عن أن جرعة واحدة من مادة «السيلوسيبين»، المركب النشط فيما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين.

وأوضح الباحثون من جامعة جونز هوبكنز أن العلاج بـ«السيلوسيبين» إلى جانب العلاج السلوكي المعرفي يوفر نهجاً مختلفاً وأكثر فاعلية لمساعدة المدخنين على التخلص من إدمان التبغ، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ التدخين أحد أبرز أسباب تدهور الصحة حول العالم، إذ يتسبَّب في نحو 480 ألف حالة وفاة سنوياً في أميركا وحدها، ونحو 8 ملايين وفاة عالمياً. ورغم رغبة كثير من المدخنين في الإقلاع عن هذه العادة، فإن العلاجات المتاحة حالياً غالباً ما تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد. وتشمل العلاجات التقليدية بدائل النيكوتين والأدوية المساعدة مثل فارينيكلين، إضافة إلى جلسات الإرشاد النفسي، إلا أن كثيرين يعودون للتدخين خلال 6 أشهر من بدء العلاج.

وتركز الدراسة السريرية على تقييم فعالية «السيلوسيبين»، وهو مركب مهلوس مستخلص من نوع من «الفطر السحري»، في دعم الإقلاع عن التدخين. ويجري حالياً اختبار المركب أيضاً لعلاج بعض اضطرابات الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفوائده على الصحة النفسية.

وشارك في التجربة 82 مدخناً بالغاً سبق لهم محاولة الإقلاع عن التدخين، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين، تلقَّت الأولى جرعةً واحدةً عالية من «السيلوسيبين» تحت إشراف طبي، بينما استخدمت المجموعة الثانية لصقات النيكوتين لمدة تتراوح بين 8 و10 أسابيع. وخضع جميع المشاركين لبرنامج علاج سلوكي معرفي استمرَّ لمدة 13 أسبوعاً لدعم عملية الإقلاع عن التدخين.

وبعد 6 أشهر من بدء التجربة، بقي 38 مشارِكاً في مجموعة السيلوسيبين و32 في مجموعة لصقات النيكوتين. وأظهرت النتائج أن 40.5 في المائة من المشاركين في مجموعة «السيلوسيبين» تمكَّنوا من الامتناع المستمر عن التدخين، مقابل 10 في المائة فقط في مجموعة اللصقات. كما بيّنت الفحوص البيوكيميائية أن 52.4 في المائة من المشاركين في المجموعة الأولى لم يدخنوا خلال الأسبوع السابق للفحص، مقارنة بـ25 في المائة فقط في مجموعة اللصقات.

ويختلف تأثير «السيلوسيبين» عن العلاجات التقليدية للإدمان، إذ لا يستهدف مستقبلات النيكوتين مباشرة في الدماغ. ويعتقد الباحثون أنه يعمل عبر تغيير طريقة تفكير الشخص وإدراكه لذاته، ما يساعد على كسر أنماط السلوك الإدماني وتعزيز المرونة النفسية. وتشير النتائج إلى أن جرعة واحدة فقط قد تحقق تأثيراً طويل الأمد، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام أدوية يومية أو طويلة المدى.

ولم تُسجل آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة، لكن بعض المشاركين أبلغوا عن أعراض خفيفة، مثل ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وصداع، وغثيان.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوةً مهمةً نحو تسريع تطوير العلاجات النفسية المعتمدة على المواد المخدرة لعلاج اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك إدمان التبغ، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد أفضل طرق العلاج وتكلفته وإمكانية تطبيقه على نطاق واسع.