بوليفارد وأمسيات شبابية تُحيي ليالي رمضان في حارات مكة

قُرب الأحياء يكثّف توافُد المعتمرين... والثقة كبيرة بالمبادرة

إحدى فعاليات «زهرة كدي» الخاصة بالإفطار الجماعي (الشرق الأوسط)
إحدى فعاليات «زهرة كدي» الخاصة بالإفطار الجماعي (الشرق الأوسط)
TT

بوليفارد وأمسيات شبابية تُحيي ليالي رمضان في حارات مكة

إحدى فعاليات «زهرة كدي» الخاصة بالإفطار الجماعي (الشرق الأوسط)
إحدى فعاليات «زهرة كدي» الخاصة بالإفطار الجماعي (الشرق الأوسط)

في حارات مكة المكرّمة، تتّخذ الحياة خلال رمضان شكلاً آخر، معزَّزةً بمبادرات يُطلقها شباب الحارة لإحياء ليالي الشهر الكريم بأسلوب عصري يجمع أبناء الحيّ في مكان واحد، تحت تسميات حديثة يتقدّمها «بوليفارد الحارة»، تحظى بقبول وصدى عند المتلقّي.

يأتي اختيار الاسم تيمّناً بالأحداث السياحية الكبرى في السعودية، مثل «بوليفارد الرياض»، مع اختلاف يطول نوعية الترفيه وبرامجه التي يقدّمها الشباب بجهود فردية. منها ألعاب البلياردو، والتنس، و«الفرفيرة»، والألعاب الإلكترونية، وبعض الألعاب الرياضية، مثل كرتَي الطائرة والقدم، إضافة إلى الأنشطة الثقافية.

لعبة «الفرفيرة» من أكثر الألعاب شعبية في حارات مكة (الشرق الأوسط)

يطغى على هذه التجمّعات الجانبان الإنساني والاجتماعي، وهو ما أكّدته أيام رمضان، بما يتلاقى مع أهداف المنظّمين. فهذا الحراك أثبت مكانته لدى أبناء الحارات، وعزّز روح التآلف واللُّحمة بين فئات الحيّ الواحد بحُكم اجتماعهم لأكثر من 4 ساعات يومياً بعد أداء صلاة التراويح. إضافة إلى ذلك، ساعدت هذه الجَمعة في معرفة متطلّبات السكان وما يحتاج الحيّ إليه أيضاً.

ومكة المكرّمة البالغة مساحتها 4800 هكتار، التي يتجاوز عدد سكانها 600 ألف نسمة، وذُكرت في القرآن الكريم بنحو 11 اسماً، منها: مكة، وبكة، والبلد الآمن، والبلد الأمين، والحرم الآمن، وأم القرى... تشهد تدفّق المسلمين في رمضان بأعداد كبيرة من الداخل والخارج لأداء مناسك العمرة.

هذا التدفُّق استفادت منه الأحياء القريبة من المسجد الحرام، التي يفد إليها معتمرون من مختلف الجنسيات، للمشاركة في بعض الأنشطة الرياضية، بينما تُطلق بعض مراكز الأحياء مسابقات للمعتمرين بـ8 لغات، هدفها إعطاؤهم صورة عن المجتمع المكي المُرحِّب بكل مَن يفد إليه في موسمَي العمرة والحج.

ألعاب وتسالٍ لإحياء ليالي رمضان في «حارة الطنضباوي» (الشرق الأوسط)

يقول أحد منظّمي «بوليفارد الحارة» في «حيّ الطنضباوي» هادي حامظي، لـ«الشرق الأوسط»: «السبب الرئيسي لإطلاق هذه الفعاليات هو إتاحة الجَمْعة في مكان واحد، بعدما شهدت السنوات الماضية عزوف الشباب عن التجمّعات في الحيّ».

ويضيف أنّ نجاح التجمُّع مردُّه تضافُر جهود جميع الشباب القائمين على هذه الاحتفالية الرمضانية، «كلّ ما يُقدَّم هو بجهود فردية استطاعت تجميع هذه المعدّات وتنظيم البرامج الثقافية، فكان لها تأثير إيجابي في لمَّة أبناء الحارة والحارات المجاورة»، موضحاً أنّ التسمية جاءت بعد نقاش يتعلّق بإيجاد عنوان لاستقطاب عموم سكان الحارة والقادمين من خارج الحيّ، فوقع الاختيار الأنسب على تسمية «بوليفارد»، إضافة إلى «الحارة»، ليكتمل الاسم وتدوي أصداؤه بعيداً.

«بوليفارد الحارة» فكرة أطلقها شباب «حارة الطنضباوي» (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول أحد منظّمي فعاليات «حديقة زهرة كدي»، نايف بار، لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة المشروع البسيطة تطوّرت خلال العامين الماضيَيْن لتبلغ ذروتها بهذا الشكل الذي من خلاله نجحنا في استقطاب أبناء الحيّ، ومعتمرين من مختلف الجنسيات، لمشاركتنا الألعاب الرياضية»، عازياً تدفُّق المعتمرين إلى موقع الفعاليات التي يديرونها، لقُربهم من الحرم المكي.

ويشير إلى أنّ «هذا النجاح أنجزته شخصيات تكاتفت، منهم الشيخ نزار فقه الذي برز في عملية التنسيق وتنظيم البرامج الثقافية، إضافة إلى أعضاء تحمّلوا أعباء توفير كل هذه المستلزمات الرياضية وغيرها، لجذب الشباب من مختلف الأعمار، إذ نال تجمّعنا ثقة كبرى، فأرسل كثيرون أبناءهم إلينا لإنهاء أشغالهم والعودة بعد ذلك لاصطحابهم».

ألعاب رياضية ضمن فعاليات «حارة زهرة كدي» تستقطب المعتمرين (الشرق الأوسط)

في المقابل، يُنفّذ بعض مراكز أحياء مكة برامج ومسابقات، وفق رئيس مركز «حيّ الحمراء» سامر فلاته، الذي يقول إنّ ثمة 3 مواقع لإحياء الليالي الرمضانية وبعض البرامج للأطفال، بينما تُقام برامج ثقافية خاصة بالمعتمرين في منطقة «الحفاير» بجوار الحرم المكي، وهي مسابقة بـ10 لغات، تُنفَّذ للمرة الأولى بهذا الشكل والمضمون.


مقالات ذات صلة

سامر البرقاوي لـ«الشرق الأوسط»: هاجسي فكريّ قبل أن يكون إنتاجياً

يوميات الشرق وحدها الثقة بمَن يعمل معهم تُخفّف الحِمْل (صور المخرج)

سامر البرقاوي لـ«الشرق الأوسط»: هاجسي فكريّ قبل أن يكون إنتاجياً

ينظر المخرج السوري سامر البرقاوي إلى ما قدَّم برضا، ولا يفسح المجال لغصّة من نوع «ماذا لو أنجرتُ بغير هذا الشكل في الماضي؟»... يطرح أسئلة المستقبل.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تعبُ مصطفى المصطفى تجاه أن يكون الدور حقيقياً تسبَّب في نجاحه (صور الفنان)

مصطفى المصطفى: ننجح حين نؤدّي الدور لا وجهات نظرنا

اكتسبت الشخصية خصوصية حين وضعها النصّ في معترك صراع الديوك. بمهارة، حضن الديك ومنحه الدفء. صوَّره مخلوقاً له وجوده، ومنحه حيّزاً خاصاً ضمن المشهد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق كاميرا السوري أحمد الحرك تألّقت في «تاج» وتحلم برونالدو

كاميرا السوري أحمد الحرك تألّقت في «تاج» وتحلم برونالدو

بين الوجوه ما يُنجِح الصورة من المحاولة الأولى، وبينها غير المهيّأ للتصوير. يتدخّل أحمد الحرك لالتقاط الإحساس الصحيح والملامح المطلوبة.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنان المصري دياب حمل السلاح من أجل «مليحة» (الشرق الأوسط)

دياب: لن أجامل أحداً في اختيار أدواري

أكد الفنان المصري دياب أنه وافق على مسلسل «مليحة» ليكون بطولته الأولى في الدراما التلفزيونية من دون قراءة السيناريو، وذكر أنه تعلّم حمل السلاح من أجل الدور.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق استلهمت الكثير من نجمي العمل بسام كوسا وتيم حسن (إنستغرام)

فايا يونان لـ«الشرق الأوسط»: الشهرة بمثابة عوارض جانبية لا تؤثر عليّ

تابعت فايا يونان دورها على الشاشة الصغيرة في مسلسل «تاج» طيلة شهر رمضان. فكانت تنتظر موعد عرضه كغيرها من مشاهديه.

فيفيان حداد (بيروت)

أدريانا الحاج ترسم الجداريات وتبوح بالمجرَّد

اللبنانية أدريانا الحاج أدركت الطريق منذ البداية (صور الرسّامة)
اللبنانية أدريانا الحاج أدركت الطريق منذ البداية (صور الرسّامة)
TT

أدريانا الحاج ترسم الجداريات وتبوح بالمجرَّد

اللبنانية أدريانا الحاج أدركت الطريق منذ البداية (صور الرسّامة)
اللبنانية أدريانا الحاج أدركت الطريق منذ البداية (صور الرسّامة)

بينما كانت المعلّمة تشرح، شرَدَت ابنة السنوات الـ11 في خيالها وسلّمته للرسم على طاولة الصفّ. شجَّعت العائلة الرسّامة اللبنانية أدريانا الحاج على تطوير الموهبة، فكان التتلمُذ على الفنّان التشكيلي حيدر حموي. إكمال الدراسة في فرنسا عرَّفها أكثر على ما ولعت به: فنّ الجدارية. قرأتْ، وتعلّمتْ، وشاركتْ في ورشات عمل، للتمكُّن من الأدوات. اليوم، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا مكان لأضع لوحاتي!». ذلك أنّ نتاج الفنانة يتجاوز الـ2000 عمل طوال 20 عاماً، وسط مواصلة التعلُّم والتوق إلى الأفضل.

الجدارية تمنح المكان الضيّق «مجالاً آخر» (صور الرسّامة)

استهواها الجدار وضخّ الألوان على سطحه، فشكَّل هذا السطح المادة الأحبّ إليها. درَّبها أستاذ فرنسيّ على تقنيات الرسم عليه وتلوينه. تقول: «منذ البداية عرفتُ طريقي. وضعتُ هدفي وانطلقتُ. لم أكفَّ عن السعي».

لـ6 سنوات درست الهندسة الداخلية، لتزور المنازل وتُشكّلها قبل مدِّها بالرسم واللون. تتحدّث عن فسحات ضيّقة، لا متّسعات فيها، فتمنحها الجدارية «مجالاً آخر»: «بعض المنازل يخلو من مشهديات الطبيعة، ولا يطلّ على الاخضرار. حين تزيّنه جدارية مستوحاة من الشجر والورد وأشكال الانشراح، يتحلّى بالطلاقة. لا يعود محدوداً، فيتحرّر من الضيق لمجرّد مَنْحه ألواناً مريحة».

استهواها الجدار وضخّ الألوان على سطحه (صور الرسّامة)

أرادت تعميم الجداريات ورفض حصرها بالطبقة المخملية القادرة على دفع المال للحصول عليها. راح هواة الجَمْع يألَفون فنّها ويطلبونها للرسم في منازلهم. وحدث ذات صدفة أنها كانت ترسم على الشرفة حين مرَّ مهندس أسترالي ولمَحَ ما أراده. تروي: «حينها قال لي، أريدكِ غداً في الأشرفية، وأعطاني العنوان. ذهبتُ. قدَّم إليّ صورة وطلب رسمها على جدار طوله 5 أمتار. بعد أيام، أنهيتُ العمل وقد سرَّه جداً، فسلّمني الرسم في مطعم، صدَفَ أنه للفنان راغب علامة، لتبدأ علاقتي بالمشاهير من هذه الفرصة».

تناقلت الأسماء فرادة فنّها، وراحت تُعرَف، ليس في منازل الفنانين، من راغب علامة إلى كارول سماحة، بل بين طلابها وجيل الغد. تستعدّ أدريانا الحاج لمعرضها مع رسّامي «الجامعة اللبنانية - الأميركية» (LAU) المُتزامِن مع تخرّجهم، وبالتوازي تُواصل الرسم لإنجاز معارض فردية مقبلة. تقول مَن ألقت ريشتها في الماء لئلا تجفّ الألوان بينما تُجري اللقاء: «لا أستطيع التوقُّف. أرسم كمَن يشرب قهوته كلّ صباح ولا يكتمل نهاره من دونها. حياتي تنقُص بلا رسم يومي. ولا أختار السهل، بل أتعمّد التحدّيات. أطارد لوحة تُشعرني بأنني في مسار التطوُّر. فحين يصقل الفنّان مساره بالبحث المستمرّ والدرس، يستطيع إفادة الآخرين. في حالتي، أفيد طلّابي. أعطيهم لأنني لا أكفُّ عن النَهْل».

أدريانا الحاج ومصمّم الأزياء نجا سعادة خلال تصميم «أنا بيروت» (صور الرسّامة)

محطّة أخرى جسَّدها تعاون أدريانا الحاج مع مصمّم الأزياء اللبناني نجا سعادة. ذلك بدأ من إضافة لمساتها على جاكيت يرتديها، وقِطع ثياب يطلّ بها في عروضه الخاصة. ولمّا لاقت اللمسة الإعجاب، اتّفقا على إدخالها في فساتين وبعض فولارات الحرير. أصبح الرسم بعض تصاميمه، وبلغ ذروته حين شكَّلا فستان «أنا بيروت» بُعيد انفجار المرفأ. لقي التصميم أصداء، فارتدته الإعلامية رابعة الزيات وسط الحطام، ليُعرض لاحقاً في مزاد ويجمع ما يزيد على 80 ألف دولار لإصلاح المنازل المتضرّرة.

الريشة الناطقة تتغلّب على الكلام القليل (صور الرسّامة)

يكتمل الشغف بالتعبير المجرَّد، فتقول: «التجريد يُخرج مني ما لا أقوله دائماً. هو فسحتي للبوح. يُشعرني باللاحدود». شيءٌ في أدريانا الحاج يميل إلى الصمت، فتُغلّب الريشة الناطقة على الكلام القليل والإجابة المختَصرة. أداة الرسم بديلُ صفِّ الكلمات الطويلة، والسطح يصبح فضاءً لما لا يُقال فيختار الاختزال والاقتضاب والتورية.

يكتمل الشغف بالتعبير المجرَّد (صور الرسّامة)

ولمّا حلَّ المرض، عكَسَت القاعدة. تُدرك أنّ الرسم علاج، وتُطبِّق ممارسته على الآخرين، بينهم أولاد يهدُّ السرطان أجسادهم، من دون أن يُطفئ حماستهم حيال التعلُّم منها والشفاء بخليط ألوانها. وإنما اختراقه جسدها جمَّد الريشة وكتَّف اليد، باستثناء محاولات ضئيلة خلال رحلة العلاج. نسألها عن المرض حين يصبح نقطة تحوُّل، كيف يوظّفه الفنّان ليُخمِّر فنّه؟ ردُّها: «شلّني في البداية، وفرض عليَّ التركيز الكامل لاستعادة الصحّة. ثم نهضت. حين رسمتُ مجدداً، شعرتُ بحلاوة الرسم وبتلك الإضافة الجميلة الفارقة. رحتُ أتطلّع إلى اللوحة بنظرة مغايرة، وأمنحها تفسيراً آخر».

التجريد يُخرج من أدريانا الحاج ما لا تقوله دائماً (صور الرسّامة)

جوائز حصدتها بين فرنسا ولبنان وشرم الشيخ في مصر، حين حضرت قامات، بينهم نور الشريف ومحمود حميدة معارضها. تبقى بيروت عزيزتها، ولعلَّها تشبهها. الاثنتان اختارتا النهوض في عزّ الوجع.