الإزهار الأول للانطباعيين ما زال منعشاً بعد 150 عاماً

«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
TT

الإزهار الأول للانطباعيين ما زال منعشاً بعد 150 عاماً

«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)
«شروق الشمس» لكلود مونيه ضمن معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

كان فصل الربيع في باريس، قبل 150 عاماً، وكان هناك شيء جديد يجري على قدم وساق، شيء جديد، شيء جذري. أصدرت مجموعة مؤلفة من 31 فناناً رداً على الصالون السنوي للفنون، الذي يقام تحت رعاية الدولة والمتميز بنظام هيئة محلفين نخبوي ولوحات تقليدية مزخرفة، عبر إقامة معرض مستقل للفن الحديث للغاية، أو هكذا تقول الرواية.

لوحة للفنان الفرنسي كاميل بيسارو في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

الآن، يتذكر متحف أورسيه هذه اللحظة من خلال معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية». وهذا المعرض، الذي نُظّم بالتعاون مع المعرض الوطني للفنون في واشنطن، حيث ينتقل هناك في الخريف، يُعد نجاحاً فائقاً لأشهر اللوحات الفنية المحبوبة والمرتبطة بالحركة الانطباعية. نجد هنا «إدغار ديغا»، مع لوحاته عن راقصات الباليه على المسرح وفي البروفة، في تنوراتهن القصيرة الشبيهة بالحلوى والشرائط السوداء تزين أعناقهن. وهنا أيضاً «بيير أوغست رينوار»، مع زوجيه البرجوازيين في ملابسهما المسائية الفاخرة، وهما يستمتعان بأمسية مسرحية لطيفة من موقعهما في بلكون يرتفع عن خشبة المسرح. وطبعاً، هنالك «كلود مونيه»، الذي يدعوه البعض «أبو الانطباعية»، بلوحاته المرسومة خارج الاستديو في الهواء الطلق، متميزة بضربات فرشاته القصيرة والحيوية، ورقعة ألوانه التي يغلب عليها اللون الأزرق الباهت. لكن المعرض يعبر أولاً وقبل كل شيء عن فحص دقيق للحظة تاريخية ذات تعقيد أكبر وتنوع فني أكثر مما هو مفهوم في المعتاد.

لوحة للفنان كلود مونيه في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

تؤكد القيّمتان على المعرض «آن روبينز» و«سيلفي باتري» على السياق لتوضيح كيف أن الفنانين وأعمالهم هم نتاج عصرهم. وما كان يجري خارج جدران ما صار يعرف ب‍«المعرض الانطباعي الأول» كان بنفس القدر من الأهمية لما كان يحدث في الداخل.

في أوائل أبريل (نيسان) 1874، بدأت المقالات في وصف معرض مثير، وغير تقليدي على نحو واضح، تظهر في صحف باريس. وفي الفترة من 15 أبريل إلى 15 مايو (أيار)، أعلنت الصحف أن الزائرين يمكنهم الحضور ليلاً ونهاراً لقاء فرنك واحد فقط. وجاء في مقال: «إن إضاءات الغاز الموضوعة بمهارة فنية سوف تُمكن محبي الفن الذين يشغلهم عملهم طوال النهار من المجيء (طوال المساء) وفحص الأعمال الفنية للجيل العصري». كانت أوقات العرض المسائية من الحداثة الحضرية حقاً آنذاك.

لوحة «القراءة» للفنانة الفرنسية بيرت موريسو في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (أ.ف.ب)

شُكلت الجمعية التعاونية التي نظمت المعرض (الجمعية المساهمة للفنانين، والرسامين، والنحاتين، والحفارين)، في العام السابق، وذلك لأسباب مالية بالأساس، إذ أراد الفنانون تحديد كيفية وميعاد عرض أعمالهم، وكذلك بيعها، إلى سوق مزدهرة من جامعي الأعمال الجدد. بمبادرة من رينوار، ومونيه، وكاميل بيسارو، وألفريد سيسلي، وإدوار بيليار، نمت الجمعية سريعاً. إذ دفع الشركاء مبلغ 60 فرنكاً في السنة في خزائن الجمعية، بهدف تمويل المعارض المنتظمة. أولى هذه الفعاليات كان في 35 شارع كابوسين بباريس، أسفل الشارع المزدحم بزوار الأوبرا المشيدة حديثاً، بواجهتها ذات العمدان والتماثيل الرمزية.

لوحة «السكة الحديدية» للفنان الفرنسي كلود مونيه في معرض «باريس 1874... اختراع الانطباعية» في متحف أورسيه بباريس (إ.ب.أ)

اليوم، يجتمع كثير من الأعمال من ذلك المعرض الرائد، وتعرض معاً للمرة الأولى منذ عام 1874، ما يكشف عن عرض مذهل. كانت ردود الأفعال على المعرض المبتكر مختلطة، فقد أشار النقاد إلى المجموعة باعتبارها «عُصبة من العدميين»، و«المعاندين»، حتى «المجانين». بينما أعرب آخرون عن تقديرهم لظهور أسلوب جديد بين أهم العارضين، وانبثقت تسمية «الانطباعيين» عندما وصف أحد النقاد كيف أن هذه الأعمال، مع ضربات الفرشاة الفضفاضة والتشديد على الفورية، تخلق الشعور بالتجربة، بدلاً من التمثيل المباشر. ركّز كثير من المراجعين اهتمامهم على لوحة «الانطباع، شروق الشمس» لمونيه (1872)، وهو منظر لشروق الشمس الضبابي فوق ميناء لو هافر، حيث تشرق الشمس البرتقالية البراقة عبر سماء بنفسجية ضبابية. برغم أن الفنان قد سمى لوحته في عجالة، إلا أن الوصف ظل عالقاً.

لم يحقق المعرض ناجحاً مالياً، وانحلت الجمعية بعد ذلك بوقت قصير. ثم أقيمت 7 معارض انطباعية أخرى، كل منها مختلف في الشكل والمضمون، نظّمت من قبل مجموعات مختلفة من الفنانين الذين يمارسون المهنة تحت المظلة الفضفاضة للمصطلح، (لم يظهر سوى «كاميل بيسارو» في المعارض الثمانية).

عرض افتراضي يأخذ زوار معرض الانطباعية إلى عوالم يطغى عليها التصوير الحرفي (جيمس هيل - نيويورك تايمز)

اليوم، يقيم متحف أورسيه، الذي يضم أكبر مجموعة من الفن الانطباعي في العالم، معرضاً يتحدى الأساطير حول أصول الحركة ورَجعِيَّة همومها الجمالية. غير أنه كان هناك جزء آخر للمعرض، يمكن النظر له باعتباره معرضاً مصغراً داخل المعرض الأصلي. ففي أسفل الردهة، كان ينتظرنا عرض «الليلة مع الانطباعيين»، وهي تجربة واقعية افتراضية تأخذ الزوار للهواء الطلق حيث يرسم الفنانون بحرية على ضفاف نهر السين، وإلى شرفة فندق في لو هافر حيث نرى مع مونيه غروب الشمس، وما وراءها. بعد 45 دقيقة، بهرني الذهول والارتباك. كان الفنانون كلهم قصيرين للغاية. بدا أن «سيزان» له لكنة آيرلندية. مشيت عبر الماء. وركض حصان عبر جسدي. تجسدت شخصيات شبحية صلعاء (زملائي المجربين في عالم الواقع الافتراضي) تلقائياً ثم اختفت. اصطحبتني مرشدتي الافتراضية، فنانة طموحة اسمها ماري، إلى أسطح منازل باريس حيث شاهدت الألعاب النارية تنطلق من الأعلى. كان أمراً ممتعاً، ولكن الاهتمام بالتسلسل القصصي والتصوير الحرفي الذي قدّمته التجربة الافتراضية بدا متعارضاً مع معرض مخصص لاستكشاف الأحاسيس والمعاني البسيطة المتضمنة أو الانطباع في مواجهة الواقع. وهذا يختلف في نهاية المطاف بالنسبة لكل ناظر. لا تزال اللوحات الأكثر شهرة تلهم الخيال وتقدم شيئاً جديداً مع كل زيارة، حتى بعد 150 عاماً على تنفيذها.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«ألعاب الحظ»... معرض مصري يستدعي حكايات ملوك القوة الأربعة

في معرضه الأحدث «ألعاب الحظ» يستدعي الفنان التشكيلي المصري وليد قانوش حكايات وأساطير ومشاهد مستدعاة من الخيال.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «صهر الذاكرة» (نور الرياض)

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

عند تأمل الأعمال الفنية التي تستلهم ألعاب الأطفال والألعاب الشعبية، يبرز سؤال حول ما الذي يدفع الفنانين إلى استحضار هذه العناصر المألوفة في أعمالهم؟

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.


«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
TT

«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)
يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون فنلنديون أن الأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى النشاط أكثر في المساء، أو كما يعرفون بـ«عشاق السهر»، هم أكثر عرضة بمقدار 1.7 مرة للتقاعد المبكر والحصول على معاش تقاعدي بسبب العجز، مقارنةً بالأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى النشاط أكثر في الصباح.

وتشير النتائج المنشورة في دورية «أوكيوبشنال آند أنفرومنتال ميديسين» إلى أن هذا الارتباط ظل قائماً حتى بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل المستوى التعليمي ونوع الوظيفة.

النمط الزمني

ويُعرف «النمط الزمني» بأنه الجدول الزمني الطبيعي للجسم فيما يتعلق بالنوم والاستيقاظ. واستناداً إلى توقيت وظائف الجسم ومستويات اليقظة، يمكن تصنيف الأفراد إلى ثلاث مجموعات رئيسية: أصحاب النمط الصباحي، وأصحاب النمط المتوسط، وأصحاب النمط المسائي.

ويُعد «النمط الزمني» سمة بيولوجية فطرية ذات أساس جيني قوي، وهي نتيجة دعمتها الدراسة أيضاً باستخدام بيانات جينية. وقد أظهرت دراسات سابقة أن النمط الزمني يظل ثابتاً للغاية في مرحلة البلوغ.

وأظهرت دراسات سابقة أن أصحاب النمط المسائي يبدون أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات في العمل أكثر من أصحاب النمط الصباحي.

ومع ذلك، لم تكن العلاقة بين كون الشخص «من عشاق السهر» (النمط المسائي) أو «شخصاً صباحياً» (النمط الصباحي) وبين الحصول على معاش العجز قد حُسمت بشكل كامل.

ولتعزيز الأدلة العلمية حول هذه الفرضية، قام الباحثون بتحليل ما إذا كان الأشخاص المصنفون ضمن «النمط المسائي» في منتصف الأربعينات من العمر أكثر عرضة للحصول على معاش العجز خلال الاثنتي عشرة سنة التالية، مقارنةً بالأشخاص المصنفين ضمن «النمط الصباحي».

وتابعت الدراسة مجموعة كبيرة من الأشخاص من مختلف القطاعات الاقتصادية ومجموعة متنوعة من المهن على مدى فترة زمنية طويلة.

عاشقو السهر قد يكونون أكثر عُرضة لتدهور الصحة واضطرابات في ساعاتهم البيولوجية (جامعة أولو)

ووفق بيان صحافي الثلاثاء، حلل باحثو الدراسة بيانات مستمدة من دراسة سكانية مستمرة بدأت عام 1966 وشملت 96 في المائة من جميع المواليد في مقاطعتين بشمال فنلندا. وفي عام 2012، وحين بلغ المشاركون سن السادسة والأربعين، طُرحت عليهم أسئلة لتحديد نمطهم الزمني؛ وشملت هذه الأسئلة: مدى سهولة استيقاظهم صباحاً، ومستوى شعورهم بالتعب خلال النصف ساعة الأولى بعد الاستيقاظ، وتوقيت العمل المفضل لديهم، وما إذا كانوا يعدون أنفسهم أشخاصاً يميلون للصباح أم للمساء.

بعد ذلك، ربط الباحثون هذه المعلومات ببيانات من السجلات الوطنية الفنلندية التي توفر معلومات حول العمل ومعاشات التقاعد، حيث تبين أن الأشخاص ذوو النمط المسائي أكثر عُرضة لخطر الحصول على معاش العجز.

وخلال فترة المتابعة التي استمرت 12 عاماً، حصل 135 رجلاً (5.2 في المائة) و249 امرأة (8.1 في المائة) على معاش العجز لأول مرة. وارتبط تصنيف الفرد ضمن «النمط المسائي» عند سن السادسة والأربعين باحتمالية أعلى بمقدار 1.7 ضعف للحصول على معاش العجز خلال الاثنتي عشرة سنة التالية، مقارنةً بـ«النمط الصباحي»، وذلك لدى كل من الرجال والنساء.

الصحة والنوم

لا يُمنح معاش العجز في فنلندا إلا بعد فترة من التدهور الصحي الشديد وطويل الأمد. ويعتقد الباحثون أن الحالة الصحية الأقل جودة لدى أصحاب النمط المسائي - مقارنة بأصحاب النمط الصباحي - هي العامل الرئيسي وراء ارتفاع معدلات الحصول على معاش العجز في هذه المجموعة.

ويشير الباحثون إلى أن أصحاب النمط المسائي قد يكونون أكثر عُرضة لتدهور الصحة بسبب خيارات حياتية أقل صحية واضطرابات في ساعاتهم البيولوجية الداخلية، مما قد يؤدي إلى مشاكل في النوم. ويرون أن الحالة الصحية لبعض أصحاب النمط المسائي - مع اقترابهم من سن الخمسين والستين - قد تتدهور لدرجة تؤثر سلباً على قدرتهم على العمل، وتجعلهم أكثر عُرضة من أصحاب النمط الصباحي للحاجة إلى معاش العجز.

ويقول الباحثون: «يمثل الأشخاص ذوو النمط المسائي نسبة كبيرة من السكان، وتشكل صحتهم وقدرتهم على مواصلة العمل حتى سن التقاعد تحديات أمام الاقتصادات المستدامة».