«أوبنهايمر» على شاشات اليابان... بلد المدينتين المنكوبتين بالقنبلة الذرية

أشخاص يسيرون بجوار ملصق للترويج لفيلم «أوبنهايمر» (أ.ب)
أشخاص يسيرون بجوار ملصق للترويج لفيلم «أوبنهايمر» (أ.ب)
TT

«أوبنهايمر» على شاشات اليابان... بلد المدينتين المنكوبتين بالقنبلة الذرية

أشخاص يسيرون بجوار ملصق للترويج لفيلم «أوبنهايمر» (أ.ب)
أشخاص يسيرون بجوار ملصق للترويج لفيلم «أوبنهايمر» (أ.ب)

بات بإمكان اليابانيين بداية من الجمعة مشاهدة فيلم «أوبنهايمر» الحائز جوائز عدة، لكن عرضه على شاشاتهم يأتي بعد 8 أشهر من إطلاقه في بقية العالم، إذ إنه يتناول موضوعاً يثير في الأرخبيل ذكريات أليمة، نظراً إلى تناوله سيرة مخترع القنبلة الذرية، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وعُرض فيلم كريستوفر نولان الروائي الطويل في مختلف أنحاء العالم خلال صيف 2023 بالتزامن مع طرح فيلم آخر استقطب حضوراً جماهيرياً واسعاً هو «باربي» للمخرجة غريتا غيرويغ.

وصدمت الميمات التي تداولها مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي وتجمع صور الفيلمين الرأي العام في اليابان، الدولة الوحيدة التي ألقيت قنبلتان ذريتان على اثنتين من مدنها في أغسطس (آب) 1945 خلال الحرب العالمية الثانية.

امرأة تنظر إلى ملصقات الأفلام الحالية بما في ذلك الفيلم الحائز جائزة الأوسكار «أوبنهايمر» (رويترز)

ولم يُعطَ أي سبب رسمي لتأخير عرض «أوبنهايمر» في اليابان، ما عزّز الانطباع بما قد يثيره الفيلم من حساسيات تحول دون عرضه في الدولة الآسيوية.

وأمام إحدى دور السينما الكبرى في طوكيو، لم يكن يوجد، الجمعة، سوى ملصق صغير يشير إلى وجود هذا الفيلم الضخم الذي بلغت موازنته 100 مليون دولار، وسبق أن حقق إيرادات تخطت 960 مليون دولار في مختلف أنحاء العالم، وفق موقع «BoxOfficeMojo» المتخصص.

وقال تاتسوهيسا يو (65 عاماً) لوكالة الصحافة الفرنسية في نهاية العرض: «لم يكن وارداً أن يُعرض في اليابان» فيلم عن اختراع القنبلة الذرية.

وقُتل أكثر من 140 ألف شخص في هيروشيما و74 ألفاً في ناغازاكي من جرّاء القنبلتين الذريتين الأميركيتين اللتين ألقيتا فوق هاتين المدينتين. وبعد بضعة أيام، في 15 أغسطس 1945، وافقت اليابان على الاستسلام من دون شروط.

وأعرب يو عن اعتقاده أن «الموزعين تجنبوا إطلاقه في الصيف؛ لأن الجميع في اليابان يتذكرون (إلقاء القنبلتين على) هيروشيما وناغاساكي في ذلك الوقت»، ملاحظاً أن الفيلم «مشغول بقدر كبير من الصدق».

وقال مشاهد آخر هو فويوكي آيك (48 عاماً): «بصفتي يابانياً، وجدته أكثر موضوعية بكثير مما كنت أتوقع».

«غياب صور» الضحايا

ويتناول الشريط الفائز بـ7 من جوائز من بينها تلك المخصصة لأفضل فيلم في 3 ساعات اللحظات الأساسية في حياة روبرت أوبنهايمر، عالِم الفيزياء الأميركي الذي أدخل العالم العصر النووي، وعجّل بنهاية الحرب العالمية الثانية قبل أن تنتابه مشاعر الندم والإحساس بالذنب بعد تحوّل ابتكاره أداة تدميرية فتاكة.

وفي هيروشيما، قوبل احتمال عرض الفيلم بشيء من القلق. وقالت رئيسة المهرجان السينمائي الدولي في المدينة كيوكو هيا بعد فوز «أوبنهايمر» بجائزة الأوسكار في وقت سابق من الشهر الحالي: «هل هذا حقاً فيلم يستطيع الناس (هنا) تحمل مشاهدته؟».

وإذ لاحظت أن الفيلم «يركّز كثيراً على الجانب الأميركي»، اعترفت بأنها كانت «خائفة جداً» في البداية من فكرة عرضه في هيروشيما.

وأضافت: «أتمنى الآن أن يشاهد كثير من الناس الفيلم، إذ سيسعدني أن يؤدي هذا الفيلم إلى جعل هيروشيما وناغاساكي والأسلحة الذرية مواضيع للنقاش».

خلال عرض خاص أقيم في هيروشيما في وقت سابق من مارس (آذار)، رأى الرئيس السابق لبلدية المدينة تاكاشي هيراوكا (96 عاماً) الناجي من القنبلة أن الفيلم «كان يمكن أن يتضمن توصيفاً ومشاهد معبّرة أكثر بأكثر عما تسببه الأسلحة الذرية من فظائع».

كذلك عُرض «أوبنهايمر» في ناغاساكي، حيث قال ماساو توموناغا (80 عاماً)، وهو أحد الناجين من القنبلة، إن الفيلم أعجبه.

وقال توموناغا الذي كان يبلغ عامين وقت القصف، وأصبح لاحقاً باحثاً يجري دراسات عن سرطان الدم الناجم عن الإشعاع: «رأيت أن غياب صور للناجين من القنبلة الذرية (عن الفيلم) كان نقطة ضعف».

لكنّه أضاف: «في الواقع، تُظهِر أقوال أوبنهايمر في عشرات المشاهد الصدمة التي شعر بها مما أدى إليه فعلياً إلقاء القنبلتين الذريتين، وكان ذلك كافياً بالنسبة لي».


مقالات ذات صلة

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

يوميات الشرق المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

قال المخرج الألماني فرنر هرتزوغ إن الرجال في أفلامه أقل تعاطياً مع العواطف والوجدانيات؛ فهم متمرِّدون على أنفسهم وعلى الآخرين، وقساة أيضاً.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)

سوزان ساراندون لا تزال تخسر أدواراً بسبب مواقفها حيال الحرب في غزة

كشفت الممثلة الأميركية سوزان ساراندون، الأحد، أنها ما زالت تُحرَم من بعض الأدوار في هوليوود بسبب انتقاداتها العلنية لحرب إسرائيل في غزة.

«الشرق الأوسط» (البندقية)
يوميات الشرق محمود حميدة وشيرين في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)

أفلام مصرية جديدة تبحث عن نصيبها من الإيرادات بنهاية «موسم الصيف»

رغم اقتراب موسم الصيف السينمائي في مصر من نهايته، فإن دور العرض تستقبل خلال سبتمبر الحالي عدداً من الأفلام الجديدة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ركز الفيلم على 3 حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

غورفيندر سينغ: «رحمة» يتحدى سرديات الانتقام والكراهية

قال المخرج الهندي غورفيندر سينغ إن اختياره الرحمة، بدلاً من الانتقام، لتكون القوة العاطفية المحركة لفيلمه «رحمة» (Rehmat)، جاء رغبة في تحدي السرديات الشائعة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

كما العادة، يوفّر «مهرجان فينيسيا» أفلاماً كثيرة لا يمكن لأي امرئ مشاهدتها في 10 أيام أو حتى أسبوعين. لكنّ الأمر ليس في العدد، إنه في النوعية أولاً.

محمد رُضا (فينيسيا)

«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
TT

«المحنّك» و«المستحنك»... من قاموس عشاق السينما في السعودية

أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أصبحت نقاشات الأفلام جزءاً من التجربة السينمائية السعودية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تصنع المجتمعات السينمائية عادةً مفرداتها الخاصة، فتُعرِّف بها أفرادها وتسخر من بعض ظواهرها. وفي العالم الغربي، تبدو كلمة «سينيفيل» أشهر الأوصاف المرتبطة بعاشق السينما؛ إذ تطلَق على الشخص شديد الاهتمام بالأفلام والمرتبط بعالمها عاطفياً وثقافياً. أما في السعودية، فقد اكتسبت كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» حضوراً لافتاً في النقاشات السينمائية على منصات التواصل الاجتماعي.

يُوصف المتابع واسع المعرفة بأنه «محنّك سينمائياً»؛ تعبيراً عن كثرة ما شاهده من أفلام، ومعرفته بكبار المخرجين، وقدرته على الربط بين الأعمال وفهم أدوات الصورة والمونتاج. ويستطيع «المحنَّك» التقاط الإشارات التي قد تفوت المشاهد العادي، كما يمتلك مخزوناً يتيح له ربط الفيلم بمدرسة فنية أو مرحلة تاريخية أو أعمال سابقة.

وقد تمتد اهتماماته من السينما الصامتة وأفلام الأربعينات والخمسينات إلى أحدث إنتاجات المنصات وصالات العرض. ويَعرف الفارق بين الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة، وينتقل بسهولة من أفلام ألفريد هيتشكوك، وأكيرا كوروساوا، وياسوجيرو أوزو، إلى الأعمال السينمائية المعاصرة.

بين الخبرة والاستعراض

تحمل كلمة «محنَّك» في أصلها معنى الخبرة التي تصنعها التجربة، ثم انتقلت إلى قاموس السينما، مثلما تُستخدم في وصف المتمرِّس في السياسة أو الرياضة أو شؤون الحياة. بيد أنها اكتسبت، مع شيوع استخدامها، نبرة ساخرة أيضاً؛ فقد يكتب أحدهم: «وصل المحنّك السينمائي»، عندما يدخل شخص يحوّل حديثاً بسيطاً عن فيلم إلى محاضرة طويلة، أو يحيط رأيه بسياج من المصطلحات.

ومن هذه المساحة خرجت كلمة «مُسْتَحَنَّك»، وهي أوضح في دلالتها الساخرة. فالمُسْتَحَنَّك شخص يسعى إلى الظهور بمظهر الخبير، ويتخذ من السينما وسيلة للاستعراض الثقافي. وقد تمنحه الأفلام الغامضة شعوراً بالتفوُّق، فيما تصبح أسماء المخرجين الكبار جزءاً من الصورة التي يرسمها لنفسه أمام الآخرين. وفي كثير من الأحيان يميل إلى رؤية البطء عمقاً، والغموض عبقرية.

الجماهيري والنخبوي

ترتبط بعض صور «الاستحناك» بالعزوف المعلن عن الأفلام الجماهيرية؛ فالإعجاب بأفلام كريستوفر نولان، أو ستيفن سبيلبرغ، أو إنتاجات «مارفل» يحتاج، في نظر صاحب هذه الشخصية، إلى تبرير، فيما قد يكفي انتماء الفيلم إلى مهرجان أوروبي أو امتداده أكثر من 3 ساعات ليستحق الإعجاب المسبق.

وربما يزداد حماس «المستحنك» للعمل كلما قلَّ عدد مشاهديه، حتى تصبح ندرةُ الفيلم جزءاً من قيمته، والوصولُ إليه إنجازاً يوازي مشاهدته. وهو بهذا المعنى قريب من «المدَّعِي» أو «المتفذلك»، الذي قد يعلن إعجابه بفيلم شديد التعقيد؛ لأن الاعتراف بالملل يبدو في نظره أقل هيبة، أو يقلِّل من قيمة أفلام ناجحة وكلاسيكية، مثل «العرَّاب»، و«نادي القتال»، لمجرد شيوعها بين الجمهور.

جمهور يتسع وقاموس يتشكَّل

يرتبط انتشار الكلمتين باتساع المجتمع السينمائي السعودي خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما أتاحته صالات السينما والمهرجانات والمنصات الرقمية وتطبيقات التقييم والحسابات المختصة. وأسهمت هذه المساحات مجتمعة في تكوين جمهور يتحدث عن الأفلام يومياً، ويتجادل بشأنها، ويضع القوائم، ويمنح التقييمات، ويتابع الجوائز والإيرادات.

نقاشات الأفلام تتجاوز التقييم إلى محاولة إثبات الذات (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وتكشف الأرقام عن حجم هذا الاتساع؛ إذ سجل شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025 إيرادات بلغت 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، وعرض 538 فيلماً، وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن «هيئة الأفلام». وتمنح هذه الأرقام فكرة عن حجم الجمهور الذي تشكَّل حول السينما، ثم صنع تدريجياً نقاشاته وتصنيفاته ومفرداته الخاصة.

ومع نمو هذا المجتمع، ظهرت داخله تيارات وصور نمطية، فبرزت الحاجة إلى كلمات تختصرها. وأدت منصات التواصل دوراً أساسياً في صناعة هذه اللغة؛ فكلمة واحدة مثل «مستحنك» تختصر وصفاً كاملاً لشخصية مألوفة لدى المتابعين. ومع كثرة الاستخدام، تتحول الكلمة نكتةً مشتركةً، ومن ثَم صفةً قد يتبناها بعضهم طوعاً، فيكتب أحدهم عن نفسه ساخراً: «بدأت أستحنك»، بعد مشاهدة فيلم أوروبي طويل، أو يصف قائمته بأنها «اختيارات المحنَّكين»؛ استباقاً لسخرية الآخرين منه.

وامتدت هذه التصنيفات إلى تفاصيل أطرف، من بينها تاريخ الانضمام إلى منصة «ليتربوكسد»، الذي تحوَّل لدى بعض المستخدمين شارةَ أقدمية ودليلاً على سبق صاحبه إلى متابعة الأفلام وتقييمها. ونشأت عبر منصات التواصل مماحكات ساخرة بين أصحاب الحسابات القديمة والملتحقين حديثاً؛ إذ يمنح بعض الأوائل تاريخ انضمامهم قيمة ثقافية إضافية

المعرفة أم التعالي؟

رغم التقارب الظاهري بين «المحنَّك» و«المستحنك»، فإن الفارق بينهما يبقى متعلقاً بالسلوك أكبر من ارتباطه بنوعية الأفلام. فقد يحب المحنَّك فيلماً تجارياً ضخماً وعملاً مستقلاً محدود الجمهور في الوقت نفسه؛ إذ تمنحه معرفته مساحة أوسع للاختيار والاستمتاع. أما المستحنك، فيستخدم هذه المعرفة لإقامة مسافة بينه وبين بقية الجمهور، ويحوّل ذائقته الشخصية معياراً للذكاء والثقافة.

ولا شك في أن مشاهدة أفلام آندريه تاركوفسكي، وإنغمار بيرغمان، والعودة إلى كلاسيكيات الأربعينات والخمسينات، والاهتمام بأعمال المهرجانات، كلها علامات على فضول سينمائي ثري. غير أن «الاستحناك» يبدأ حين تتحول هذه المشاهدات شاراتِ تَفوُّق، ويصبح اسم المخرج وسيلة لإحراج الآخرين، أو تُقاس قيمة الفيلم بمدى صعوبة الوصول إليه ومشقَّة إكمال مشاهدته.

وتحمل الكلمتان في النهاية دلالة تتجاوز المزاح، بوصفهما شاهدتين على تشكُّل ثقافة سينمائية محلية، وعلى رغبة جمهورها في صياغة لغته الخاصة. فمثلما تصف كلمة «سينيفيل» عاشق السينما في أنحاء العالم، تمنح كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» التجربةَ نكهتها المحلية؛ الأولى تحتفي بالخبرة حيناً وتغمزها حيناً آخر، والثانية تختصر التصنُّع السينمائي في كلمة خفيفة وسهلة التداول.


متحف بجامعة أكسفورد يعتزم إعادة رفات بشري إلى شعب «الناغا»

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
TT

متحف بجامعة أكسفورد يعتزم إعادة رفات بشري إلى شعب «الناغا»

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)
جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

قال متحف «بيت ريفرز» في جامعة أكسفورد، الاثنين، إنه سيعيد رفات 39 شخصاً جُمع ونُقل خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، إلى مجتمع شعب «الناغا» في شمال شرقي الهند.

وأكد المتحف الذي يضم أكبر مجموعة في العالم من قطع الآثار الخاصة بـ«الناغا»، أنه يستعد لعملية الإعادة، بعدما وافقت الجامعة على طلب استرداد تقدَّم به «منتدى المصالحة بين قبائل (الناغا)».

وتضم «الناغا» عشرات القبائل التي لكل منها لغتها الخاصَّة وتعيش معزولة في جبال بورما، على مقربة من الحدود مع الهند في أقصى شمال البلاد.

وينقسم شعب «الناغا» بين الهند وبورما، بعدما أدى الاستعمار البريطاني إلى ترسيم الحدود بين البلدين عبر قمة جبلية، ما أدى إلى وجود نحو 400 ألف من أبناء «الناغا» في بورما وثلاثة ملايين في الجانب الهندي.

وقالت مديرة المتحف لورا فان برويكوفن، في بيان، إن الرفات «بعيد من وطنه منذ وقت طويل».

وجمع مسؤولون بريطانيون هذا الرفات في أوائل القرن العشرين خلال الحقبة الاستعمارية، وظل بعضه معروضاً أمام الجمهور حتى عام 2020.

ورحَّب «منتدى المصالحة بين قبائل (الناغا)» ومنظمات أخرى تمثل شعب «الناغا» بالاتفاق، وقال في بيان تلقته «وكالة الصحافة الفرنسية» إن «إعادة الرفات إلى الوطن، بالنسبة لشعب (الناغا) لا تقتصر على عودة العظام ورفات الأسلاف إلى أرضها فقط؛ بل تعني أيضاً -بالقدر نفسه من الأهمية- عودة الذاكرة إلى مكانها الطبيعي».

وقال متحف «بيت ريفرز» إن طلب الاسترداد شمل 40 مجموعة من الرفات البشري.

ووافقت جامعة أكسفورد على إعادة 39 مجموعة من هذا الرفات في 13 يوليو (تموز)، بعدما خلصت إلى أن إحدى العينات «لا دليلَ واضحاً على أنها تعود إلى شعب (الناغا)».

ويأتي الاتفاق في إطار حركة دولية أوسع، لإعادة القطع الأثرية والرفات البشري التي حصلت عليها مؤسسات غربية خلال الحقبة الاستعمارية.

وعام 2022، أعاد متحف هورنيمان في لندن 72 قطعة أثرية إلى نيجيريا، من بينها 12 لوحة نحاسية تُعرف باسم «برونز بنين»، بينما أعادت جامعة إدنبره في وقت سابق من هذا العام جماجم 6 أشخاص إلى إحدى مجموعات السكان الأصليين في أميركا الشمالية.


«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
TT

«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)

ينافس العرض المسرحي الإسباني «حديقة الهيسبيريديس» على جوائز المسابقة الرسمية في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، من خلال معالجة معاصرة لأسطورة الحوريات اللواتي كنّ يعتنين بحديقة أشجار التفاح الذهبي، تلك الثمار التي ارتبطت في الميثولوجيا اليونانية بفكرة الخلود. ويقدم العرض تجربة تجمع بين الرقص والمسرح والنص والموسيقى والإضاءة والصورة والملابس والديكور؛ في محاولة لإعادة تقديم الأسطورة القديمة من خلال لغة مسرحية متعددة العناصر.

وتقدم المخرجة الإسبانية أليثيا سوتو قراءة نسائية للأسطورة؛ إذ لا تتعامل مع «حديقة الهيسبيريديس» بصفتها مكاناً أسطورياً فحسب، وإنما تحولها استعارةً للعالم الداخلي للمرأة، والمساحة الخاصة التي تنسحب إليها بعيداً عن ضغوط العالم الخارجي للحلم والراحة والتنفس واستعادة طاقتها. ومن هذا المنظور، تصبح «التفاحات الذهبية» رمزاً لما تبحث عنه المرأة داخل عالمها الحميمي من قوة وقدرة على الاستمرار، وأحياناً على البقاء.

ويجمع العرض بين فنانين من إسبانيا والمغرب، في محاولة لخلق حوار بين ثقافتين تتقاطعان في كثير من التفاصيل الإنسانية، ويضم فريق الأداء لورينثا دي كالوجيرو، وبالوما كالديرون، وسناء عاصف، وإستر لوزانو وأليثيا سوتو، في حين تولت سوتو الإخراج، بمشاركة فنية من عبد الله الشكيري، وموسيقى أصلية لعبد الله م. حسّاك.

وقالت أليثيا سوتو لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة «حديقة الهيسبيريديس» بدأت أثناء إقامتها في المغرب، حيث عاشت لمدة خمس سنوات، موضحة أنها كانت تفكر في البداية في تقديم عمل يتحدث عن النساء المغربيات، لكنها مع تطور عملية الإبداع اكتشفت أنها تتحدث عن «المرأة العالمية»، وأن الموضوع أصبح أكبر من ثقافة أو بلد محدد.

وأضافت سوتو أن ما أردته من البداية هو إدخال الخيال والتصوير والهوية الثقافية في العمل، إلى جانب الألوان والروائح المرتبطة بالمغرب، مشيرة إلى أن عملية إنتاج أعمالها عادة ما تكون طويلة وتستغرق نحو عام، تبدأ بالدراماتورجيا والبحث وجمع المواد، ثم تنتقل إلى مرحلة خلق العمل على خشبة المسرح.

وأوضحت سوتو أن الجمع بين الثقافتين المغربية والإسبانية لم يكن صعباً بالنسبة إليها؛ لأنها عاشت في المغرب خمس سنوات وتعرفت بصورة عميقة إلى ثقافته وشخصيته، لافتة إلى أنها أرادت بناء موضوع مشترك بين الثقافتين؛ وهو ما جعل عملية التعاون بين الفنانين أكثر سهولة.

أما اختيار المشاركات في العرض، فلم يكن بالنسبة إلى سوتو عملية بحث تقليدية عن ممثلات أو راقصات بقدر ما كان بحثاً عن نساء قادرات على الدخول إلى العالم الداخلي للعمل، مشيرة إلى أنها دعت عدداً من الفنانات اللواتي سبق أن عملت معهن، خصوصاً أن المشروع ارتبط بالذكرى الخامسة والعشرين لشركتها، وكانت تريد أن تضم إلى التجربة نساء يعرفن لغتها الفنية ويفهمن الطريقة التي تعمل بها.

قدمت المخرجة الإسبانية رؤيتها الخاصة في العرض (إدارة المهرجان)

وأوضحت سوتو أنها تعاملت مع اختيار المؤدية المغربية بطريقة مختلفة؛ إذ لم تجر اختبار أداء تقليدياً، وإنما نظمت ورشة عمل استمرت ثلاثة أيام مع مجموعة من النساء في المغرب، مؤكدة أن الورشة لم تكن مجرد وسيلة لاختيار مؤدية، وإنما كانت جزءاً من عملية اكتشاف الشخصية والعمل نفسه.

ومن خلال التفاعل مع المشاركات وجدت امرأة قادرة على نقل هذه التجربة إلى الخشبة.

وأشارت إلى أن العمل مع النساء لم يكن قائماً على الأداء وحده؛ إذ سعى الفريق منذ البداية إلى الاستماع إلى تجاربهن وما يشغل حياتهن اليومية، لافتة إلى أنهم تحدثوا في المغرب مع نساء حول البيت والعلاقة مع الرجل والأحلام والعمل، وهي موضوعات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بموقع المرأة داخل حياتها ومجتمعها.

وترى سوتو أن وصول «حديقة الهيسبيريديس» إلى الجمهور العربي يكتسب أهمية خاصة؛ لأن العمل لا يتوقف عند الحديث عن المرأة بمعزل عن محيطها، وإنما يضعها في مواجهة الرجل وفي قلب العلاقة التي تجمعهما، وهذا البعد دفعها قبل عامين، إلى التفكير في تقديم العرض في عدد من الدول العربية، بعدما شعرت بأن الأسئلة التي يطرحها العمل قادرة على العبور من سياقها الإسباني والمغربي إلى مجتمعات أخرى.

وأضافت سوتو أن اختلاف المكان لا يعني بالضرورة اختلاف التجربة الإنسانية التي يخاطبها العرض، موضحة أنها لا تعيد تشكيل العمل في كل مرة وفقاً لطبيعة الجمهور أو ثقافته؛ لأن هدفها الأساسي هو الوصول إليه كما هو، وترك مساحة له كي يجد علاقته الخاصة بما يراه على الخشبة، فالعرض قُدّم في إسبانيا والعراق وتونس والمغرب وتركيا، وفي كل تجربة كانت ترى نساءً يجدن شيئاً من أنفسهن داخل العمل.

وقالت سوتو إن هذا التفاعل المتكرر يؤكد بالنسبة إليها أن «حديقة الهيسبيريديس» لا تنتمي إلى قضية محلية أو تجربة نسائية محددة، وإنما تنطلق من مشاعر ومواقف يمكن للمرأة أن تتعرف إليها أينما كانت مشيرة إلى أن العمل يتحدث كذلك عن الرجال وعن العلاقات الإنسانية؛ لأن ما يضعه أمام الجمهور ليس مجرد حكاية عن المرأة، بل محاولة لفهم الطريقة التي تتشكل بها العلاقات داخل مجتمعات تحكمها، بدرجات مختلفة، بنى أبوية راسخة.

العرض ينافس على جوائز مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

وعن وجود العرض في المسابقة الرسمية لمهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، أكدت سوتو أنها لا تنظر إلى العمل من زاوية المنافسة؛ لأن التفكير في الجوائز يمكن أن يبعد الفنان عن جوهر العملية الإبداعية، ولكن ما يشغلها هو أن تقدم أفضل عرض تستطيع تقديمه، سواء كان داخل مسابقة أو خارجها؛ لأن العمل بالنسبة إليها لا ينبغي أن يُصنع من أجل الفوز على أعمال أخرى، وإنما من أجل الوصول إلى الجمهور.

وأضافت سوتو أن الجائزة التي تعنيها فعلاً لا تمنحها لجنة تحكيم، وإنما يصنعها الجمهور في اللحظة التي يشعر فيها بأن العرض وصل إليه، مؤكدة أن فهم المشاهد لما وراء الحركة والصورة والموسيقى، وأن يجد نفسه أو شيئاً من تجربته داخل ما يراه، يمثل بالنسبة إليها المكافأة الأهم، فحب الجمهور للعمل وتفاعله معه يظل أكثر قيمة من أي جائزة يمكن أن يحصل عليها العرض.