فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

كتب «باكينغ فاستارد» في أسبوع وصوّره في أقل من شهر

المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)
المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)
TT

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)
المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)

الشرق الأوسط في مهرجان فينيسيا (4)

إذا بدا العنوان غريباً، فالفيلم أغرب. العنوان هو «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard)، والأغرب منه مخرجه فرنر هرتزوغ، ونهجه في إنجاز فيلم غير منظَّم ولا منضبط.

ينتمي هذا المخرج الألماني، المولود عام 1942، إلى جيل من السينمائيين الذين قدَّموا أعمالهم الأولى في أواخر الستينات ومطلع السبعينات، ومن بينهم فيم فندرز، وراينر فرنر فاسبيندر. وقد تحدَّثت عنهم الصحافة العالمية، وظهروا على غلاف مجلة «تايم» مثلاً، بوصفهم ممثلي موجة سينمائية ألمانية جديدة.

كان هرتزوغ دائماً مختلفاً عن أترابه؛ فلم يكترث بطرح مشكلات مجتمعية أو قضايا ثقافية أو حتى قصص متداولة، بل اتجه إلى موضوعات شاقّة، تتمحور حول أناس يشاركونه الشعور بالفردية والرغبة في التفوُّق. وهذا ما شاهدناه في «أغويري، غضب الله» (Aguirre, the Wrath of God، 1972)، و«فيتزكارالدو» (Fitzcarraldo، 1982)، من بين أفلام روائية أخرى أنجزها في تلك المرحلة.

فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (أ.ب)

ثم اتجه أكثر فأكثر إلى السينما التسجيلية، وببراعة مشهودة أثمرت أفلاماً جيدة ومختلفة، من بينها سلسلة تلفزيونية حظيت بتقدير جيد بعنوان «تحت الشمس» (Under the Sun، 1991)، و«عجلة الزمن» (Wheel of Time، 2003)، و«لقاءات عند نهاية العالم» (Encounters at the End of the World، 2007). وكان «كهف الأحلام المنسية» (Cave of Forgotten Dreams، 2010) أحد أفضل أفلامه في هذا المجال.

‫ بدأ هرتزوغ من الصفر. وُلد في عائلة فقيرة بقرية صغيرة خارج ميونيخ، لم تكن تملك سوى جدران المنزل؛ فلا فرش ولا أثاث ولا ماء جارٍ. ويقول: «حيث وُلدت، لم يكن هناك طعام. كل ما كان هناك هو برد قارس».

وكذلك وُلدت سينماه من الصفر تماماً. لم يدخل مدرسة، ولم يعمل مساعداً لأحد، بل أمسك بالكاميرا وبدأ تصوير أفلام قصيرة. ولم يشأ أن تكون أفلامه القصيرة خاوية من الطموح، فأسس لها شركة بالقليل من المال الذي كان يملكه. وبعد انتقاله إلى تحقيق الأفلام الطويلة، استمر في العمل بما يملكه من إرادة قوية وإدراك بأن السينما، كما يقول، «هي الطريق الوحيد الذي لم أجد له بديلاً».

بالنسبة إليه، لا يوجد أمر لا يستطيع الإنسان فعله، بما في ذلك جرّ سفينة بكل ثقلها من شاطئ إلى آخر عبر التضاريس الجبلية الصعبة، كما شاهدنا في «فيتزكارالدو». كانت السفينة حقيقية، وكذلك العمَّال، وهم من قبائل منطقة الأمازون استأجرهم المخرج للعمل. وجسَّد ذلك أيضاً صداماً بين قسوة الإنسان وقسوة الطبيعة.

خلال تصوير «أغويري، غضب الله»، أعلن بطل الفيلم كلاوس كينسكي رغبته في التوقف عن العمل وترك الفيلم بسبب صعوبة التصوير في جبال إلدورادو البرازيلية. وكان رد هرتزوغ أنه سيطلق النار عليه إذا فعل ذلك. وهذه الواقعة موثّقة في فيلم هرتزوغ التسجيلي «شيطاني الحميم» (My Best Fiend، 1999).

الشقيقتان كايت وروني مارا

روني وهرتزوغ وكايت في مهرجان فينيسيا (أ.ف.ب)

«باكينغ فاستارد» واحد من أفلامه الصعبة، وإن كان أقل توهّجاً وإجادة. ومع ذلك، يظل مفاجئاً في طريقة سرد حكايته ومعالجتها بأسلوب متقشِّف. وتدور أحداثه حول شقيقتين تعيشان وضعاً عاطفياً قلقاً ومتاهات عاطفية مع الآخرين، لا يسعى المخرج إلى توضيحها على النحو المطلوب، ما يترك الفيلم مثقلاً بالأسئلة حول غايته الأساسية.

* في لقائنا الأخير عام 2015، حين قدّمت «ملكة الصحراء» بمهرجان برلين، تحدّثنا عن رغبتك في تناول سيرة امرأة أجنبية في الصحارى العربية. يبدو ذلك الفيلم بعيداً جداً عن عملك الجديد، ولا يجمعهما، في رأيي، سوى البطولة النسائية.

- صحيح، كلاهما ذو بطولة نسائية، لكن لا يوجد جامع قوي بينهما سوى أن مخرجهما واحد يُفضِّل الموضوعات الصعبة؛ لأنها المقابل الطبيعي لحياة جميع أبطال أفلامي الروائية.

* رغم اختلاف الفيلم عن «ملكة الصحراء»، ثمة خيط يجمعهما؛ فنيكول كيدمان كانت تبحث فيه عن أرض جديدة، وكذلك تفعل روني مارا وكايت مارا في فيلمك الجديد، وإن كانت أرضهما وهماً.

- تسعدني ملاحظتك، لكن لا ينبغي أن نبني كثيراً من التحليل على هذه النقطة؛ إذ تناول عدد من أفلامي أيضاً التوجّه إلى أراضٍ جديدة. والمختلف هنا أن تلك الأرض غالباً ما تكون من نسج الأوهام.

* يجمع «باكينغ فاستارد» بين ممثلتين شقيقتين بالفعل. هل تطلَّبت إدارتهما عناية خاصة، أو واجهتك أي مشكلة تتعلق بتوزيع الحوارات والمواقف بينهما؟

- يسعدني أنك لم تقل إن الفيلم يتناول شقيقتين توأمين. وهذا ما وجدت نفسي أنفيه في المقابلات التي أجريتها هنا. إنهما امرأتان تعيشان الأحلام نفسها عندما تنامان، من شدّة قربهما بعضهما من بعض، حتى إنهما تقعان في حب رجل واحد. وفي الحوارات تنطقان الكلمات نفسها في وقت واحد. إنهما شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة.

* هل توافق على أن هذا التطابق يمحو، إلى حدّ ما، ذاتية كل منهما؟

- لا.

* كيف؟

- لأن كل واحدة منهما جزء من الأخرى، والفيلم واضح في هذا الشأن. إنهما شخصية واحدة؛ امرأتان في شخصية واحدة.

غموض مطلوب

الشقيقتان روني وكايت مارا (ملف مهرجان فينيسيا)

* قرأت أن الفيلم تطلَّب سنوات عدّة من الكتابة والتحضير. كيف تم ذلك؟

- هذا خطأ. لم يستغرق الفيلم وقتاً طويلاً، ولم تكن المسألة مسألة سنوات. كتبت السيناريو في أسبوع واحد، وصُوّر الفيلم في أقل من شهر. ما كُتب في هذا الشأن غير صحيح.

* ما كان رد فعل الشقيقتين مارا عندما عرضت عليهما بطولة الفيلم؟

- رحّبتا كثيراً ووافقتا سريعاً على العمل معي. وأبدتا إعجابهما بأفلامي وسعادتهما بأن تمثّلا معاً، وأن يأتي هذا الاشتراك في البطولة بينهما، وللمرّة الأولى، في فيلم لي.

* هل تتعمّد إبقاء طبيعة العلاقة بين الشقيقتين غامضة؟

- المسألة ليست غامضة، إلا من حيث رغبتي في عدم الكشف سريعاً عن أسبابها. ومن يتابع الفيلم يكتشف أن حالتهما الفريدة هي مفتاح فهم كل شيء. علاقتهما متجانسة تماماً، وهما تنطقان معاً بالكلمات نفسها.

* ألا يضفي تطابقهما الدائم في الأحلام والحوارات والحركات قدراً من الغموض على الفيلم؟

- أعتقد أن هذا ما يجعل الفيلم مختلفاً. كان يمكن تحقيق فيلم آخر عن القصة نفسها، لكنه لم يكن ليأتي مختلفاً كما رغبت.

* هل توافق على أن معالجتك لبعض الأحداث، وأسلوب اختيارك لها، قريبان من منحى الأفلام التسجيلية التي حققتها من قبل؟

- على العكس. هل تعتقد ذلك لأن هناك مشهداً يقع في كهف ويذكّرك بفيلمي «كهف الأحلام المنسية»؟

* نعم.

- لا، على الإطلاق. الكهف هنا موجود في التهيؤات والأحلام فقط.

لقطة في مشهد المحكمة بالفيلم (برفيدانس رود إنترتاينمنت)

* تتَّسم معالجتك للبطلتين بتعاطف كبير وعناية لا نجدهما في أفلامك ذات البطولة الرجالية. وهذا أيضاً أمر يجمع هذا الفيلم بـ«ملكة الصحراء»...

- هناك أسباب درامية لذلك. الرجال في أفلامي أقل تعاطياً مع العواطف والوجدانيات. إنهم مجموعة متمرّدة على نفسها وعلى الآخرين، وقاسية أيضاً. لدى كل واحد منهم أسباب لا مجال للخوض فيها في أفلامي، بل تكشف عن نفسها خلال المشاهد، وعادةً ما يحدث ذلك مبكراً. لكنها ملاحظة مهمة لم يتطرّق إليها أحد، على ما أتذكّر.


مقالات ذات صلة

ركان ميّاسي: حكاية جدتي قادتني إلى «البارح العين ما نامت»

يوميات الشرق اعتمد الفيلم على فكرة من دون سيناريو متكامل (الشركة المنتجة)

ركان ميّاسي: حكاية جدتي قادتني إلى «البارح العين ما نامت»

قال المخرج الفلسطيني ركان ميّاسي إن فيلمه الطويل الأول «البارح العين ما نامت» انطلق من حكاية جدته، التي تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

بعد 4 سنوات من الغياب يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة».

انتصار دردير (القاهرة )
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق المخرجة هناء العمير أثناء كواليس تصوير الفيلم (الشرق الأوسط)

هناء العمير لـ«الشرق الأوسط»: شعبية «جحيم العابرين» تحدٍ سينمائي

بعد سنوات من العمل في الأفلام القصيرة والدراما التلفزيونية تخوض المخرجة السعودية هناء العمير تجربتها الأولى في إخراج فيلم روائي طويل هو «جحيم العابرين».

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

لا يكتفي الفيلم باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية.

مانولا دارغيس (نيويورك)

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».


البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

البطولات النسائية تبرز في كلاسيكيات «القاهرة السينمائي» المرمَّمة

فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)
فيلم «خان الخليلي» بطولة سميرة أحمد (مهرجان القاهرة السينمائي)

تحضر البطولات النسائية بقوة في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض خلال فعاليات مهرجان «القاهرة السينمائي» الدولي في دورته الـ47، المقررة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، وبالتزامن مع مرور 50 عاماً على انطلاق دورته الأولى عام 1976.

وحسب بيان المهرجان، يضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» مجموعة من الأفلام أُنتجت غالبيتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تؤدي أدوار البطولة في عدد منها فنانات مصريات، من بينها «جريمة في الحي الهادئ» لنادية لطفي، و«امرأة في الطريق» لهدى سلطان، و«القاهرة 30»، و«زوجتي والكلب»، و«غروب وشروق» لسعاد حسني، و«خان الخليلي»، و«ليل وقضبان» لسميرة أحمد، و«مراتي مدير عام»، و«شيء من الخوف» لشادية، و«شفيقة القبطية» لهند رستم.

وأخرج هذه الأفلام نخبة من المخرجين المصريين، من بينهم عز الدين ذو الفقار، وصلاح أبو سيف، وعاطف سالم، وسعيد مرزوق، وفطين عبد الوهاب، وأشرف فهمي، وحسن الإمام، وحسين كمال، وكمال الشيخ، وحسام الدين مصطفى، وشارك فيها عدد من نجوم «العصر الذهبي»، مثل أحمد مظهر، ورشدي أباظة، ويحيى شاهين.

ويضم برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» في الدورة المقبلة 27 فيلماً، حسب بيان المهرجان، الذي نشر عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي ملصقاتها الترويجية، مصحوبةً بتعليق: «بعض الأفلام محفورة في ذاكرتنا... شاهدوا سحر كلاسيكيات السينما المصرية على الشاشة الكبيرة في الدورة الـ47 من المهرجان».

فيلم «شيء من الخوف» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ومن بين هذه الأفلام أيضاً «القتلة»، و«قنديل أم هاشم»، و«الرجل الذي فقد ظله»، و«السراب»، و«الزوجة الثانية»، و«الحرام»، و«البوسطجي».

ويرى الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن بروز البطولات النسائية في قائمة الأفلام المرممة التي ستُعرض بالمهرجان هذا العام يؤكد أن «السينما المصرية في خمسينات وستينات، وحتى سبعينات القرن الماضي كانت تمنح المرأة مساحة بطولة وموضوعات أكبر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن مساحة المرأة في السينما، بوصفها نجمة وبطلة محورية، تقلّصت في نهاية التسعينات ومع دخول الألفية الجديدة، إلى جانب تراجع عدد الأفلام والموضوعات المرتبطة بها، مقابل هيمنة النجوم الرجال على البطولات إلى حد كبير، وهو وضع استمر لاحقاً.

وفي السياق، تشهد الدورة المقبلة من «القاهرة السينمائي» عرض عدد من أفلام الفنانة المصرية سميرة أحمد، من بينها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي». وأشادت الفنانة بالتقليد الذي أرساه المهرجان برئاسة الفنان حسين فهمي، لافتةً إلى أن ترميم كلاسيكيات السينما المصرية والحفاظ عليها وعرضها للأجيال الجديدة أمر رائع، يتيح لهذه الأجيال التعرّف على تاريخ صناعة السينما المصرية.

«شفيقة القبطية» ضمن الأفلام المرممة (مهرجان القاهرة السينمائي)

ووجّهت سميرة أحمد، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»، التهنئة إلى الفنان حسين فهمي والقائمين على المهرجان وجمهور السينما بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسه، مؤكدةً أنها تتابعه وسعيدة بكل تفاصيله، وتحتفظ بذكريات عدة من دوراته السابقة تستعيدها بسعادة بالغة.

وعدّت سميرة أحمد فيلميها «ليل وقضبان» و«خان الخليلي» من أجمل وأهم ما قدّمت طوال مسيرتها الفنية، مشيرةً إلى أن بروز البطولات النسائية في تلك المرحلة يعود إلى الموضوعات التي كانت تُقدَّم وتليق بالفنانة البطلة. وأكدت أن أفلامها شهدت مشاركة نجوم رجال لهم مكانة كبيرة ونجومية لافتة، مثل عماد حمدي، وحسن يوسف، ومحمود مرسي، ومحمود ياسين، الذين شاركوها بطولة الفيلمين.

ويشهد «القاهرة السينمائي» في دورته الـ47 فعاليات ومشاركات فنية محلية ودولية بارزة، إلى جانب تكريم كلٍّ من الكاتب مدحت العدل، ومدير التصوير سعيد شيمي، والمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، وتكريم الفنان آسر ياسين بجائزة «فاتن حمامة للتميز».