القهوة السعودية تقليد تاريخي ومفضلة رمضانية

القهوة السعودية سيدة سفرة الإفطار الرمضاني (الشرق الأوسط)
القهوة السعودية سيدة سفرة الإفطار الرمضاني (الشرق الأوسط)
TT

القهوة السعودية تقليد تاريخي ومفضلة رمضانية

القهوة السعودية سيدة سفرة الإفطار الرمضاني (الشرق الأوسط)
القهوة السعودية سيدة سفرة الإفطار الرمضاني (الشرق الأوسط)

من دون أدنى شك تعد القهوة رمزاً ثقافياً متأصلاً في جذور البيت السعودي، وهي أساس الضيافة والكرم والحفاوة، وكما يقول بعض الشعراء في الجزيرة العربية قديماً: «البيت اللي ما فيه دلة محد(ن) يدله»، وشُرحت وصفات القهوة السعودية وطرق تقديمها في شعر «الأرجوزة»، التي ذكرت أن أوقات تقديمها يكون في الصباح الباكر أو مع القدوع (ضيافة التمر)، وهذا تدرج إلى أن أصبحت القهوة ركناً أساسياً للضيافة وحُسن الاستقبال.

وخلال شهر رمضان تعد القهوة السعودية سيدة المائدة الرمضانية، ووجودها يعكس الاحتفاء بالضيف وإظهار الاحترام له، ويرتبط وجود القدوع (التمر) مع القهوة في ثقافة القهوة السعودية ارتباطاً وثيقاً، فهما متلازمان لا يفترقان. من هذا المنطلق أوضح مستشار القهوة السعودية ومدرب مبادرة خبير القهوة السعودية سلطان آل مريع في حديث له مع «الشرق الأوسط» أن معجم الجامع فسّر كلمة قدوع بـ«القدع»، وتعني كسر حدة الجوع، وما نلاحظه هو أن ارتباط معنى كلمة القهوة في المعاجم بمعنى «سد الشهية»، وأخذ ذلك من مسار كلمة «قها»، وكان هناك ارتباط كبير جداً بين كسر حدة الجوع وبين سد الشهية، فهما مكملان لبعض في الوصف والمعنى والارتباط.

القهوة السعودية تحظى بأهمية كبيرة خلال شهر رمضان (الشرق الأوسط)

ويعد تحضير القهوة من فنون الطهي السعودي، وتمت مشاركة هذا الفن في المحافل العالمية الثقافية للتعريف بثقافة إعداد القهوة السعودية، ولا يخلو البيت السعودي من طرق إعداد هذا الفن والموروث، الذي يعد من كنوز ثقافة المملكة العربية السعودية. وبحسب آل مريع تختلف طقوس إعداد القهوة السعودية باختلاف المساحة الجغرافية في المملكة العربية السعودية، حيث تتفرد القهوة السعودية بطرق الحمص المختلفة، فعندما نذهب إلى جنوب السعودية في منطقة عسير تحديداً نجد أن القهوة تكتسب اللون الفاتح في تحميصها، وحين نتجه إلى المناطق الوسطى من المملكة نلاحظ أن القهوة تأخذ لوناً متوسطاً في التحميص، أما في الشمال فتكون القهوة أكثر تحميصاً، ويسمى التحميص الغامق، مع المحافظة على إضافات محددة لكل منطقة من الجنوب إلى الشمال.

وأوضح آل مريع أن المكون الرئيسي في القهوة السعودية هو أسلوب تحميص القهوة السعودية، وهناك فرق شاسع جداً بين القهوة العربية والقهوة السعودية، حيث إن القهوة السعودية سميت سعودية لوجود اثنين من العوامل، العامل الأول هو أن القهوة السعودية تبدأ من البن الخولاني السعودي، وتوجيه أسلوب الحمص الذي انحصر فقط في المملكة العربية السعودية لـ3 حمصات مختلفة، و5 طرق لتحضير القهوة السعودية حسب مناطق المملكة، العامل الثاني أن القهوة السعودية هي القهوة الوحيدة في العالم التي تصنع أمام الضيف من التحميص إلى الطبخ ثم التقديم، وهذا ما لا نراه في أنواع القهوة الأخرى من مختلف أنحاء العالم، مع ضرورة أن يتخلل هذا التقديم القصائد الشعرية والحوارات الأدبية.

واعتمدت وزارة الثقافة في عام 2022 عدد 20 ورقة بحثية في مجال القهوة السعودية مقدمة من باحثين محليين ودوليين، وتهدف المبادرة في منح الأبحاث الخاصة بالقهوة السعودية إلى إثراء 3 عوامل رئيسية، وهي طور الدعم المقدم من الوزارة للقهوة في الجزيرة العربية، وأما المسار الثاني فكان فحص المعرفة والمهارات والتقاليد الاجتماعية، وأما الثالث فركّز على تطوير المحتوى المحلي في القهوة السعودية.

وركّزت وزارة الثقافة على مبدأ الاحتفاء بهذه الثقافة، كما قامت الوزارة ممثلة في هيئة فنون الطهي برصد الوصفات من مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى تأهيل شباب وشابات سعوديين لمهنة تسمى «خبير القهوة السعودية»، وهو خبير ملم بجميع تفاصيل القهوة السعودية من التحميص إلى التحضير إلى التقديم، وركزت على أن يكون لخبير القهوة دور مهم في نشر الثقافة، فاليوم بإمكان أي شخص لدية «رخصة خبير القهوة السعودية» في المملكة أن يصنع القهوة الخاصة بجميع المناطق.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

«لن يفعلها أحد بعد رحيلي»... ترمب يكشف صراحةً عن النُّصُب التذكارية التي يبنيها لنفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

«لن يفعلها أحد بعد رحيلي»... ترمب يكشف صراحةً عن النُّصُب التذكارية التي يبنيها لنفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

في خضم المشاريع المعمارية التي يدفع بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن العاصمة خلال ولايته الثانية، برز حديثه عن الإرث الذي يريد تركه خلفه، إذ أقرّ بأنه يبني بعض هذه المشاريع، ومنها «قوس النصر»، بوصفها نُصُباً تذكارية مرتبطة به شخصياً، معتبراً أن أحداً لن يقدم على بنائها بعد رحيله، بحسب شبكة «سي إن إن».

ولم ينكر ترمب، خلال مقابلة حديثة، أنه يبني نُصُباً تذكارية لنفسه، إذ قال رداً على سؤال حول هذه المشاريع، ومنها «قوس النصر»: «هذا صحيح. لن يفعلها أحد بعد رحيلي. عندما أغادر، لن يفعلها أحد».

وركّز الرئيس الأميركي بشكل كبير على بناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى، خلال ولايته الثانية. وقد أثار هذا التركيز استياء بعض الجمهوريين في الكونغرس، ومستشاري ترمب، الذين قال بعضهم إن الاهتمام بقاعة الاحتفالات قد يضرّ بفرص «الحزب الجمهوري» في انتخابات التجديد النصفي، كما قد يجعل من الصعب عليهم الالتزام بالخطاب الذي يتبنونه.

لكن ترمب دافع عن المشروع، وقال في المقابلة إن «على الشعب أن يكون ممتناً» لقاعة الاحتفالات.

وأضاف الرئيس: «قال لي الكثيرون: لا تُجرِ هذه المقابلة. لكنني فخور بالعمل الذي أقوم به».

نموذج لقوس النصر الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن (رويترز)

كما دافع ترمب عن فكرة أن قاعة الاحتفالات ضرورية للأمن القومي، مشدداً على خطط تتضمن إنشاء مهبط للطائرات على سطح المبنى، وملجأ تحت الأرض، إلى جانب تركيب نوافذ مضادة للرصاص.

وفي الوقت نفسه، من المقرر أن تبدأ الإدارة الأميركية خلال الأسبوعين المقبلين في أعمال بناء القوس، الذي يبلغ طوله 250 قدماً، بالقرب من مقبرة أرلينغتون الوطنية.

لكن في نهاية المطاف، وكما قالت مصادر لشبكة «سي إن إن» في وقت سابق من هذا العام، فإن الأمر برمته يرتبط بإرث الرئيس، وما سيبقى من أثره بعد مغادرته منصبه.

وقال مصدر مقرّب من ترمب لشبكة «سي إن إن» في مايو (أيار): «انظروا إلى حياة دونالد ترمب، انظروا إلى ما أنجزه: لقد بنى أشياءً لن يهدمها أحد أبداً»، مشيراً إلى أنه حتى إذا ألغى خلفاؤه سياساته، فمن المرجح أن تبقى قاعة الاحتفالات قائمة.

وأضاف المصدر: «الشيء الوحيد الذي لن يستطيعوا هدمه هو الجناح الشرقي. هذا هو أثره الدائم. ولهذا السبب يهتم كثيراً: لأنه إرثه».


«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
TT

«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)

في معرض «احكيلي يا جنوب»، المطلوب من زائره أن يُصغي. فالحيطان هنا هي التي تتحدّث، وتروي قصص أهالي الجنوب وذكرياتهم مع قراهم، في رحلة تستعيد علاقة الإنسان بالمكان وما تختزنه من مشاعر وانتماء.

ومن خلال أرشيف بصري وسمعي موزّع على طابقي «بيت بيروت» في منطقة السوديكو ببيروت، يخوض الزائر جولة إنسانية بامتياز، فيستمع ويشاهد ويقرأ حكايات مؤثّرة عن ارتباط أبناء الجنوب بأرضهم. وهي علاقة حبّ متجذّرة بينهم وبين قراهم، بقيت صامدة في مواجهة الحرب.

المعرض من إعداد وتنسيق مشروع «احكيلي» في «بيت بيروت»، بالتعاون مع المصوّر أديب فرحات، ويجمع أعمالاً فنية وبحثية تنطلق من خلفيات وتجارب مختلفة، وتتمحور حول الذاكرة الجماعية لأهالي جنوب لبنان.

ويضم مجموعة متنوّعة من المواد والأعمال، بينها أرشيفات منزلية وصور عائلية من قرى وبلدات الجنوب، إلى جانب أعمال فنّية وبحثية، وأفلام وتجهيزات سمعية وبصرية، فضلاً عن وثائق ورسائل وصور تاريخية نادرة. كما تتناول بعض الأعمال الخرائط والأرشفة الرقمية، فيما خُصّصت مساحات تفاعلية تدعو الزوار إلى مشاركة قصصهم وذكرياتهم وإضافتها إلى المعرض.

ويشارك، إلى جانب أديب فرحات، عدد من الفنانين التشكيليين، هم بتول فاعور، وفرح برّو، ورباب شمس الدين، وروان مازح، وسما بيضون.

يخصّص «احكيلي يا جنوب» مساحة تفاعلية يشارك فيها الزوار حكاياتهم وذكرياتهم (الشرق الأوسط)

ومن اللحظة الأولى لدخول المعرض، يشعر الزائر بأهمية هذا اللقاء مع ذاكرة جماعية موثّقة. فتارة يتفاعل معها من خلال الصورة الفوتوغرافية، وتارة أخرى عبر أدوات منزلية، ومونة، ومفاتيح بيوت، ولوحات مرسومة. ومن خلال الفيديوهات والتجهيزات الفنّية، يخوض رحلة بصرية تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية مع ذاكرة المكان. فجميع عناصر المعرض جُمعت من أرض الواقع، لتصبح شاهدةً على حكايات أصحابها. وبين حجر ملتوٍ هنا، وكمشة تراب هناك، وفنجان قهوة مكسور، يجد الزائر نفسه أمام تفاصيل صغيرة تختزن حكاية كبيرة، وكأنه يقوم بجولة في قرى جنوب لبنان التي شهدت حروباً متعاقبة، وهو لا يزال في قلب المدينة.

ويغطي المعرض حقبة طويلة من الحروب التي عاشتها المنطقة وأهلها، منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم. ويتجوّل الزائر بين ما تبقّى من آثار تلك السنوات، وما نجا من قسوتها وتقلّباتها.

وتبدو محتويات المعرض أشبه بحفنة من آثار حياة مضت، جمعها الناس من بين الركام والدمار واحتفظوا بها، كأنها آخر ما يربطهم بأمكنتهم. أشياء بسيطة في شكلها، لكنها تحمل في تفاصيلها قصص بيوت وقرى، وتختزن لحظات من حياة لم تستطع الحرب محوها بالكامل.

وبين الأقسام، نزور نماذج من بيوت الجنوب، ونقرأ قصاصات من صحف ورسائل جمعها أديب فرحات في أرشيفه الفنّي. وعبر عناوين مختلفة، بينها «خطوط التغريب»، و«بس قرّب موسم الرمان»، و«مفاتيح بلا بيوت»، و«بعد العشاء»، يجول الزائر في حنايا ما تبقّى من الحكايات.

وتمسّك كل فنان مشارك بإبراز علاقته ببلدته وأرضها، انطلاقاً من مراحل عاشها فيها، وترجم هذه العلاقة بصور عائلية فوتوغرافية أو بمائدة عشاء فارغة من أهلها. كما نتوقف عند معنى خسارة الأماكن والبيوت من خلال تجهيزات فنية ضخمة، تتدلى من إحداها مجموعة من المفاتيح، في إشارة إلى بيوت لم يعد أصحابها قادرين على العودة إليها.

تجهيز فني من قسم «مفاتيح بلا بيوت» يستحضر بيوتاً غاب عنها أصحابها (الشرق الأوسط)

وفي زاوية خصّصتها الفنانة رباب شمس الدين لذكرى موسم قطاف الرمان، تستعين بصور فوتوغرافية لأهالي بلدتها وهم يحصدون ثماره، في استعادة لموسم يرتبط بأرضهم وعاداتهم. أما الفنانة فرح برّو فأنشأت غرفة جلوس من أثاث بسيط ومجموعة أدوات وأغراض استقدمتها من منزلها في الجنوب، وأحاطتها بأجواء تستعيد عادات وتقاليد كانت تمارسها يومياً في صبحياتها مع الجيران. ويبرز بينها كوب قهوة عربية مزخرف، وصور لبيتها ذي الواجهة المكلّلة بالقناطر، إلى جانب صور لأكلة «اللحم بعجين» وأشجار الزيتون التي تستحضر بها بلدتها كفركلا.

وفي ركن خاص بالمطبخ الجنوبي، تستوقف الزائر أغراض وأدوات منزلية تستعيد الطابع القروي الذي يميّز مطابخ الضيعة اللبنانية. ومن خزانة «النملية» إلى طناجر الألمنيوم وستارة المجلى المصنوعة من القماش الأصفر، تبدأ رحلة أخرى في تفاصيل الحياة اليومية التي ارتبطت ببيوت الجنوب.

ويتضمّن المعرض جانباً تفاعلياً يتيح للزوار المشاركة مباشرة في بناء الأرشيف، عبر كتابة الحكايات والرسائل وتفاصيل الحياة المرتبطة بقراهم وأماكنهم. ويرافقه برنامج من الجولات واللقاءات والأنشطة الحوارية التي تُعلن تباعاً، بهدف توسيع مساحة المشاركة وإتاحة المجال أمام مزيد من الأصوات والقصص.


«فيل في الدماغ»... دراسة ضخمة تكشف بصمة الفقر على عقول الأطفال

أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)
أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)
TT

«فيل في الدماغ»... دراسة ضخمة تكشف بصمة الفقر على عقول الأطفال

أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)
أدمغة الأطفال الذين يعيشون في فقر بدت كأدمغة المتعبين والمجهدين (بكسلز)

بدأت أكبر دراسة أميركية طولية لتصوير أدمغة الأطفال والمراهقين بهدف فهم تأثير المخدرات والكحول على الدماغ النامي. لكن إحدى أكثر نتائجها إثارة للدهشة حتى الآن لا تتعلق بالمخدرات، بل بما يفعله الفقر بالدماغ في سنوات النمو.

دراسة بدأت قبل تعاطي المخدرات

وبحسب تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، بدأت فكرة الدراسة عام 2013 من خلال مبادرة بحثية حول الإدمان في المعاهد الوطنية للصحة الأميركية. وكان الهدف الأول تصوير أدمغة الأطفال قبل أن يجرب معظمهم المواد المخدرة، ثم متابعتهم خلال السنوات التي يرتفع فيها خطر إساءة استخدام المواد.

وفي عام 2015، سجَّلت الدراسة 11 ألفاً و880 طفلاً في 21 مركزاً، تتراوح أعمارهم بين 9 و10 سنوات. وخضع المشاركون لتصوير الدماغ واختبارات معرفية ونفسية، إضافة إلى جمع عينات حيوية وتقييمات تفصيلية لمنازلهم ومدارسهم وأحيائهم وصحتهم وتعرضهم للمواد المخدرة.

وكان من المقرر متابعة هؤلاء الأطفال بشكل متكرر حتى مرحلة البلوغ المبكر، مع إتاحة بيانات الدراسة للباحثين.

وعندما أصدرت المعاهد الوطنية للصحة أول مجموعة كبيرة من بيانات خط الأساس عام 2018، أوضحت نورا فولكوف، مديرة المعهد الوطني لتعاطي المخدرات، أهمية بدء الدراسة قبل تعاطي المواد، إذ أصبح بإمكان الباحثين مقارنة صور أدمغة الأشخاص أنفسهم قبل التعاطي وبعده. وبعد ثمانية أعوام، بدأت هذه الفكرة تؤتي ثمارها.

المفاجأة الأكبر: الفقر يترك بصمته على الدماغ

ربما كانت النتيجة الأكثر إثارة للانتباه في الدراسة لا تتعلق بأي مخدر. ففي عام 2026، قارن سكوت ماريك ونيكو دوسنباخ وزملاؤهما في كلية الطب بجامعة واشنطن 649 متغيراً بيولوجياً ونفسياً واجتماعياً وبيئياً ببنية الدماغ ووظيفته لدى نحو 12 ألف طفل من المشاركين في دراسة ABCD.

ومن بين أقوى 40 متغيراً ارتباطاً بوظيفة الدماغ، كان 37 منها مرتبطاً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي. ومن بين أقوى 40 متغيراً ارتباطاً ببنية الدماغ، كان 35 منها كذلك.

وتفوقت عوامل مثل دخل الأسرة وامتلاك المنزل والفقر في الحي ووسائل النقل والموارد المجتمعية على تأثير معدل الذكاء وأسلوب التربية والتاريخ الطبي ومئات المقاييس الأخرى.

ووصف دوسنباخ الظروف الاجتماعية والاقتصادية بأنها أعمق بصمة بين العوامل التي فحصها الفريق، فيما وصفها ماريك بأنها «الفيل في الدماغ». وقد فسرت المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية نحو 16 في المائة من الاختلاف في وظائف الدماغ، وهي نسبة كبيرة بصورة لافتة في هذا المجال.

أدمغة الأطفال الفقراء لا تبدو «أقل ذكاء»

لم تبدُ أدمغة الأطفال الذين تقل أمامهم الفرص الاجتماعية والاقتصادية وكأنها «أقل ذكاء»، بل بدت أقرب إلى أدمغة الأطفال المتعبين والمجهدين والذين يعانون من التوتر.

وظهرت أقوى الارتباطات في الأنظمة الحسيَّة والحركيَّة، وهي مناطق تتأثر بفقدان النوم اليومي والتوتر المزمن، وليس فقط في المناطق التي عادة ما توصف بأنها مراكز للذكاء.

وبعد ضبط تأثير الوضع الاجتماعي والاقتصادي، لم تعد نحو 70 في المائة من الارتباطات التي رُصدت سابقاً بين الدماغ ومعدل الذكاء ذات دلالة إحصائية. ويشير ذلك إلى الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه البيئة الاجتماعية والاقتصادية في نمو الدماغ.

وكانت أبحاث سابقة ضمن دراسة ABCD قد ربطت فقر الأسر والأحياء باختلافات في تنظيم المادة البيضاء وزيادة محتوى الماء في بعض المساحات الدماغية، وهو ما قد يرتبط بعمليات التهابية عصبية. كما وجدت دراسة أخرى تفاوتات مرتبطة بالدخل في حجم الحُصين.

الفقر والضغط النفسي... صلة محتملة بالإدمان

لا يعني ذلك أن الفقر يسبب الإدمان، كما أن الثروة لا تمنح حصانة منه. لكن الضغوط المزمنة، واضطراب النوم، وانتشار المخدرات وتوفُّرها في الأحياء، والتوتر الأسري، ومحدودية الوصول إلى العلاج، وقلة البدائل الآمنة، يمكن أن تؤثر جميعها في نمو الدماغ وفي فرص التعرُّض للمواد المخدرة.

وهكذا، قد تكون الظروف الاجتماعية والاقتصادية نفسها التي تترك بصمة قابلة للقياس على الدماغ مؤثرة أيضاً في من يبدأ التعاطي مبكراً، ومن يصعد إلى مستويات أكبر من الاستخدام، ومن يحصل على المساعدة.