ماريو باسيل لـ«الشرق الأوسط»: السوشيال ميديا تتسبب بحرق النكتة

برأيه أن قواعد تسويق الكوميديا أصابها التغيير الجذري

اختياره الكوميدي شادي مارون يعود لأسباب عدة (ماريو باسيل)
اختياره الكوميدي شادي مارون يعود لأسباب عدة (ماريو باسيل)
TT

ماريو باسيل لـ«الشرق الأوسط»: السوشيال ميديا تتسبب بحرق النكتة

اختياره الكوميدي شادي مارون يعود لأسباب عدة (ماريو باسيل)
اختياره الكوميدي شادي مارون يعود لأسباب عدة (ماريو باسيل)

يقولها علناً، ماريو باسيل، أحد رواد المسرح الكوميدي في لبنان، في رأيه أن دماغنا بات يتغذّى فقط من بقايا كوميديا من المستوى الهابط. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لا أتابع المحلية، فلم يعد لها لا طعم ولا نكهة، ولا أتوقّع من الموجود ما يحاكيني. حتى المحتوى الغالب بات مطبوعاً بتفاهات وسخافات لا تشبه ماضينا في هذا المجال. والأسوأ هو أن هذا النوع من الكوميديا بات يقضي على الأفكار الذكية. وكأن (الهبل) صار مطلوباً لتحقيق الانتشار».

هكذا وبكل صراحة يعترف باسيل بتراجع الكوميديا في لبنان، ويُعدّ أن الأسلوب التسويقي لها تبدّل تماماً. كانت الشاشة الصغيرة أو الإذاعات معياراً يوثق نجاح الكوميديا. فكانت بمثابة الـ«فلتر» الذي يقيّم ممثلاً كوميدياً عن غيره، وتفسح المجال له للعبور إلى الجمهور. أما اليوم فوسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة لكل الناس ويمكن لأي شخص أن يدّعي إجادته هذا الفن.

كل ذلك أسهم في قلب قواعد التسويق ومعايير الكوميديا بشكل عام، ممّا ولد مستوى هابطاً. ويتابع: «مع الأسف أصبح المحتوى الكوميدي يميل إلى التسطيح أكثر، وكذلك إلى تفريغه من المضمون الجيد. فهو حوّل وجهته نحو عناصر مادية، وأحياناً كثيرة لا نفهم المغزى من استخدامها».

ماريو رغم كل المصاعب الذي يواجهها هذا الفن في لبنان، لا يزال استعراضه من نوع الـ«ستاند أب كوميدي» (كوميدي نايت) رائجاً، ويلاقي شعبية كبيرة. فأي طريق يسلكها ليحافظ على مكانته هذه؟ يرد: «في ظل هذه الفوضى العارمة التي تولّد يومياً كوميدياً ما، كان لا بدّ من تغيير الخطة. وما عدت أكتفي بمكان ثابت أقدّم فيه مسرحياتي. ووجدت في التنقل من مكان إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى أسلوباً فعالاً، فاستطعت بذلك أن أطال شرائح مختلفة من الناس. وأخذت بعين الاعتبار أزماتنا السياسية والاقتصادية، فوفّرت على الناس قطع المسافات وكلفة المواصلات وقرّرت أن أقترب منهم بشكل أكبر. فاليوم مسرحيتي تقدّم في مطاعم ونوادٍ وفنادق، إضافة إلى حفلات خاصة بمناسبات عامة تقام في كازينو لبنان. واليوم صار مسرحي معروفاً أيضاً خارج لبنان من قبل جاليات لبنانية في كندا وأوروبا حيث أحييت عدة حفلات مسرحية. وكذلك هناك جمهور عربي عريض يتابعنا من الأردن والمغرب والخليج العربي وسوريا حيث نحيي اليوم حفلات متتالية».

أكثر من مرة شهد فريق ماريو باسيل المسرحي تغييرات بأفراده، واليوم يثبت في تعاونه مع الممثل الكوميدي شادي مارون، فما هي القواعد التي يتبعها في هذا الإطار؟ ولماذا يُقدم على هذه التغييرات الدائمة؟ يوضح، بأن هناك أسباباً كثيرة تدفعه للقيام بذلك، أهمها البحث عن مواهب يمكنها أن تحقّق تفاعلاً ملحوظاً مع الحضور، «ما يفيدني بالفعل هو تركيبة الكوميدي الذي يعمل معي. واليوم وجدت ضالتي مع شادي مارون. فهو إضافة إلى إجادته تقليد فنانين وسياسيين، يعرف كيف يتواصل مع الجمهور. فمسرح الـ(ستاند أب كوميدي) بات اليوم يرتكز على هذه الناحية أكثر من غيرها. وهو ما يجعلنا نستغني عن تقنيات كانت تُعدّ أساسية في مسرحنا. ومعي أيضاً الممثلة آلين أحمر التي تتمتع بكل مقومات فن المسرح الذي أقدمه. فهي تملك الموهبة والخبرة».

لا يتابع باسيل الكوميديا المحلية، لذا لا يستطيع أن يعطينا رأيه. فظاهرة الكوميديا المرتكزة على شخص واحد تتوسع يوماً بعد يوم، ولا يستطيع اللحاق بتغييراتها. ويعلق: «لا يمكنني التكهن بمدى استمراريتها لأن العولمة لخبطت كل القواعد. فهناك أكثر من منصة وصفحة إلكترونية يمكن لهؤلاء أن يطلّوا عبرها. وعمر مشوارهم لم يعد يتعلق بإطلالتهم على شاشة تلفزيونية أو إذاعة أو إقامة حفلات كثيرة. الأدمغة الكبيرة التي كانت تدير الإنتاجات وتسوّقها، صارت بغالبيتها خارج لبنان. وهذا التلوث الدماغي الذي نشهده يجعلنا في حالة تراجع. وخفة الظل باتت نادرة لأن هناك كمية استهلاك كبيرة للضحكة. الجميع يبحث عنها في ظل أزمات متلاحقة. وصارت النكتة سريعة الذوبان تذوب قبل أن نتناولها، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي».

ولكن ماريو وجد طريقة للاستفادة من نكتة ما. وراح يضيف عليها لإحيائها. «صرت أضيف إلى النكتة ما يمسرحها، فلا تعود مجرد خبرية سريعة منتهية الصلاحية. فعمليتا الإخراج والتمثيل أصبحتا أهم من الطرفة بحد نفسها. ومن خلال هذه الطريقة يعيش الحضور تجربة مسرحية مختلفة».

أما انتشار الأعمال المسرحية المرتكزة على البطل الفردي والـ«ستاند أب» فسبب رواجها يعود إلى العولمة. «إنها مسرحيات لها تاريخها في الغرب، وامتدت مؤخراً إلى عالمنا العربي. وقد تكون عملية الإنتاج الغائبة عن أعمال مسرحية مع فريق متكامل، قد أدت إلى رواج هذه الأخيرة لأنها لا تتطلب كلفة عالية».

وعن شخصية «ماريوكا» التي يجسدها على مسرحه يقول: «في الماضي القريب أسرّ لي المخرج الراحل سيمون أسمر بأن هذه الشخصية هي بمثابة طبق الحلوى الذي يحتاجه الناس عادة بعد تناول الطعام. فهي شخصية تمرّر رسائل تنتقد واقعنا المرّ إلى حدّ الضحك؛ فالدراما مع الأسف تسوّد حياتنا ونحتاج بقعة ضحك نفرغ فيها همومنا وهي ما توفره لنا (ماريوكا). فالمحتوى السياسي يذكّر الناس بواقع تعب منه، ومن هنا يأتي دور هذه الشخصية ضمن اسكتشات تخرج الهم من القلب».

ويختم باسيل متحدثاً عن مشروعه السينمائي المقبل: «أفكر به منذ فترة، ليحمل قصة كوميدية من كتابتي وبطولتي. ولكن هناك مشكلة إنتاج تواجهني وتؤخر ولادته. فالجميع ومع الأسف، يتفق بأن السينما ما عادت تشكّل رزقاً مربحاً، وهي بخطر، كما أن الجودة التي نفتقدها في صناعتها تعاني من الخطر نفسه».


مقالات ذات صلة

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.