عاش ثلاثة فنانين في حضرة النيل وتشبعوا بتأثيره وعطائه وما نسجه داخل المخيلة الشعبية من حكايات وأساطير حول الجمال والحب والخير والقرابين والبطولات والحروب؛ فجاءت أعمالهم بمثابة «حالة جنوبية» مُحملة بسرديات بصرية إنسانية وجماليات وصياغات فنية غير مألوفة.
يحتضن أعمال الفنانين وهم كمال هاشم ومحمد عرابي وعادل كبيدة معرض يقيمه غاليري «ضي» بالمهندسين، وذلك في إطار مبادرة «العودة إلى الجنوب» التي يسعى هذا الحدث إلى تطويرها عبر المعروضات والنشاطات المصاحبة له، وفق هشام قنديل مدير الغاليري.

يقول قنديل لـ«الشرق الأوسط» إن «ضي» منذ بداياته يؤمن بأن رسالته لا تتوقف عند إقامة المعارض الفنية وحدها، إنما يعمل على تحقيق حراك في المشهد الثقافي العربي، ومن ثم يقيم في سياق هذه المبادرة معرض «حالة جنوبية» الذي تجسد أعماله منظومة فكلورية متكاملة لفنانين جنوبيين، كل منهم يقدم لنا تجربته الخاصة.
ومن خلال نحو 90 عملاً مختلف الأحجام يضمها المعرض يستحضر المتلقي الجنوب داخله، ويستمتع برؤى متنوعة للحياة والإرث الجنوبي والحضارات القديمة والروح الشعبية، وذلك في حضور قوي لنهر النيل، فضلاً عن الحوار الثري مع موروثات الشمال بكل زخمه هو الآخر، ويغلف ذلك كله أجواء روحانية صوفية.

وربما تكون لوحات الفنان السوداني عادل كبيدة الذي انتقل للإقامة بالقاهرة منذ ثمانينات القرن الماضي الأكثر تجسيداً لهذه الصوفية؛ وذلك تأثراً بروح الأمكنة التي نشأ فيها وزارها وعشقها؛ والذي يروقه أن يطلق عليها «ثلاثية الإلهام»، وتضم قرية «كرمكول» بالسودان... مسقط رأس الطيب صالح بكل روعة الطبيعة فيها، ومدينة الأقصر بكل زخمها الحضاري، فضلاً عن حي السيدة زينب أيقونة الحياة الشعبية والفلكلورية في مصر.

ومن هنا حين تتأمل أعماله تتوصل إلى أن هناك أمكنة معبقة بالتاريخ والأصالة لطالما استلهم منها فنه، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لكل مكان من هذه الأمكنة خصوصيته ومفرداته ومعطياته، لكنها في النهاية تتلاقى في قدرتها على خلق طاقة مبدعة داخل الفنان».
تلتقي في لوحات كبيدة بعبق الأضرحة وأبخرتها وطقوس الدراويش وحلباتهم ودفء إيقاعات النوبة وألوانها، فتشعر بأنك أمام «حالة جنوبية» بامتياز وصدق.

وتشغي أعمال كمال هاشم الفنان التشكيلي وجراح العيون السوداني الحاصل كذلك على بكالوريوس الفنون الجميلة (تصوير) من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في عام 2018 بالموروث الجمالي لأفريقيا، والمستند بشكل أساسي إلى ما تركه لها النيل من تأثيرات على الثقافة والفنون، وما وفره الإرث الحضاري والاجتماعي من سمات ومفردات مثل البيادق والمزاهير والنخيل والبيوت؛ إضافة إلى صور من بواكير حياة الريف والمدن والجلود والخشب المزدانة بالرسومات والزخارف والأصباغ البدائية الطبيعية، علاوة على رسومات الأرواح الشريرة، وذلك كله عبر تجريدية سيريالية تتمازج فيها الأشكال الهندسية والنباتية والرمزية.
وتتجلى الوجودية والوحدوية الكونية في أعمال محمد عرابي؛ ونلمح ارتباطه بفكرة القرابين، التي امتلأت بها جدران المعابد في الحضارة القديمة، واحتضنت الطقوس الشعبية أشكالها المختلفة، ليأتي لنا عرابي بأعمال مستلهمة منها.

ووفق البيان الإعلامي حول المعرض فإن «دعوة العودة إلى الجنوب نشأت في ظل تكريسٍ عالمي على فلسفة وإبداع أهل الجنوب، ويشهد التاريخ على ذلك منذ القرن الثامن عشر الميلادي، حين أسقطت ركاكة الكلاسيكيات اليونانية، وبدأت ثورة ضد العقل والعين لانغلاقها دون المنهج؛ لينهار منهج الطبيعية أمام الصورة الفنية المنتمية لموضوعاتها».
لا يمل زائر المعرض من تأمل اللوحات بحسب قنديل؛ لأنها «غنية للغاية بمساحات وعوالم أكثر رحابة من الحب والجمال والسرد التقليدي. إنها تقودنا إلى قراءة الحاضر واستشراف المستقبل من خلال الغوص في التاريخ والحضارات الإنسانية».





