أيام على الأوسكار... تنتقل بين الواقع والخيال وبعض الأزمنة

10 سيناريوهات في سباقين حاسمين

مارغوت روبي في مشهد من فيلم «باربي» (أ.ب)
مارغوت روبي في مشهد من فيلم «باربي» (أ.ب)
TT

أيام على الأوسكار... تنتقل بين الواقع والخيال وبعض الأزمنة

مارغوت روبي في مشهد من فيلم «باربي» (أ.ب)
مارغوت روبي في مشهد من فيلم «باربي» (أ.ب)

تنطلق حفلة توزيع جوائز الأوسكار في دورتها الـ96، مساء الأحد المقبل (10 مارس- آذار الحالي)، لتتبلور التوقعات على نحو أكثر تحديداً من ذي قبل.

إحدى أهم الجوائز الممنوحة كل سنة هي تلك الخاصّة بالسيناريو في قسميه المقتبَس من وسيط آخر والمكتوب خصيصاً للسينما.

في النطاق الأول لا بدّ من القول إن فيلم «أوبنهايمر» واجه ما توقعناه من انقسام النقاد والرأي العام معاً. هو فيلم ممتاز ومتميّز بالنسبة إلى المؤيدين، وفيلم لا يفي الحقيقة دورها عند المعارضين. وعند عدد كبير من المشاهدين العرب دعاية يهودية.

معظم تلك التعليقات بُنيت على الرأي لا على المعرفة. الفيلم من النوع الذي لا تكفي مشاهدته مرّة واحدة للحكم له أو عليه، بل يتطلّب الأمر قراءة السيناريو الذي كتبه المخرج كريستوفر نولان، والذي هو من بين السيناريوهات الخمسة المتسابقة في قسم «أفضل سيناريو مقتبَس».

المصدر الذي اعتمد عليه نولان أكثر من سواه هو كتاب كاي بيرد ومارتن شرين المعنون «انتصار ومأساة ج. روبرت أوبنهايمر» المنشور سنة 2005 حول مخترع الذرة أوبنهايمر (1904-1967).

خطوط متوازية

تقودنا قراءة السيناريو ومشاهدة الفيلم إلى استنتاج أوّلي سريع، وهو أن الفيلم بُني بالفعل على أساس كتابة موسوعية شاملة تضع ما ورد في ذلك الكتاب على شكل مَشاهد. في قراءة أعمق فإن ما يختلف هي حرية الكاتب/المخرج في الانتقال بين الأزمنة المختلفة وتلوين شخصياته بمواقف ذات خيارات صعبة. هذه بدورها مستوحاة من الكتاب وإن كانت لا تتَّبع الترتيب الزمني الوارد فيه. هذا أيضاً شأن السَّردَين الأدبي والفيلمي من حيث إن الأول اتَّبع منهجاً متوالياً من دون قفزات زمنية أو جانبية، على عكس ما عمد إليه السيناريو والفيلم من بعده.

ملاحظة ثانية هي أن السيناريو والفيلم يبدآن متقاربين ويستمران على هذا النحو ما يدلّ على أن الكثير من التغييرات الحاصلة في الفيلم وقعت، غالباً، حين التوليف. هذا مثل تقديم لقطة على أخرى تحمل ترتيباً مختلفاً في السيناريو أو حتى مشهد على مشهد.

في مجمله، وإذا ما كنّا نريد الحديث لغوياً حسب مفردات السينما، هذا أعقد وأصعب سيناريو بين كل تلك المتقدّمة للتنافس في هذا القسم.

ابطال «أوبنهايمر» من اليمين: كيليان ميرفي، إميلي بلانت، روبرت داوني جونيور (رويترز)

الأفلام الأربعة الأخرى المتنافسة على هذا الأوسكار هي: «باربي» (Barbie) من كتابة نُوا بومباش وغريتا غرويغ (التي أخرجته)، و«أميركان فيكشن» (American Fiction) كتابة وإخراج كورد جيفرسون، و«أشياء مسكينة» (Poor Things) لتوني مكنمارا، و«منطقة الاهتمام» (The Zone of Interest) لجوناثان غلازر.

الاهتمامات بطبيعة الحال مختلفة، لكن ببعض الإمعان نكتشف أن هناك خطوطاً تلتقي فيها بعض هذه السيناريوهات مع بعض آخر؛ مثل لقاء «أوبنهايمر» مع «منطقة الاهتمام» في أن كليهما يتناول تاريخاً يخصّ اليهود، ينتقل كل منهما بين أزمنة مختلفة (لكن على نحو مختلف أيضاً). ثم مثل أن هناك تعليقاً اجتماعياً في «باربي» و«أميركان فيكشن» على الرغم من أن قيمة التعليق في «باربي» محض ترفيهية يلتزم بها الفيلم لأنه يحتاج إلى حبكة ما بعد الانتقال من عالم باربي إلى المجتمع البشري (قبل العودة منه)، بينما هو تعليق أساسي يدور عليه فيلم «أميركان فيكشن» كاملاً وينصّ على شخصية الكاتب الأفرو-أميركي (جيفري رايت) الذي يشهد تمنّع دور النشر عن شراء روايته الجديدة فيحاول الاستجابة لما هو مطلوب منه وهو أن يكتب عن البيئة الاجتماعية الأفرو-أميركية حتى ولو اضطر للتنميط.

«أميركان فيكشن» هو أكثر السيناريوهات المذكورة رغبةً في التعبير عن الفرد والمجتمع، مستوحياً مادته من رواية وضعها برسيڤال إيڤرَت، وقام المخرج كورد جيفرسون بكتابتها (كما هو حال كل السيناريوهات في هذا القسم باستثناء «أشياء مسكينة» الذي لم يكتبه المخرج يورغوس لانثيموس، بل وضعه توني مكنمارا عن رواية لألاسدير غراي).

ما هو آسرٌ في سيناريو جيفرسون، إلى جانب الموضوع الذي يجسد وضع الكاتب الأفرو-أميركي في دوامة دور النشر، ذلك الحوار المحدّد والسريع كما في المشهد الذي يتلقّى فيه الروائي مونك (جيفري رايت) هاتفاً من عميله الذي يخبره بأنه وجد دار نشر لكنها تطلب من الكاتب ما هو مختلف عمّا كتب:

• العميل: يريدون كتاباً أسود.

- مونك: لديهم ما يطلبونه؛ أنا أسود وكذا كتابي.

• العميل: تعرف ما أعنيه.

- مونك: تعني أنهم يريدون قصّة شرطي يقتل مراهقاً، أو عن أُم في (منطقة) دورشستر تحاول تنشئة خمسة أولاد.

• العميل: دورشستر الآن يسكنها بيض، لكنْ نعم.

بصرف النظر عمّا سيلي، هذا المشهد الذي كتبه وصوّره المخرج متقاطعاً بين مونك يقف في الشارع وعميله وراء مكتبه، هو حجر الأساس في تحوّل اتجاه مونك مضطراً من كاتب يكتب كما يكتب المؤلّفون البيض إلى آخر عليه أن يعود إلى الجحر الذي خرج منه.

قتلة غائبون

يعكس ما سبق فرصاً شبه متساوية لكيف ستنتهي المنافسة في مجال السيناريو المقتبَس:

إذا ذهبت غالبية الأصوات لفيلم عميق المغزى ويتعامل مع المجتمع الأميركي فإن الأوسكار سيذهب إلى «أميركان فيكشن».

«باربي» سينالها إذا ما شعر المقترعون بأنهم حرموه من أوسكار أفض فيلم (حيث يسود «أوبنهايمر») فيقررون نوعاً من التعويض. كذلك هناك من بينهم من يعتقد أن السيناريو جيّد، لكنه -بالحكم عليه بعد قراءته- لا يقل فوضى عن «باربي».

«منطقة الاهتمام» مهم في نطاقه الخاص لأنه يتحدّث عن الهولوكوست، لكنّ هناك شعوراً لدى المتابعين بأنه لا يحمل النسيج الجديد الذي حمله، ذات مرّة، «قائمة شندلر» (كلاهما يتعامل مع مسيحيين حيال الهولوكوست).

كذلك من غير المتوقع أن يفوز «أشياء مسكينة» بهذه الجائزة. بالمقارنة بينه وبين «أوبنهايمر» هناك انتقال بين الأزمنة، لكنَّ فيلم نولان يتميّز -كسيناريو- بأنه يتصدّى لشخصية ولموضوع أهم وأن انتقالات السيناريو عبر الأزمنة أكثر حِرفية وأقل وضعاً وصفياً، كما هو الحال مع «أشياء مسكينة».

يُلاحَظ كذلك غياب سيناريو «قتلة زهرة القمر» (وضعه إريك روث ومارتن سكورسيزي) عن هذه المسابقة، ولو أنه في عداد السيناريوهات المتنافسة في «نقابة كتّاب السيناريو» التي ستقيم حفلة توزيع جوائزها في 14 من الشهر المقبل.

سذاجة عاطفية

السيناريوهات المدرجة في سباق أفضل سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما، هي: «حياة ماضية» (Past Lives)، و«مايسترو» (Maestro)، و«تشريح سقوط» (Anatomy of a Fall)، و«المستمرون» (The Holdovers)، و«ماي ديسمبر» (May December).

أول ما نلاحظه هنا هو أن التحديات الكبيرة التي لا بدّ أنها صاحبت تحويل الأعمال المقتبَسة إلى سيناريوهات، تختلف وتقلّ في هذا القسم.

بعض ذلك يعود إلى أن كتابة سيناريو غير مقتبَس يمنح الكاتب حرية التوجه منفرداً في الاتجاه الذي يتخيّله هو. بذلك هو الكاتب الأصلي الذي لم يعتمد على كاتب آخر أو مصدر سابق (مسرحية أو رواية أو شركة دمى، مثل «باربي»).

الملاحظة الثانية أن الحب كوّن لُبّ اهتمام ثلاثة سيناريوهات من هذه المذكورة. الحب (أو عدمه في الواقع) في كنه «تشريح سقوط» (وضعت المخرجة جوستين ترييه السيناريو مع آرثر هاراري)، وفي لُبّ «مايسترو» (كتابة جون سنجر، والمخرج برادلي كوبر)، و«حياة ماضية» الذي وضعته سيلين صونغ.

فيلم «تشريح سقوط» (أم ك 2)

سيناريو هذا الأخير يحمل كتابة تعكس خبرة محدودة في فن الكتابة. هو الفيلم الأول لمخرجته ونتيجته على الشاشة، من زاوية تقنية، أفضل من تلك المكتوبة، لكنّ الفيلم بأسره، وبصرف النظر عن الاحتفاء الكبير الذي حازه في الغرب، عاديّ الحرفة في مجموعه ويستند إلى فكرة وحبكة ساذجتين في الحقيقة.

شيء من هذا نراه في «مايسترو» أيضاً. الكتابة منصرفة لتوفير غطاء وردي اللون حول موسيقار وضع موسيقاه لأكثر من 100 فيلم هوليوودي (من مختلف المستويات) اسمه ليونارد برستين. الوجهة التي يتخذها السيناريو تبجيلية طوال الوقت؛ مما يعني أن الكاتبين لم يسمحا بوجود أي نقاط سوداء فعلية في حديثهما عن الموسيقار، متّكلَين (لحد الملل) على حكاية حبّه للمرأة التي تزوّج منها (فيليسيا مونتليغر، كما تؤدّيها كاري موليغن).

فيلم تود هاينز «ماي ديسمبر» أفضل هذين الفيلمين المذكورين كتابةً (سامي بورس وأليكس ميكانِك). يغزلان حكاية تحتاج إلى مهارة حول امرأتين واحدة ذات ماضٍ كان محط اهتمام الإعلام قبل سنوات عدّة (تؤديها جوليان مور) والأخرى ممثلة (نتالي بورتمن) ستلعب شخصية الأولى في فيلم سينمائي مقبل وتصل إلى منزل المرأة الأولى لكي تقابلها وتتعرّف عليها تمهيداً لدورها.

لكنّ السيناريو يخلو من المفاجآت، مما يدفع المخرج لتقديم مشاهد وصفية وليست حدثية متتابعة. ما يؤدي إليه مشهدٍ ما هو الدخول في كنف مشهد آخر بينما يبقى ما تحت خط المعالجة على النحو نفسه.

في الحسبان إذاً أن التنافس في هذا المجال هو بين «المستمرون» و«تشريح سقوط».

فيلم «المستمرّون» (ميراماكس)

ميزة ومشكلة

ميزة سيناريو جوستين ترييه هو إصرار مسبق على تحاشي مطبّات أفلام المحاكم قدر الإمكان. مهمّةٌ صعبة لأن الفيلم، مهما اقترب أو ابتعد، هو فيلم قائم على مشاهد محكمة يستمد من المتهمة بقتل زوجها قوّة مضمونه.

نقطة ضعفه ليست في نوعية الحوار بل اضطرار السيناريو للإكثار منه. في الواقع يبدأ الفيلم به (مقابلة صحافية مع بطلة الفيلم ساندرا). القيمة في حوار هذه المقابلة هو الإيحاء بالمزج بين الحقيقة والخيال، مثل أن تقول لها الصحافية: «بالنسبة إليه حتى الخيال يحتاج إلى معايشتك للواقع».

تبعاً لقراءة الصحافية لعالم ساندرا سيتتبَّع السيناريو أحداثاً يختلط فيها الواقع مع الخيال، وهو محور الفيلم. ساندرا تحاول تأكيد أنها تفصل بين الخيال والواقع (تقول للصحافية: «حال أبدأ الكتابة أنسى حياتي. إنها حياة مملة»).

مشكلة الفيلم (السيناريو والتنفيذ) أن كل شيء مرتّب للغاية. بدوره لا يحتوي على إجابات فعلية ولأنه يرفض أن يطرق باب نوعٍ محدد فإن ذلك يجعله طائراً في الهواء.

رغم هذا، فإن حظوظه هنا لا بأس بها كذلك في نطاق أفضل فيلم عالمي (أجنبي).

إريكا ألكساندر وجيفري رايت (أ.ب)

يبقى «المستمرّون» الذي بعد قراءة السيناريو كاملاً. يدرك القارئ مكامن اهتمامات المخرج ألكسندر باين من خلال تلك الحكاية التي تسرد قصّة الأستاذ الذي لا يطيقه طلابه، والذي يُفرض على بعضهم قضاء عطلة الميلاد معه في المدرسة. تبادُل وجهات النظر بينه وبين أحد هؤلاء الطلاب هو تبادُل مواقف لكنْ لا السيناريو ولا الفيلم يطرحان هذا الوضع بطريقة سهلة. ليست المسألة هي فعل ورد فعل، بل يمشي كل منهما بعيداً في نهاية السيناريو والفيلم كذلك، مع قَدرٍ أفضل من المعرفة لكن من دون تغيير كبير في السلوكيات.

مكتوب بسلاسة وبمرح تماماً كما الفيلم في حقيقته.


مقالات ذات صلة

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة السعودية خلال كلمتها المصوَّرة في حفل ختام «هوليوود للفيلم العربي» (إدارة المهرجان)

لمار فادان «أفضل ممثلة صاعدة» في «هوليوود للفيلم العربي»

أكّدت في كلمتها المسجَّلة، لعدم تمكّنها من السفر إلى أميركا، أنّ الجائزة ليست لها وحدها، بل لجميع فريق العمل...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ليلى علوي خلال الندوة (الشرق الأوسط)

ليلى علوي: تمنيت أن أكون مهندسة ميكانيكا سيارات

قالت الفنانة المصرية ليلى علوي إنها كانت تحلم وهي صغيرة بأن تصبح مهندسة متخصصة في ميكانيكا السيارات، لكنها اتجهت للتمثيل بالصدفة.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثلاً السعودية بمسابقة الأفلام العربية بالدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» التي تنطلق 27 أبريل

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية.

انتصار دردير (القاهرة )

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.


«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

في تجربة بصرية تبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة، مستغلاً التقنيات التفاعلية في إضفاء الحياة على مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي وثقت تفاصيل الأماكن وسردت روايتها.

المعرض، الذي افتتح مساء الأربعاء بقصر الفنون في ساحة دار الأوبرا المصرية على هامش الاحتفالات باليوم العالمي للتراث، يضم الأعمال الفائزة بمسابقة «تراثي7» التي أطلقها «جهاز التنسيق الحضاري» التابع لوزارة الثقافة المصرية في إطار مسعاه لـ«إحياء التراث والحفاظ عليه»، حسب رئيس الجهاز المهندس محمد أبو سعدة.

وقال أبو سعدة، في كلمته خلال حفل توزيع جوائز المسابقة، إن «التراث قيمة مهمة، لا سيما في مصر التي تمتلك إرثاً عميقاً تُباهي به العالم»، مؤكداً أن مسابقة «تراثي» هي «محاولة لإلقاء الضوء على التراث المصري ونشر الوعي بأهميته وبضرورة الحفاظ على المباني العمرانية التراثية».

حضور كثيف في افتتاح معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وتقدم للمسابقة هذا العام 1108 متسابقين من 26 محافظة، شاركوا بإجمالي 7492 صورة فوتوغرافية. كما بلغ عدد الصور المشاركة ضمن المشروعات التي تضمها محاور المسابقة المختلفة 1596 صورة.

ينقل المعرضُ الزائرَ بين محاور عدة يروي كل منها حكاية المكان بطريقته، تبدأ بمحور «في طريقنا دائماً» الذي يتضمن «بورتريهات» للمباني التراثية بوصفها بطل الحكاية، ثم يتجه للتركيز على التفاصيل عبر محور «شبابيك فاكرة»، الذي يركز على النوافذ وتفاصيلها الجمالية.

وحتى لا تبقي العمارة التراثية أسيرة التاريخ، يسعى محور «لسه موجود» لإظهار الاستخدامات المعاصِرة لمبانٍ تراثية. وبينما يسعى المعرض في أحد محاوره لتجسيد علاقة الإنسان بالمكان، لا ينسى في محور آخر جماليات وفنيات الصورة التي تبرز الظلال والانعكاسات بوصفهما عنصرين أساسيين في السرد البصري.

ويعد «تصدير الجمال وقيمه» هدفاً رئيسياً لوزارة الثقافة، حسب وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي، التي أشارت في كلمتها، إلى أنه «رغم صعوبة تحقيق هذا الهدف، فإن الإقبال على المسابقة وحضور المعرض يدل على وجود قاعدة بشرية مهتمة بالجمال والثقافة»، داعيةً إلى مساندة مبادرات الوزارة الرامية لتحقيق العدالة الثقافية.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

تتوزع قاعات العرض داخل قصر الفنون على أدوار عدة، مصطحبة الزائر في رحلة زمنية صعوداً وهبوطاً تنقله بين حقب تاريخيّة مختلفة من العصور الإسلامية إلى الحديثة، لا سيما القاهرة التاريخية، وتعيد إحياء وشخصيات ورموز ارتبطت بتلك الأماكن، من بينها الشيخ محمد رفعت، لتروي الجدران بصمت رحلة المكان مع الناس والزمان.

بدوره، قال محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، إن «المحافظة تعمل على محورين؛ الأول هو الحفاظ على التراث والهوية، والآخر هو الاستدامة والخدمات مثل الطرق والتحول الرقمي»، مشيراً إلى «مشاريع تخطيط العشوائيات وتطوير وإحياء مناطق وسط البلد والقاهرة التاريخية».

وتحمل هذه الدورة من مسابقة «تراثي» رؤية جديدة للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، ممثلاً في منصة «فلوج»، التي تجمع عدداً كبيراً من المصورين الفوتوغرافيين، مما «عزَّز إشراك شريحة كبرى من الشباب والمبدعين لتقديم تجربة بصرية معاصرة تجمع بين التوثيق الفوتوغرافي والسرد البصري والتقنيات التفاعلية»، حسب أبو سعدة.

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وأشادت وزيرة الثقافة المصرية بمشاركة القطاع الخاص في المسابقة، مشيرةً إلى عزم الوزارة على زيادة التعاون مع القطاع الخاص بوصفه السبيل لتعزيز الانتشار الثقافي، رغم «ما يكتنف التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص من صعوبات وانتقادات متبادلة»، على حد تعبيرها.

يتنقل المعرض بسلاسة بين صور فوتوغرافية معلَّقة على الجدران، إلى عروض بصرية تفاعلية على الأرضيات وبعض الجدران في مزج يمنح الصور قدراً من الحركة والحياة.

جاءت الجوائز التي تبلغ قيمتها الإجمالية 150 ألف جنيه (الدولار بـ52.35 جنيه)، موزعةً على قسمين؛ المشاركات الفردية والمشروعات.

وانقسمت المشاركات الفردية إلى أربعة محاور، هي: «في طريقنا دائماً»، وفازت بجائزته مريم أشرف شحاتة سيد، بينما حصلت غادة عبد المحسن سليمان على الجائزة التشجيعية. أما المحور الثاني بعنوان «شبابيك فاكرة»، ففازت به دينا محمد محسن، وحصل على الجائزة التشجيعية أحمد شعبان عليمي. وفازت بالمحور الثالث بعنوان «لسه موجود» هاجر عبد الحميد نور الدين، وحصلت على الجائزة التشجيعية إنجي فرحات مصطفى. وحصل مارسيليو سامي رزق على جائزة المحور الرابع تحت عنوان «الظل والانعكاس»، وفازت بالجائزة التشجيعية منى حسن أبو عبده.

عمل مشارك بالمعرض (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد المشروعات، جاء المشروع الأول تحت شعار «الناس والمكان»، وفاز بجائزته أحمد مصطفى سالم، بينما حصل على الجائزة التشجيعية عمر الشحات أحمد شلبي. أما المشروع الثاني فحمل عنوان «الحيطان سامعة»، وفازت بجائزته سمر سيد بيومي.

ولم يقتصر المعرض على أعمال المشاركين بالمسابقة، بل ضم أعمال لاثنين من الفنانين كرمهما جهاز التنسيق الحضاري؛ وهما الفنان يحيى العلايلي لمشاركته المتميزة بمعرض «ما زالت هنا»، والذي يعكس التغيّر الاجتماعي والعمراني في القاهرة، وتأثير ذلك في الحفاظ على التراث، والمعماري الفنان رمزي مكرم عبيد عن مشاركته بمعرض «ذا لوكال شو»، والذي يستعرض معالم معمارية مصرية فريدة، بُنيت بروح تعتمد على المجتمع، والاستدامة، والوظيفة، والهوية التراثية، مثل كنيسة السيدة العذراء القبطية الأرثوذكسية، ومسجد «باصونة» بمنطقة الدرب الأحمر.

وزيرة الثقافة تكرم د. محمد الكحلاوي رئيس اتحاد الآثاريين العرب (جهاز التنسيق الحضاري)

وشهد الاحتفال تكريم الدكتور محمد الكحلاوي، أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس اتحاد الآثاريين العرب، الذي اختاره جهاز التنسيق الحضاري «شخصية العام» احتفالاً باليوم العالمي للتراث، لما له من إنجازات وإسهامات كبيرة في الحفاظ على التراث المعماري والعمراني المصري والعربي.


«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
TT

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

في زمن تتكاثر فيه الحواجز وتثقل الذاكرة بظلال الحرب، تبرز مبادرات صغيرة في حجمها، كبيرة بأثرها، تعيد للناس شيئاً من الألفة المفقودة. من بين هذه المساحات، يفتح «كافيه مونو» أبوابه، لا على شكل ملتقى عابر فحسب، وإنما جسر تواصل حيّ يقفز فوق زمن الحرب، ويستضيف وجوهاً من عوالم مختلفة حول طاولة واحدة، كي يُقرّب المسافات بجلسات عفوية وصادقة تنبض بالحكايات والتجارب الإنسانية.

فؤاد يمّين، وجوليا قصّار، ولينا أبيض، وبديع أبو شقرا، وغيرهم... شكّلوا ضيوف هذه الجلسات المنعقدة في «مسرح مونو». مديرته جوزيان بولس، وإثر اندلاع الحرب، فرغت خشبة مسرحها من العروض، وقرَّرت أن تبحث عن بديل يُبقيه حيّاً نابضاً بالثقافة والفنّ. فاستحدثت مساحة لا مكان فيها للتكلُّف أو النصوص الجاهزة. الفنانون يخرجون من أدوارهم، ويصغون، كما يشاركون الناس لحظات تُشبههم.

فتحت بذلك نافذة ضوء من قلب عتمة الأحداث الدامية التي يشهدها لبنان، متحدّية واقعاً مُثقلاً، ليتحوَّل «كافيه مونو» إلى مساحة لقاء تُرمّم تصدّعاته. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لم أجد أمامي سوى هذه الخطوة للهروب من المأزق. الفكرة تراودني منذ سنوات، لكنني كنتُ أؤجّلها بسبب ازدحام المسرح بعروض مكثفة. ومع اندلاع الحرب، وجدتُها فرصة لتقريب الناس من المسرح».

جوليا قصّار التقت الجمهور متحدِّثة عن تجربتها مع المسرح (مونو)

تشرف جوزيان بولس على هذه اللقاءات من بعيد، فيما يتولى أنطوان أبي سمرا إدارة الحوارات. وفيها يفتح نجوم التمثيل قلوبهم أمام الناس، مستعيدين بداياتهم وتجاربهم وتراكم خبراتهم. وتضيف بولس: «الجميل في الموضوع هو حماسة الممثلين للمشاركة من دون تردُّد، ورغبتهم في مدّ الجسور مع الجمهور بعيداً عن أيّ عمل مسرحي أو درامي». وتشير إلى أنها وسَّعت التجربة عبر لقاءات مماثلة على تطبيق «زوم» مع فنانين أجانب، ممّا أوجد مساحة ثقافية غنيّة تضمّ مخرجين وممثلين ومصمّمي رقص وغيرهم من أهل المسرح الموجودين خارج لبنان.

ويضم جمهور هذه الجلسات فئات اجتماعية لبنانية مختلفة، غالبيتها من محبّي الفنون والمسرح ومن أعمار متعدّدة. وتلفت بولس إلى أنّ الإقبال يزداد يوماً بعد يوم، مع حضور من مناطق عدّة، بينها صيدا وأدما، إضافة إلى بيروت، بعد انتشار الفكرة عبر وسائل التواصل.

بديع أبو شقرا كسر الحواجز بينه وبين الحضور في أحاديث متنوّعة (مسرح مونو)

الموضوعات المطروحة مفتوحة دون قيود؛ إذ يشارك الفنانون تجاربهم الشخصية والمهنية، ويجيبون عن أسئلة الجمهور، حتى تلك المرتبطة بحياتهم الخاصة. وتقول بولس: «هذا النوع من اللقاءات يمنح الفنان طابعاً مختلفاً عمّا يظهر به على الشاشة أو الخشبة، ويخلق تفاعلاً مباشراً وصادقاً مع الناس. وقد انعكس ذلك توسعاً في قائمة الضيوف أسبوعاً بعد آخر».

وكانت المخرجة لينا أبيض أولى المشاركات، متحدِّثة عن تجربتها في الإخراج المسرحي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى جوليا قصّار وبديع أبو شقرا اللذَيْن شاركا الحضور محطات من مسيرتيهما. أما فؤاد يمّين، فتناول الصعوبات التي واجهته، مقدّماً نصائح لهواة التمثيل، ومتطرّقاً أيضاً إلى تجربته الشخصية مع التنمُّر قبل أن ينجح في تغيير نمط حياته.

فؤاد يمّين من المشاركين في لقاءات «كافيه مونو» (مسرح مونو)

وترى بولس أنّ هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه، ليشعروا بأنّ الحياة مستمرّة. وتضيف: «في زمن الحرب نخوض تحديات كثيرة، و(كافيه مونو) أحدها. وقد عشنا تجربة مشابهة مع مسرحية (كذبة بيضا) التي عُرضت رغم القصف، وكانت دليلاً على عزيمة اللبنانيين؛ إذ حضر الجمهور من مختلف المناطق دعماً للمسرح».

وتشيد بولس بوعي اللبنانيين حيال المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد، وتروي: «سألتني إحدى الحاضرات عن رأيي في المسرحية التي يشهدها لبنان اليوم، فأجبتها بأنّ ممثليها فاشلون».

وقريباً، يستعيد مسرح «مونو» نشاطه الاعتيادي مع مجموعة من العروض الجديدة، تبدأ بمسرحية «حنّة» من بطولة ندى بو فرحات وإخراج إيلي كمال، على أن تتبعها أعمال أخرى، بينها «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني وإخراج جاك مارون. وتحكي المسرحية عن لقاء شخصين جرحتهما الحياة وتركت ندوبها على شخصيتيهما، وتبرز أهمية تقديم الإنسانية على أيّ قيم اجتماعية أخرى. وتُعلّق بولس: «هذه المسرحية سبق أن قدّمها جاك مارون عام 2019، لكن عرضها توقّف جراء الأزمة الاقتصادية، وانتشار الجائحة، اللذين شهدهما لبنان. وأنا سعيدة باستضافتها؛ لأنها لم تُشاهَد كما يجب».

وتختم: «ما دام الحوار قائماً بين المسرح والناس، فنحن بخير. عندما تُكسر الحواجز تولد الألفة، والفنان يلعب دوراً أساسياً في الأوقات الصعبة. وهذه اللقاءات في (كافيه مونو) تُظهر الجانب الإنساني من حياتنا، وتكشف عن صعوبة مهنتنا التي يظنّها البعض سهلة وزهرية».