«لقاء مارس»... مساحة فنية «تُحضر» فلسطين إلى الشارقة

حور القاسمي تؤكد المساندة... ونوار القاسمي: لتخيُّل مستقبل أفضل

الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)
الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)
TT

«لقاء مارس»... مساحة فنية «تُحضر» فلسطين إلى الشارقة

الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)
الكوفية رمز الهوية والنضال لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)

تتّخذ فلسطين وآلام إنسانها المساحة الكبرى في الدورة الـ16 لـ«لقاء مارس»، هذا العام، المتّخِذة عنوان «تواشجات». فالحدث الثقافي من تنظيم «مؤسسة الشارقة للفنون» يُظهر تعاطفاً حيال معاناة شعب يُباد. هبَّ هواء مسائي بارد داخل «عيادة الزيد القديمة»؛ حيث معرض «في عيون حاضرنا نسمع فلسطين»، المُقام بضوء المأساة المتواصلة. يقول مدير فريق خدمات الزوار في «المؤسسة»، عمر العبيدلي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ الحضور الفلسطيني الطاغي «يأتي في سياق دعمنا المستمر لفلسطين وشعبها، فيمثّل شاهداً على النضال الممتدّ لعقود دفاعاً عن الأرض». نحو 60 عملاً فنياً من لوحات ومنحوتات وأعمال فيديو وأعمال تركيبية، تشهد على التهجير القسري والخسائر الفادحة.

شعار الدورة الـ16 لـ«لقاء مارس» المتّخِذة عنوان «تواشجات» (الشارقة للفنون)

الأعمال جزء من مقتنيات «الشارقة للفنون»، التي تؤكد رئيستها حور القاسمي أهمية الإضاءة على مفاهيم الروح الجماعية، باستضافة 80 مشاركاً دولياً من تخصّصات مختلفة، تشمل الفنون البصرية والأدب والأفلام. تمتدّ أعمال المعرض من أواخر الخمسينات إلى الحاضر، فالإبداعات التي أنتجها فنانون من فلسطين والجوار تمسح شيئاً من الألم لإعلاء الآمال والتطلّعات.

افتُتحت «عيادة الزيد القديمة» في أواخر ستينات القرن الماضي؛ وبعدما تعدّد استخدامها، أُحيل مصيرها إلى الهدم. يُخبر عمر العبيدلي أنّ الشيخة حور تدخّلت لإنقاذها وتحويلها إلى معرض فني، فشكّلت مساحة عرض مناسبة لاحتواء 60 عملاً تُعرِّف، عن قُرب، بالقضية الفلسطينية.

سبق تأسيسَ «الشارقة للفنون» جَمْعُ مقتنيات تُبيّن الحضور الفلسطيني في المشهد الفني. أتى اشتعال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فارتأت «المؤسسة» عرض جزء كبير من هذه المقتنيات لتأكيد الدعم لفلسطين. تُضاف إلى المعرض، محاضرات وجلسات حوارية، وعروض أداء، وقراءات، وورشات عمل لفنانين فلسطينيين وآخرين عاشوا مرارة مُشابهة، فجمعتهم مساحة تبحث في قضايا الفن وتُساند الموجوعين.

عبد الحي مسلّم زرارة: استحالة موت الثورة

استوحى «في عيون حاضرنا نسمع فلسطين» اسمه من مقولة للفنان الأردني الفلسطيني عبد الحي مسلّم زرارة، الممتدّة أعماله على الحيّز الأكبر من فضاء العرض. يشرح العبيدلي أنه لنحو 20 عاماً، خدم زرارة في سلاح الجو الملكي الأردني، ثم غيَّر من ممارسته بالانتقال إلى «سلطة التحرير الفلسطينية»، وفيها أصبح متحدّثاً وناشطاً بارزاً، ليكرّس فنه في خدمة القضية.

جانب من معرض «في عيون حاضرنا نسمع فلسطين» (الشرق الأوسط)

أعماله المصنوعة من الخشب والغراء، تُظهِر المعاناة وتشرح المشهد السياسي. تحضُر الكوفية باستخدامات مختلفة؛ منها الغطاء والوقاية من الشمس، وهو الجانب المنضوي في إطار الدفاع، لتشمل أيضاً جانباً مُحمَّلاً ببُعد سياسي يتّخذ وظيفة الهجوم، حين تُربَط بالحجارة لضرب المحتلّ. وسَّع استخدامها في أعماله إلى حدِّ استبدال شَعر المرأة المُحارِبة سياسياً بها، ومن أجل عائلتها والحياة اليومية.

في السياق نفسه، تشير الأعمال إلى أهمية تعليم تاريخ القضية الفلسطينية، فنجد الأيدي تكتب بالطبشور «عاشت فلسطين حرّة عربية». ليست المعاناة وحدها سيدة الموضوع والمتحكّمة بمجاله، بل يُثني الفنان على الصمود ويُبرز مكانة الأمل، فإذا بلوحته المؤلّفة من شخصيات تشبك الأيدي وسط «حلقة دبكة»، تصوّر مشهدية التراث الفلسطيني، وإرادة الفرح، مُلحِقة الهزيمة بصنّاع الجنازات.

«حلقة دبكة» لعبد الحي مسلّم زرارة تصوّر مشهدية التراث الفلسطيني (الشرق الأوسط)

امتدّ اهتمام زرارة إلى ما يتجاوز القضية الفلسطينية، ليشمل صرخة الإنسان ضدّ الظلم في العالم؛ فلوحته الهاتفة باستحالة موت الثورة، وإن مات الثائر، قابلة للإسقاط على قضايا التحرير بمفهومها الشامل، المُتجاوِز للجغرافيا.

استحالة موت الثورة... لوحة لعبد الحي مسلّم زرارة (الشرق الأوسط)

منى السعودي ومنى حاطوم: ترجمة الصراع

التجوُّل في المعرض يشدّ النظر إلى مقتنيات؛ بينها منحوتة الأردنية منى السعودي الراحلة قبل عامين، بعدما كرّست العمر في تطويع الرخام والغرانيت لإبداع منحوتات باتت مُلحَقة بميادين مختلفة في بلدها. ليس عملها المعروض محاكاةً مباشرة للقضية الفلسطينية، لكنه دلالة على انشغال التشكيليين العرب بترجمة الصراع في أعمالهم الفنية منذ منتصف السبعينات إلى بداية التسعينات. لم تكن وحدها مَن تأثّر بالرياح الفلسطينية وهي تهبّ في جميع الاتجاهات، بل شمل التأثُّر فنانين من شبه الجزيرة العربية، تبنّت أعمالهم عناد الفلسطيني لاستعادة أرضه.

منحوتة الأردنية منى السعودي ترمز لأُم تحتضن طفلها (الشرق الأوسط)

على جدار مُجاوِر، حوّلت منى حاطوم حمّالة ملابس وحقيبة نسائية إلى أشكال فلسطينية. فالفنانة اللبنانية الفلسطينية مُلمّة بالبحث عن المنحى السياسي وسط الأشياء العادية. لطالما نظرنا إلى الأغراض من حولنا على أنها مسائل مألوفة لا حضور سياسياً لها ولا خلفيات. لحاطوم نظرة مغايرة، فتُغيّر السياق وتُعدّل شكل الأشياء لمنحها دلالة.

منى حاطوم والبحث عن المنحى السياسي وسط الأشياء العادية (الشرق الأوسط)

التضامن والمستقبل الأفضل

خلال افتتاحها فعاليات «لقاء مارس»، شدّدت الشيخة حور القاسمي على ما تعنيه فلسطين لدورة مُنعقدة وسط الأزمات. أمام حضور عربي وأجنبي، أدانت «الإبادة الجماعية المستمرّة في غزة»، معلنة انفطار القلب على «جميع المتضرّرين من الصراعات»، وذلك لتؤكد مواصلة التضامن مع ضحايا الويلات، «من خلال معارضنا ومنشوراتنا وبرامجنا».

رئيسة «الشارقة للفنون» حور القاسمي تساند فلسطين (الجهة المنظّمة)

وإذ تولّت الشيخة حور شرح الجانب السياسي للحدث، فإنّ مديرة «الشارقة للفنون» نوار القاسمي ركّزت، في كلمتها، على دوره الثقافي. ذكّرت بأنّ الشارقة «كانت دائماً مكاناً لإطلاق المبادرات التأسيسية في سياقاتها المجتمعية الشاملة»، متوقّفة عند ولادة «لقاء مارس» عام 2008 حين بدأ دورته الأولى لقاءً مغلقاً لممارسي الفنون والعاملين في الحقل الثقافي، ثم أصبح حاضناً لملتقيات استقطبت مختلف الممارسين الثقافيين في المنطقة، لإتاحة التلاقي والانخراط في حوار حول القضايا التاريخية والمعاصرة.

مديرة «الشارقة للفنون» نوار القاسمي أكدت دور الحدث الثقافي (الجهة المنظّمة)

ومن إدراك أهمية النظر إلى المجموعات والمجتمعات التي حقّقت ريادة في مجالات تخصّصها، وجّهت هذه الدورة التركيز نحو إيجاد مساحة يمكن عبرها تخيّل مستقبل أفضل وسط الظرف الصعب. ضيوف من ثقافات متعدّدة، تمتدّ من غواتيمالا إلى جنوب أفريقيا، ومن نيوزيلندا إلى كوريا الجنوبية، ومن فلسطين إلى بنغلادش، تشاركوا مكاناً احتوى أفكارهم وتصوّراتهم حيال موضوعات تشمل قوة العمل الجماعي، من خلال الشعر والموسيقى، وإمكانية تسخير الغذاء وسيلةً للدعاء والتضرّع. جلسات ومحاضرات وعروض أداء، أتاحت اقتراح أفكار حول مستقبل المساحات الفنية، المُتنفَّس الوحيد حين يشتدّ الاختناق.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تنشئ مزيداً من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

المشرق العربي منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

إسرائيل تنشئ مزيداً من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

توسع القوات الإسرائيلية سيطرتها داخل قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

تتطلع حركة «حماس» إلى نجاح الضغوط التي تمارسها، عبر الوسطاء، في إحداث تعديلات على الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إلى قيادة…

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز) p-circle

«حماس» في القاهرة بعد أنقرة بحثاً عن تفاهمات «نزع السلاح»

بدأ وفد من حركة «حماس» محادثات في القاهرة، الخميس، قادماً من جولة أخرى في أنقرة، لمناقشة تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في غزة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فتيان فلسطينيون يشاركون في تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (رويترز)

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

كشفت تحقيقات حصلت على نتائجها «الشرق الأوسط» أن عناصر من العصابات المسلحة التابعة لإسرائيل باتوا يتلقون تدريبات على أسلحة متطورة بينها الطائرات المسيرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.