أيمن بعلبكي... التسلية مَهمّة فنية

حاوره ريكاردو كرم في «الصورة» وأثمان الهويات

أيمن بعلبكي يتعامل مع الأشياء بأسئلة أقل (لقطة من البودكاست)
أيمن بعلبكي يتعامل مع الأشياء بأسئلة أقل (لقطة من البودكاست)
TT

أيمن بعلبكي... التسلية مَهمّة فنية

أيمن بعلبكي يتعامل مع الأشياء بأسئلة أقل (لقطة من البودكاست)
أيمن بعلبكي يتعامل مع الأشياء بأسئلة أقل (لقطة من البودكاست)

يخطر للفنان التشكيلي اللبناني أيمن بعلبكي تحييد نفسه عن الضجيج والاعتكاف عن ضوضاء المدينة. الهدوء يتيح المراجعة ومزيداً من التركيز على العمل الخلّاق. يفتتح الإعلامي ريكاردو كرم حوارهما بسؤال عن بيروت، ليردّ الضيف بإعلان حاجته إلى مسافة منها لتسبُّبها بالصخب. يستعيدان تورُّط المنطقة بالخضّة وأثرها في إنسانها المُشظّى.

في «بودكاست» الرجلين، النقاش مفتوح على عمق السؤال وبُعد الجواب. كرم يُمسك حواراته، وبعلبكي معجون بالحياة. يواجهان منطقة يصفانها بـ«المسمومة، حيث الطوائف تتحوّل هويات قاتلة»، ويحاولان تحديد موقعهما وسط لهيبها. كرم يُفعِّل النقاش. هو أحد أطرافه، لا مجرّد طارح أسئلة. ضيفه مطّلع وواسع الرؤية، لا يمنحه إجابات عادية. السؤال عن أحقاد الهويات وكراهية أبنائها، يُحرّك إشكالية تتعلّق بضعف الإنسان. جواب بعلبكي المولود في 1975، عام الاشتعال اللبناني: «تُعلّمنا دروس الحروب الأهلية ألا بديل عن المجتمع المدني».

ريكاردو كرم يفتتح الحوار بسؤال عن بيروت (لقطة من البودكاست)

فهمُ الحرب يترجمه الفنان بلوحاته، فيقول: «من الظلم الحديث عن التحاق الجميع بالاصطفاف. البعض يرفض ذلك. تُغذّي السلطة النعرات لتستمدّ وجودها. الثورة شكّلت لقاءً عظيماً بين البشر».

كان شاباً حين بدأت المعارك تهمد والسواتر تُهدَم بين بيروت «الشرقية» و«الغربية». خاض النضال الجامعي، ورسم نماذج حربية خارج الصدفة: «شعرتُ بضرورة ترميم صورتنا الجماعية». لم تأتِ العلاقة بمظاهر الحرب من عبث. عايشها وصوَّرها.

يُذكّره ريكاردو كرم بأنه محظوظ لولادته في عائلة فنانين، ترى العالم من الرحاب الواسعة. ما بات مستغرباً اليوم، ساد في الأمس، فيقول بعلبكي: «كانت قرى الجنوب اللبناني منفتحة وعلمانية. المعرفة والثقافة والفنون رافقت المحيط». يتنهّد مُحاوِره لتبدُّل الأحوال وسيطرة اللون الواحد، مكرراً توصيف عائلته: «ليست تقليدية على الإطلاق، فماذا أضافت إليك وأضفتَ إليها؟». جوابه أنّ أبيه عزَّز فيه روح الفرد، والصيغة الجماعية العائلية الغنيّة المتنوّعة هي الإضافة.

النقاش مفتوح على عمق السؤال وبُعد الجواب (ريكاردو كرم خلال البودكاست)

أُعجِبت العائلة بالفكر الغربي في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، والحداثة الفرنسية والإنجليزية والمفكرين الإيطاليين. يرى أنّ «أبناء الفلاحين في الأرياف شكّلوا الإضافة الأولى حين نهلوا الثقافة والعلم، وشكّلنا نحن الإضافة الثانية». يعود كرم إلى سؤال «الصورة». يتوجّه إلى ضيفه ومِن حولهما مقاعد مسرح حمراء فارغة: «لعقود، نمَّطها الغرب وربطها بالتطرّف والإرهاب والرجعية. أي وظيفة لرسومك في تلميع هذه الصورة؟».

يردّ أنّ المسألة أعمّ من العرب، «فصورة الهندي أيضاً بشعة، والآسيوي والأفريقي. نحن لسنا استثناءً. المبالغة بتشويه صورة العربي تعود إلى مكوثه على خطّ التماس الأول في الصراع مع إسرائيل. لذا حصّة التشوية وافرة».

أنجز «الملثم» وهو يفكّر في ذاكرة الحرب ومفرداتها. يُصغي كرم إلى مَن كان أمامه خياران وسط الخراب وفجاجة الصورة الإعلامية: الجُبن أم الاستمرار، فاستمرَّ.

لا يُشخصن إجراء «كريستيز» بحقّ لوحتَيْه، وبرأيه «يطال الفن العربي والفلسطيني خصوصاً». يرى الحظر واحداً على الفنانين والكتّاب والصحافيين، حين يتعلّق الأمر بإسرائيل. يتابع: «لتضاعَفَ الجرح لو أنّ بلدي مارس الرقابة على أعمالي. من حُسن حظّي أنّ طرحي لم يشكّل التباساً في مجتمعي. الحظر الغربي مُتوقَّع. في لبنان، هامش الحرية واسع. قد يمارس الفنان رقابة ذاتية لتفادي مسائل ساخنة، عدا ذلك، المجال عريض للتعبير. لم يأتِ ذلك بالصدفة. شجعان دفعوا الثمن لتعميم الجرأة».

أنجز «الملثم» وهو يفكّر في ذاكرة الحرب ومفرداتها (كريستيز)

الدفاع عن اللوحتين منحه شعوراً بأنهما مُلك عام، ولا تعودان فقط إليه. لمح في التآزر الكبير إجماعاً على صورته الفنية. ولما قال إنّ الضجّة عزّزت مكانته بين جمهوره، ردَّ مُحاوِره بأنّ المكانة عزيزة وعالية.

يُلهمه والده الفنان فوزي بعلبكي؛ المُعدّ والمؤسِّس. يروي ذكريات البداية: «كان محترفه داخل المنزل، ولساعات جلستُ أتأمّله وأساعده في غسل الفرشاة وتركيب اللوحات. تعلّمنا تاريخ الفن في البيت. والدي وراء علاقتي بالألوان واللوحات. لطالما غفونا واستيقظنا على رائحة الزيت واللون تملأ الأرجاء».

يحتفظ بلوحة من كل معرض يقيمه. ليست الأجمل ولا الأفضل بالضرورة، بل ما يُبيّن سياق تطوُّر عمله. كبُر وهو يرى والده يُهدي لوحاته لمَن يُعجَب بها، فيتطلّع اليوم إلى تقليل الخسائر.

تمرّ أيامه بين السهر ومراكمة الذكريات. حين يسأله كرم عما ينقصه، يجيب: «مزيد من الانتظام». لمرات، قطع بعلبكي لحظات الرسم لاستقبال زائر وإتاحة تسلُّل اللهو. اليوم، يشعر بضرورة ضبط الوضع. يحتجب من أجل السكينة، ويُخبر مُحاوِره بأنّ شيئاً فيه بدأ يهدأ، وهو على مشارف الخمسين، بعد ضجيج وفورة وصخب: «أحاول التعامل مع الأشياء بأسئلة أقل صعوبة وأكثر خفّة. لا مَهمّة مقدّسة لدى الفنان، إلا أن يتسلّى. مهمّتي اليوم العمل بسعادة».


مقالات ذات صلة

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

يوميات الشرق جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

أهم ما في «أولو» أنه خارج المقاس؛ طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان، وغير بارع في تقديم نفسه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق كرّمت زمن الفنّ الجميل بأداء أغنيات عدد من نجومه (الشرق الأوسط)

مايا نصري تعود بعد غياب... وتوقظ الحنين

رأت أنّ إحياءها حفلاً في السعودية العام الماضي أشعرها كأنها لم تغادر الساحة يوماً، بسبب التفاعل الكبير مع الجمهور...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق شجرة من حياة مُستعادة (الشرق الأوسط)

«تحت سماء واحدة»... فسحة لفناني الجنوب اللبناني في بيروت

يبقى الفنّ قادراً على وَصْل الناس وحماية الرابط بينهم حين تتبدّل الأمكنة وتضيق الخيارات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص.

فاطمة عبد الله (بيروت)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز ديسكفري» البالغة قيمتها 111 مليار دولار.

ونشر الممثل، المعروف بمواقفه الصريحة ضد الحرب الإسرائيلية في غزة ودفاعه عن حقوق الفلسطينيين، بياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، الجمعة، سلّط فيه الضوء على الروابط بين باراماونت سكاي دانس، التي يرأسها الرئيس التنفيذي ديفيد إليسون، وشركة «أوراكل»، شركة التكنولوجيا التي يديرها والد إليسون، لاري.

وتُزوّد «​​أوراكل» منذ عقودٍ جيش الدفاع الإسرائيلي ووزارة الدفاع والقوات الجوية والحكومة والشرطة ببرامجها، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، وصرح شموليك هاوزر، رئيس قسم المبيعات في «أوراكل»، لموقع «واي نت» الإسرائيلي العام الماضي: «دعم إسرائيل متأصل فينا، حتى لو كلّفنا ذلك خسارة بعض العملاء. هذا هو هدفنا».

ونشر روفالو مقطع فيديو لنائبة الرئيس التنفيذي لشركة «أوراكل»، صفرا كاتز، تصف فيه «التكنولوجيا المرعبة للغاية» التي قدمتها الشركة لإسرائيل بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وعلّق روفالو على الفيديو منتقداً لاري إليسون، متهماً إياه بـ«استخدام (أوراكل) لتمويل استحواذ ابنه ديفيد على شركة (وارنر بروذرز)».

وافق لاري إليسون، الذي تُقدّر ثروته بنحو 189 مليار دولار، على ضمان تمويل شخصي بقيمة 40.4 مليار دولار من خلال أسهم شركة «باراماونت سكاي دانس»، لمساعدة الشركة على الاستحواذ على «وارنر بروذرز» في صفقة بلغت قيمتها 110.9 مليار دولار.

وكتب روفالو: «من المرجح أن تُدمج هذه (التقنيات المرعبة للغاية) في واحد من أكبر تكتلات الإعلام في العالم، وأن تُستخدم ضدكم يوماً ما. انظروا كيف تستمتع كاتز بما نعتبره الآن إبادة جماعية، بُنيت على نظام فصل عنصري قمعي مدعوم من (أوراكل)».

حث روفالو متابعيه على معارضة الاندماج، الذي زعم أنه سيكون «كارثياً» بالنسبة لصناعة الترفيه بسبب فقدان الوظائف وانخفاض المنافسة.

ورغم موافقة وزارة العدل الأميركية على الاندماج في يونيو (حزيران)، فإنه لا يزال معلقاً بانتظار نظر قاضٍ فيدرالي في دعوى قضائية رفعتها مجموعة من 12 ولاية أميركية طعنت في الصفقة بدعوى مخالفة قوانين مكافحة الاحتكار.

وفي بيان نادر صدر أول من أمس السبت، ردّت «باراماونت» على روفالو قائلةً إنها «تشعر بالقلق إزاء استخدام عبارات معادية للسامية بذريعة خدمة نزاع تجاري». وأضافت «باراماونت»: «إن استخدام كلمات مثل (إبادة جماعية) و(فصل عنصري) لوصف صفقة تجارية ليس خاطئاً فحسب، بل هو تجاوزٌ للحدود... ونحن لا نتسامح مع أي نوع من أنواع التمييز، ضد أي شخص».

ويوم السبت، ردّ روفالو على «باراماونت» ببيان مكتوب جاء فيه: «إن انتقاد تصرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي، أو عقد تكنولوجيا عسكرية، أو المسؤولين التنفيذيين الذين يوردونه، لا يُعدّ انتقاداً للشعب اليهودي. ثم يُصوَّر هذا الحوار المهم والضروري، بشكل غير نزيه، على أنه معادٍ لإسرائيل».

وقال الممثل إن آراءه «تنبع من قناعاتي السياسية الشخصية، ولا ينبغي تفسيرها أبداً على أنها عداء تجاه الشعب اليهودي، الذي أكنّ له محبة واحتراماً عميقين».

وأضاف: «لهذا الاندماج تداعيات حقيقية على أناس حقيقيين، وعلى البلد بأكمله. إن التدقيق في أعمال عائلة إليسون، بما في ذلك أعمال (أوراكل) القائمة على البيانات وتكنولوجيا المراقبة والعقود الحكومية، والتهديد الخطير لحرية التحرير وفقدان آلاف العائلات لمصدر رزقها، أمر عادل وضروري. ستمنح هذه الصفقة البالغة قيمتها 111 مليار دولار عائلة واحدة السيطرة على شبكة (سي إن إن) و(إتش بي أوه) و(وارنر بروذرز) بدعم جزئي من أموال أجنبية لم يُشرح تأثيرها على القرارات التحريرية للجمهور بشكل كامل».

وكان روفالو من بين آلاف الممثلين والعاملين في صناعة السينما الذين تعهدوا العام الماضي بعدم العمل مع المؤسسات السينمائية الإسرائيلية «المتورطة في الإبادة الجماعية والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني».

من شأن اندماج «باراماونت» و«وارنر بروذرز» أن يجمع اثنين من آخر خمسة استوديوهات عريقة في هوليوود، بالإضافة إلى مجموعة من الشبكات التلفزيونية ومكتبات البث المباشر ووكالات الأنباء. وسيشمل ذلك انضمام «إتش بي أوه» التابعة لشركة «وارنر» وشبكة «سي إن إن» تحت مظلة واحدة مع شبكة «سي بي إس» المملوكة لـ«باراماونت» وخدمة البث المباشر «بارامونت بلس».

وإذا لم يتم الاندماج بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، فقد يكلف ذلك «باراماونت سكاي دانس» حوالي 7 ملايين دولار يومياً كرسوم وافقت على دفعها لمساهمي «وارنر بروذرز» في حال حدوث تأخير.


أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)
جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)
TT

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)
جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

تُمثّل «دورة جاك تاتي» التي تقيمها سينما «متروبوليس» في بيروت، وتضمّ 5 من أفلامه بنسخ مرمَّمة، فرصةً تتجاوز استعادة مخرج فرنسي كبير، إلى معاينة مشروع سينمائي نما لأكثر من عقدين حول هاجس واحد تغيَّر شكله باستمرار؛ الإنسان وهو يحاول العثور على مقاسه داخل عالم صمَّمه بنفسه، ثم اكتشف أنّ هذا العالم أخذ يُحدّد له كيف يمشي ويجلس ويعمل ويستريح ويرى الآخرين...

جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

من «اليوم الكبير» إلى «حركة المرور»، يكبر العالم الذي يضعه جاك تاتي تحت مجهره. يبدأ من ساعي بريد يُريد أن يُسرِع، وينتقل إلى سائح يحاول أن يجد مكانه بين طقوس الجماعة، فإلى منزل حديث يرسم لساكنيه طريقة عيشهم، ثم إلى مدينة مُكوَّنة من الزجاج والفولاذ، وصولاً إلى الطريق حيث تصبح الحركة نوعاً من التعطُّل. وبين المحطات، تولد شخصية «مسيو أولو». تتطوَّر، وتكاد تتلاشى، لتجعل العالم من حولها البطل الحقيقي.

في «اليوم الكبير»... يركض الإنسان خلف السرعة فتسبقه الحياة (متروبوليس)

في «اليوم الكبير» (1949)، كان تاتي قد وضع النواة الأولى لفكره، من دون أن تكون قد نضجت بعد إلى تعقيد أفلامه اللاحقة. ساعي البريد «فرنسوا»، الذي يؤدّيه أيضاً، يرى نموذجاً أميركياً للكفاءة البريدية فيقرّر أن يجعل من جسده آلة أسرع.

الفيلم أقلّ تركيباً من الأعمال التي ستليه، وفكرته تُقرأ بسرعة أحياناً، لكنّ أهميته تكمن في اكتشاف تاتي المُبكر أنّ الكوميديا تستطيع أن تنشأ من اختلال النسبة بين الجسد والنظام. ما يهمّه هو لحظة تَحوُّل الكفاءة من أداة إلى معيار يقيس الإنسان. منذ البداية، يلتقط تاتي شيئاً سيتضخَّم لاحقاً في القرن الـ20 وما بعده، وهو أنَّ التقدُّم قد يخلق إيقاعاً لا يعود الإنسان قادراً على السكن فيه براحة.

«إجازة السيد أولو»... العطلة بعين تاتي الساخرة (متروبوليس)

مع «إجازة السيد أولو» (1953)، يتغيَّر مركز الثقل. يصل «أولو» إلى منتجع بحري حيث يمارس المصطافون طقوس الراحة وفق انتظام يكاد يجعل الإجازة وظيفة. حتى الاسترخاء يبدو سلوكاً اجتماعياً ينبغي إتقانه.

نعرف «أولو» من طول قامته وانحناءته وعدم قدرته على الانسياب داخل المجتمع. لا يتقن القواعد، ومن هذا «النقص» تتولَّد رؤيته. الآخرون ينسجمون مع النظام إلى حدّ أنهم لا يعودون يرونه، أما «أولو» فيصطدم به، ولذلك يراه الجميع.

سمكة لا تنفث الماء للجميع (متروبوليس)

في «خالي» (1958)، تتّضح أفكار تاتي أكثر... وربما أكثر مما ينبغي أحياناً. يضع الحيّ الذي يسكنه «أولو» في مواجهة الفيلا الحديثة حيث تقيم عائلة شقيقته. المقارنة البصرية حادّة. في جانب؛ هناك اختلاط وأطفال وكلاب ومسارات غير مستقيمة، وفي الجانب الآخر أسطح نظيفة وأجهزة لامعة وحديقة هندسية ونافورة سمكة تُشغَّل وفق أهمية الزائر.

الفيلا آلة اجتماعية. المَمرّ يقرّر المسار، والمقعد يفرض هيئة الجلوس، وتكنولوجيا المطبخ تُعقِّد إنجاز المَهام العادية. العلاقة بين «أولو» وابن أخته «جيرار» تمنع الفيلم من الانغلاق داخل هجاء التصميم الحديث. مع الخال، يستعيد الطفل اللعب الذي يبدو في عالم تاتي فعلاً مضاداً لمنطق الكفاءة. «أولو» يحمل بدوره شيئاً من الطفولة. فيه مساحة لم تُروَّض بعد.

السمكة للمظاهر... و«أولو» لضحكة الطفل (متروبوليس)

ثم «وقت اللعب (بلاي تايم)» عام 1967، وفيه يبلغ مشروع تاتي ذروة جرأته ونضجه. الحداثة صارت مدينة، والمُشاهد يعيش شيئاً من حالة «أولو». يحاول أن يفهم نظاماً أكبر منه من دون الحصول على خريطة.

يبدأ «أولو» فقدان امتيازه. الرجل الذي كان محور الفيلم السابق يمكن أن يضيع بين أجساد تُشبهه، ويظهر بعيداً، ويغيب لفترات. هذا اكتمالٌ لمعنى الشخصية. منذ البداية كان «أولو» أداةً للكشف عن العالم، وحين يصبح العالم قادراً على الكَشْف عن غرابته بنفسه، لم يعد ضرورياً أن تبقى الأداة في مركز الصورة.

في «وقت اللعب»... الزجاج يرى الجميع (متروبوليس)

في المطعم يبلغ هذا المنطق أقصاه. المكان، نموذج الكمال، يبدأ بالتفكُّك. تنهار أجزاء من الديكور وتتعثَّر الخدمة... فتبدأ الحياة. الموسيقى والضحك والتقارُب تظهر مع فشل النظام في المحافظة على شكله. تلك من أعمق أفكار تاتي. التعطُّل يفتح إمكاناً للعيش. ومع ذلك، لا يمكن عدّه عدواً للحداثة. صُوَره تؤكد افتتانه بها. الزجاج والانعكاسات والفولاذ والسيارات تمنحه مادة بصرية أخّاذة، وصناعته السينمائية شديدة الدقّة إلى حدّ المفارقة. العمارة والصوت عنده يشاركان الشخصيات حياتها ويُغيّران إيقاعها وحركتها.

طريق تتحوّل مشهداً راقصاً في «وقت اللعب» (متروبوليس)

بعد ضخامة «وقت اللعب»، يبدو «حركة المرور» (1971) أصغر حجماً. ينتقل «أولو» مع سيارة تخييم نحو معرض في أمستردام، في رحلة تتعطَّل باستمرار بفعل الطرق والحدود والحوادث والزحام. ما كان في «اليوم الكبير» حلماً بالسرعة صار في «ترافيك» عالماً بلغ السرعة ثم وجد نفسه عالقاً.

الدائرة التي يقطعها تاتي بين الفيلمين لافتة. في البداية كان رجل واحد يحاول اللحاق بعالم أسرع. في «حركة المرور» أصبح الجميع داخل آلات الحركة ولا يكاد أحد يصل في الوقت المطلوب. السيارة، وهي وعدٌ بالاستقلال والحرّية، تصبح حُجرة صغيرة ينتظر فيها الإنسان وسط صفّ طويل من الحُجرات المماثلة.

في «حركة المرور»... الطريق أطول من فكرة الوصول (متروبوليس)

في مشهد حادث السير، تَظهر الأجساد التي أخفتها السيارات. كما حدث في المطعم، تأتي لحظة إنسانية بعد عُطُل. يتكرَّر لدى تاتي الإيمان بأنّ النظام حين يتوقّف عن العمل يسمح للبشر باستعادة أنفسهم.

بذلك يتحقَّق فَهْم «أولو» خارج صورة الشخصية الكوميدية الشهيرة. أهم ما فيه أنه خارج المقاس... طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان وغير بارع في تقديم نفسه. الفيلم القصير «افتح الباب من فضلك» لجوانا حاجي توما وخليل جريج، الذي عرضته «متروبوليس» قبل «وقت اللعب»، تناول هذه الفكرة من طفولته.

جاك تاتي... طويل بما يكفي ليخرج من الكادر (متروبوليس)

مراهق بالغ الطول يقف أمام مُصوّر يحاول تنظيم التلامذة داخل صورة مدرسيّة مثالية. جسده يُفسد التكوين، فيبحث عن طريقة ليجد مكاناً فيه. استعادة تضع تحيةَ المخرجَيْن اللبنانيَيْن لتاتي بمحاذاة أحد أكبر أفلامه تعبيراً عن تلك الفكرة.

«أولو» الذي لم يتعلّم المشي كما يريد المكان (متروبوليس)

«أولو» هو الجسد الذي لا يتّسع له التصميم. في البداية يبدو أنّ المشكلة في عدم قدرة الرجل على التأقلم، ولاحقاً تنتقل الشُّبهة إلى النظام. تتغيَّر رمزية الشخصية من غريب يخرج عن نسق المجتمع إلى مقياس يُظهِر مقدار ما خسره المجتمع من قدرة على احتمال الاختلاف. كان يكفي أن يمرّ في العالم بطريقته، فيختلّ كلّ شيء قليلاً... ويستقيم شيء في الإنسان.


تحذيرات في مصر من «خطورة» ترند «قاع الهامور»

صورة من «غروب قاع الهامور» (فيسبوك)
صورة من «غروب قاع الهامور» (فيسبوك)
TT

تحذيرات في مصر من «خطورة» ترند «قاع الهامور»

صورة من «غروب قاع الهامور» (فيسبوك)
صورة من «غروب قاع الهامور» (فيسبوك)

بعد الانتشار الواسع لترند «قاع الهامور» بين جمهور «السوشيال ميديا» في مصر خلال الساعات الماضية، برزت تحذيرات من الانخراط فيه لـ«دواعٍ سياسية وأمنية»، لا سيما بعدما نشرت مواقع مصرية أخباراً عن إغلاق «الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية بقاع الهامور». وتدشين صفحات عديدة تحمل اسم الترند.

بلاغ «قاع الهامور»

وتقدم المحامي بالنقض والدستورية العليا أشرف ناجي الجندي، ببلاغ إلى النائب العام، طالب فيه بـ«فحص محتوى ترند (قاع الهامور)، وما يرتبط به من صفحات وحسابات ومجموعات إلكترونية».

وبحسب مقدم البلاغ، فإن «الشكوى لا تستهدف السخرية أو الكوميديا باعتبارهما من صور التعبير، وإنما تطالب بالتحقق مما إذا كانت بعض الممارسات المرتبطة بهذا المحتوى قد تجاوزت إطار المحاكاة الساخرة إلى أفعال مستقلة قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون».

وتطرق مقدم البلاغ إلى «استخدام أسماء ومسميات تحاكي مؤسسات وجهات رسمية، من بينها مركز شرطة قاع الهامور، ووزارة الداخلية، ومحكمة نقض الهامور، ومحكمة قاع الهامور».

واستند البلاغ إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وبصفة خاصة المادة 27 منه، التي تتناول «إنشاء أو إدارة أو استخدام موقع أو حساب على شبكة معلوماتية بقصد ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً».

وبدأ الترند من خلال «غروب شكاوى أهالي قاع الهامور»، حيث تعامل أعضاء المجموعة مع العالم من حولهم وكأنهم يعيشون بالفعل في القاع، وتخيلوا شكل حياتهم ومشكلاتهم اليومية لو كانوا جزءاً من عالم الشخصية الكارتونية الشهيرة «سبونغ بوب».

وحققت تدوينات ساخرة لعدد من الفنانين المصريين ضمن الترند تفاعلاً لافتاً، وكانت هذه التدوينات سبباً كبيراً لزيادة انتشاره والتفاعل معه. واعتمدت تعليقاتهم على إعادة تدوير «مشاهد تمثيلية» معروفة لهم داخل «المساحة المائية» لمجموعة «قاع الهامور» الهزلية بتقنية الذكاء الاصطناعي، والتعليق بكلمات ساخرة.

ومن أبزر النجوم الذين شاركوا في الترند نيللي كريم وباسم سمرة وروبي وهنا الزاهد ومي عز الدين ومادلين طبر.

باسم سمرة ونيللي كريم تفاعلا مع الترند (فيسبوك)

في مقابل ذلك، حذر آخرون من الانسياق وراء المجموعة الساخرة من بينهم وفاء صادق التي كتبت عبر حسابها على «فيسبوك»: «أنتم ناس كبيرة وقيمة وقامة وتعليم، ولا يصح أن تقعوا في الفخ... فعلاً نحن في القاع»، بينما وصف المنتج عبد الله أبو الفتوح «الترند»، بأنه «ثقيل الدم وغير لذيذ، وليس به صور جذابة أو فكرة عميقة».

وبحسب تقرير «التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي» الصادر من «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، فإن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم.

ووفق يوسف ورداني، مدير مركز تواصل مصر للدراسات والاستشارات، فإن «قاع الهامور» ليس ترنداً سياسياً، ولا توجد حالياً مؤشرات موضوعية تجعله حركة احتجاجية أو تعبيراً عن موقف سياسي جماعي». وعزا انتشاره في منشور له عبر «فيسبوك» إلى «وجود شخصيات ارتبط بها جيل كامل، وقالب سهل المشاركة، ومساحة يستطيع فيها المستخدم تحويل تفاصيل حياته اليومية إلى قصة ساخرة».

وقال إن «خصائص اللغة التي صنعتها المنصات الرقمية، خصوصاً لدى الأجيال الأصغر، على غرار الميم والكوميكس والفيديو القصير لم تعد أدوات للترفيه فقط؛ بل يمكن أن تصبح وسائط للتعليق على العمل والاقتصاد والعلاقات والحياة اليومية من دون خطاب سياسي مباشر؛ لذلك فإن قراءة المزاج العام لم تعد ممكنة من خلال الخطاب السياسي التقليدي وحده».

ترند عابر

وقلّل ورداني من خطورة الترند، قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن هذا الترند سيعبر، ولن يمثل مشكلة للدولة». موضحاً أنه «إذا لم يتم توجيه الانطباعات والمشاعر والاتجاهات والمعتقدات إلى شكل سياسي مُنظم فلا خطورة جراء ذلك، لكن إذا تم توجيه المداخلات تجاه قضية محددة، وتبنتها إحدى الحركات السياسية فهنا يمكن إعادة قراءة المشهد، والتدخل لمنع الارتباك».

وأضاف أن «(جمعة الغضب) في أحداث يناير (كانون الثاني) من عام 2011، بدأت بتدوينات ومشاركات اجتماعية وسياسية عادية على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تقفز جماعة (الإخوان) الإرهابية على هذه الانطباعات، وتستغل هذه الحالة في محاولتها إسقاط مؤسسات الدولة».

الفنانة اللبنانية مادلين طبر تفاعلت مع الترند بلقطة من فيلم «الطريق إلى إيلات» (فيسبوك)

وقال ورداني إن «دورة الترند الطبيعي في مصر تتراوح بين 48 إلى 72 ساعة»، مشيراً إلى «وجود خبرات متراكمة في مؤسسات الدولة اكتسبتها خلال (ثورة يناير) عام 2011، وأحداث فض ميداني (رابعة العدوية) و(النهضة) في 2013، تستطيع من خلالها التعامل مع هذه الظاهرة بنجاعة».

وأيدت الدكتورة سارة قطب، المدرس المساعد بكلية الآداب قسم علم النفس بجامعة العاصمة، فكرة عدم القلق من هذا الترند، مؤكدة في تصريحات صحافية أن «انتشار المحتوى الساخر يمكن فهمه أيضاً في إطار رغبة المستخدمين في الترفيه وتخفيف الضغوط والمشاعر السلبية التي يواجهونها في حياتهم اليومية.

وأكدت أنها عضو في غروب «قاع الهامور»، وتتابع منشوراته الكوميدية، وتتعامل معها باعتبارها محتوى للترفيه»، معتبرة أن «استخدام الضحك قد يمثل بالنسبة لبعض الأشخاص وسيلة للتفريغ عن مشاعر الكبت أو المشاعر السلبية».