الجزيرة العربية موطن القوة ووجهة العالم منذ أكثر من 400 ألف عام

تقديرات بوجود مليون موقع أثري في السعودية

انطلاق جلسات المؤتمر... ويبدو الرئيس التنفيذي لهيئة التراث يلقي كلمته (واس)
انطلاق جلسات المؤتمر... ويبدو الرئيس التنفيذي لهيئة التراث يلقي كلمته (واس)
TT

الجزيرة العربية موطن القوة ووجهة العالم منذ أكثر من 400 ألف عام

انطلاق جلسات المؤتمر... ويبدو الرئيس التنفيذي لهيئة التراث يلقي كلمته (واس)
انطلاق جلسات المؤتمر... ويبدو الرئيس التنفيذي لهيئة التراث يلقي كلمته (واس)

قدّرت هيئة التراث في السعودية أن إجمالي عدد المواقع الأثرية قد يصل إلى أكثر من مليون موقع تشمل مواقع «النقوش، والرسوم الصخرية، والمنشآت الحجرية»، والمواقع المنتشرة على سواحل البحر الأحمر والخليج العربي، لافتةَ إلى أن المواقع الأثرية المسجلة في البلاد تتجاوز 3500 موقع أثري.

وقالت الهيئة إن هناك أكثر من 1000 موقع في البحر الأحمر هي بقايا للتراث الثقافي المغمور بالمياه، من بينها كثير من بقايا حطام السفن وحمولاتها المختلفة تعود إلى أكثر من 1600 عام، تعمل الهيئة على حمايتها من الاندثار. وأثبتت الأبحاث العلمية وجود عدد كبير من البحيرات القديمة الجافة وبقايا أنهار موزعة في مختلف مناطق المملكة، تؤكد أن الجزيرة العربية مرت بفترات مناخية متغيرة منذ عصور ما قبل التاريخ، وأنها منطقة جاذبة للبشرية من شتى بقاع الأرض وشهدت أولى الهجرات إليها قبل 400 ألف عام، وذلك لما تتمتع به من قوة اقتصادية وحضارية.

حضور كثيف لمنتدى التراث في جدة (واس)

وقال الدكتور جاسر الحربش، الرئيس التنفيذي لهيئة التراث، إن السعودية تعد قارة، ولديها سواحل على البحر الأحمر والخليج العربي تمتد على مسافة تزيد على 1700 كيلومتر، لم يجرِ مسح سوى ما يقارب 400 كيلومتر من إجمالي هذه المساحة، داعياً جميع الباحثين من أفراد وشركات إلى العمل مع الهيئة للكشف عن مزيد من تلك الآثار.

وتحدث الحربش عن رغبة الهيئة في العمل مع الجانب الكوري الجنوبي، وذلك على غرار البعثات الدولية التي عملت مع السعودية في عمليات البحث والتنقيب عن الآثار، موضحاً أن الهيئة لديها 5 اختصاصات رئيسية تتمثل في «قطاع الآثار، والتراث العمراني، والحِرف والصناعات اليدوية، والتراث الثقافي غير المادي، والتراث العالمي»، لافتاً إلى أن الهيئة تعمل في كل هذه الاتجاهات وبشكل خاص في عمليات التراث الثقافي المغمور.

جاء حديث الحربش مع انطلاق مؤتمر التراث الثقافي المغمور بالمياه الذي يُعقَد في مدينة جدة غرب السعودية، ويعرض نحو 16 ورقة عمل لخبراء وعلماء مختصين في الآثار، تحدثوا عن تجاربهم في عمليات المسح، إذ أشار ستيف كراسيك، نائب رئيس التراث الدولي، إلى أن نتائج مسح الآثار الغارقة التي أجرها فريق من متخصصي الجيوفيزياء وعلماء الآثار في «نيوم» يؤكد الأهمية الاستراتيجية لمنطقة «نيوم» في العصور القديمة المتأخرة وأواخر فترة ما قبل الإسلام، موضحاً أن المسح كشف عن وجود كمية كبيرة من جرار «الأمفورات الرومانية المتأخرة»، وعن وجود عدد من الجزر وحطام السفن التي تدل على ارتباط تجارة البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي.

وتطرقت ورقة عمل الدكتور كريس أندروود، إلى التوسع في أعمال الغوص، التي كانت سبباً في الكشف عن مواقع تراثية عدة أغلبها حطام سفن انتشل منها الغواصون الهواة قطعاً أثرية وهدايا تذكارية. وخشيةً من وجود محاولات لاستغلال تلك المواقع تجارياً، دعا علماء الآثار والجمعيات إلى ضرورة حمايتها، وهو ما استجابت له الحكومات. فيما تحدث عمر خليل، أستاذ التراث الثقافي البحري بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، عن مفهوم الإدارة بوصفها عملية تنسيق تجري بين عدة مهام لتحقيق مجموعة من الأهداف بكفاءة وفاعلية، ومن ثم فإن إدارة التراث هي تطبيق مجموعة من الآليات بهدف الحفاظ على الموارد الثقافية.

إلى ذلك قال الدكتور عبد الله الزهراني، مدير عام الآثار في هيئة التراث، إن الهيئة تعمل على استكشاف مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه، موضحاً أن موقع الجزيرة العربية مكّنها منذ قدم العصور في التحكم التجاري البري والبحري، إذ كانت السفن القادمة من «الهند، والصين، والحبشة» المحمّلة بكثير من البضائع، ترسو في بحر العرب، ثم تنقل تلك البضائع بعد ذلك إلى المراكز الحضارية في وسط الجزيرة العربية وشمالها وغربها، بعدها تُبحر السفن باتجاه مدن حوض البحر المتوسط ومن هناك إلى باقي مدن العالم، لافتاً إلى أن العرب نقلوا الكثير من المنتجات ومنها «الذهب، والفضة، واللبان، والأبنوس، والمنسوجات» عبر البر والبحر.

وحول إجمالي عدد الآثار في السعودية، قال الزهراني إن عدد الآثار المسجَّلة يزيد على 3500 موقع أثري، وهناك كثير من المسوحات التي يجري تنفيذها للتحقق من المواقع الأخرى، وقد يصل عدد المواقع الأثرية في السعودية إلى أكثر من مليون موقع، إذا احتُسبت مواقع النقوش والرسوم الصخرية والمنشآت الحجرية والمواقع الموجودة في سواحل البحر الأحمر والخليج العربي.

وقال الزهراني إن الأبحاث التي نفَّذتها الهيئة في مختلف المناطق السعودية، أثبتت وجود عدد كبير من البحيرات القديمة الجافة وبقايا أنهار موزعة في مختلف مناطق المملكة، كما تشير الدلائل إلى أن الجزيرة العربية مرَّت بفترات مناخية متغيرة منذ عصر ما قبل التاريخ وإلى نحو ما قبل 10 آلاف عام، مما يؤكد أن الجزيرة العربية كانت جاذبة للإنسان من مختلف دول العالم واحتوت على الكثير من الحيوانات، إضافةً إلى بقايا حضارات في تلك المناطق، مشدداً على أن هذه الأبحاث التي وُثّقت على مدار 60 عاماً، أثبتت أن الجزيرة العربية تعرضت لموجات من الهجرات البشرية باتجاهها أقدمها قبل 400 ألف عام وآخرها قبل ما يقرب من 75 ألف عام.

وتطرق مدير عام الآثار، في كلمته، إلى دور البعثات في عمليات الاكتشافات، ومنها البعثة السعودية - الفرنسية في جزيرة فرسان، إذ اكتُشف عدد من التماثيل والعملات النقدية وبعض الدروع التي استُخدمت في تلك الفترة، إضافةً إلى عدد من الظواهر المعمارية، في حين تمكنت البعثة السعودية - الصينية التي تعمل في شمال محافظة القنفذة، من الكشف عن عدد من الفخار والخزف الصيني، في أحد الموانئ التي كانت تُنقل منها صادرات الجزيرة العربية إلى الصين والهند ويجري استقبال البضائع بها.

وحول ما قامت به البعثة السعودية - الألمانية في «منطقة الشعيبة بجدة»، يقول إنه عُثر على كميات من الفخار التي تعود إلى ما قبل الإسلام، واكتُشف حطام سفينتين؛ إحداهما تعود أيضاً إلى فترة ما قبل الإسلام والأخرى إلى الفترة الإسلامية المبكرة، فيما قامت البعثة السعودية - الإيطالية التي تعمل منذ 6 أعوام في موقع بمدينة «إملج»، للتحقق من سفينة قد يرجع تاريخ غرقها إلى القرن الـ18 الميلادي تحمل على متنها كميات كبيرة من الفخار والخزف الصيني، ويجري العمل على نقل تلك القطع لعرضها للزوار قريباً.


مقالات ذات صلة

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

يوميات الشرق موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

يسلط اكتشاف تمثال أثري ضخم بموقع تل فرعون بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية (دلتا مصر) الضوء على الكثير من مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
احتفت مصر بالنيل في اليوم العالمي للتراث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

اختارت وزارة السياحة والآثار المصرية نهر النيل موضوعاً لاحتفالها هذا العام بيوم التراث العالمي، ونظمت متاحف أثرية سلسلة من المعارض المؤقتة والفعاليات الثقافية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق معبد دندرة ضمن قائمة التراث بالعالم الإسلامي (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

أدرجت لجنة التراث في العالم الإسلامي معبد دندرة بمحافظة قنا، والمنازل التاريخية بمدينة رشيد، ضمن قائمة التراث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

عثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية...

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.