عودة جوائز «غولدن غلوب» بين بداية جديدة أو فشل مستمر

نكات مقدّم الحفل وُلدت ميّتة

المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس والممثلون الأميركيون إيما ستون وويليم دافو ومارك روفالو ورامي يوسف (إ.ب.أ)
المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس والممثلون الأميركيون إيما ستون وويليم دافو ومارك روفالو ورامي يوسف (إ.ب.أ)
TT

عودة جوائز «غولدن غلوب» بين بداية جديدة أو فشل مستمر

المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس والممثلون الأميركيون إيما ستون وويليم دافو ومارك روفالو ورامي يوسف (إ.ب.أ)
المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس والممثلون الأميركيون إيما ستون وويليم دافو ومارك روفالو ورامي يوسف (إ.ب.أ)

أسوأ ما في حفلة «غولدن غلوب» التي أقيمت ليل الأحد، أن مقدّم الحفل وفقراته، جوي كوي، لم يقل نكتةً ضحك عليها أحد. على العكس «قفشاته» انبطحت على بطنها أمام الحضور والمشاهدين. بالتعبير الطبي، ماتت عند الوصول (Dead on Arrival) وأحياناً قبل ذلك.

عندما يبدأ مقدّم البرنامج باعتذار ومن ثَمّ بإهانة، لا يمكن انتظار الكثير منه بعد ذلك؛ وكوي بدأ بالقول إنه استلم المهمّة قبل 10 أيام فقط، وبالتالي، هو على حد قوله، معذور: «أتريدون مونولوغاً رائعاً؟ اخرسوا». بعد ذلك كل شيء قاله، من كلمات نابية ونكات باهتة، لم يترك أي تأثير سوى ذلك العكسي الذي قد يساعد المؤسسة التي توزّع هذه الجائزة السنوية على عدم تعيينه في المرّات المقبلة.

جوي كوي مقدّم الحفل (إ.ب.أ)

ربما أدرك المشرفون على المؤسسة أن كوي ليس من يستطيع رسم الابتسامات على الوجوه، ناهيك عن إدخال المسرّة على الوجوه، فتم، قبل فوات الأوان، الحد من إطلالاته، وحين فعل ذات مرّة أطلق نكتة أخرى مفادها أن البذلة التي يرتديها كانت قماشة الكنبة في بيته. أحد الحاضرين قال بصوت مسموع لمن حوله: «اذهب إذن واجلس على كرسي».

بداية أم نهاية؟

الجانب المضيء نوعاً هو عودة حضور جوائز «غولدن غلوب» إلى نشاطها السابق. هذا بعد أن ودّع ذكراها كل من في عاصمة السينما هوليوود. وكانت «جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب» قد عادت خجولة في العام الماضي في حفل «بيتي» بثته محطة تلفزيونية لجمهور محدود، قبل أن تشتري الجمعية مؤسسة «دك كلارك» الإنتاجية هي والجائزة والمقتنيات العقارية وكل ما ينتمي إليها وتحويلها إلى مجرد منفّذ لجمع الأصوات.

إنها نهاية بائسة لمعقل مهني كانت له رهجة ورنّة في سابق عهده، كما أخطاؤه أحياناً. وكما بات معروفاً، هدم صحافي من جريدة «لوس أنجليس تايمز» بيت الجمعية رأساً على عقب عندما نشر مقالاً اتهمها فيه بأنها خالية من الأفرو-أميركيين، وأن بعض من فيها يرتشي، وأن الحفلات الكبيرة التي تُقام لها والدعوات للسفر وتغطية الأفلام التي تُصوّر ما هي إلا سبيل الشركات في هوليوود لشراء أصواتهم.

مارتن سكورسيزي وجودي فوستر (رويترز)

كل ذلك كان هراءً مدسوساً لكن هوليوود ذات الخاصرة الرخوة سادها الذعر فانسحبت من نشاطاتها مع الجمعية ولم تعد تكترث لتوفير نجومها ومخرجيها للمقابلات ولا أفلامها للعروض الخاصة. الجمعية انكمشت وتخبطت في الدفاع عن نفسها.

الجديد الذي يُقل علناً هو أن هناك من يعتقد أن المؤسسة التي تبرّعت لشراء نشاطات الجمعية (تحديداً جائزتها المعروفة بـ«غولدن غلوب») هي التي بثّت تلك الدعاية التي انتقلت سريعاً عبر منصّات إعلامية أخرى في اليوم التالي لنشر مقال الصحيفة، وذلك بهدف شرائها واستحواذ الجائزة بسبب اسمها الكبير.

إذا كان هذا صحيحاً (لا إثباتات في هذا الموضوع) فإن الطريق الأسلم كانت الانسحاب من الجمعية وتأسيس جوائز جديدة تنمو بفعل تأييدٍ هوليوودي في تلك الآونة. ما فعلته مؤسسة «دك كلارك» هو شراء الجائزة ومقر الجمعية وتحويل من بقي من أفرادها إلى جامعي أصوات. هي الأرضية التي يُراد لـ«غولدن غلوب» الجديدة أن تنمو عليها.

زلزال كبير

رغم هذه العودة، فإن الحماس لم يكن كبيراً خلال الحفل وربما لم يكن كبيراً كذلك خارجه (الحفلات اللاحقة كانت متعددة وحقائب الهدايا كبيرة)، لكن أكثر من مجلة ومنصة وصحيفة في اليوم التالي (الاثنين) تحدّثت عن غياب الزلزال الكبير، الذي كانت تصاحب حفلات توزيع هذه الجائزة من قبل. البعض، في «ذا هوليوود ريبورتر» و«فارايتي»، كتب مقارناً حفلة توزيع جوائز العام الحالي (تحمل الرقم 81 ما يرمز إلى 81 سنة من الجهد والبذل والنجاح) بالحفل المتواضع الذي أقامته الجمعية في العام الماضي محبذاً إياه. بعض المعلّقين تحدّثوا عن «أسوأ حفل توزيع جوائز في تاريخ هوليوود» من حيث درجة حرارته وتأثيره.

نسبة المشاهدين على شاشة «ABC» التي نقلت الوقائع لأول مرّة ستعلن خلال ساعات، وستحدد حجم الذين انتظروا عودة جوائز «غولدن غلوب» بصبر.

استحواذ

من حسن الحظ أن توزيع الجوائز كان عادلاً، وإن كان متوقعاً في كثير من اختياراته. فيلم كريستوفر نولان عن «أب القنبلة النووية» «أوبنهايمر» خرج بخمس جوائز تتقدمها «غولدن غلوب» أفضل فيلم درامي، وأخرى لنولان أفضل مخرج. وكيليان مورفي، الذي أدّى دور أوبنهايمر خرج بجائزة أفضل ممثل في فيلم درامي، وروبرت داوني جونيور نال جائزة أفضل ممثل مساند عن الفيلم نفسه. الجائزة الخامسة ذهبت إلى إميلي ستون عن دورها في الفيلم أفضل ممثلة مساندة.

الممثلة ليلي غلدستون (رويترز)

بالنظر إلى المنافسات الساخنة التي أحاطت بفيلم «أوبنهايمر» في كل هذه الأقسام، كانت هناك 6 أفلام في مسابقة الفيلم الدرامي، اثنان منها شكلا منافسة فعلية هما الفيلم الفرنسي «Anatomy of a Fall» (تشريح السقوط)، و«Killers of the Flower Moon» (قتلة ذا فلاور مون). هذا الثاني، من إخراج مارتن سكورسيزي، خسر في أربع مسابقات من أصل خمسة رُشح لها. الأربع التي خسرها هي أفضل فيلم، وأفضل ممثل في فيلم درامي (ليوناردو دي كابريو)، وأفضل ممثل مساند (روبرت دي نيرو)، وأفضل إخراج. أما السباق الخامس الذي فاز فيه فكان أفضل ممثلة في فيلم درامي وهي ذهبت إلى بطلة الفيلم ليلي غلدستون.

كريستوفر نولان وإيما توماس (أ.ب)

في خانة، وجد كريستوفر نولان نفسه محاطاً بخمسة طموحين آخرين، وهم المخرجة الكورية الأصل سيلين سونغ عن «حيوات سابقة» (Past Lives)، واليوناني يورغوس لانتيموس عن «أشياء مسكينة» (Poor Things)، والأميركيون غريتا غيرويغ عن «باربي»، وبرادلي كوبر عن «مايسترو»، ومارتن سكورسيزي عن «قتلة ذا فلاور مون».

بالنظر فقط إلى شغل نولان، وليس رسالات الفيلم، كان بالفعل يستحق الجائزة التي نالها.

وداعاً «باربي»

«باربي» لغريتا غيرويغ نافس «أشياء مسكينة» على جائزة أفضل فيلم موسيقي أو كوميدي وخسر أمام دهشة الغالبية من المتابعين. فحتى لحظات إعلان الفيلم الفائز بهذه الجائزة كان المتوقع أن يكون الفيلم الذي سيحمل التمثال المذهّب بفخر.

الجائزة الوحيدة التي خرج بها كانت جائزة مستحدثة لأول مرّة هذا العام باسم «إنجاز سينمائي وتجاري» أو تبعاً للأصل (cinematic and box office achievement)، ولم يكن ذلك مفاجئاً بسبب مليار و300 مليون دولار حصدها من عروضه الأميركية والعالمية.

حتى مارغو روبي، بطلة ذلك الفيلم الوردي، أخفقت في جمع العدد الكافي من أصوات الناخبين (نحو 300) في قسم أفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو موسيقي، فذهبت إلى إيما ستون عن «أشياء مسكينة».

الممثلة الأميركية إيما ستون (د.ب.أ)

في الجهة المقابلة، استحق بول جياماتي جائزة أفضل ممثل في فيلم كوميدي أو موسيقي عن دوره في «المستمرون» (The Holdovers)، متقدّماً على أسماء معروفة مثل نيكولاس كيج عن «دريم سيناريو»، ومات دامون عن «Air»، وجيفري رايت عن «أميركان فيكشن»، وخواكيم فينيكس عن «بو خائف» (Beau is Afraid)، والحديث نسبياً - تيموثي شالاماي عن «وونكا».

الممثل الأميركي بول جياماتي (إ.ب.أ)

في نطاق أفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية خطف «تشريح السقوط» الجائزة في هذا المجال عنوةً عن الفيلم الفنلندي «الأوراق المتساقطة»، والإيطالي «الكابتن»، والأميركي «حيوات سابقة» والإسباني «مجتمع الثلج»، كما البريطاني (الناطق بالألمانية) «منطقة الاهتمام».

جوستين ترييه سحبت البساط من تحت أقدام منافسيها في مسابقة أفضل سيناريو عن فيلمها «تشريح السقوط».


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق تايلور سويفت تتسلم جائزة «فيديو العام» عن أغنية «The Fate of Ophelia» خلال حفل توزيع جوائز «إم تي في» للأغاني المصورة في مسرح «بيكوك» بمدينة لوس أنجليس (أ.ب)

تايلور سويفت تكتب التاريخ في ليلة جوائز «إم تي في»

فازت أغنية تايلور سويفت «ذا فايت أوف أوفيليا» المستوحاة من أجواء فتيات الاستعراض، بأهم جوائز حفل «إم تي في» السنوي للأعمال الموسيقية المصورة «في إم إيه»، أمس.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق «Widow's Bay» الفائز الأكبر بجوائز «إيمي» كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً (إ.ب.أ)

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

حفل «إيمي» يتوّج أفضل مسلسلات العام والممثل ماثيو ريس يحقق إنجازاً تاريخياً بفوزه عن فئتَي الكوميديا والدراما القصيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق اختتم مهرجان عمّان السينمائي فعاليات دورته السابعة في قلعة عمّان الأثريّة (إدارة المهرجان)

«عمَّان السينمائي» يتوِّج «نجوم الأمل والألم»... ووثائقي سجن صيدنايا يحصد الإجماع

الفيلم اللبناني «نجوم الأمل والألم» نجم مهرجان عمَّان السينمائي عن فئة الأفلام الروائية، يعادلُه وثائقياً «الجانب الآخر من الشمس» الذي يروي فظائع معتقل صيدنايا.

كريستين حبيب (عمَّان)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».