«بريسيلا»... امرأة طفلة كبرت في سجن إلفيس المذهَّب

فيلم صوفيا كوبولا يروي سيرة الزوجة السابقة لأسطورة «الروك أند رول»

كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
TT

«بريسيلا»... امرأة طفلة كبرت في سجن إلفيس المذهَّب

كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)
كايلي سبيني وجاكوب إيلوردي بشخصيتَي بريسيلا وإلفيس بريسلي (شركة الإنتاج A24)

غالباً ما تُروى حكايات المشاهير من وجهة نظرهم، أما أن تُروى قصة إلفيس بريسلي من خلال عينَي زوجته السابقة وأمّ ابنته بريسيلا بريسلي، فهذا يعني الدخول إلى كواليس سيرة «ملك الروك أند رول»، بعيداً عن بهرجة المسارح وبريق الشهرة. كما يشي عنوان الفيلم، إنها قصة «بريسيلا» التي جلست 13 عاماً في ظلّ إلفيس، قبل أن تخترقه وتخرج إلى ضوئها.

استندت المخرجة الأميركية صوفيا كوبولا إلى السيرة الشخصية لبريسيلا «Elvis and Me» (إلفيس وأنا) الصادرة عام 1985، لبناء السيناريو. لا يجب توقّعُ سيرة كاملة؛ بل جزء من حكاية إلفيس، إذ يبدأ قوس السرد في الفيلم من لقاء الثنائي عام 1959 وينتهي سنة انفصالهما 1972.

في الـ14 من عمرها، تمضي بريسيلا بوليو أياماً وشهوراً مملّة في القاعدة العسكرية الأميركية في ألمانيا؛ حيث مقرّ عمل زوج أمّها الضابط في سلاح الجوّ الأميركي. تجمعها سهرة بشابٍ يؤدّي خدمته العسكرية هناك ويكبرها بـ10 أعوام. شاء القدر أن يُدعى إلفيس بريسلي، وأن يقع في حب بريسيلا من النظرة الأولى.

لم يكن إلفيس قد وصل حينذاك إلى ذروة مجده، إلا أن الإجماع الأنثوي حوله كان كبيراً. من بين كل النساء اختار بريسيلا التي عرفت كيف تواسيه بعد فقدان والدته، وتملأ فراغ أيام خدمته العسكرية.

صورة نشرتها المخرجة صوفيا كوبولا خلال إعدادها سيناريو الفيلم (إنستغرام)

ما بدأ صداقة بريئة بين الاثنين، سرعان ما تحوّل إلى حبٍّ جارف، لم ينتصر عليه البُعد مع مغادرة إلفيس ألمانيا وعودته إلى الديار في ممفيس الأميركية. فبعد مرور أكثر من سنة على رحيله وصمته، ظنّت المراهقة العاشقة أنّ محبوبها قد نسيها، هو الغارق في أمجاده الموسيقية والسينمائية وفي أحضان نجمات هوليوود. إلا أنه أطلّ على حياة بريسيلا من جديد، داعياً إياها إلى مملكته الخاصة «غريسلاند»، رغم اعتراض ذويها.

كل ما في ملامح بريسيلا -التي تؤدي شخصيتها بإبهار الممثلة كايلي سبيني- يوحي ببراءة الطفولة. لكن كل ما في تصرّفاتها يعكس إصرارها على عيش قصة حبها مع إلفيس بكامل تفاصيلها، وكأنها امرأة ناضجة تعرف ما تريد.

تقدّم كايلي سبيني أداءً مميزاً لا سيما في تجسيدها مرحلة المراهقة في حياة بريسيلا (أ.ب)

كوبولا، ذات النفَس النسوي، والتي لا توفّر فرصة سينمائية للإضاءة على شخصياتٍ نسائية أذابتهنّ الوحدة وأحرقهنّ الضوء، تعلّق على تجربة الفيلم، قائلة إن قصة بريسيلا أثارت اهتمامها بشدّة. أما أكثر ما ألهمَ المخرجة فهو، وفق قولها: «وجهة نظر بريسيلا المراهِقة التي كبرت في غريسلاند. لقد عبرت الأنوثة بمختلف مراحلها وسط عالم مضخّم للغاية».

في غريسلاند، عاشت بريسيلا تلميذة في مدرسة الراهبات نهاراً، وشابة مكتملة الأنوثة ليلاً. تبتلع حبوب إلفيس المنوّمة لتغفو، ثم تستعين بعقاقيره لتستيقظ صباحاً وتذهب إلى الصفّ.

في الـ17 من عمرها تركت بريسيلا عائلتها وسافرت للعيش مع إلفيس في غريسلاند (إنستغرام)

خلف قضبانٍ من ذهب، أسرَ إلفيس بريسيلا. ممنوع عليها أن تلهو مع كلبها في الحديقة، لئلّا يلمحها الصحافيون والمعجبون المتحلّقون قرب البوّابة. وإن دخلت إلى مكتب الموظفات لتكسر بعضاً من وحدتها، طردها والده القاسي ومنعها من إلهائهنّ.

تُمضي أياماً طويلة والنجم غائب عن المنزل. تستيقظ على صوره في الصحف وهو يقبّل زميلاته الممثلات. أما حين يعود، فيجعل منها دميته، ويرسم بنفسه صورتها الجديدة منتقياً ملابسها، وأسلوب تبرّجها، ولون شعرها. لكن تسلّطه لا يقف عند حدّ هندام بريسيلا؛ بل ينعكس عنفاً عليها كلّما غلبته نوبات غضبه.

رسم إلفيس بنفسه صورة بريسيلا الجديدة من ملابسها إلى تسريحتها وتبرّجها (إنستغرام)

تحاول كوبولا أن تبقى على الحياد قدر المستطاع، فتلتزم بنسخة بطلة الحكاية. يكتشف المُشاهدون بالتالي إلفيس الحساس والعاطفي والرومانسيّ؛ لكنهم يتعرفون في المقابل على وجهه الآخر؛ النرجسيّ، والمقامر، والمهووس بالسيطرة، والمدمن على الأدوية، وصاحب الاهتمامات الروحانيّة الغريبة... قد لا تروق هذه الصورة المجرّدة من اللمعان لعشّاق الأسطورة. لن يجدوا في فيلم كوبولا ما يذكّرهم بسيمفونيّة باز لورمان اللمّاعة (فيلم «إلفيس» 2022).

تكبر بريسيلا في قفص إلفيس المذهّب، وتكاد أن تفقد الأمل بأن يتزوّجها. ثم بعد 4 سنوات من الانتظار خلف أسوار غريسلاند، تصير الطفلة عروساً، وتحمل بدورها بطفلة سيسمّيانها «ليزا ماري».

من كواليس تصوير فيلم «بريسيلا» في تورونتو - كندا (إنستغرام)

يقدّم الممثل جاكوب إيلوردي أداءً أكثر من مقنع، متسلّحاً بكاريزما لافتة، وبنبرة صوت مخمليّة تنسخ أسلوب إلفيس في الكلام. رغم تَميّزه، فهو لا يسرق الضوء لحظة من بريسيلا. يدرك إيلوردي ويحترم واقع أن الفيلم لها وعنها، يدور حولها وحول تحوّلاتها كافة؛ من مراهقة مطيعة وصامتة في معظم الأحيان، إلى شابّة تعيش مع إلفيس، ثم ترفض التعايش معه.

ببصمتها الخاصة المعروفة بالمونتاج السريع، تقدّم كوبولا تجربة بريسيلا إلى جانب إلفيس. ليست المشاهد القصيرة مترابطة دائماً، ما قد يُشعر الجمهور بالضياع وبالحاجة للعودة إلى المراجع التاريخية، من أجل الاطّلاع على مراحل العلاقة بين إلفيس وبريسيلا. كما أن تفاصيل كثيرة تضيع داخل الفيلم، فلا تتّضح معالم الخدمة العسكرية التي أدّاها الفنان الأميركي في ألمانيا على سبيل المثال، ولا نتعرّف إلى مدير أعماله الكولونيل توم باركر الذي يبقى شخصية غامضة حاضرة عبر الحوار حصراً.

إلفيس وبريسيلا خلال آخر سنوات زواجهما الذي استمر 6 أعوام (إنستغرام)

من أبرز الغائبين عن فيلم «بريسيلا» كذلك، موسيقى إلفيس بريسلي، إذ تستبدل كوبولا بها ألحاناً وأغاني لفنانين آخرين. يبدو الأمر متعمّداً، وذلك بهدف التأكيد مرة جديدة أنّ الفيلم ليس عن مسيرة إلفيس؛ بل عن مذكّرات المرأة التي عاشت معه 13 عاماً. مع العلم بأنّ بريسيلا بريسلي (78 عاماً)، هي المنتجة المنفذة للفيلم، كما أنها كانت منخرطة في إعداده.

رغم هذا الانخراط الشخصي لبريسيلا، ورغم الأداء المُبهر لكايلي سبيني الذي استحقت عنه جائزة في مهرجان البندقية، وترشيحاً إلى «غولدن غلوب»، فإنّ ثمة ما يبدو ناقصاً في بناء الشخصية.

لا تبدو اللحظة التي تحطّم فيها بريسيلا قضبان سجنها الذهبي وتتحرّر من سطوة إلفيس، مبنية على أساساتٍ صلبة، ولا على تمهيدٍ واضح. من الطبيعي نتيجة لذلك أن يخرج المُشاهد من الفيلم محمّلاً بعلامات استفهام كثيرة، ومشحوناً في الوقت عينه بتأثّر كبير بقصة الحب الصادقة التي جمعت بريسيلا وإلفيس.


مقالات ذات صلة

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.