الجموم... حاضرة في العصر الحجري ومحطة التقاء قبل الإسلام

مكث فيها النبي محمد قبل فتح مكة

«سوق مجنة»... إحدى أهم الأسواق قبل الإسلام (بلدية الجموم)
«سوق مجنة»... إحدى أهم الأسواق قبل الإسلام (بلدية الجموم)
TT

الجموم... حاضرة في العصر الحجري ومحطة التقاء قبل الإسلام

«سوق مجنة»... إحدى أهم الأسواق قبل الإسلام (بلدية الجموم)
«سوق مجنة»... إحدى أهم الأسواق قبل الإسلام (بلدية الجموم)

في مُحيط الجموم وعلى تلك الأرض كتب التاريخ سطره الأول، ولم يجف من العصر الحجري حتى يومنا هذا، سائل المحبرة، فظل القلم يرسم على القرطاس ملامح أقوام وحقب، تلتها حقب وأقوام، فعشقها الحالمون وتغنى بها الجهابذة والفرسان ليسطروا صولات وجولات شعراً هنا، وفي «المجنة» خطابة، لا يبحثون عن الزعامة، فالمجد في كل الزوايا، أينما تقف فإن النقوش والخربشات تحاكيك، وما في بطون الكتب وإن كانت جاثمة على الرفوف يقول لك بشموخ هنا الجموم.

هذه المدينة العتيقة القابعة في الجهة الغربية من منطقة مكة المكرمة، احتضنت كل ما هو ممكن وغير ممكن. الصبا ووجهها الفتان يبهر المارين بها والماكثين بين جنباتها، ففيها سر الوجود «المياه» المشتق من اسمها «جم»، وفيها حكاية هنا وتاريخ هناك وما بينهما ثقافة وتجارة، تلك هي الجموم التي عاشت الماضي بكل تفاصيله فتذكرها الحاضر، بعد أن توجت سيرتها الأولى بمكوث الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو متجه لفتح مكة، وأيضاً خلال سيره لأداء حجة الوداع.

وعلى مدى التاريخ، زاحمت الجموم قريناتها وأخذت زينتها من كل عصر حتى في زماننا هذا، لتكون حاضرة في المشهد، لم تغب عن كتب التاريخ وحكاياته، ولم تنسَ أنها منذ البدايات كانت طريق الحالمين، فهي ما زالت متمسكة بتاريخها حاضرة بوديانها وموقعها الحيوي بين مكة المكرمة وجدة، فكانت بحق المدينة المتجددة لكل عصر وزمان، والرابط المهم بين شقيقاتها تجارياً.

وتبدأ الحكاية عندما سجل المؤرخون بعض المنقوشات والآثار المنثورة في الجموم لوجود بشري في المدينة منذ آلاف السنين، أو ما يعرف بالعصر الحجري قبل التاريخ، نزلوا عندها بعد أن استوقفهم جمال المدينة وما فيها من عيون ووديان، فأقاموا بها، وتركوا للتاريخ بعضاً من آثارهم التي أظهرتها الاكتشافات الحديثة لأنواع مختلفة من الأدوات الحجرية التي تشير بوضوح لتلك الحقبة.

واستمر الحال على ما هو عليه، أقوام تتبعها أقوام، ففي الزمن الماضي، وتحديداً قبل الإسلام، سطرت المحافظة اسمها؛ إذ كان للعرب أسواق مهمة في الجزيرة العربية، ومنها «سوق مجنة» التي تقع في الجموم على طريق الحج الشامي، وانتزعت المركز الثاني في الأهمية بعد «سوق عكاظ»، وفقاً لكثير من الروايات التي تشير إلى أن السوق تعد من أهم الظواهر الحضارية والاجتماعية في تلك الحقبة والتي قدمت كثيراً من الخدمات، وأسهمت في نماء الأنشطة الحضارية والاجتماعية، ووفرت الكثير من المواد التجارية ومستلزمات الحجاج والمسافرين، إضافة إلى تأثير السوق في اللغة والأدب، ودورها في تقريب لهجات القبائل.

ووفقاً لعدد من الروايات، فإن العرب كانت تقضي العشرين يوماً الأولى من شهر ذي القعدة في «سوق عكاظ»، ثم تسير نحو «سوق مجنة»، وتبقى هناك العشرة المتبقية، قبل أن ينطلقوا إلى حجهم، حيث كانت السوق تعد مركزاً تجارياً عملاقاً في تلك الحقبة، لتنوع البضائع مع ما يطرح من شعر، ويرى البعض أنها كانت تضاهي «سوق عكاظ» إلا أنها لم تحظَ بذاك الزخم في كتب المؤرخين.

وللحديث عن أهمية المدينة، يوضح عبد الخالق بدر الزراقي، مدير العلاقات العامة والإعلام في بلدية الجموم في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اسم الجموم اشتُق من «الجم»، وهو الماء الغزير، وكانت الجموم فعلاً كذلك؛ إذ قُدر إنتاج عين الجموم بمليوني غالون في اليوم، وهو عامل مهم في وضعها على خريطة الاقتصاد من قديم الأزل.

ولفت الزراقي إلى أن الجموم سجلت حضورها منذ القدم، وشهدت استيطاناً بشرياً يعود للعصر الحجري أو ما قبل التاريخ، فظهرت بعض المواقع عند أطراف وادي فاطمة بمحاذاة السلاسل الجبلية، وعند مصبات الأودية، كما انتشرت بعض الأدوات الحجرية التي تشير بوضوح لتلك الحقبة في مواقع متعددة من المحافظة.

وتابع أن اتصال الجموم المباشر بالنشاط الاقتصادي القائم بمكة، ووقوعها بمحاذاة الطرف الشمالي والطرف الغربي لمكة، مع بروز خط التجارة الرابط بين مكة والشام قبل الإسلام وبعده، جعل من الجموم ركيزة مهمة في تشكيل هذا الخط، فاكتسبت أهمية تجارية لا بأس بها، خاصة مع بروز «سوق مجنة» المحاذية للجموم من الجهة الشمالية الشرقية.

وأضاف مدير العلاقات العامة، أنه بعد هجرة النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) للمدينة المنورة، أصبحت الجموم مكاناً لإقامته، وهذا ما سجله التاريخ في أوقات مختلفة، منها السنة الثامنة للهجرة عندما أقام بها، وتحديداً في موقع مسجد الفتح، قبيل دخول مكة بليلة واحدة، كما مر بها الرسول الكريم إبان حجة الوداع ذهاباً وإياباً، موضحاً أن مسجد الفتح يعد أهم مَعلم إسلامي اليوم تتمتع به الجموم.

وتحدث الزراقي عن نظم الري القديمة المنتشرة حول الجموم والعائدة لعدة قرون مضت بعضها يرجع للعصر العباسي، ومن أهم معالمها التراثية جبل سدر الملاصق لطرفها الجنوبي، ويعرف بذي سدر في المراجع القديمة، إضافة إلى مسجد الروضة، ومبرة الملك عبد العزيز طيّب الله ثراه.

ومن المعالم البارزة في المحافظة، سد وادي فاطمة الذي يقع على وادٍ كبير من أودية تهامة، أو ما يعرف بوادي «أبو حصاني»، في حين كان يسمى قديماً «بطن مر»، ويبلغ طوله 210 كم، ويجري من الشرق للغرب بدءاً من أعالي السراة حتى يصب في جنوب مدينة جدة. وفي عام 1405 أقيم في الوادي سد لتغذية المصادر الجوفية لمياه الآبار، وتأمين مياه الشرب لمحافظة جدة، من خلال تغذية الآبار التي تم حفرها في منطقة خلف السد، وتغذية محطة القشاشية، ما زاد من أهمية الجموم في الماضي والحاضر لتوفر المياه بشكل مستمر على مدار العام. وتعد مبرة الملك عبد العزيز، طيّب الله ثراه، التي أنشئت في عام 1355، أحد أبرز المشاريع التي أنشئت من أجل توفير الغذاء، ومنه الخبز، والدقيق، وغير ذلك من الخدمات لسكان المدينة والقرى المجاورة، إضافة إلى خدماتها التي تقدمها إلى الحجاج والمعتمرين القادمين من جهة الجموم.


مقالات ذات صلة

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق زمن متجمّد في عقارب ساعة (هانسونز للمزادات)

ساعة نجاة من «تيتانيك» تعود بعد قرن

تُعرَض ساعة جيب ذهبية تعود إلى أحد أبطال كارثة سفينة «تيتانيك» للبيع بنحو 100 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن القائمين على بيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

في مزاد علني استقطب اهتمام هواة جمع العملات، بيعت قطعة نادرة وُصفت بأنها «أجمل عملة بريطانية» مقابل 110 آلاف جنيه إسترليني...

«الشرق الأوسط» (لندن)

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
TT

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)

أغلقت إدارة المتنزهات الوطنية الأميركية أجزاء من متنزه «غريت سموكي ماونتنز» أمام الجمهور، في أعقاب سلسلة من المواجهات العنيفة مع دببة عدوانية شهدتها منطقتان خلال عطلة نهاية الأسبوع، وصلت في بعض الحالات إلى حد مطاردة الزوار وعقرهم.

ووفق بيان للإدارة نقلته «سي بي إس نيوز»، استجاب الحراس لـ3 حوادث منفصلة على مسار «رامزي كاسكيدز» الشهير المؤدّي إلى شلالات المياه، بالإضافة إلى 3 حوادث أخرى على مسار «أبرامز فولز» المؤدّي إلى شلالات أخرى.

وفي تفاصيل المواجهات بالقرب من «رامزي كاسكيدز»، أفادت السلطات بأنّ دبَيْن «اقتربا من الزوار واستوليا على حقيبتي ظهر»، بينما أظهر دبّ ثالث «سلوكاً هجومياً وطارد مجموعة من المتنزهين لمدّة وجيزة». وبناءً على ذلك، ظلَّ مسار «رامزي كاسكيدز» والطريق المؤدّي إليه مغلقَيْن حتى يوم الاثنين، مع استمرار الحراس في مراقبة المنطقة بحثاً عن أي نشاط للدببة.

أما الحوادث الثلاثة الأخرى التي وقعت قرب «أبرامز فولز»، فقد كان بطلها «دبّ أسود عدواني»، عقر زائراً داخل منطقة مغلقة في إحدى المرات. ورغم إغلاق المسار والطريق المؤدّي إليه لأيام، فقد أُعيد فتحهما يوم الاثنين، بعد استقرار الأوضاع وعدم رصد أيّ نشاط عدائي جديد.

ويحتضن متنزه «غريت سموكي ماونتنز»، وهو محمية طبيعية شاسعة تمتد عبر ولايتَي كارولاينا الشمالية وتينيسي، نحو 1900 دبّ أسود. ويُعدّ المتنزه الأكثر زيارة في الولايات المتحدة، وهو ما تعزوه إدارة المتنزهات إلى «مزيج من كثافة الزوار وازدهار عشيرة الدببة، ممّا يرفع احتمال حدوث مواجهات بين البشر والحيوانات».

وتوضح إدارة المتنزهات أنّ نشاط الدببة السوداء يزداد في المتنزه خلال فصل الربيع؛ حيث تخرج الأمهات من أوكارها برفقة صغارها بحثاً عن الطعام الذي قد يكون شحيحاً في وقت مبكر من الموسم.

وحذرت الإدارة قائلةً: «بما أنّ هذه المدّة تُعدّ حسّاسة جداً للأمهات وصغارها، فإنّ الاقتراب الزائد قد يسبب لها توتراً ويؤدّي إلى مواجهات غير آمنة». وناشدت الزوار ضرورة «ترك مسافة كافية» للدببة، وتخزين الطعام والنفايات بـ«مسؤولية»، وتوخّي الحذر التام خلال السير في المسارات.

يُذكر أنّ إدارة المتنزهات كانت قد حذَّرت الصيف الماضي من إطعام الدببة السوداء، بعد رصد ازدياداً في الحالات التي يُقدّم فيها السياح الطعام للحيوانات عمداً، ووصل الأمر إلى حدّ تحرير مخالفة بحق أحد الزوار لإطعام أم وصغيريها.

وأوضحت السلطات حينها أنّ إطعام الدببة يُعرّض حياتها للخطر، لأنّ اعتيادها على طعام البشر، وعلى البشر أنفسهم، قد يدفعها للبحث عنهم واعتراض طريقهم، ممّا يضع الزوار والحيوانات على السواء في دائرة الخطر.


«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
TT

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

كشفت دراسة حديثة، استغرقت سنوات من البحث، عن أنّ بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

ويمكن لبذور شجرة «المورينغا» (أو الأكاسيا البيضاء)، وموطنها الأصلي دول آسيوية، أن توفّر وسيلة مُبتكرة لترشيح الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) التي يتزايد وجودها في إمدادات مياه الشرب البشرية.

ويُستخدم مُستخلص ملحي من هذه البذور لتعزيز عملية «التخثر»، ممّا يؤدّي إلى تكتل الميكروبلاستيك داخل المياه وحبسه، ليسهل التخلص منه.

وتُعرف «المورينغا» بـ«الشجرة المعجزة»، نظراً إلى استخدام أوراقها وبذورها الغنية بالعناصر الغذائية غذاءً للبشر، وإنما الباحثون عكفوا لسنوات على دراسة إمكانات بذورها في معالجة المياه.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة المشاركة في الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «إيه سي إس أوميغا»، من جامعة ولاية ساو باولو، غابرييل باتيستا: «أثبتنا أنّ المُستخلص الملحي للبذور يؤدّي دوراً مماثلاً لكبريتات الألمنيوم المستخدمة في محطات معالجة المياه لتخثير المياه المحتوية على الجزيئات البلاستيكية الدقيقة. بل إنّ أداءه تفوَّق على المنتج الكيميائي في المياه الأكثر قلوية».

النبات حين يهزم البلاستيك (شاترستوك)

وركزت الدراسة على معالجة المياه عبر تقنية «الترشيح المباشر»، حيث يجري تخثّر المياه لزعزعة استقرار الجزيئات الملوّثة قبل تمريرها عبر مرشح رملي.

وتُعدّ عملية التخثر ضرورية، لأنّ الملوّثات، مثل الميكروبلاستيك، تحمل شحنة كهربائية سالبة على أسطحها، ممّا يجعلها تتنافر مع بعضها ومع رمال المرشحات. وهنا يأتي دور «المورينغا»، التي يمكن صنع مستخلصها الملحي في المنزل، لتُعادل هذه الشحنات وتسمح للملوّثات بالتكتُّل والترسُّب.

من جانبه، صرَّح منسق البحث البروفسور أدريانو غونسالفيس دوس ريس: «هناك رقابة تنظيمية متزايدة ومخاوف صحية بشأن استخدام المخثرات القائمة على الألمنيوم والحديد، لكونها غير قابلة للتحلُّل الحيوي، وتترك سموماً متبقّية، وقد تشكل خطراً للإصابة بالأمراض. لهذا السبب، يتكثَّف البحث عن بدائل مستدامة».

ولاختبار كفاءة «المورينغا»، استخدم الباحثون مياه صنبور ملوثة عمداً بمادة «بوليفينيل كلوريد» (PVC)، وهي أحد أخطر أنواع البلاستيك على صحة الإنسان، نظراً إلى قدرتها الموثَّقة على إحداث طفرات جينية وأورام سرطانية. ويا للأسف، تنتشر هذه المادة بكثافة في المسطَّحات المائية، وحتى في المياه المعالجة بالعمليات التقليدية.

وعرّض الفريق أيضاً مادة «بوليفينيل كلوريد» لتقادم اصطناعي باستخدام الأشعة فوق البنفسجية، لمحاكاة العمليات الطبيعية، مثل التحلُّل الناتج عن ضوء الشمس والمياه، وإعادة إنتاج خصائص الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المتقادمة طبيعياً.

بعد ذلك، عُولجت المياه الملوّثة بعملية التخثر باستخدام بذور «المورينغا»، ثم تصفيتها بواسطة «اختبار الوعاء»، وهو جهاز يُحاكي عمليات معالجة المياه على نطاق صغير.

وقُورنت النتائج بعد ذلك بنتائج الاختبارات عينها التي أُجريت على مياه عُولجت باستخدام كبريتات الألمنيوم.

واستخدم الفريق المجهر الإلكتروني الماسح (SEM) لإحصاء جزيئات الميكروبلاستيك قبل المعالجة وبعدها. وأفاد الفريق بأنه لم يُعثَر على «أي اختلافات جوهرية» في كفاءة إزالة الجزيئات.

ويختبر الفريق حالياً مستخلص بذور «المورينغا» باستخدام مياه الأنهار، وذكر الباحثون أنّ تجاربهم أظهرت حتى الآن أنّ منتج «المورينغا» «أثبت فاعلية كبيرة في معالجة المياه الطبيعية» أيضاً.

Your Premium trial has ended


في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
TT

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر، بعدما بات مدخنون يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد ازداد انتشار هذا البديل بين المدخنين بعدما قفز سعر السيجارة الواحدة من نحو شيقل (0.33 دولار) إلى ما يعادل أربعين ضعفاً، بعد أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية في القطاع الذي يعاني نقصاً حاداً في المواد الأساسية.

وفي أحد شوارع مدينة غزة، يخلط البائع المتجوّل أبو يحيى حلس أوراق الملوخية المجففة والمفتتة مع سائل النيكوتين داخل كيس صغير، قبل أن يرجّه للحصول على مادة خضراء تُلفّ كسجائر وتُباع للزبائن.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا تُعدّ هذه بديلاً عن السجائر، إذ تتكون من أوراق الملوخية المُطعّمة بالنيكوتين، خلافاً للسجائر المصنوعة من التبغ»، مضيفاً أنّ الناس يلجأون إليها كخيار اضطراري في ظل غياب السجائر المستوردة وارتفاع أسعارها، رغم اعتقاده بأنها لا تُحدث التأثير ذاته.

بائعون فلسطينيون يبيعون السجائر المصنوعة من الملوخية (رويترز)

وتشهد شوارع المدينة ازدحاماً بالمارة والزبائن، فيما تنتشر بسطات لبيع هذه السجائر بين خيام النازحين وأكوام الركام التي خلّفتها الحرب.

ويقول بائع آخر، يدعى محمد حلس، إنّ «تدخين الناس لسجائر الملوخية ليس خياراً بل ضرورة بالنسبة لهم، لو توفرت السجائر لن نرى سجائر الملوخية».

غير أنّ هذا البديل نفسه لا يتوافر دائماً، سواء المنتج محلياً أو المستورد، في ظل القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول البضائع إلى القطاع. ولا تصلح للزراعة سوى نحو أربعة في المائة من الأراضي، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

مواد سامة؟

يثير تدخين هذه السجائر مخاوف متزايدة بشأن مخاطرها الصحية، في ظل غياب معلومات واضحة عن مكوّناتها.

ويقول وليد النعيزي: «تُصنع هذه السجائر من أعشاب مثل الملوخية وأوراق الخروع وأصناف أخرى، ولا نعلم ما إذا كانت سامة أم لا»، مضيفاً أنّ مواد سائلة مجهولة تُضاف إليها، «ولا نعرف إن كانت نيكوتين أو سموماً أو حتى مبيدات حشرية».

رجل فلسطيني يلفّ السجائر باستخدام أوراق الملوخية المجففة (رويترز)

ورغم هذه المخاوف، يؤكد أنّ كثيرين يجدون أنفسهم مضطرين لتدخينها.

وقال أبو محمد صقر (47 عاماً): «أنا لا أستمتع بها لكنني أمسك سيجارة وأنفث دخاناً... ليس الوقت مناسباً للإقلاع عن التدخين في ظل ما نعيشه».

من جهتها، تقول نيفين سمير (53 عاماً) إنها غيّرت عاداتها، موضحة: «كنت أدخن علبة يومياً منذ عشرين عاماً، أما الآن فأدخن بضع سجائر من الملوخية».

وتضيف النازحة في خيمة في خان يونس: «طعمها ورائحتها سيئان، وأدخنها ربما للتنفيس عن الغضب أو لمجرد الإحساس المصاحب لفنجان قهوة سيئ المذاق أيضاً».

المدخنون باتوا يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها (رويترز)

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرقه، فيما قُتل ما لا يقل عن 784 فلسطينياً منذ سريانه، وفق وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» في غزة.

واندلعت الحرب إثر هجوم غير مسبوق شنّته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، أسفر عن مقتل 1221 شخصاً، بحسب أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل في القطاع.