حصاد مسلسلات 2023... ما الذي فاتَكم من بين أفضلها؟

مجموعة من أقوى مسلسلات 2023 على منصات البث العالمية
مجموعة من أقوى مسلسلات 2023 على منصات البث العالمية
TT

حصاد مسلسلات 2023... ما الذي فاتَكم من بين أفضلها؟

مجموعة من أقوى مسلسلات 2023 على منصات البث العالمية
مجموعة من أقوى مسلسلات 2023 على منصات البث العالمية

رغم إضراب الكتّاب والممثلين الذي عطّل الصناعة الدراميّة في هوليوود 5 أشهر بين مايو (أيار) وسبتمبر (أيلول)، فإن برمجة منصات البث العالمية لم تتأثر لناحية تحديث المحتوى وتنويعه. صحيح أن سنة 2023 لم تنافس سابقتَها من حيث الذروة الإنتاجية، غير أنها شهدت عرضَ مسلسلات عدة، من بينها ما هو جديد وما هو استكمال لمواسم سابقة.

خلال هذا العام، ودّع الجمهور أعمالاً دراميّة بارزة مع عرض مواسمها الختاميّة، من بينها «The Crown» (التاج)، و«Succession» (الخلافة)، و«Reservation Dogs» (كلاب الحجز).

من أبرز الأعمال الدرامية التي ودّعت الشاشة هذا العام مسلسل The Crown (نتفليكس)

ملحمة «آل روي» والنهاية الحزينة

قد لا يكون موسم The Crown السادس والأخير، الأفضل ضمن السلسلة التاريخية التي تروي سيرة العائلة المالكة البريطانية. في المقابل، ودّع Succession مشاهديه بشكلٍ أكثر إقناعاً؛ فبعد 5 سنوات على انطلاقتها عبر منصة HBO، انتهت ملحمة آل روي بموسمٍ رابع من 10 حلقات.

بعد 3 مواسم تَنافسَ خلالها ورثة إمبراطورية «وايستار رويكو» الإعلامية على السلطة، تفاقمت صراعات الإخوة في الموسم الأخير. فمع غياب والدهم الدراماتيكي، تتدحرج المملكة تدريجياً وتكثر المؤامرات بين الأشقاء، مما يؤدي إلى الخسارة الكبرى. وكما كان متوقَعاً، فإنّ أحداً من أولاده الأربعة يستطيع أن يحلّ مكان «لوغان روي»، فتذهب الترِكة إلى الصهر «توم وامبسغانز».

رغم بعض البطء الذي شاب انطلاقة الموسم الأخير، فإنّ رأي النقّاد لم يتبدّل؛ ما زال Succession أحد أذكى وأقوى الإنتاجات التلفزيونية على الإطلاق. وما قدّمته الحلقات الختاميّة من لحظات عائلية مؤثرة وعميقة، منح العمل مزيداً من القيمة ووصل بمنحنى الشخصيات إلى أقصى مدى.

الإخوة كيندال وشيف ورومان روي والمؤامرات المتواصلة في الموسم الأخير من Succession (HBO)

من لعبة فيديو إلى مسلسل

ما إن ودّعت منصة HBO رباعيّة Succession، حتى استقبلت عملاً ناجحاً آخر بعنوان «The Last of Us» (آخِرُنا). المسلسل الذي لاقى استحسان الجمهور والنقّاد، مقتبس من إحدى ألعاب الفيديو. تلاحق القصة المهرّب «جويل» الذي يتولّى مرافقة المراهِقة «إيللي» في رحلة هروبها من الولايات المتحدة الأميركية. الفتاة هي الناجية الوحيدة من جائحة تسببت بها عدوى فطرية دمّرت البلاد.

ما ميّزَ The Last of Us عن سواه من أعمال مشابهة، أنه أتقنَ الدمج ما بين الخيال والواقع، وبرع في تحويل لعبة فيديو إلى دراما تلفزيونية. هذا النجاح دفع بالقيّمين على المسلسل إلى تجديده لموسم ثانٍ من المرتقب عرضه خلال 2025.

قدّم الممثلان بيدرو باسكال وبيلا رامزي أداءً مميّزاً في The Last of Us (HBO)

ماذا في باقي نجاحات 2023 التلفزيونية؟

من بين المسلسلات الجديدة التي حصدت إعجاباً كبيراً وأعداد مشاهدات مرتفعة هذا العام، «Beef» (شكوى) الذي عرضت «نتفليكس» حلقاته العشر خلال شهر أبريل (نيسان). تركّز هذه الكوميديا الأميركية السوداء على خلاف يطرأ بين شخصَين على إثر حادث مرور، فتتفاقم الأمور باتّجاه سرديّة مسلّية وجذّابة وغريبة في آنٍ معاً.

تميّز مسلسل «Beef» بنصّه وإخراجه وأداء ممثّليه، إلى جانب موازنته بين الكوميديا، والمشاعر الإنسانية كفائض الغضب والصدمات النفسية، والقضايا المجتمعية كالفوارق الطبقيّة.

الممثلان ستيفن يون وآلي وونغ بطلا مسلسل Beef (نتفليكس)

لعلّ فرادةَ مسلسل «Reservation Dogs» وأحد أبرز أسباب نجاحه، أنه اخترق مجتمعاً، نادراً ما يُضاء عليه تلفزيونياً، وهو مجتمع السكّان الأصليين في أميركا الشمالية. على مدى 3 مواسم انطلق أوّلها عام 2021، لاحق المسلسل الذي عرضته منصة Hulu (هولو)، 4 مراهقين من السكّان الأصليين في ريف ولاية أوكلاهوما. يرتكبون الجرائم لجَني المال ويحلمون بالخروج من بيئتهم المعزولة.

في سابقة بتاريخ الدراما الأميركية، يتكوّن فريق المسلسل، كتّاباً ومخرجين وممثلين، من السكان الأصليين. وُصف موسمه الثالث والأخير الذي عُرض في سبتمبر 2023 بالتحفة الفنية، فأخذت الحكاية منحىً تصاعدياً ازداد غنىً واكتمالاً على مرور المواسم.

ملصق مسلسل Reservation Dogs الذي يضيء على حياة مراهقين من السكان الأميركيين الأصليين (إنستغرام)

بعد انطلاقة صفّق لها الجمهور والنقّاد في صيف 2022، استكمل مسلسل «The Bear» (الدبّ) رحلة نجاحه مع موسمٍ ثانٍ عرضته منصة «هولو» خلال هذا الصيف، على أن يُستكمل العرض مع موسم ثالث في 2024.

تمتزج الدراما العائلية ورحلة إنقاذ المطعم الصغير المتوارث بين الأشقّاء، من الفوضى وسوء الإدارة، بجاذبيّة عالم المطبخ وتحضير الطعام. وفي الموسم الثاني، يجد «الشيف كارمي» نفسه أمام تحدٍ جديد يقضي بتحويل محل ساندويتشات اللحم المتواضع إلى مطعمٍ راقٍ.

الممثلان جيريمي ألان وايت وآيو إديبيري في أحد مشاهد The Bear (Hulu)

بالعودة إلى نتفليكس وأبرز إنتاجاتها خلال 2023، فقد كان لافتاً الموسم الأول من «The Diplomat» (الدبلوماسيّة)، وهو مسلسل إثارة سياسي يمزج ما بين الدراما والكوميديا.

تدور القصة حول «كايت وايلر»، السفيرة الأميركية الجديدة لدى المملكة المتحدة، التي تحاول امتصاص آثار أزمة دبلوماسية ضخمة بين البلدَين، على إثر هجومٍ جويّ دامٍ. قدّمت الممثلة كيري راسل أداءً محترفاً، ومن المفترض أن يبصر موسم ثانٍ النورَ العام المقبل.

الممثلة الأميركية كيري راسل بطلة مسلسل The Diplomat (نتفليكس)

كما في حبكة القصة كذلك في واقع الحال؛ لا يبدو أنّ جنيفر أنيستون وريز ويثرسبون راغبتان في وداع الشاشة ولا مسلسل «The Morning Show»، الذي يواكب كواليس البرنامج الصباحي الأشهر في الولايات المتحدة.

بعد 3 مواسم عُرض آخرها في سبتمبر 2023 على منصة Apple TV+، أُعلن عن التجديد لموسم رابع. صحيح أنّ المسلسل الأميركي فقد جزءاً من بريقه في أحدث مواسمه، إلا أنّ القيّمين عليه ما زالوا يراهنون على القصة والبطلتَين.

لا يأتي هذا التمسّك بـ«The Morning Show» من دون تكاليف باهظة، إذ تبلغ ميزانية كل حلقة من المسلسل 15 مليون دولار، من ضمنها مليونان لكلٍ من أنيستون وويثرسبون عن الحلقة الواحدة.

جنيفر أنيستون وريز ويثرسبون نجمتا مسلسل The Morning Show

في طليعة مسلسلات «أمازون برايم» خلال 2023، «I’m a Virgo» (أنا من مواليد برج العذراء) الذي لفت الأنظار بحكايته الخارجة عن المألوف. ضمن حبكة كوميديّة، تروي الحلقات الـ7 قصة «كوتي» (19 عاماً)، الذي يبلغ طوله 4 أمتار.

رغم القالب المضحك، فإنه إنسانيّ ومؤثّر، ولا يخلو من الرسائل المباشرة التي تعرّي النظام الرأسمالي والمجتمع العنصري الظالم. هي رحلة «كوتي» الشائكة، من شابٍ معزول ومنبوذ يعاني التنمّر بسبب طوله الفارع، إلى إنسانٍ يحلم بالصداقة والحب وباستكشاف الهامبرغر والوجبات السريعة، مثله مثل أي شابٍ آخر.

I’m a Virgo مسلسل قصير من بطولة جاريل جيروم (أمازون)

كان لافتاً خلال هذا العام كذلك مسلسل «The Fall of the House of Usher» (سقوط منزل أشر) على «نتفليكس»، المرتكز إلى مجموعة من روايات إدغار آلان بو الخياليّة.


مقالات ذات صلة

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

يوميات الشرق «هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

بعد سلسلة الروايات والأفلام، يعود «هاري بوتر» بعد 20 عاماً ليدخل عالم المسلسلات ويقدّم نفسه للجيل الجديد. فهل يحقق النجاح المدوّي الذي حققه سابقاً؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

رسائل «مولانا» تسير بين السطور عبر سخرية خفيفة تبدو في ظاهرها لعباً لغوياً أو مزحة سريعة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
رياضة عالمية المباريات تمثل نحو 208 ساعات فقط من إجمالي 700 مخصصة للتغطية (شبكة تيليموندو)

شبكة «تيليموندو» ستبثّ 92 مباراة في «كأس العالم 2026»

أعلنت شبكة «تيليموندو» خطتها «الأكثر طموحاً» في تاريخها لتغطية «كأس العالم 2026»، مؤكدة أنها ستبثّ 92 مباراة من أصل 104 عبر قناتها الأرضية الرئيسية المفتوحة.

The Athletic (لوس أنجليس)
يوميات الشرق اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

وكأنّ سيناريو «بريدجرتون 4» كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع.

كريستين حبيب (بيروت)

«عين سحرية» و«نرجس» يتصدران مشاهدات مسلسلات رمضان

الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
TT

«عين سحرية» و«نرجس» يتصدران مشاهدات مسلسلات رمضان

الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «عين سحرية» (الشركة المنتجة)

أظهرت نتائج «استطلاع الرأي» الذي أجراه مركز «بحوث ودراسات الرأي العام» بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، تصدّر مسلسلي «عين سحرية»، المعروض في النصف الأول من موسم دراما رمضان، و«حكاية نرجس»، المعروض في النصف الثاني من الشهر، قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة هذا العام. ووفق بيان صحافي صادر عن الكلية، يهدف الاستطلاع إلى قياس تقييم الجمهور المصري لدراما رمضان 2026.

ويواصل المركز تقييم الأعمال الدرامية سنوياً، ويُعد هذا العام الرابع على التوالي في إطار الرصد الأكاديمي، تحت إشراف الدكتورة وسام نصر، عميدة الكلية، والدكتورة سحر مصطفى، مديرة المركز.

وحسب البيان، أُجري الاستطلاع خلال الفترة من 15 إلى 27 مارس (آذار) 2026، على عينة قوامها 1100 مشارك من مشاهدي دراما رمضان في مصر. وتصدّر مسلسل «عين سحرية»، بطولة عصام عمر وباسم سمرة، قائمة «أفضل مسلسل رمضاني» لعام 2026، تلاه «حكاية نرجس» بطولة ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي، ثم «صحاب الأرض» بطولة منة شلبي وإياد نصار، و«اثنين غيرنا» بطولة آسر ياسين ودينا الشربيني.

الملصق الترويجي لمسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وعلى صعيد الأعمال الفنية «الأكثر متابعة»، أظهرت نتائج الاستطلاع تصدّر مسلسل «حكاية نرجس» القائمة، يليه «الست موناليزا»، ثم «عين سحرية».

وأكدت الدكتورة ليلى عبد المجيد، العميدة الأسبق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن استطلاعات الرأي التي يجريها المركز لقياس اتجاهات الجمهور تجاه دراما رمضان تمثل «تقليداً إيجابياً» يسهم في دعم صناع القرار عند التخطيط للمواسم الدرامية المقبلة، لا سيما أنها تعكس تفضيلات الجمهور وذائقته.

وأضافت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المركز يعتمد على تمويل ذاتي كامل، ولا يتلقى دعماً من شركات الإنتاج، بما يضمن تجنب تضارب المصالح. وأشارت إلى أن الباحثين يعملون باستقلالية وموضوعية، وأن النتائج تعبّر عن شرائح متنوعة من الجمهور دون مجاملة أو تدخل.

من جانبها، أشادت الناقدة الفنية المصرية ماجدة خير الله بجهود المؤسسات التي أعلنت نتائج تقييم موسم رمضان 2026، موضحة أن هذه الدراسات، رغم أهميتها في التعبير عن توجهات شريحة من الجمهور وإفادتها لصناع الدراما، لا ينبغي أن تُقيد الجميع؛ إذ يظل التنوع عنصراً أساسياً، ويحتفظ الجمهور بحُرية اختيار ما يفضله.

وأرجعت ماجدة خير الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، تصدّر مسلسلات مثل «عين سحرية» و«حكاية نرجس» و«صحاب الأرض» إلى تنوع موضوعاتها، وجديّة معالجتها، إلى جانب عمق الطرح الدرامي، وتميّز الأداء التمثيلي لنجومها.

الملصق الترويجي لمسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

وترى الدكتورة وسام نصر، عميدة كلية الإعلام، أن نتائج استطلاع المركز تعكس وعياً مجتمعياً بالقضايا المطروحة، مشيرة إلى أهمية الدور البحثي والمجتمعي الذي يؤديه مركز «بحوث ودراسات الرأي العام» في رصد اتجاهات الجمهور المصري، وتحليل أنماط تعرضه، وتفاعله مع المحتوى الدرامي.

وأضافت، في البيان الصحافي، أن المركز سيواصل جهوده البحثية خلال الفترة المقبلة، بما يعزز دور الجامعة في خدمة المجتمع.

من جانبها، أوضحت الدكتورة سحر مصطفى، مديرة المركز، أن النتائج تمثل مؤشراً دقيقاً لاتجاهات الجمهور، لا سيما في تقييم أفضل المسلسلات، بما يوفر «قاعدة معلومات» مهمة يمكن أن تسهم في تطوير صناعة الدراما في المواسم المقبلة، وفق بيان الكلية.

وأكدت الدكتورة سارة فوزي، أستاذة الدعاية والإعلان بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، أن عينة الاستطلاع اتسمت بتنوع واضح من حيث العمر والمناطق والمستويين الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب النوع.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستطلاع شمل مختلف الأعمال الدرامية وصُنّاعها، حيث اختار الجمهور الأفضل دون أي توجيه، لافتة إلى أن النتائج أظهرت تنوع الذائقة الفنية لدى المصريين بين الدراما الوطنية، وقضايا المرأة، والتكنولوجيا، ومكافحة الجريمة، وسيادة القانون، وغيرها من الموضوعات الهادفة.

وشددت على أن الجهة القائمة على الاستطلاع محايدة وغير ربحية، مؤكدة أن نتائجه تمثل مرجعاً موثوقاً به يمكن أن يستند إليه صُنّاع الدراما في تحديد توجهات الجمهور خلال المواسم المقبلة.


رحيل «فاطمة كشري» أشهر كومبارس بالسينما المصرية يجدد سيرة «مظاليم الفن»

فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
TT

رحيل «فاطمة كشري» أشهر كومبارس بالسينما المصرية يجدد سيرة «مظاليم الفن»

فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)
فاطمة كشري في أحد البرامج التلفزيونية (يوتيوب)

عادت سيرة «مظاليم الفن» إلى الواجهة، مع وفاة الفنانة فاطمة السيد عوض الشهيرة باسم «فاطمة كشري»، الأحد، عن عمر ناهز 68 عاماً، التي وصفت بأنها من أشهر الكومبارسات في السينما المصرية، وجاء رحيلها بعد معاناة مع المرض نتيجة إجرائها عملية جراحية، ورغم أدوارها المحدودة، فإنها تركت بصمة في ذاكرة المشاهدين.

وتصدر اسم «فاطمة كشري» قوائم «الترند» على منصة «غوغل» بمصر، الاثنين مع إعلان خبر رحيلها. ومع إبراز قنوات تلفزيونية خبر وفاتها استعاد كثير من مستخدمي «السوشيال ميديا» أدوارها في السينما منذ مشاركتها في فيلم «صراع الأحفاد» عام 1989، وحتى أدوارها في أفلام «بوحة» و«أحلى الأوقات» و«جواز بقرار جمهوري».

وعرفت الفنانة الراحلة بتجسيدها شخصية «بنت البلد» في أدوار قدمتها سواء عن طريق كومبارس صامت أو بجمل قليلة في بعض الأعمال السينمائية والدرامية، ونظراً لشهرتها استضافتها مجموعة من البرامج التلفزيونية تحدثت خلالها عن الأعمال التي شاركت فيها والفنانين الذين اقتربت منهم، وعن سيرتها الشخصية وتسميتها «فاطمة كشري» نسبة لعملها على عربة كشري مع زوجها قبل أن تتجه للفن، وهي السيارة التي عادت للعمل عليها في نهاية حياتها بعد تقليص حضورها في المجال الفني، وفق تقارير إعلامية محلية.

الفنانة الراحلة تتحدث عن حياتها في أكثر من برنامج (يوتيوب)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين أن الوسط الفني المصري به مشكلة كبيرة فيما يخص الاهتمام بأصحاب الأدوار الثانوية، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المشكلة تجددت اليوم مع وفاة فاطمة كشري التي توصف بأنها أشهر كومبارس، لكن هذا يعيدنا إلى شخصية أخرى هي فايزة عبد الجواد، السيدة السمراء التي كانت تظهر في أدوار رئيسة العصابة أو ما شابه، ومطاوع عويس وحسن كفتة، وهي مجموعة من الكومبارس عاشوا مع السينما ما يقرب من 50 سنة، لكن للأسف يتعرضون لنهاية سيئة، بسبب النسيان والتهميش رغم عملهم في أهم الأفلام».

وتعد فايزة عبد الجواد (1940 - 2016) من أشهر من عمل أدواراً ثانوية في السينما المصرية، وقد اكتشفها الفنان رشدي أباظة أثناء تصوير فيلم «تمر حنة»، حيث كانت من سكان المنطقة التي يتم فيها تصوير الفيلم، ولعبت أدواراً مهمة في أفلام مثل «هنا القاهرة»، و«بكيزة وزغلول» و«القضية 85 جنايات».

فايزة عبد الجواد (موقع السينما دوت كوم)

ويتابع سعد الدين: «المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف كان يوزع الأدوار ويطلب بالاسم ويقول مطاوع عويس يؤدي هذا المشهد، كان يختارهم بالاسم، وفاطمة كشري ينطبق عليها الأمر أيضاً، مثل هؤلاء معروف لصناع السينما، لكن ليس لهم مكان يحميهم، لا نقابة، ولا رعاية صحية، ولا خدمات تقدم لهم، وقد أثرنا هذا الموضوع عام 2008 ولكن للأسف لم نصل لشيء، والنقيب أشرف زكي أشار إلى قانون النقابة الذي يشترط حصول عضو النقابة على شهادة على الأقل (الثانوية العامة)، وهؤلاء معظمهم لم يكملوا تعليمهم».

ولفت الناقد الفني إلى أن «الكومبارس عددهم كبير للغاية، ولكنهم مهمشون، وليس لهم مكان في الهيكل الإداري لصناعة الفن، وهي مشكلة كبيرة نتحدث عنها منذ فترة طويلة، وطالبنا بتنظيم رابطة لهم أو نقابة لكن دون جدوى»، وتابع: «وفاة فاطمة كشري بصفتها واحدة من أشهر الكومبارسات في الوقت الحالي أعادت تلك القضية للواجهة، لكن يجب أن ننظر إلى هذه الفئة بطريقة تضمن لها حياة كريمة، حيث لا يجوز أن يصل بعضهم إلى سن السبعين ولا يجد عملاً أو دخلاً يعينه على الحياة».

وقدمت «فاطمة كشري» مجموعة من الأدوار في السينما والتلفزيون، من بينها أفلام «صابر وراضي»، و«محمد حسين»، و«ضغط عالي»، فيما قدمت في التلفزيون مسلسلات، من بينها «ونوس»، و«راس الغول»، و«نيللي وشيريهان».

الفنانة فاطمة كشري في أحد الأفلام (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «حالة الحزن على الفنانة (فاطمة كشري) التي ظهرت بشكل واسع على (السوشيال ميديا) تؤكد أن الفنان بصرف النظر عن مساحة ظهوره على الشاشة، يشعر الجمهور بهذا الفن وبموهبته»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «من أسباب شهرة (فاطمة) طريقتها التلقائية في التعبير وهو ما ظهر في حواراتها التلفزيونية، ولا شك أن الجمهور عادة ما ينصف هؤلاء المظاليم عندما يودعهم بشكل لائق».

وبينما يصف الناقد الفني، أحمد السماحي، الكومبارس بأنهم «ملح الأرض في السينما المصرية»، إلا أنه أرجع «الاهتمام الكبير برحيل فاطمة كشري وتصدرها (الترند) إلى أن الساحة الفنية فارغة هذه الأيام، وبالتالي لم يجد مرتادو ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي شيئاً بخلاف خبر رحيل (فاطمة كشري)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فاطمة كشري كان لها تاريخ في السينما المصرية لظهورها المتكرر في كثير من الأفلام والمسلسلات، لكنها تشبه مئات أو آلاف الكومبارس الذين مروا بتاريخ السينما المصرية»، ولفت إلى أسماء أخرى كان لهم حضور مؤثر مثل الأخوين عبد المنعم وحسين إسماعيل وغير ذلك.


الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
TT

الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)
رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)

في لحظة ثقافية تتقاطع فيها أسئلة الهوية مع رهانات المستقبل، يفتح المعهد الملكي للفنون التقليدية (وِرث) نافذة جديدة على أحد أكثر الفنون حساسية، وتعقيداً: «الأداء الحركي» ليس مجرد رقصة، أو استعراض، بل يعد خطاباً بصرياً يحمل في طياته تاريخ المكان، وإيقاع الإنسان، وذاكرة الجماعة. ومن هذا الأفق يأتي إعلان «دبلوم متوسط في تصميم الأداء الحركي»، والذي يُقدِّم لأول مرة في المملكة مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والتراث، وبين الحركة والمعنى.

من الفنون الشعبية إلى المختبرات الإبداعية

في المملكة لم تكن الفنون الأدائية يوماً مجرد ترف جمالي، بل كانت، كما تكشف التجارب التاريخية، أداةً للتعبير عن التحولات الاجتماعية، ومرآةً للبيئات المختلفة، من السواحل إلى الجبال. وهذه الفنون، التي توارثتها الأجيال شفهياً وحركياً، تحمل شفرات ثقافية دقيقة تتجلَّى في الإيقاع، واللباس، وحتى في ترتيب الصفوف أثناء الأداء.

رقصة شعبية على إيقاع الطبول تعكس تنوع الفنون الأدائية في السعودية (ورث)

من «العرضة» التي وُلدت من رحم المعارك، إلى «السامري» الذي يهمس بقصص الغزل، ومن «الخطوة» الجنوبية إلى «الدحة» الشمالية، يتشكل أرشيف حي من الحركات التي لا تُقرأ بالكلمات، بل تُفهم عبر الجسد نفسه. وهنا تحديداً يأتي الدبلوم الجديد ليحوِّل هذا الإرث من حالة التلقي إلى فضاء التحليل والإبداع.

برنامج يعيد صياغة العلاقة بين التراث والحداثة

يمتد البرنامج لعامين دراسيين (أربعة فصول)، ويُقدَّم حضورياً في مقر المعهد بحي الفوطة في الرياض، ضمن جدول صباحي، وبشكل مجاني للمواطنين السعوديين، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو دعم الثقافة، وإتاحتها.

لكن الأهم ليس في المدة، أو الشكل، بل في الفلسفة التي يقوم عليها البرنامج؛ إذ يهدف إلى صقل مخيلة الطلاب ليصبحوا مصممين حركيين قادرين على إنتاج أعمال أدائية معاصرة، دون أن يفقدوا صلتهم بالجذور.

المقررات لا تكتفي بتعليم تقنيات الحركة، بل تتجاوز ذلك إلى: تحليل الأساليب التقليدية والمعاصرة، وفهم الخصائص الثقافية للفنون الأدائية السعودية، والدمج بين الارتجال والتجريب والبناء الحركي المدروس، وإنتاج عروض مسرحية متكاملة ضمن فرق فنية.

وهي مقاربة تعليمية تجمع بين النظرية والتطبيق، وبين المختبر والركح، والتراث بوصفه مادةً، والفن بوصفه ممارسةً.

الجسد بوصفه أرشيفاً حياً

رقصة شعبية تعكس تراث المناطق الساحلية في السعودية (ورث)

ما يميز هذا التوجه أنه يتعامل مع الجسد بوصفه وعاء للذاكرة، لا أداة فقط. فكل حركة، كما يشير الباحثون في الفنون الأدائية، تحمل دلالة اجتماعية وثقافية، ويمكن قراءتها بوصفها وثيقة غير مكتوبة عن المجتمع.

في الفنون التقليدية السعودية، تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ تعكس طريقة الاصطفاف في العرضة قيم التلاحم، في حين تكشف الإيقاعات البحرية عن علاقة الإنسان بالبحر، وتحكي الأزياء تفاصيل البيئة، والاقتصاد، وأنماط الحياة.

من هنا، يصبح «تصميم الأداء الحركي» عملية إعادة قراءة لهذا الأرشيف، ثم إعادة كتابته بلغة معاصرة.

صناعة جيل جديد من المصممين الحركيين

لا يقتصر طموح البرنامج على التعليم، بل يتجاوزه إلى بناء جيل جديد من «المصممين الحركيين»، وهو تخصص لا يزال في طور التشكل محلياً، يكونون قادرين على ابتكار عروض أدائية حديثة، وتوظيف التراث في سياقات معاصرة، ودعم المشهد الثقافي بعروض تجمع بين الأصالة والابتكار. وهي أهداف تتقاطع مع التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الثقافي في المملكة، حيث تتزايد الحاجة إلى كوادر قادرة على إنتاج محتوى فني يعكس الهوية، ويواكب في الوقت نفسه المعايير العالمية.

ما بين الذاكرة والمستقبل

في النهاية، لا يمكن قراءة هذا الدبلوم بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المملكة ثقافياً؛ إذ لم يعد التراث مجرد مادة للحفظ، بل أصبح مادة للإنتاج، ومصدراً للإلهام، ومنطلقاً لصناعات إبداعية جديدة.

وبينما كانت الفنون الأدائية في الماضي تُنقل من ساحة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل، ها هي اليوم تدخل قاعات الدرس، لتُدرَّس، وتُحلَّل، وتُعاد صياغتها.

إنه انتقال من «الأداء بوصفه ممارسة» إلى «الأداء بوصفه معرفة»، ومن الحركة بوصفها عادةً، إلى الحركة بوصفها علماً وفناً في آنٍ واحد.