تحمل علاقة الأم بابنتها مشاعر وأحاسيس كثيرة منذ «الحبل السري» الذي يقطع بينهما عند الولادة. وتبقى الأم بالنسبة لابنتها مثالها الأعلى. علاقة وثيقة تترسخ بسبب الانتماء إلى جنس واحد، وتزداد تألقاً مع الزمن.
كل هذه المشاعر يكتشفها زائر معرض منى وهالة دبجي في غاليري «ميشن آرت» في منطقة مار مخايل البيروتية العريقة، يتوقف لبرهات طويلة أمام لوحات الأم منى، التي وزعتها في أرجاء المعرض تحت عنوان «الجوكندا والديك». فيما تأخذه أعمال الابنة هالة إلى «لغة الإشارات» وعالم التواصل بعيداً عن اللغة المحكية.

نادراً ما نصادف معرضاً فنياً واحداً يجمع تحت سقفه موهبة أم وابنتها. فلوحاتهما تقف مقابل بعضها بعضاً، كل منها على جدران خاصة بها. وبموضوعات متناقضة تحاولان أن ترويا تجارب حياتهما.
تتأمل بلوحات منى دبجي، التي تحكي فيها عن المرأة «الجندي المجهول». فقد حان وقت تقاعدها عن العمل. ولذلك رسمتها متعبة ولكنها تحتفظ بإشراقة وجهها. وفي المقلب الآخر من المعرض في لوحات الابنة هالة، بحث دقيق في لغة التواصل. الطبيعة تسودها والهدوء يخيم عليها، مما يفرض عليك دقائق صمت طويلة لتستكشفها.

تحضر المرأة البقاعية في اللوحات الزيتية لمنى دبجي. فهي تعرفت إليها عن قرب بفضل زوجها من بلدة القرعون، «لقد لفتتني تلك النسوة اللاتي يعملن بجهد في الأرض. يزرعن ويقطفن الحصاد ومن ثمّ يقمن بواجباتهن المنزلية من دون أي اعتراض».
رغبت منى في التعرف إلى تلك النسوة عن قرب لتقف على حالتهن الاجتماعية في الواقع، «إنهن صلبات وقويات وفرحات، يتركن عند من يلتقي بهن إيجابية كبيرة. لقد عملن بجهد، وسبق ورسمتُهن يعملن في الأرض. واليوم رغبت في تقديمهن ضمن إطار مختلف. لقد أصبحن في سن التقاعد الذي سمح لهن بأخذ قسط من الراحة. يجلسن مكتوفات الأيدي لا عمل زراعياً يقمن به، ويكسر رتابة يومياتهن حضور الرجل الديك؛ فهو لا يتقبل استراحة المحارب التي يمضونها اليوم. يتدخل في كل شاردة وواردة عندهن ويحشر نفسه في أي عمل منزلي يقمن به».
وبالفعل تصور منى «الرجل الديك» يحيط بالمرأة البقاعية. نراه مرات يقف فوق رأسها وفي أخرى «يناقرها». وفي لوحات ثانية نراه يحشر أنفه في «طنجرة الأكل» كي يعرف نوع الطعام الذي تحضره. وتوضح منى: «أصور المرأة البقاعية كما أعرفها تماماً، تستند إلى أريكة مزركشة الألوان وتربط (القمطة) على رأسها، وبأزيائها الريفية رغبت في التعريف بها مزارعة أنيقة».
تقول منى إنها نقلت أدق التفاصيل عن المرأة الريفية في لوحاتها؛ «أحب هذه التفاصيل التي تطالعك في كل لوحة لتبني موضوعها بوضوح. فهي تروي لناظرها قصص حياة بأسلوب سهل».
سبق وأقامت منى دبجي معارض عديدة تناولت فيها وسط بيروت والمرأة في الريف. في معرضها الجديد «الجوكندا والديك» تنقل متابعها إلى محطة فنية جديدة. «إنها كمن يروي تكملة قصص نساء سبق وتناولت حياتهن بطريقة أخرى».

لم تحصر منى موضوعات لوحاتها المعروضة بالمرأة القروية، بل وضعت مجموعة نساء من المدينة إلى جانبها، مستلقيات على الأريكة يهتممن بجمالهن وأناقتهن يعشن فترة تقاعدها بأسلوب آخر. أما ما يجمع بين المرأتين فهو عصفور تحمله في يدها، «هو يرمز إلى مثل قديم نعرفه في لبنان ونردده دائماً: (عصفور باليد ولا 10 على الشجرة). فالمرأة في الريف أو في المدينة صورتها تتّسم بالقناعة، ولو بقيت وحيدة في نهاية المطاف، فهي تعرف كيف تتدبر أمور حياتها».
عالم آخر ومغاير تماماً، تنقلك إليه لوحات الابنة هالة دبجي. وعلى لوحات مشغولة بتقنية الأكليريك وذات مساحات واسعة تتناول موضوع التواصل وعنه تقول: «هنا التواصل لا يحدث باللغة المحكية التي نعرفها، فتغلب لغة اللمس والإشارات عليها لأن لليدين لغة خاصة بهما، وأضفت الطبيعة إليها كي أبرز مكانتها منذ الوجود. ولذلك ركنت أحياناً إلى تقنية الأكواريل المرسوم على القماش كي يبدو أكثر تناسقاً».
تقول هالة إنها عندما ترسم لا تتحكم بها أفكار مسبقة، «كل ما ترينه في لوحاتي هو وليد اللحظة. وبها الكثير من العفوية والوضوح والهدوء والأبيض يسودها».
لماذا الأبيض؟ ترد: «لأنه يمثل الضوء الذي يُنير أيامنا، ولغة الإشارات يمكنها أن تفتح عندنا آفاقاً فكرية نحتاجها. فحركات يدينا تترجم مشاعرنا ونوايانا تلقائياً، ومن دون أن نقصد ذلك. إنها بمثابة أداة تمثل جزءاً لا يتجزأ من تركيبتنا الإنسانية».
في لوحات هالة تُحلّق اللغة لتتبلور في ملامح وجوه وأيادٍ تطوف حولها. أصابع يد عطوفة تحتضن رأس كلب وتطبطب عليه، فيما تتشابك مرات أخرى من باب رمزية التفكير أو التأنيب والقلق.







