معتز عزايزة... ويلاتُ غزة أبعد من «محتوى للمشاركة»

اختير «رجل العام» لصناعته التغيير «الحقيقي والهادف»

معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)
معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)
TT

معتز عزايزة... ويلاتُ غزة أبعد من «محتوى للمشاركة»

معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)
معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)

ليس استسلاماً إعلانُ المصوّر الفلسطيني معتز عزايزة نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة، وبداية مرحلة المحاولة للنجاة. أراد القول إنّ الجحيم في الذروة، والحياة تتعذّر بهذا الشكل. أمام ما يزيد على 17 مليون متابع في «إنستغرام»، يرفض تحوُّل المأساة الفلسطينية مجرّد محتوى للمشاركة، ثم تتوالى الأيام من دون أن يتغيّر شيء. وهو باتّخاذه الفيديو وسيلة ضغط يُخبر العالم أنّ الوضع لم يعد يُطاق، ويخاطبه لوقف المقتلة. القصف هستيري والمجازر تتفاقم، ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يسير الشاب بين الخراب، بكاميرته وخوذته وسترته المُعرِّفة عن مهنة الأوجاع. بكلمة «PRESS» بالأحرف العريضة، والجرأة والشجاعة، ينقل آلام شعبه؛ وقد طالته بخسارة أحبّة، وهدّدت حياته، وحوّلته شاهداً على جنازات.

المصوّر الصحافي الفلسطيني معتز عزايزة (حسابه الشخصي)

هذه الجنازات تقيم فيه، فهو ابن تداعيات الفظاعة المتمادية، بوقاحتها ولؤمها ونيلها من الأطفال والنساء. فوق ركام المنازل المُسوّاة بالأرض، والشوارع المُعرَّضة للمحو، وعلى مقربة من الأشلاء والجثث، وبينما يُهدَّد بسلامته وعائلته؛ يواصل توثيق القهر، والتقاط صدمة الصورة. يتوجّه معتز عزايزة بوسائل الخطاب الحديث ويتيح المجال لبلوغ الصوت «الفضاء الآخر»، فيتلقّفه الغرب. بالفيديو، و«الستوري»، و«البوست»، يُجسّد ما يلتقطه بعين حزينة، وقلب مشرَّع على النزف، مُتعمِّداً مشاركته على الملأ. أمام العالم. على «مسافة صفر» من الضمير الكوني، لهزّه، وإيقاظه من سباته.

الكاميرا هنا في قمة حضورها، فتحتفظ بما تخزّنه الذاكرة البشرية على هيئة «تروما»، من أجل مشاركته لعالم بائس، يفقد صدقيته أمام طفل يرتعد، وإنسانيته أمام ازرقاق أطرافه المحبوسة دماؤها، وعينيه الباكيتين.

من فيديوهاته الأخيرة، قوله بصراحة المتألمين: «حتى الحيوانات يجب أن تحتجّ لوقف قتلنا». كلما أطلق نداء، انتشر على الفور، وملأ المواقع والمنصات. بوجه مُتعب، وملامح منقبضة، أطلّ يطلب المساعدة، ويحضّ على رفض كفّ الأيدي، بعد أكثر من شهرين على قتل شعبه. لمزيد من التأثير، شمل الحيوانات أسوة بالآدميين، فكل ما يسير على الأرض مُطالب بوقف المجازر ومحاسبة المرتكبين.

«إنستغرام» صوتُه الذي يريده عالياً ولا يُساوِم على إسكاته، وإن هُدَّد ووثَّق التهديدات؛ وضميرُه الذي يؤكد صحوته، ونداؤه من أجل الحياة المُستَحقة لشعبه الصلب. يصبح الإعلام الحديث فرصة للتأثير الأقصى، ولِما لا يُحرّكه بهذا الشكل أي منبر آخر، لمحدوديته واقتصاره على محيط ضيّق. «إنستغرام» عزايزة مسرحُه المفتوح على ذروة التفاعل، وقمم التعاطف الإنساني مع مآسي أمّة. هو منبر المرحلة الصعبة، والصرخة المُراد لها أن تُدوّي.

بذلك، يصبح عزايزة المولود عام 1999 في مدينة دير البلح بقطاع غزة، عَوَض الأصوات المخفيّة. كأنّ ما لا يخرج من الحناجر الأخرى، لفرط التضييق والحصار وكثافة الفجائع، يمنحه بـ«إنستغرامه» (وكاميرته) حقّه في التجلّي، ويتيح له ممارسة حرّيته. فهو بامتلاكه المنبر، وبقدرته على التأثير، وبإتقانه اللغة الإنجليزية، يوصل ما لا يصل بهذه السرعة. يُخبر العالم أنّ شعبه يُباد، ويقدّم الأدلّة. كاميرتُه صوتُ مَن يخفت أنينهم تحت الأنقاض وتستحيل نجاتهم. ومَن يبحثون عن أكفان لستر الطفولة المقتولة، ولا يجدون، فيستنجدون بأكياس تتحايل على حرمة الموت. من أجلهم، يُصوّر. ومن أجل الأحياء حتى إشعار آخر، والمغدورين بلحظة، بين الهدنة واستئناف الحرب، والتائهين في الوحشة والعراء.

من عمق الدمار يلتقط معتز عزايزة ما يتبقّى (حسابه الشخصي)

اختارته مجلة «جي كيو» الشرق الأوسط «رجل العام». رأت فيه «التغيير الحقيقي والهادف»، ورمز الصمود وتجسيد الأمل. للشجاعة الإنسانية أشكال، منها اقتحام خطّ الوسط. لا الأطراف ولا الجهة المقابلة. في المنتصف تماماً، حيث يكمن الخطر وتتربّص الاحتمالات القاسية. هذه خياراته، ولم يتوانَ. الإقدام نصفُ الجولة، بصرف النظر عن إمكان حسمها. تصويره الدمار في أوجه، والموت في أشدّه مرارة، هو ما يفعله التوّاقون إلى عدالة، فيحاولون السعي باتجاهها، وإن أدركوا رخاوتها وفظاعة الانحياز.

مجلة «جي كيو» الشرق الأوسط تختار معتز عزايزة «رجل العام» (مواقع التواصل)

يشتدّ الحِمْل، فلا يَسرُّ المرء كسبه الألقاب وخطفه الأنظار. يصبح بعضاً من آلام الجماعة وتخبُّط إنسانها، علماً بأنّ عزايزة فَقَد أقارب وودَّع إلى المثوى الأخير أفرادَ عائلة. وحين اختارت مجلة «تايم» إحدى صوره ضمن قائمة أفضل 100 صورة لعام 2023، شكر الودّ، وأعلن عدم القدرة على الاستمتاع بالإنجاز. فالفتاة العالقة تحت الأنقاض، بعد قصف إسرائيلي لمخيّم النصيرات للاجئين، نادت كاميرته لتوثيق عراك الوجود والفناء في داخلها. استجاب وصوَّر، فانتشرت الصورة وأثّرت، واختيرت من بين الأفضل، ليجد صاحبها أنّ شيئاً لم يعد قيّماً أمام المقتلة، ولا تنفع سوى محاولة البقاء على قيد الحياة.

وأمام اختيار «تايم» أيضاً، نجمة البوب الأميركية تايلور سويفت «شخصية العام 2023»، وإفراد صورتها على غلافها، احتجّ كثيرون، وأجروا المقارنات. فأيام الغزو الروسي لأوكرانيا، سارعت المجلة إلى اختيار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي ليسكن غلافها بصفته «شخصية العام»، والأمر حيال فلسطين اختلف بما يُعَدّ ازدواجية معايير، ويُتَهم بالنفاق.

معتز عزايزة يحتال على الموت بخوذة وسترة (حسابه الشخصي)

«انتهت مرحلة المخاطرة لنقل الصورة، وبدأت مرحلة المحاولة للنجاة». هذه الكلماتُ أوجاعٌ. يتوجّه معتز عزايزة إلى العالم ليُخبره بأنه فعل ما يستطيع. «لقد نقلتُ بما فيه الكفاية»، يشارك الحسرات، ويوجّه الأصابع نحو الدبابات الإسرائيلية المتوغّلة في الشمال والجنوب، ونحو استحالة الاتجاه إلى أي مكان؛ فقد ضاق الحيِّز، وعمَّ الاختناق، ولم يُبقِ الحصار مجالاً لالتقاط نَفَس. بإمكان كلمتين اختصار الحال، يقولهما بلوعة: «وضعنا مأساوي»، ويُكمل أنّ فلسطين وشعبها ليسا محتوى للمشاركة، فالبلاد محتلّة، والشعب يُقتل، وبعض محاولاته لئلا يُمحى من الوجود مصيرها الخيبات.

من منبره «الإنستغرامي»، وأمام الملايين، يواجه العجز حيال الأهوال: «لم يفعل أحدٌ شيئاً. الناس يشاركون صوري، أما المنشور التالي على حساباتهم فهو الاستمتاع بأوقاتهم. لا حاجة لمشاركة أي شيء. لا نريد شفقة أحد». قد يتراءى أنّ النزفَ هو الخارجُ بهذا العتب. لا اليد التي تكتب ولا اللسان الذي ينطق، بل ما ينكسر في الأعماق، وما يتهشّم في الروح، وطعم اللوعة العالق في الحنجرة. «لا حاجة لمشاركة أي شيء»، نوعٌ من «أيها العالم، لا تكفَّ عن المشاركة. لا تَعتَد. لا تجعل المشهد مألوفاً. شارك أيها العالم ما أصوّره. شاركه ولا تيأس، فلا بدّ من فجر بعد عتمة، وولادة بعد صرخة».

من فوق ما يتبقّى من منازل، وبجانب المقابر الجماعية وارتجاف الأطفال، يرتدي شاب من فلسطين سترة الصحافة، يحتال على الموت بخوذة، ويُصوِّر. صوره ضميره.


مقالات ذات صلة

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

«الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية- رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

تواصل حركة «حماس» إجراء مشاورات داخلية، ومع الفصائل الفلسطينية، بشأن مصير السلاح في قطاع غزة الذي تنص خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نزعه بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يقف بجوار مركبات عسكرية بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة 1 مايو 2024 (رويترز)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد لواء شمال غزة في منظومة «حماس» البحرية

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وجهاز الشاباك قضيا، يوم الاثنين، على قائد لواء شمال قطاع غزة في المنظومة البحرية التابعة لحركة «حماس» يونس محمد حسين عليان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طائرة تحلق وسط تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على بيروت في 17 مارس 2026 (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة: التهديدات الإسرائيلية للبنان بمصير يشبه غزة «غير مقبولة»

عدّت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الثلاثاء، تصريحات وزير إسرائيلي من اليمين المتطرف «غير مقبولة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
TT

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

يرحل أحمد قعبور وتبقى سيرته قابلة لقراءة تتجاوز تعداد الأعمال إلى تأمُّل معنى حضوره في لحظة عربية كثيفة التحوّلات. خبر وفاته بعد قسوة المرض، يُعيد وضع اسمه في سياق جيل حمل الأغنية إلى مساحة أبعد من الاستهلاك الفنّي، وجعل منها أداة تماسّ مع الواقع وأسئلته.

صوته لم يكن أعلى من الواقع... ربما كان أصدق منه (أ.ف.ب)

تبدو تجربة قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة. الأغنية عنده شكَّلت انعكاساً مباشراً لهذا الواقع ومحاولة لإعادة صياغته بلغة أكبر قدرةً على البقاء. اكتسب حضوره طابعاً خاصاً داخل جيله؛ إذ انشغل ببناء علاقة بالمتلقّي تبحث عن المعنى في تفاصيل تفلت غالباً من الخطابات الكبيرة.

وُلد في بيروت عام 1955، في زمن كانت فيه المدينة تعيش تأرجحها بين حداثة مُتعثّرة وتاريخ مُثقل بالصراعات. في تلك البيئة، تشكَّلت حساسيته الفنّية متأثرةً بالمسرح وبالمناخ الثقافي الذي كان يرى في الفنّ امتداداً للشأن العام. منذ بداياته، اتّجه صوته نحو الإنسان في لحظاته الصعبة، لا نحو الصورة اللامعة للفنان، فصار هذا الصوت توثيقاً للحدث ومرافقاً له، يُوازيه من دون أن يعلو عليه.

كان يغنّي كما لو أنّ واحداً فقط يستمع... فاستمع الجميع (مواقع التواصل)

انحيازه إلى القضية الفلسطينية شكَّل أحد مفاتيح فَهْم تجربته. لم يأتِ هذا الانحياز على هيئة موقف طارئ، فقد مثَّل جزءاً من وعي تشكَّل مع جيله، حيث التقت الأغنية بالنصّ الشعري والسياق السياسي. هذا ما يُفسِّر علاقته بنصوص الشاعر توفيق زيّاد التي شكَّلت مدخلاً إلى صياغة خطاب فنّي يتجنَّب المُباشرة ويبحث عن أثر أعمق في المتلقّي.

كان يقترب من الكلمات... فتقترب منا (مواقع التواصل)

«أناديكم» هي الأغنية الألصق باسمه؛ لاختصارها إلى حدّ بعيد ملامح مشروعه. هذا العمل يشتغل على تحويل النداء إلى مساحة مشتركة. التكرار فيه يعمل مثل آلية تثبيتٍ لمعنى التضامن، حيث يتحوّل الصوت الفردي إلى ما يُشبه الجماعة. ومع الوقت، خرجت «أناديكم» من إطارها الأصلي لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية، تُستعاد في سياقات مختلفة وتُحمَّل في كلّ مرّة دلالات جديدة.

في «يا رايح صوب بلادي»، يتقدَّم الغياب ليصبح موضوعاً آخر من موضوعات أحمد قعبور المركزية. فالخطاب في الأغنية يعمل على تقليص المسافة رمزياً. «الرايح» يُستدعى ليحمل معه صورة المكان إلى حيث هو، لعلَّه يُعاد توزيع الذاكرة بين مَن بقي ومَن غادر. في هذا التبادل، تتخفَّف فكرة الغياب من بُعدها النهائي وتتحوَّل حالةً قابلة للمُشاركة يتقاسمها الأفراد على اختلاف مواقعهم.

هذا البناء يمنحها أثراً إنسانياً يتجاوز سياقها المباشر. فهي تتوجَّه إلى كلّ مَن عرف معنى الابتعاد القسري أو الاختياري، وكلّ مَن اضطرّ إلى إعادة تعريف علاقته بالمكان من خلال التذكُّر. بذلك، تصبح الكلمات وسيطاً لإبقاء الرابط قائماً، عبر إعادة صياغته في الوعي وتثبيته ليكون جزءاً من الهوية الشخصية والجماعية.

تميَّز أحمد قعبور بأسلوب موسيقي يقوم على الحدّ الأدنى من العناصر، وعلى مكانة خاصة للعود، وصوت يقترب من النبرة اليومية. خيار جمالي أسهم في بناء علاقة مختلفة بالجمهور، وعبَّر في الوقت نفسه عن تواضع شخصي تجلَّى في ابتعاده عن الزخرفة والاكتفاء بما يخدم المعنى.

وإلى جانب مسيرته الفنّية، مرَّ بتجربة إعلامية من خلال عمله في «تلفزيون المستقبل»، مُقدِّماً برامج ذات طابع ثقافي شعبي، حافظ فيها على اهتمامه بالمحتوى الذي يربط الفنّ بالسياق الاجتماعي. أضاء هذا المسار الموازي جانباً آخر من شخصيته، فبدا أقرب إلى المُراقب الذي يقرأ المشهد بقدر ما يُشارك فيه.

وقدَّم أعمالاً أخرى مثل «بيروت يا بيروت» و«بيروت زهرة»، واصل فيها اشتغاله على ثيمات الخراب والنجاة. وإنما حضوره بقي مرتبطاً في الوعي العام بأعمال بعينها تحوَّلت إلى علامات.

أحمد قعبور جزء من زمن كامل حيث كانت الأغنية تطرح الأسئلة وتُعبّر عن المشاعر. تبقت من تجربته مجموعةُ أعمال، وأيضاً طريقةٌ في النظر إلى الفنّ ترى فيه مساحة للمعنى. «أناديكم» و«يا رايح صوب بلادي» وجماليات أخرى، تستمرّ في التداول؛ شاهدةً على صوت اختار أن يُخفّف حدّة الزمن ويترك أثره حيث يمكن للذاكرة أن تحتفظ به طويلاً.


نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
TT

نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

ينفرد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في حفل افتتاح دورته الـ15 خلال الفترة من 29 مارس (آذار) الحالي حتى 4 أبريل (نيسان) المقبل بعرض نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للمخرج الراحل يوسف شاهين الذي يحتفي المهرجان بمئوية ميلاده عبر فعاليات عدة؛ حيث تحمل هذه الدورة اسمه، وتقام تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية».

«النيل والحياة» هو فيلم درامي تاريخي من بطولة صلاح ذو الفقار، وعماد حمدي، ومديحة سالم، وسيف عبد الرحمن، إلى جانب الممثلين السوفياتيين إيجور فلاديميروف وفلاديمير إيفاشوف. وضع موسيقاه آرام خاتشاتوريان، وهو إنتاج مشترك بين «المؤسسة العامة للسينما في مصر» والاتحاد السوفياتي آنذاك، فيما أُسندت مهمة الإخراج إلى يوسف شاهين.

ويطرح الفيلم صورة للمجتمع المصري وتفاعله مع مشروع بناء السد العالي، كما يعكس صورة للتعاون الذي جرى بين العمال المصريين والسوفياتيين مع بدء بناء السد.

وكانت المؤسسة العامة قد رفضت الفيلم بعد تصويره كما لاقى اعتراضاً من الجانب السوفياتي، وطلب شاهين إخراج فيلم آخر عن الموضوع نفسه، وهو فيلم «الناس والنيل» الذي صدر 1972.

وأكد المنتج جابي خوري، نجل شقيقة المخرج الراحل يوسف شاهين، أن الفيلم لم يسبق عرضه في مصر، وكشف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن أن نسخة فيلم «النيل والحياة» كانت أول نسخة من الفيلم، وقد احتفظ بها يوسف شاهين على مدى 30 سنة، وتم حفظها لاحقاً بـ«السينماتيك الفرنسي» الذي صنع نسخة «نيغاتيف 35 مللي» منها، وأضاف خوري أن «فيلم (الناس والنيل) كان عن الموضوع نفسه لكن بشكل مختلف، وهو ما يمنح جمهور المهرجان فرصة لمشاهدة فيلم نادر ليوسف شاهين يُعرض للمرة الأولى في مصر».

شاهين على ملصق المهرجان (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

وأشاد خوري بالاحتفاء الكبير الذي يقيمه مهرجان الأقصر لمئوية ميلاد يوسف شاهين التي تتم بالتعاون مع «أفلام مصر العالمية»، مؤكداً أن الاحتفال يُقام على مدى أيام المهرجان؛ حيث يعرض فيلم «النيل والحياة» في حفل الافتتاح، إلى جانب فقرة فيلمية عن يوسف شاهين، كما يتم تكريم 4 من أبطال أفلام يوسف شاهين، وهم نجوى إبراهيم عن فيلم «الأرض»، وسهير المرشدي عن «عودة الابن الضال»، وسيف عبد الرحمن عن «الاختيار»، ومحسن محيي الدين عن «إسكندرية ليه». إذ تعرض هذه الأفلام الأربعة خلال المهرجان.

ويلفت خوري إلى ندوة يقيمها المهرجان للناقد اللبناني إبراهيم العريس الذي ألّف كتاباً عن المخرج الكبير، بعنوان «يوسف شاهين... نظرة الطفل وقبضة المتمرد» الذي يُعد «من أفضل الكتب التي تناولت مسيرته»، على حد تعبير خوري، مشيراً إلى أن هناك اتفاقاً مع مكتبة «الشروق» لتوزيع 150 نسخة من الكتاب خلال الندوة.

ويحمل ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية صورة يوسف شاهين وهو يتحرك في فضاء بصري يجمع معالم القارة الأفريقية، عاكساً شخصية المخرج الراحل التي اتسمت بالحركة والحرية والفكر المتمرد الذي عبّر عنه في أفلامه، كما يُقيم المهرجان معرضاً لملصقات وصور أفلامه.

الفنانة سهير المرشدي وتكريم عن دورها في «عودة الابن الضال» (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

ويُعقد المهرجان برئاسة السيناريست سيد فؤاد ومديرة المهرجان عزة الحسيني، فيما يترأسه شرفياً الفنان محمود حميدة، ويقام بالتعاون مع محافظة الأقصر وبرعاية وزارات الثقافة والسياحة والآثار والخارجية ونقابة المهن السينمائية.

ويشارك في الدورة الجديدة 55 فيلماً، من بينها 11 فيلماً بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و20 فيلماً بمسابقة الأفلام الروائية القصيرة، و6 أفلام بمسابقة الدياسبورا، و 8 أفلام بمسابقة أفلام الصعيد، ويخصص المهرجان لجنة تحكيم لكل مسابقة على حدة، بالإضافة إلى 4 أفلام بمسابقة بانوراما التحريك، كما تُعرض 6 أفلام بالقسم الرسمي «خارج المسابقة»، ويحتفي المهرجان بسينما جنوب أفريقيا التي تُعد ضيف شرف هذه الدورة؛ حيث يعرض أفلاماً تعبر عن مراحل تطورها ويقيم ندوة موسعة عنها، ويعيد طبع كتاب عنها للناقد مارتن بوتا.

كما تشهد هذه الدورة تكريم اسم المخرج الكبير داود عبد السيد، ويقدم رفيق رحلته فنان الديكور أنسي أبو سيف ندوة حول عالم داود عبد السيد، ويكرم اسم المخرج الجزائري الكبير محمد الأخضر حامينا، واسم المؤلف والناقد فاروق عبد الخالق، واسم الفنانة الجزائرية بيونة.

وإلى جانب ذلك، يكرم المهرجان خلال حفل الافتتاح كلاً من الفنانة ريهام عبد الغفور والفنان خالد الصاوي، والمخرج الجنوب أفريقي نتشافيني والريلي، والمخرج المنتج جمال سويسي من المغرب، والمخرج المصري محمد أمين.


واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها. وبينما اتخذت وزارة السياحة والآثار المصرية إجراءات فورية ضد المتورطين في الواقعة، واستبعدتهم من مواقع عملهم وأحالتهم للتحقيق طالب خبراء ومتخصصون بتشديد إجراءات التأمين للمواقع الأثرية، وتشديد عقوبات التعدي على الآثار.

وأصدرت وزارة السياحة والآثار بياناً، الأربعاء، أشارت خلاله إلى تداول صور على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر قيام سائحتين بتسلق أحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية، ما عدّته الوزارة «مخالفة صريحة لكافة القوانين واللوائح المنظمة للزيارة داخل المواقع الأثرية»، مؤكدة أنه «تم على الفور استبعاد المسؤولين المتورطين في هذه الواقعة من أماكن عملهم، وإحالتهم إلى التحقيق، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة».

وأكدت الوزارة التزامها الكامل بـ«الحفاظ على المواقع الأثرية والسياحية واحترام قواعد زيارتها، والتصدي بكل حزم لأي تجاوزات من شأنها الإخلال بالضوابط والقواعد المعمول بها، بما يضمن صون التراث الحضاري والأثري المصري».

والسيرابيوم هو سرداب يضم دفنات للعجل المقدس «أبيس» الذي ارتبط بالمعبود بتاح معبود مدينة منف، ويؤدي طريق على جانبيه تماثيل أبو الهول إلى السيرابيوم الذي يتألف من ممرين طويلين كانا يحويان بقايا العجول المحنطة. وقد بدأ استخدام السيرابيوم منذ عهد أمنحتب الثالث بالدولة الحديثة حتى العصر البطلمي، وفق وزارة السياحة والآثار. وتضم ممرات السيرابيوم 24 تابوتاً حجرياً ضخماً، مصنوعة من أحجار صلبة، ويصل وزن كل تابوت إلى نحو 60 طناً، وفق تقديرات أثرية.

ووصف الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، هذه الواقعة بأنها «سلوك فردي وحالات فردية لا ترتقي لمستوى الظاهرة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة كل الاحتياطات اللازمة في التعامل مع الآثار لضمان حمايتها وحفظها من العبث بها حتى لو كانت حالات فردية»، ودعا عبد المقصود إلى «تشديد الرقابة عبر استخدام المزيد من الكاميرات؛ لأنه لن نستطيع تخصيص عنصر بشري لكل أثر، وهذا يحدث في بعض المواقع، لكن يجب أن يمتد لكل المواقع»، وعدّ الإجراء الذي اتخذته وزارة السياحة «حاسماً ومن شأنه أن يحد ويوقف هذه التصرفات الفردية، ويضع كل شخص أمام مسؤولياته».

وشهدت منطقة سقّارة الأثرية واقعة مشابهة في فبراير (شباط) الماضي؛ إذ تم توقيف مرشد سياحي لقيامه بالرسم على أحد الآثار أثناء الشرح لمجموعة سياحية. وبمواجهته بمقطع فيديو متداول، أقر بارتكاب الواقعة، وبرر تصرفه برغبته في تبسيط المعلومات التاريخية للسائحين، دون تقديره لخطورة الفعل أو تبعاته القانونية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وإزالة الرسوم بمعرفة متخصصين.

ممرات السيرابيوم بسقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن معاقبة المتورطين في واقعة السماح لسائحتين بتسلق «تابوت السيرابيوم» بسقّارة، هي إجراء قانوني وفقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته؛ إذ إن القانون يجرم لمس الآثار والتسلق، بالإضافة إلى أن ذلك يدخل في دور الإهمال، مما يستدعي التعامل وفقاً للقوانين.

وقال عامر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الواقعة ليست الأولى في منطقة آثار سقّارة؛ فقد سبقها قبل ذلك كحت بآلة حادة في مقبرة (مريروكا)، وكذلك سرقة جدارية من مقبرة (خنتي_كا)، مما يستوجب إعادة تقييم المنظومة الأمنية بهذه المنطقة المهمة، بالإضافة إلى التفتيش والمتابعة الدورية، ولا بد من وضع كاميرات مراقبة داخل هذه الأماكن المهمة».

وتحدد المادة 45 من قانون حماية الآثار المصرية رقم 117 لسنة 1983 عقوبة من يتسلق أثراً دون ترخيص له بذلك؛ إذ تصل إلى الحبس شهراً وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (الدولار يساوي نحو 52.85 جنيه مصري)، ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن البيان الذي أصدرته وزارة السياحة والآثار حول الواقعة «يعكس قدراً عالياً من المسؤولية المؤسسية في التعامل مع واقعة (تابوت السيرابيوم) في سقّارة بسرعة وحسم؛ إذ بادرت بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين، في خطوة تؤكد التزامها الصارم بحماية التراث الأثري وصونه».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التحرك السريع يؤكد الوعي بأهمية المواقع الأثرية، ليس فقط بوصفها شواهد تاريخية، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية المصرية وإرثاً إنسانياً عالمياً. كما يعكس حرص الوزارة على تطبيق معايير الانضباط والرقابة داخل المنظومة الأثرية، بما يضمن الحفاظ على هذه الكنوز الفريدة.

وعدّت أن «الحفاظ على الآثار يأتي في صدارة الأولويات. كما يعكس ذلك نهجاً إدارياً يسعى إلى التطوير المستمر، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المواقع الأثرية كدليل على جدية الدولة في صون تراثها الحضاري، وقدرتها على التعامل باحترافية مع التحديات، بما يدعم مكانة مصر كوجهة ثقافية وسياحية تحظى بالاحترام والتقدير على المستويين الإقليمي والدولي».