ديانا ودودي الفايد... الأميرة والعاشق و«الشبح»

انطلاقة الموسم الأخير من «ذا كراون» على «نتفليكس» وسط استفاضة في الخيال

الأميرة ديانا ودودي الفايد نجما القسم الأول من الموسم الأخير لـThe Crown (نتفليكس)
الأميرة ديانا ودودي الفايد نجما القسم الأول من الموسم الأخير لـThe Crown (نتفليكس)
TT

ديانا ودودي الفايد... الأميرة والعاشق و«الشبح»

الأميرة ديانا ودودي الفايد نجما القسم الأول من الموسم الأخير لـThe Crown (نتفليكس)
الأميرة ديانا ودودي الفايد نجما القسم الأول من الموسم الأخير لـThe Crown (نتفليكس)

من شبه المستحيل أن يحافظَ مسلسلٌ امتدّ 7 سنوات و6 مواسم، على المستوى ذاته من الإقناع مع مرور الفصول. نقلةٌ نَوعيّة لا تخلو من التحدّيّات السرديّة، يشهدها الموسم السادس من «ذا كراون» (The Crown) مع طيّه صفحة الماضي البعيد، ودخوله التاريخ المعاصر الذي ما زال محفوراً في ذاكرة معظم المشاهدين.

في الحلقات الـ4 الأولى من الموسم الجديد، والتي أرادتها «نتفليكس» منفصلةً شهراً عن الدفعة الثانية من الحلقات الستّ الآتية منتصف ديسمبر (كانون الأول)، يجد المُشاهد نفسَه أمام روزنامة الشهرَين الأخيرَين من حياة الأميرة ديانا.

تركّز الحلقات الـ4 على آخر شهرين في حياة الأميرة ديانا (نتفليكس)

يعرف الجمهور النهاية الدراماتيكيّة مسبقاً؛ ما دفع بمؤلّف العمل بيتر مورغن إلى ابتداع إضافاتٍ تلوّن الوقائع التاريخيّة. غير أنّ بعض تلك الألوان تحوّلت «شطحات» من الخيال، وهي لم تَرُق للمشاهدين ولا للنقّاد. خرج كثيرون ليستنكروا مشاهدَ أعادت ديانا بعد وفاتها، طيفاً يحادث طليقها الأمير تشارلز وحماتَها الملكة إليزابيث. وكذلك فعلوا حيال المشاهد التي ظهر فيها «شبح» دودي الفايد على والده محمّد، ليتناقشا في موضوعٍ غريبٍ عن السياق، وهو «نَبذ الغرب للعرب»، حيث يصل الأمر بشبح دودي إلى تهدئة أبيه بالقول: «في القاهرة، في بيروت، وفي بغداد، شايفينّي بطل»!

«شبح» ديانا في حوار متخيّل مع الملكة إليزابيث (نتفليكس)

حرصَ مورغان على دقّة كبيرة في نقله الأحداث الواقعيّة، لكن عندما زارَه الخيال، انغمس الكاتب البريطاني في سيناريوهات لا تُشبه في شيءٍ وفاء المواسم السابقة للواقع. وإلى جانب صدمته بـ«الأشباح»، قد يكون السؤال الأكثر مراودةً للمُشاهد أمام الموسم الجديد من «ذا كراون»: «هل حصل ذلك فعلاً؟».

هل تعرّضت ديانا لهذا الكمّ من التجريح والتنمّر خلال مؤتمرها الصحافي في بوسنيا، بعد مهمّتها الإنسانية المتعلّقة بنزع الألغام؟ هل كان محمد الفايد (الممثل سليم ضوّ) على هذا القدر من القسوة والوصوليّة، فأرغم ابنَه على الارتباط بديانا؟ هل كان دودي الفايد (خالد عبد الله) ضعيف الشخصية ومنصاعاً إلى هذا الحدّ لأوامر والده؟ هل حاربَ تشارلز (دومينيك وست) بتلك الشراسة من أجل تنظيم جنازة رسميّة حاشدة لديانا؟ هل نَهى الأمير فيليب (جوناثان برايس) حفيده وليام عن الالتفات إلى الجماهير المحتشدة في جنازة والدته، آمراً إياه بالنظر أرضاً ومتابعة السير؟

هذه الأسئلة وغيرها ستبقى إجاباتها عالقة، أمّا المؤكّد فهو أنّ الموسم السادس والأخير من المسلسل البريطاني الأشهر على الإطلاق، يبدو الأقلّ تماسُكاً في الحبكة من بين سائر المواسم.

الممثل خالد عبد الله بدور دودي الفايد (نتفليكس)

التناقض بين حياة ديانا الجديدة والصاخبة بعد الطلاق، والبرودة التي تلفّ قصر باكينغهام وسائر قصور العائلة المالكة، زاويةٌ أساسية ومتكرّرة يعتمدها المسلسل في معالجة القصة. تحت شمس سان تروبيه، تقف الأميرة الأشهر عبر التاريخ، بملابس السباحة ذات الألوان الفاقعة، متحدّيةً عدسات المصوّرين اللاهثين خلف لقطة لها ولولدَيها وليام وهاري. وفي ما يشبه سيناريو مسلسل رومانسي من فئة الـ«soap opera»، تلوح بينها وبين دودي ملامح علاقة عاطفيّة؛ ما يدفع بالشاب إلى الانفصال عن خطيبته الأميركية.

في المقابل، وتحت سماءٍ إنجليزيةٍ ملبّدة، يحتفل تشارلز بالعيد الخمسين لحبيبته كاميلا باركر بولز. تغيب الملكة عن العشاء من باب عدم الرضا عن تلك العلاقة. وهذا ليس الغياب الوحيد لإليزابيث عبر الحلقات الأربع؛ فبالمقارنة مع حضور الممثلة إميلدا ستونتون المحوَريّ خلال المواسم السابقة، تقف شخصيّة الملكة في الخلفيّة هذه المرّة. تتوارى مُفسحةً المجال أمام «أميرة القلوب».

يشهد الموسم الجديد تراجعاً ملحوظاً لحضور شخصية الملكة إليزابيث (نتفليكس)

على غرار ديانا التي أسرت قلوب الناس وسرقت الوهج من العائلة البريطانية المالكة، تسطو الممثلة الأسترالية إليزابيث ديبيكي على المسلسل لتأسر عيون المشاهدين وتسلب الأضواء من زملائها. وحدَها من بين الممثلين، تحاول إنقاذ العمل من بطءٍ جليّ وبناءٍ دراميّ متصدّع أحياناً.

إلى جانب الشبه الملفت بينها وبين ديانا، واستنساخِها المحترف للغة جسد الأميرة، تمنح ديبيكي لكلّ مشهدٍ قيمته. من علاقتها الدافئة بولدَيها واللحظات المسروقة معهما قبل الافتراق الأبديّ، إلى حربها الصامتة مع الصحافة والعدسات التي اجتاحت بضراوة خصوصيّتها ونهشت حياتها، مروراً بتَعاطيها الراقي مع دودي، وليس انتهاءً بالبُعد الإنساني الذي برعت في تجسيده، لا سيّما خلال مهمّتها الدقيقة في بوسنيا وسيرها بين الألغام.

الأميرة ديانا في مهمّة إنسانية خاصة بنزع الألغام في بوسنيا (نتفليكس)

يفتقد المسلسل إلى مزيدٍ من التفاصيل عن تلك الناحية الإنسانية من شخصية ديانا. ما الذي جعلها «أميرة القلوب»؟ وكيف تحوّلت ظاهرةً عشقَها الملايين حول العالم من دون أن يعرفوها؟ كان بالإمكان الاستفاضة قليلاً في هذا الموضوع من خلال جنازتها، التي مرّ عليها المسلسل مرور الكرام. فقد اكتفت الحلقة الرابعة بلقطاتٍ سريعة لشوارع باريس التي استقبلتها بفلاشات الكاميرات القاتلة، ثمّ ودّعتها بنثر الورود. أما في لندن، فلم تنل الجماهير المحتشدة لبكاء ديانا، ما تستحقّ من مساحة دراميّة.

عوضاً عن ذلك، يستهلك بيتر مورغن فائضاً من الوقت في السجالات التي سبقت الجنازة داخل العائلة المالكة. يطول الأخذ والردّ بين تشارلز ووالدَيه حول حقّ ديانا في الحصول على وداعٍ يليق بأميرة، فيما يتمسّك إليزابيث وفيليب بالقواعد الصارمة وبالمشاعر الإنسانية الباردة، بل الغائبة. ومع أنه لا يطلّ سوى في مشاهد قليلة، إلا أنّ قسوة الأمير فيليب في هذا الموسم تفوق المعتاد، وهي مستغربة بعض الشيء، مقارنةً مع شخصيته خلال المواسم السابقة.

دومينيك وست بدور الأمير تشارلز وأوليفيا وليامز بدور كاميلا باركر بولز (نتفليكس)

لعلّ أكثر اقتضابٍ جاء في مكانه ولم يبتر الأحداث، هو اقتصار مشهد حادث السيارة تحت جسر ألما في باريس ووفاة ديانا ودودي، على لقطاتٍ سريعة إنّما رمزيّة ومعبّرة. لا يصوّر المسلسل هذه التراجيديا بحذافيرها، بل يكتفي بعبور خاطف للسيّارة في شوارع العاصمة الفرنسية، وخلفها درّاجات المصوّرين، قبل أن يُسمع صوت الاصطدام.

وفق المشاهد الترويجيّة للقسم الثاني من الموسم السادس، فإنّه سيُفتتح على أحداث أكثر إيجابيّةً كارتباط وليام بكيت ميدلتون، على أن يُختَتم بزواج تشارلز من كاميلا.


مقالات ذات صلة

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.