أعمالٌ فنية نبتت على ضفاف دمار غزّة ودمائها

فنانون عرب وأجانب يجنّدون ألوانهم وصفحاتهم لتصوير المعاناة

لوحتان لكل من الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه والفنان اللبناني رامي قانصو (إنستغرام)
لوحتان لكل من الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه والفنان اللبناني رامي قانصو (إنستغرام)
TT

أعمالٌ فنية نبتت على ضفاف دمار غزّة ودمائها

لوحتان لكل من الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه والفنان اللبناني رامي قانصو (إنستغرام)
لوحتان لكل من الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه والفنان اللبناني رامي قانصو (إنستغرام)

«الفنّ سلاح يخترق العيون والآذان وأعمقَ المشاعر الإنسانيّة». تعود هذه المقولة إلى مائة سنة خلت. قالها الرسّام المكسيكي ديفيد ألفارو سيكويروس، الذي دمج بين الالتزامين الفني والمجتمعي خلال مسيرته. تُثبت نظريّته أنها ما زالت على صواب، ففي الحرب على غزة، تعدّدت الأسلحة وقد برز من بينها سلاح الفنّ.

استلّ الرسّامون ريشاتهم وجنّد المصممون مخيّلاتهم، محوّلين مأساة الميدان إلى لوحاتٍ ورسوم غزت منصات التواصل الاجتماعي وتفاعلَ معها الملايين حول العالم.

أحد وجوه غزّة بريشة الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه (إنستغرام)

فاطمة لوتاه ووجوه الفاجعة

منذ الشرارة الأولى، تفرّغت الفنانة التشكيليّة والرسّامة الإماراتيّة فاطمة لوتاه، لتجسيد وجع غزة ألواناً صارخة ووجوهاً اعتلتها الفاجعة. بوتيرة شبه يوميّة، تسكب ألمَها على اللوحات، وآلامَ الغزّيين معه. كأنّ لوتاه وضعت انشغالاتها كلّها جانباً، وكرّست الوقت لرفع صوت أهل غزة. مَن يراقب صفحتها على «إنستغرام»، يخرج بانطباعٍ أنّ تلك السيّدة تُمضي كل ساعات يومها وهي تنقل الصورة الدامية على طريقتها، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

بنظرها، ما عاد للوقت قيمة، فلا أولويّة تعلو على مآسي أهل غزة. «ليس الوقت الذي يستغرقه إنجاز اللوحة مهماً، المهم أن تصل الصرخة. لم يكن هناك قرار بالرسم عن غزة، ولا حتى وقت للتفكير في اتخاذ قرار»، تخبر لوتاه «الشرق الأوسط» عن بدهيّة خطوتها. سحقَها ما شاهدته عبر الإعلام من أهوال، ومع أنها نشرت حتى الآن أكثر من 30 لوحة عن المأساة، فإنّ ذلك لم يساعد في التخفيف من حزنها ولا في احتواء غضبها حيال ما يحدث. «ليس بالإمكان التفكير في قرارات بعد رؤية دموع طفلة فقدت كل ما تملك في لحظة»، تقول لوتاه.

يوميات الأمومة في غزّة بريشة فاطمة لوتاه (إنستغرام)

تقتبس الفنانة الإماراتية من الميدان، لتضيف لمستَها إلى واقعه المفجع. هذا طفلٌ هاربٌ من الدمار، اصطبغ جزءٌ من وجهه بالأحمر القاني. وذاك أبٌ حمل أولاده الخمسة تاركاً خلفة دخانَ بيتٍ كان. وما بينهما، طفلة سيّجها البياض فارتقت «ملاكاً»... تسمّيها لوتاه «ملاك غزة».

«ملاك غزة» بريشة فاطمة لوتاه (إنستغرام)

يتنوّع أسلوب الرسم ما بين اليدوي التقليدي وفنّ الديجيتال الذي تنفّذه لوتاه على الهاتف. لكن مهما تعدّدت الأساليب التقنيّة، وأينما لمعت الفكرة أكان داخل المرسم أم على شاشة الهاتف، فإنّ الهدف المعنوي واحد بالنسبة إليها: «إحدى أهمّ مسؤوليات الفن هي محاولة لفت نظر المُشاهد إلى ما يحدث حوله، وذلك بهدف تغيير هذا المشهد أو على الأقلّ محاولة تغييره».

لا تُخفي أنّها اعتادت بثّ النور والجمال من خلال فنّها، «لكن ثمّة لحظات في الحياة تفرض عليك أن ترسم الألم. واليوم، أكثر من أي وقت، أنا أرسم ما تحدّثني به روحي». وتضيف لوتاه أنّ كل ما يحدث في غزة حفر عميقاً في روحها كإنسانة، وليس في مخيّلتها كفنّانة.

رامي قانصو و«قبلة الحرّية»

يتلاقى الفنان البصَري اللبناني رامي قانصو مع مقولة الرسّام المكسيكي سيكويروس. يسمّي الفنّ «سلاحاً»، والدليل على ذلك أنه يلعب دوراً محورياً بنشر الوعي في العالم الافتراضي. ففي الميدان معركة عسكريّة، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي يخوض الفنّ معركته الخاصة من أجل إيصال صوت فلسطين وغزة وصورتيهما الحقيقيّة.

ينوّع قانصو التقنيات البصريّة في إنجاز لوحاته (إنستغرام)

لا ينشر قانصو بالكثافة ذاتها التي تنشر بها فاطمة لوتاه، إلا أنّ أحد أعماله لاقى تفاعلاً كبيراً، وهو بعنوان «قبلة الحرّية». عن سابق تصوّر وتصميم، وبهدف جذب الرأي العام الغربيّ، انتقى قانصو لوحة الرسّام النمساوي الشهير غوستاف كليمت «القبلة»، وأدخل إليها تعديلاته الخاصة لتُلاقي الحدث في غزة.

يشرح قانصو لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه استعار لوحة كليمت، وبدّل خريطة فلسطين بالمرأة التي فيها، مغطياً إياها بالكوفيّة. ثمّ عدّل ألوان اللوحة إلى أخضر العلم الفلسطيني وأحمرِه.

«قبلة الحرية» لوحة اقتبسها قانصو من «قبلة» الرسّام النمساوي غوستاف كليمت (مجموعة قانصو)

منذ فترة، وحتى قبل اندلاع الحرب على غزة، خطرت الفكرة في باله، خصوصاً أن اللوحة عموديّة، وهذا ذكّره بشكل الخريطة الفلسطينيّة. لكنه أراد أن يضمّنها رسالة إضافيّة عن رمزيّة الرجل الفلسطيني. «غالباً ما يركّز الإعلام على الضحايا من النساء والأطفال، ولا يذكر الرجال»، يقول قانصو. «من دون انتقاص من النساء والأطفال، إلا أنّ الرجل الفلسطيني بطل اللوحة، فهو إنسان كذلك وربّما لم يشأ الموت».

فعلت اللوحة فعلَها فجذبت أنظار الغرب، من أوروبا إلى بريطانيا وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية. يبيع رامي يومياً نحو 4 نسخ من «قبلة الحرية»، وهو يستعدّ لإرسال الإيرادات إلى غزة.

في تلك اللوحة وفي سواها من رسوم يكرّسها للحدث الفلسطيني، وكذلك في تلك التي واكب من خلالها الأحداث اللبنانية سابقاً، يتنقّل قانصو بين مجموعة من التقنيات البصريّة ووسائل «الديجيتال». يعدّد من بينها فن تركيب العناصر أو «الكولاج (collage)»، إضافة إلى برنامجَي Photoshop وIllustrator.

الفنان اللبناني رامي قانصو يرسم خريطة فلسطين وغصون زيتونها وألوان علمها (مجموعة قانصو)

ها هو زيتون فلسطين المعمّر يطلّ على صفحاته ضمن إطار عصري حدّدت التكنولوجيا معالمه، من دون أن تقتلع جذوره الإنسانيّة والثقافية.

احتاج رامي قانصو إلى وقتٍ لاستيعاب الحدث قبل أن تكرّ الأفكار والألوان على شاشته. فضّل عدم القفز فوراً من صدمة الميدان والأهوال الإنسانية إلى تنفيذ الأعمال الفنية. يوضح تلك النقطة قائلاً: «كفنانين يجب أن نشعر بعمق الوجع وأن نفهم أحاسيس الناس ونستوعبها، قبل أن نحوّل المشهد الدامي إلى عمل فنّي».

زيتون غزة وعصفور الشمس

لم يقتصر الفن المقتبس من أحداث غزة على الأنامل العربيّة، بل انسحب على فنانين من الغرب. من بين هؤلاء، تميّزت بيونيكا فرناندو، وهي بريطانية من أصول سريلانكيّة. كرّست الفنانة البصريّة الشابة صفحتها على «إنستغرام» للمرأة الفلسطينية ولأطفال غزة، فأعادت رسمهم. لم تنسَ فرناندو تفاصيل البلاد، كغصون الزيتون وعصفور الشمس الفلسطيني.

من مجموعة الرسّامة البريطانية بيونيكا فرناندو الخاصة بغزّة (إنستغرام)

ولأبطال غزة الجدُد من مراسلي الميدان، وجّهت فرناندو تحيّة بالألوان فخصّت كلاً منهم بـ«بورتريه». علّقت بالقول على لوحاتها تلك، والتي لاقت رواجاً كبيراً: «هم يخاطرون بحياتهم كي يُظهروا لنا الحقيقة».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي مقاتلان من «حماس» يحرسان موقعاً سلمت فيه الحركة جثث أربعة رهائن إسرائيليين إلى الصليب الأحمر في خان يونس بغزة (د.ب.أ)

​«حماس» تدعو إيران لعدم استهداف «دول الجوار»

دعت حركة «حماس» اليوم (السبت) إيران لعدم استهداف «دول الجوار» في منطقة الخليج رداً على الغارات الأميركية - الإسرائيلية التي تتعرض لها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا عبور مساعدات إنسانية وإغاثية عبر معبر رفح (الهلال الأحمر المصري)

تراجع وتيرة «شاحنات المساعدات» لغزة جراء تداعيات الحرب الإيرانية

تراجعت وتيرة المساعدات الإغاثية والإنسانية لقطاع غزة، جراء تداعيات الحرب الإيرانية، في ظلِّ تضييقات إسرائيلية على حركة الشاحنات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب) p-circle

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

أعلنت محكمة العدل الدولية أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شؤون إقليمية صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

إسرائيل تُسقط التهم عن جنود متهمين بإساءة معاملة معتقل من غزة… وانتقادات حقوقية تتصاعد

أسقط الجيش الإسرائيلي التهم عن 5 جنود متهمين بإساءة معاملة معتقل من غزة لغياب الأدلة، ما أثار انتقادات حقوقية واسعة، وتحذيرات من الإفلات من المساءلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

بعروضها الشهيرة مثل «الأقصر بلدنا» و«الحجالة» و«الكرنبة» و«النوبة» ورقصة التنورة، اختتمت فرقة رضا للفنون الشعبية ليالي «هل هلالك» التي نظَّمها قطاع المسرح بوزارة الثقافة المصرية على مدى أسبوعين، الخميس، وسط حضور جماهيري حاشد وتفاعل لافت مع التابلوهات الراقصة والاستعراضات والأغاني.

ونظَّمت وزارة الثقافة المصرية برنامج الاحتفالات الرمضاني «هل هلالك» للسنة العاشرة على التوالي بساحة الهناجر في دار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير (شباط) الماضي إلى 13 مارس (آذار) الحالي، متضمناً كثيراً من الفقرات وفرق الغناء والموسيقى والفنون الشعبية، بالإضافة إلى عرض العرائس «الليلة الكبيرة».

وأحيت حفل الليلة الختامية، الجمعة، فرقة «رضا للفنون الشعبية»، التي تعدُّ من أعرق الفرق الفنية التابعة للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، وقدَّمت مجموعةً من أشهر استعراضاتها التي اشتهرت بها طوال تاريخها الفني، من روائع رائد الفن الشعبي في مصر، الفنان محمود رضا، وأنغام الموسيقار علي إسماعيل.

جانب من عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

وتأسَّست فرقة رضا للفنون الشعبية في نهاية الخمسينات من القرن الماضي على يد مصمم الرقصات محمود رضا وشقيقه المؤلف الموسيقي علي رضا، والفنانة الاستعراضية فريدة فهمي بعد رحيل الفنانة نعيمة عاكف التي كانت ضمن الفرقة في البداية. وفي عام 1961 تمَّ ضم الفرقة إلى وزارة الثقافة، وقام على إدارتها محمود وعلي رضا، وشاركت في كثير من المهرجانات حول العالم. واستوحى محمود رضا رقصات واستعراضات الفرقة من فنون الريف والساحل والصعيد والفنون المصرية القديمة ليقدِّم مدرسةً خاصةً في الرقص الشعبي نالت شهرةً لافتةً في مصر والوطن العربي.

كما شاركت الفرقة في أكثر من عمل سينمائي بالتمثيل والرقصات والأغاني منذ الستينات وحتى نهاية السبعينات، من بينها أفلام «وا إسلاماه» و«المراهق الكبير» و«أجازة نص السنة» و«غرام في الكرنك» و«حرامي الورقة».

رقصة التنورة ضمن عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «اختيار فرقة رضا للفنون الشعبية لختام حفلات (هل هلالك) الرمضانية موفق للغاية، لما تتمتع به الفرقة من شهرة اكتسبتها أساساً من قربها من الناس ونقل الفنون الشعبية من الدلتا والصعيد وكل أنحاء مصر إلى خشبة المسرح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أوبريت (الأقصر بلدنا) واحد من أهم أعمال فرقة رضا على مدار 65 سنة، وهو أيقونة في كلماته وألحانه واستعراضاته، وحتى اليوم حين نرى هذا الاستعراض في التلفزيون ينتبه له الجميع، ودائماً يطلبه الجمهور من فرقة رضا، فهو عاشق لهذا الأوبريت تحديداً».

وشهد ختام برنامج «هل هلالك» حضوراً جماهيرياً حاشداً لأوبريت «الليلة الكبيرة» الذي عُرض يومياً على مدى أسبوعين، من أشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي، ويعدّ أيقونة لمسرح العرائس بالبيت الفني للمسرح.

وكانت احتفاليات رمضان ضمن برنامج «هل هلالك» استضافت كثيراً من الفرق الفنية ونجوم الطرب، مثل الفنانين ماهر محمود والدكتور أحمد الكحلاوي «مداح الرسول»، وفرقة «راحة الأرواح»، و«الفرقة القومية للفنون الشعبية»، وفرقة «أنغام الشباب»، كما تغنَّت شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء11 مارس.

وشارك في الفعاليات أيضاً عدد من الفرق الفنية التي حقَّقت نجاحاً لافتاً فى الفترة الماضية، مثل فرقة «التنورة التراثية» وفرقة «طبلة الست» وفرقة «هنغني»، وفرقة «بورسعيد للفنون الشعبية».


مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
TT

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

في ظلّ حرب قاسية تلفّ لبنان، يبحث المرء عمّا يُنسيه شبحها الذي يلاحقه. فنشرات الأخبار من جهة، والتقارير الصحافية من جهة أخرى، تفرض متابعتها. وإذا ما حاول الإفلات من الشاشة الصغيرة، فإن الإشعارات القصيرة التي يتلقّاها عبر هاتفه تُعيده إلى الأمر الواقع.

فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين تجد في الدراما الرمضانية ملاذها للهروب من تداعيات الحرب وأخبارها، فتلجأ إليها في لحظات التوتّر لتخفيف ضغط إنذارات القصف المُتتابعة.

يُحلّق المُتفرّج مع قصي خولي وكاريس بشار في مسلسل «بخمس أرواح» إلى عالم من الإثارة، وينتقل عبر «مولانا» إلى فضاء درامي مشوّق بقيادة المخرج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن. ومع مسلسلات مثل: «المحافظة 15»، و«بالحرام»، و«لوبي الغرام»، و«الست موناليزا»، و«على قد الحبّ» وغيرها، يجد المُشاهد برّ أمان ولو لساعات قليلة.

«المحافظة 15» من المسلسلات التي يتشوّق لبنانيون لمتابعتها (إنستغرام)

أحاديث اللبنانيين في زمن الحرب يطغى عليها الخوف والتحليلات السياسية. والجملة التي يردّدونها كثيراً، «شو بعرّفني؟»، تُشكّل بداية هذه الأحاديث ونهايتها؛ إذ لا يجدون بصيص أمل يتّكئون عليه لاستحضار طاقة رجاء، فلا حلول تلوح في الأفق.

من هنا، وجد المُتفرّج في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة. فالحلقات التي يتابعونها على مدى 30 يوماً تصل في النهاية إلى نقطة مُنتظرة. لذلك يشاهدونها صباحاً أو بعد الإفطار والسحور، آملين في لحظات راحة تبعد عنهم أجواء الحرب.

تقول لمياء، المقيمة في مدينة طرابلس، إنّ الأعمال الرمضانية أنقذتها من حالة اكتئاب حادّة كانت ستصيبها. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بداية الحرب كنتُ أتابع الأخبار دقيقة بعد أخرى، ثم لاحظتُ أنّ حالتي النفسية تتدهور بسرعة. قرّرتُ النأي بنفسي والتحوّل إلى متابعة الدراما الرمضانية. معها أجد استراحة بين جولة قصف وأخرى. فإذا انتهيتُ من حلقة من (مولانا) وكانت وتيرة الحرب لا تزال مرتفعة، أبحثُ عن دقائق راحة أخرى مع (بخمس أرواح). وعندما يشتدّ الأمر ويصبح هدير الطيران الحربي مسموعاً أكثر، أشاهد مسلسلاً آخر، حتى لو لم أكن قد تابعته منذ البداية».

«بخمس أرواح» ومتعة متابعة الثنائي قصي خولي وكاريس بشار (إنستغرام)

وما تقوله السيدة الطرابلسية ينطبق أيضاً على نايلة التي تسكن في منطقة بصاليم. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري كيف كنتُ سأواجه هذه الأيام الثقيلة من دون مسلسلات. أجدها العلاج الوحيد للتوتّر والأرق اللذَين يصيبانني إثر قصف منطقة أو أخرى. أجلس في صالة الجلوس، أقرمش رقائق البطاطا وأتابع مسلسلاً». وتضيف: «أحياناً، عندما ننعم بساعات هدوء حذر، ألهي نفسي بأعمال المطبخ. لكن المسلسلات وحدها قادرة على أخذي في رحلة حالمة أنسى معها كلّ ما يحيط بي».

لغز اكتشاف ابنة «جود» في «بالحرام» يُحيّر متابعيه (إنستغرام)

ويلجأ بعض اللبنانيين إلى الزيارات القصيرة للجيران لتسجيل نزهة خاطفة خارج المنزل. وفي أحيان أخرى، يتجمّعون في غرف آمنة ليتسلّوا بورق اللعب. لكن منى معيقل، من منطقة الأشرفية، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب تشلّ حركتي وتجعلني أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة. هذه المرة، وبفضل الشهر الكريم، حظينا بنعمة الدراما الرمضانية. فهي تُسلّينا وتُنسينا أجواء الحرب، لا سيما أنّ غالبيتها تحمل موضوعات جميلة. وبصراحة لم أعد أهتمّ بموعد انتهاء هذه الحرب الشعواء ومَن سيربح أو يخسر فيها. أشغلُ نفسي بفكّ ألغاز تطرحها مسلسلات عدة، بينها اكتشاف من ستكون ابنة (جود) في مسلسل (بالحرام)».

وتختم: «أحياناً أتعمَّد تفويت بعض الحلقات لأجمعها معاً. وعندما أشاهد 3 حلقات أو أكثر دفعة واحدة، أشعر كأنني حجزت لنفسي موعداً طويلاً يبعدني عن أخبار الحرب لساعات. كأنني أتناول طبق حلوى يسيل له اللعاب كلّما فكّرت به».


سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended