بعد سحبهما من مزاد «كريستيز»... زاد الطلب على لوحتي أيمن بعلبكي 10 أضعاف

بركات: «الملثم» و«المجهول» عملان قديمان لا علاقة لهما بما يحدث في غزة

الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)
الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)
TT

بعد سحبهما من مزاد «كريستيز»... زاد الطلب على لوحتي أيمن بعلبكي 10 أضعاف

الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)
الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)

لوحتان للفنان التشكيلي اللبناني أيمن بعلبكي تم سحبهما من مزاد تنظمه «دار كريستيز» اليوم الخميس 9 نوفمبر (تشرين الثاني) في لندن، فيما تم الإبقاء على لوحة ثالثة للفنان نفسه.

هذا المزاد المخصص لفن الشرق الأوسط الحديث والمعاصر، الذي يقام كل ستة أشهر، يقول القيمون عليه إنهم تلقوا شكاوى بخصوص لوحتي بعلبكي، وإن هذه الشكاوى قد تؤثر على أعمال الشركة، وعلاقتها بعملائها، ففضلوا سحبها.

«الملثم» التي سحبت من مزاد كريستيز (كريسنيز)

واللوحتان اللتان تم إقصاؤهما، هما جزء من مجموعات قديمة للفنان، عرضت لسنوات طوال دون أن تثير أي حساسية. اللوحة الأولى من الحجم الكبير، ويظهر فيها «الملثم»، وهو وجه رجل يلبس الكوفية المعروفة والمستخدمة في المنطقة العربية باللونين الأحمر والأبيض، ويلفها على وجهه. وكان سعر هذه اللوحة يتراوح بين 100 و150 ألف دولار. أما اللوحة الثانية المستبعدة، التي أثارت مشاعر المشتكين فتحمل اسم «المجهول»، وهي صورة لوجه رجل يرتدي قناعاً واقياً من الغاز، غالباً ما يلبسه المتظاهرون في كل العالم، وحتى في أوروبا، ليقوا أنفسهم، من الغاز الذي تستخدمه شرطة مكافحة الشغب، وعلى رأس الرجل في اللوحة لفت عصبة باللون الأحمر مكتوب عليها باللغة العربية «ثائرون»، وهي من الحجم الصغير وكان يقدر سعرها بين 15 ألفاً و22 ألف دولار.

مجهول أيمن بعلبكي (بركات غاليري)

وسلسلة «الملثم» تعود إلى عام 2012 وهي لافتة بجماليتها، وجابت دولاً عديدة، وتوقف بعلبكي عن رسمها، وانتقل إلى أفكار أخرى، مما رفع سعرها، وكذلك الطلب عليها. ويقول صاحب غاليري «أجيال» صالح بركات لـ«الشرق الأوسط» إن «ما قامت به (كريستيز) خدم بعلبكي ولم يضرّه في شيء. فهذه اللوحات بيعت منذ زمن طويل، وهي ملكيات خاصة. ومن لحظة أعلنت (كريستيز) عن سحبها للوحتين زاد الطلب عليهما بشكل كبير، وأتلقى اتصالات طوال اليوم من راغبين في الشراء من هذه المجموعات». أما من هم الراغبون في الشراء؟ فيقول بركات: «في الأيام المقبلة سنجد نوعين من الشراة. إما منزعجون مما فعلته (كريستيز) من العرب ومتعاطفون مع فلسطين، ويجدون رغبة في الاستحواذ على لوحة لاقت هذه المعاملة، وإما يهود مناهضون لسياسة حكومة إسرائيل، وهؤلاء يتكاثرون، كما نلاحظ». ويخبرنا صالح بركات أن ضغطاً كبيراً يمارس في أوروبا على شركات وغاليريات ومتاحف، بمجرد أن تظهر تعاطفاً مع فلسطينيين أو حتى دون أن تفعل ذلك، لأن ثمة تفسيرات جديدة، لأعمال قديمة، صار ينظر إليها بطريقة مختلفة. فلوحات بعلبكي رسمت من وحي البيئة اللبنانية والعربية في العقد المنصرم، والكوفية يلبسها العرب من المغرب إلى الخليج العربي، وليست رمزاً دينياً ولا عنفياً ولا حربياً. أما اللوحة التي يغطي صاحبها وجهه بقناعٍ واقٍ للغاز، فهي من مجموعة عام 2015 وعرضت وقتها، من وحي مظاهرات الربيع العربي ولا علاقة لها بفلسطين وما يحدث اليوم. ومع ذلك يرى بركات أن الاهتمام الذي لاقته هذه اللوحات سابقاً «كان بحد ذاته فلتة، من الفلتات القليلة».

وتتنوع أنواع الضغوطات التي يتعرض لها فنانون تشكيليون متعاطفون مع فلسطين «ومن بينها هو تهديدهم بخفض أسعار لوحاتهم، أو وقف الشراء منهم، مع أن الفن التشكيلي هو أكثر أنواع التعبير سلمية».

ويعتقد صالح بركات صاحب أحد أهم غاليريات الفن في لبنان، الذي رعا باكراً أعمال بعلبكي وآمن به وواكبه، «أن كريستيز وسوذبيز وغيرهما، هي شركات تجارية تبحث عن مصلحتها المالية وتراعي من يستطيع أن يدفع أكثر وهذا يفهم، لكن في الوقت نفسه هو سلوك يستثير لدى الآخر نوعاً من الاستفزاز، لذلك جاءت ردات الفعل عكسية ولصالحنا. فقد زاد الطلب على لوحات أيمن بعلبكي عشرة أضعاف، منذ تم سحب اللوحتين وأعلن الخبر. وأنا لا أدافع عن أيمن لأنني واكبت أعماله، بل إنني واكبت هذه الأعمال منذ البدء، لأنني وجدتها متميزة، وأرى أنه فنان عبقري، ويستحق النجاح».

أما اللوحة الثالثة لبعلبكي التي احتفظ بها المزاد، وستعرض للبيع اليوم، «فهي تجريدية، وعبارة عن أعلام محروقة، لا يرى بوضوح ما هي هذه الأعلام، ولا لأي دولة. ربما لهذا تركوها».

لوحة ثالثة لبعلبكي في مزاد كريستيز (كريستيز)

ويعتقد بركات أن العالم بات مقسوماً لنصفين، من يريدون الحرب من ناحية، ويرون أنه لا حلّ إلا بمواصلتها، ومن يعتقدون أن الموت لمائة سنة مقبلة، لن يصل بنا إلى نتيجة وعلينا أن نبحث عن صيغة تعايش، وهؤلاء ربما يتكاثرون حسب ما نرى.

أما الفنان اللبناني أيمن بعلبكي فقد ولد عام 1975 من عائلة فنية، والده وكذلك عمه عملا في الرسم. بدأ دراسة الفن في بيروت عام 1994 حتى 1998، ثم أكمل دراسته في باريس من عام 2001 إلى عام 2003، وأصبح معروفاً بلوحاته كبيرة الحجم، التي صور فيها المقاتلين، بطريقة لافتة ومؤثرة، وكذلك ركّز في بعض أعماله على المباني المدمرة التي تبدو واجهاتها عريقة ومتآكلة بفعل الحرب. وعُرضت أعماله، وعرفت على نطاق واسع في العالم العربي وأوروبا، ولمع اسمه. وشارك في عمل لافت تركيبي، في جناح لبنان في بينالي البندقية قبل عامين.

وهو فنان منغمس في بيئته، ويعمل من وحي محيطه، وتعكس أعماله فترة العنف والاحتراب التي عاشها صغيراً في لبنان، حيث ولد في السنة نفسها، التي اندلعت فيها الحرب الأهلية. والسيارة المحملة بأغراض البيت اللازمة للانتقال والهجرة إلى منزل آخر، هي عمل تركيبي جميل، كان من بين ما بدأ به بعلبكي مساره الفني اللافت.


مقالات ذات صلة

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.