لعنةُ حوض الاستحمام... تعدَّدَ المشاهير والوفاة واحدة

ماذا يقول طب القلب والنفس عن هذه الظاهرة؟

الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)
الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)
TT

لعنةُ حوض الاستحمام... تعدَّدَ المشاهير والوفاة واحدة

الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)
الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)

أعادت حادثة وفاة الممثل الأميركي ماثيو بيري الأسبوع الماضي إلى الذاكرة نهاياتٍ مماثلة لزملاء له من عالم الفنّ. كثيرون قبله أغمضوا عيونهم للمرّة الأخيرة وَهُم داخل حوض الاستحمام أو السباحة. لم تسحبهم المياه إلى أسفل ولم يغرقوا في شبرٍ منها، إنّما غلبَهم مفعول ما تناولوه من كحول أو مخدّرات أو عقاقير، ليقضوا تحت سطح الماء.

من عازف فريق «رولينغ ستونز» براين جونز، إلى مغنّي «ذا دورز» جيم موريسون، والمغنّية الأميركية ويتني هيوستن وابنتها بوبي كريستينا براون، مروراً بمغنّية فريق «كرانبيريز» دولوريس أوريوردان، وصولاً إلى ماثيو بيري... جميعُهم مشاهير غادروا هذا العالم بالطريقة الدراماتيكيّة ذاتها، وعانَوا خلال حياتهم من الإدمان.

في يمين الصورة عازف فريق «رولينغ ستونز» براين جونز الذي توفّي عام 1969 في حوض السباحة (رويترز)

انتحار أم حادث؟

يوضح الطبيب والمعالج النفسي د. جورج كرم في هذا السياق، أنه لا يمكن معرفة ما إذا كان الهدف الأساسيّ لدى هؤلاء المشاهير هو الانتحار، أي أن يتعاطوا المخدّرات ويتركوا أنفسهم يغرقون عمداً، أم إذا كانوا قد توفّوا داخل حوض الاستحمام من دون تعمّد وضع حدّ لحياتهم. ويتوقّف كرم في حديث مع «الشرق الأوسط» عند حالة ماثيو بيري ليقول: «لا ندري ما إذا كان قد غرق لأنه تناول الكثير من الكحول، أم لأنّ هدفه كان قتلَ نفسه».

وفي وقتٍ أجّلت الجهات القضائيّة الإعلان عن أسباب الوفاة، فإنّه من المؤكّد أنّ بيري لطالما رزح تحت ثقل المخدّرات والكحول والمسكّنات، وقد تحدّث علناً عن الأمر مرّاتٍ عدّة. على مدى سنوات حياته الـ54، لم يُعلَن عن أي محاولة انتحار قام بها بيري. غير أنّ معاناته مع الإدمان ظهرت للعيان منذ كان في الـ28 من عمره، عندما وقع في شرك مسكّنات الألم بعد تعرّضه لحادثٍ بَحريّ. وصل به الأمر إلى حدّ تناول 55 حبّة منها يومياً. وقبل عامٍ من وفاته، كشف أنه أنفق نحو 9 ملايين دولار على العلاج من الإدمان، بما في ذلك 14 جراحة للمعدة، و15 إقامة في مراكز إعادة تأهيل، والخضوع لجلسات نفسية مرّتين أسبوعياً طوال 25 عاماً.

أثّر الإدمان على مسيرة بيري وغالباً ما وصل إلى موقع تصوير «فريندز» وهو تحت تأثير الكحول والمخدّرات (رويترز)

جرعة زائدة هبوط في الضغط فغرق

من وجهة نظر طبّ القلب التي عبّر عنها لـ«الشرق الأوسط» أخصّائي القلب والشرايين د. إيلي شمّاس، فإنّ ما يحصل لهؤلاء الأشخاص هو توقّف للقلب بسبب جرعة زائدة من المخدّرات أو الكحول أو الأدوية المضادّة للألم والمهدّئات. ويضيف شمّاس: «عندما ينزلون في المياه، ينخفض ضغطهم بشكل مفاجئ ويتوقّف قلبهم». ويلفت الطبيب إلى أنّ درجة حرارة المياه عنصر مؤثّر كذلك، فارتفاع حرارتها أو انخفاضها قد يزيد من منسوب الصدمة.

يسلسل شمّاس المراحل المؤدّية إلى الوفاة في مثل هذه الحالات، وهي أوّلاً الجرعة الزائدة، ثمّ هبوط في ضغط الدم، يليه توقّف القلب، ليحصل بعد ذلك الغرق والوفاة. وقد تعدّد الذين اختاروا عمداً أو صُدفةً هذه النهاية. فقبل 5 سنوات من العثور على نجم مسلسل «فريندز» المحبوب جثّةً داخل حوض الجاكوزي في منزله في لوس أنجليس، قضت المغنية الإيرلنديّة دولوريس أوريوردان بالطريقة ذاتها. وُجدت الفنانة الأربعينيّة متوفّاة داخل حوض الاستحمام في أحد فنادق لندن. كان قد سبق ذلك تناولُها كمياتٍ كبيرة من الكحول، ووفق تقرير الوفاة فإنها غرقت بعد أن خدّرها التسمّم بالكحول.

عانت أوريوردان من الاكتئاب واضطراب ثنائي القطب، كما راودتها أفكار انتحاريّة، بسبب تعرّضها لاعتداءات جنسية خلال طفولتها. وقد تفاقمت حالتها النفسيّة مع مرور السنوات، ما أغرقها في الإدمان على الكحول.

البُعد النفسي للمياه

من الغرق في الإدمان إلى الغرق في أحواض الاستحمام، ظاهرةٌ تكرّرت لدى المشاهير يربطها د. جورج كرم بالبُعد النفسي للمياه؛ «الموت داخل المياه، أكان في حمّام السباحة أم المغطس أو حتى البحر، أشبَه بالاستسلام. المياه تبتلع كل شيء كما أنها تنظّف كل شيء». غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الأمر بالضرورة انتحار، فالمخدّر هو السبب المباشر للوفاة.

يوضح كرم أنّ «إغراق النفس من دون أن يكون الشخص تحت تأثير المخدّرات صعب جداً، لأنّ غريزة الحياة تغلب ويعود النفَس من تلقاء ذاته. لكنّ هذه الغريزة تغيب عندما يكون المرء تحت تأثير المخدّر أو الكحول، فيصبح الغرق والموت أسهل، مع العلم بأنّ الغيبوبة تحصل قبل الغرق».

هذا هو السيناريو الذي رسم نهاية الفنانة العالميّة ويتني هيوستن عام 2012، عندما غرقت في حوض استحمام أحد فنادق بيفرلي هيلز في الولايات المتحدة الأميركية. توقّف قلب هيوستن بسبب جرعة زائدة من الهيروين. وهي كانت قد عانت طويلاً من الإدمان على إثر علاقتها المتفجّرة مع زوجها بوبي براون، وبسبب ضغوط العمل والشهرة.

توفيت ويتني هيوستن داخل حوض الاستحمام بسبب جرعة زائدة من الهيروين عام 2012 (أ.ف.ب)

بوبي كريستينا على خطى والدتها

تكرّرت مأساة هيوستن مع ابنتها التي اختارت أن تسير على خطى والدتها. فبعد 3 سنوات على رحيل هيوستن، عُثر على بوبي كريستينا براون فاقدةً للوعي في حوض استحمام منزلها في ولاية جورجيا الأميركية. وبعد غيبوبة استمرّت 6 أشهر، توفّيت الشابّة وهي في الـ22 من عمرها. أظهرت التقارير القضائيّة لاحقاً أنّها كانت تحت تأثير مزيج من الماريغوانا، والكحول، والكوكايين، والمورفين، والأدوية المهدّئة.

ويتني هيوستن وابنتها بوبي كريستينا براون (أ.ب)

تعود لعنة حوض الاستحمام إلى سنواتٍ خلت، فتحتَ المياه أسلمَ المغنّي الأميركي جيم موريسون الروح عام 1971 عن سنّ 27 عاماً. ذُكر حينها أن سبب الوفاة هو فشلٌ في القلب، لكنّ شهوداً أفادوا بتعاطيه جرعة زائدة من الهيروين. ومن المعروف أن موريسون عانى خلال سنوات حياته القصيرة من الإدمان على الكحول والمخدّرات.

عام 1969، طفت جثّة الموسيقيّ البريطاني براين جونز على وجه حوض سباحة منزله جنوبي إنجلترا. كان كذلك في الـ27 من عمره. وعلى سجلّ جونز تاريخٌ من تعاطي الموادّ المخدّرة، ما أثّر على عمله وأدّى إلى استبعاده عن فريق «ذا دورز».


مقالات ذات صلة

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

تكنولوجيا إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

أفاد تطبيق «إنستغرام» بأنه سيبدأ بتنبيه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل قد يكون لها آثار طويلة الأمد على الصحة النفسية للطفل (أ.ب)

هل تهدد إصابة الحامل بعدوى طفلها بالانتحار في المستقبل؟

أظهرت دراسة حديثة أن إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل قد يكون لها آثار طويلة الأمد على الصحة النفسية للطفل.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق المحامي السويسري لودفيج مينيلي مؤسس عيادة «ديجنيتاس» الرائدة في مجال المساعدة على الموت 15 يونيو 2012 (أ.ف.ب)

اختار «القتل الرحيم»... وفاة مؤسس عيادة رائدة للمساعدة على الموت في سويسرا

أعلنت جمعية سويسرية أن لودفيج مينيلي، مؤسس عيادة «ديجنيتاس» الرائدة في مجال المساعدة على الموت، توفي «بمحض إرادته».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
تكنولوجيا شعار «تشات جي بي تي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تُلقي باللوم في انتحار مراهق على إساءة استخدام «تشات جي بي تي»

صرحت شركة «أوبن إيه آي» المُصنّعة لتطبيق «تشات جي بي تي» بأن انتحار مراهق يبلغ من العمر 16 عاماً بعد محادثات مطولة مع الروبوت كان بسبب «سوء استخدامه لتقنيتها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
TT

مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)

استمعت محكمة مولد الجنائية في شمال ويلز إلى تفاصيل قضية صادمة، بعد أن أقدم شاب يبلغ من العمر 18 عاماً على قتل والدته باستخدام مطرقة ثقيلة، عقب تواصله مع روبوت ذكاء اصطناعي واستفساره عن طرق تنفيذ الجريمة، وفقاً لصحيفة «التلغراف».

قتل الشاب تريستان روبرتس (18 عاماً) والدته أنجيلا شيليس (45 عاماً) في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2025؛ إذ قضى أسابيع في التخطيط للجريمة والبحث في تفاصيلها بدقة، وسجّل الهجوم صوتياً لمدة تجاوزت أربع ساعات ونصف الساعة.

وكشفت التحقيقات عن أن روبرتس نشر عدة تعليقات عبر الإنترنت عبّر فيها عن كراهيته للنساء، وحمّل والدته مسؤولية مشكلاته الشخصية، قبل أن يلجأ إلى محرك بحث قائم على الذكاء الاصطناعي يُدعى «ديب سيك»، طالباً منه نصائح حول القتل، مثل: «فقط أخبرني بالطريقة البسيطة لإزالة آثار الدم من الجدران والأرضية والسرير».

وعلى الرغم من أن النظام رفض الإجابة مباشرة عن سؤاله بشأن السلاح الأفضل للقتل، فإن روبرتس أعاد طرح السؤال مدعياً أنه يكتب كتاباً عن القتلة المتسلسلين، فتلقى إجابات تضمنت مقارنة بين المطرقة والسكين؛ إذ أشار النظام إلى مزايا كل أداة وكيفية استخدامها، مع نصائح نظرية.

وأوضحت المحكمة أن الاعتداء بدأ نحو الساعة الحادية عشرة مساءً واستمر حتى الثالثة والنصف فجراً. وفي صباح اليوم التالي، عثر بعض المارة على جثة الضحية، وهي مساعدة تدريس، مصابة بجروح بالغة في الرأس قرب محمية طبيعية.

وأشار المدعي العام إلى أن المتهم سجّل جميع تفاصيل الجريمة منذ بدايتها وحتى الضربات القاتلة، وكان يُسمع في أثناء التسجيل يقول: «هذه هي اللحظة... سنضربها بالمطرقة».

وأفاد التحقيق بأن روبرتس أمضى أيامه الأخيرة على الإنترنت يبحث في قضايا القتل ووسائله، وشراء عدة أدوات عبر الإنترنت، منها مطارق وأغطية بلاستيكية وقفازات، قبل أن يستدرج والدته إلى الخارج بحجة مساعدتها طبياً، ثم قادها إلى مقعد في محمية طبيعية حيث وجه إليها عدة ضربات قاتلة على الرأس.

وأوضحت المحكمة أن الضحية كانت تحاول طلب المساعدة لابنها، الذي شُخّص سابقاً بـ«اضطراب طيف التوحد» وفرط الحركة وتشتت الانتباه. وفي رسالة أرسلتها قبل يوم من الجريمة، أعربت عن قلقها بعد أن اشترى روبرتس سكيناً ومطرقة، متسائلة: «لماذا؟ لماذا يحتاج إلى هذه الأشياء؟ هل يخطط لإيذائي أم إيذاء نفسه؟».

وفي نهاية الجلسة، أصدرت المحكمة حكمها بالسجن المؤبد على المتهم، مع حد أدنى للعقوبة يبلغ 22 عاماً ونصف العام، مؤكدة أن الجريمة كانت «طريقة مروّعة للغاية للموت»، وما زاد فظاعتها هو أن الجاني كان ابن الضحية الذي أحبته وقلقت عليه حتى أيامه الأخيرة.


«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
TT

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

يحمل العرض الأدائي والموسيقي «الغارابيا» (Algarabía) مشروعاً فنّياً عابراً للثقافات، ينطلق من بامبلونا الإسبانية قبل أن يصل إلى أبوظبي، ضمن «مهرجان أبوظبي»، جامعاً بين الإرث العربي وفنّ الفلامنكو في رؤية معاصرة تستعيد الذاكرة الأندلسية، وترأب ما صدَّعته الجغرافيا عبر لغة الفنّ.

العمل إنتاج مشترك بين متحف جامعة نافارا و«مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون» ومؤسّسة «خولة للفنّ والثقافة»، ويُقدَّم بمناسبة مرور 150 عاماً على ميلاد الموسيقار الإسباني مانويل دي فالا، ويُعرض للمرة الأولى يومَي 27 و28 مارس (آذار) في بامبلونا، على أن ينتقل إلى العاصمة الإماراتية في 26 أبريل (نيسان) المقبل. وهو من إعداد وإخراج جهاد ميخائيل وإغناسيو غارسيا، ويقدّم تجربة متعدّدة المستويات تمزج بين الموسيقى والرقص والشِّعر، في محاولة لخلق حوار مُتجدِّد بين الثقافتين العربية والإسبانية.

كلّ خطوة على الخشبة تُعاند ما يتكسَّر في الداخل (البوستر الرسمي)

في المشروع، تحضر الفنانة اللبنانية سينتيا كرم بدور رئيسي، تؤدّي فيه شخصية عالِمة نبات عربية شابة تنطلق في رحلة إلى الأندلس بحثاً عن أسرار الأرض والنبات والزهور. شخصية تتجاوز بُعدها العلمي لتلامس أسئلة الانتماء والذاكرة، وتستدعي علاقة الإنسان بأرضه، وما يرافقها من ألم ومسؤولية.

سينتيا كرم التي تجمع بين الغناء والتمثيل والرقص، تضع هذه التجربة في إطارها الشخصي والمهني، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أختر المشاركة، وإنما اخترتُ قبولها لما تُمثّله لي من فخر كبير. خيسوس كارمونا أحد أبرز راقصي الفلامنكو في العالم، وأنا الحاضرة العربية الوحيدة في هذا العمل، أُمثّل من خلاله العالم العربي».

وتضيف أنّ اختيارها جاء نتيجة قدرتها على الجَمْع بين أكثر من أداء في آن، «لأنني أتنقّل بين الغناء والتمثيل والرقص. بدا هذا التعاون بالنسبة لي مساحة استثنائية تتقاطع فيها أدواتي الفنّية، وتجربة ألامس فيها نفسي كاملة».

ترى في الشخصية امتداداً لعلاقة حميمة وراسخة مع الأرض: «تأتي إلى المدينة الحمراء في الأندلس للتعمُّق في دراسة الأرض والورد والنبات». وتمنح الدور بُعداً رمزياً أوسع، مضيفةً: «هي صورة الإنسان المُتمسّك بأرضه، المُثقل بالألم حدّ أنه حين يلامس أرضاً أخرى، يرعاها برفق، ويدعو أصحابها إلى حمايتها والحفاظ عليها».

التداخُل بين العلمي والوجداني ينسحب أيضاً على طبيعة العمل الذي يسعى إلى إعادة اكتشاف الروابط بين العالمَيْن العربي والإسباني. على مستوى الكوريغرافيا، أشار بيان صحافي إلى أنّ الفنان الإسباني خيسوس كارمونا صمَّم لغة حركية تمزج بين الفلامنكو والتعبير الجسدي العربي، بمشاركة راقصين عرب وفنانين دوليين، في حين يجمع التكوين الموسيقي بين مؤلّفات دي فالا وأعمال المؤلّف الإماراتي إيهاب درويش، ضمن توزيع حديث ينسج حواراً متناغماً بين الإيقاعات الشرقية والغربية.

ترقص على المسرح وصدى القصف يتردَّد في داخلها (سينتيا كرم)

وتؤكّد الفنانة أنّ العمل أتاح لها لَمْس تقاطعات إنسانية وثقافية عميقة بين الشعبين: «ثمة كثير ممّا يجمع بين الثقافتين. نتشابه في الفخر والعزم، في الفرح والحبّ والكرم». وتشير إلى أنّ هذه المشتركات تجلّت بوضوح خلال تجربتها في إسبانيا؛ حيث بدا التلاقي أكثر رسوخاً من أيّ اختلاف.

ولا يقتصر «الغارابيا» على الموسيقى والرقص، فيتضمَّن نصوصاً شعرية مُختارة لشعراء من عصور مختلفة، من بينهم نزار قباني وميغيل إيرنانديث، إضافة إلى شعراء من التراث الأندلسي، ممّا يمنح العمل بُعداً ثقافياً وإنسانياً يُعمِّق فكرة الحوار بين الأزمنة واللغات.

ذلك يجعلها على يقين بأنّ الفنّ اليوم ينهض بمسؤولية مضاعفة في لحظة حرجة تتَّسع فيها الشروخ، وتقول: «الفنّ ضرورة لنُعيد جمع بعضنا. في هذه المرحلة التي تُفرّقنا، نحاول عبره أن نُقرّب المسافات ونُخفّف حدّة الفوارق». وتتابع: «الحوار مدخل لفهم الآخر والاقتراب منه، مع وعي لخطوطنا الحمراء واحترامها».

وتلفت إلى أنّ العمل، بما ينسجه من شِعر وموسيقى، «يحمل رسالة مُلحّة في هذه الظروف، كأننا ندعو إلى فتح القلوب والجلوس حول مساحة مشتركة تحتوي خلافاتنا».

يتميَّز المشروع أيضاً بطابعه التشاركي، فيجمع بين فنانين محترفين وطلاب بمشاركة عشرات الموسيقيين من أوركسترا جامعة نافارا، إلى جانب مغنِّي الجوقة وفرقة فلامنكو وعازفين من العالم العربي، في تجربة تعاونية تعكس روح التبادل الفنّي والتعليمي.

وإنما سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها. تقول: «تُنضجني هذه المشاركة وتمنحني قوّة أكبر؛ امرأةً وممثلةً». وتستعيد مشهد سفرها وسط التصعيد: «أتيتُ في وقت كان عبور المطار فيه محفوفاً بالخطر. فعلنا ذلك من دون يقين بالنجاة. عندما وصلتُ كان القصف يدور في بيروت. أقلعت الطائرة والغارات في الأرجاء، وحلّقتُ فوق الدخان».

وتتابع بنبرة تُظهر شقوقاً داخلية: «لا أدري إن كنتُ سأعود أم لا، لكنّ الشغف يقود الإنسان إلى حيث ينبغي أن يكون، حتى لو كانت الطريق مُثقلة بالتهديدات». وتضيف: «أُختيرتُ لهذا الدور، غير أنني في العمق أؤدّي دور المرأة العربية. قطعة من قلبي بقيت في بيروت. في لبنان الذي أراه يتشظّى أمام عينَيّ. وكأنني أنا أيضاً أتناثر وأحاول لملمة نفسي».

ورغم هذا الحِمِل، تُصرّ على الاستمرار: «أضحك، أرقص، أصنعُ فنّاً وفرحاً، في حين القلب يُداس كلّ لحظة. كلّ يوم يمرّ يضيف إلى أعمارنا ما يُشبه مائة عام. وجع، ولا استقرار، واستحالة يقين. ومع ذلك، يبقى الفنّ خشبة العبور الوحيدة».


أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
TT

أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

تعود هضبة الجيزة، بأهراماتها الشامخة وتمثالها الأسطوري، إلى صدارة النقاش العلمي، بعد طرح فرضية جديدة تتحدث عن احتمال وجود «أبو الهول الثاني» مدفوناً تحت الرمال، في ظل مؤشرات على ما وُصف ببنية عملاقة تحت الأرض.

وأعلن الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي نتائج دراسته خلال ظهوره في برنامج «Matt Beall Limitless»، مشيراً إلى أن نقوشاً أثرية قديمة قد تحمل دلائل تركها المصريون القدماء قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، ربما تقود إلى هذا الاكتشاف المثير، وفقاً «جي بي نيوز».

وتستند الفرضية إلى ما يُعرف بـ«لوحة الحلم»، وهي نصب حجري قائم بين قدمي تمثال أبي الهول، حيث تظهر وفق قراءة الفريق صورتان لتمثالين بدل تمثال واحد. ويرى الباحثون أن هذا المشهد قد لا يكون رمزاً فنياً فحسب، بل إشارة محتملة إلى وجود تمثال ثانٍ مطمور.

واعتمد الفريق البحثي على تقنيات الرصد عبر الأقمار الصناعية، لتحليل اهتزازات دقيقة في باطن الأرض، ما أفضى إلى تحديد ما يُعتقد أنه هيكل ضخم مخفي تحت طبقات متماسكة من الرمال.

ويقول بيوندي إن النتائج أظهرت تطابقاً هندسياً كاملاً، معبّراً عن ثقته بها بنسبة تقارب 80 في المائة، وهي نسبة، وإن بدت مرتفعة، فإنها لا تزال تفتح الباب أمام التحقق العلمي.

ومن خلال رسم محور يصل بين مركز هرم خفرع وتمثال أبي الهول، توصّل الفريق إلى نقطة مرجعية، قبل أن يعكس هذا المحور انطلاقاً من مركز الهرم الأكبر، لتظهر نقطة مقابلة تشير بيانات المسح إلى احتمال وجود الهيكل الثاني فيها.

ويشير بيوندي إلى أن الموقع المفترض يتمثل في تل صغير يبلغ ارتفاعه نحو 108 أقدام، في حين يقع تمثال أبي الهول الحالي في منخفض أقل ارتفاعاً من سطح الهضبة، وهو ما يعزز بحسب رأيه فرضية التماثل بين الموقعين.

كما أظهرت المسوحات الأولية وجود أعمدة رأسية وممرات تحت الأرض، تتشابه بشكل لافت مع التكوينات المكتشفة أسفل تمثال أبي الهول المعروف. ويؤكد الباحث أن هذه الخطوط الرأسية تمثل على الأرجح جدراناً صلبة، لا فراغات، إضافةً إلى رصد أنفاق أفقية تمتد إلى أعماق أكبر، ما يعزز الحديث عن بنية تحتية معقدة.

وكان فريق بيوندي قد أشار في وقت سابق إلى رصد شيء هائل تحت هضبة الجيزة، واصفاً إياه بأنه بنية عملاقة تحت الأرض، في توصيف يعكس حجم الطموح العلمي، وربما حجم الجدل أيضاً.

منطقة الأهرامات تشهد زخماً سياحياً (وزارة السياحة والآثار)

ويعود تاريخ «لوحة الحلم» إلى عهد الفرعون تحتمس الرابع، نحو عام 1401 قبل الميلاد، حين أقيمت خلال الأسرة الثامنة عشرة، لتبقى حتى اليوم مصدراً للتأويلات التاريخية والعلمية على حد سواء.

في المقابل، ليست هذه الفرضية الأولى من نوعها، إذ سبق لعالم المصريات بسام الشمّاع أن طرح تصوراً مشابهاً قبل سنوات، مستنداً إلى روايات قديمة، فيما رفض عالم الآثار المصري ووزير الآثار الأسبق زاهي حواس هذه الادعاءات عام 2017، مؤكداً أن المنطقة خضعت لحفريات مكثفة دون العثور على أدلة داعمة.

ورغم ما تحمله هذه الطروحات من إثارة، يشدد بيوندي على أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن التحقق الميداني، بمشاركة خبراء الجيولوجيا، يظل خطوةً حاسمةً قبل الجزم بأي نتائج. كما كشف عن إعداد مقترح مشروع رسمي لتقديمه إلى السلطات المصرية، أملاً في الحصول على موافقة لإجراء دراسات ميدانية أوسع.

وبين الحماسة العلمية والحذر الأثري، تبقى هضبة الجيزة، كما كانت دوماً، مساحةً مفتوحةً للأسئلة، ومرآةً لعلاقة الإنسان بالمجهول، حيث تتقاطع الحقائق بالفرضيات، ويظل الرمل شاهداً صامتاً على ما لم يُكشف بعد.

Your Premium trial has ended