لعنةُ حوض الاستحمام... تعدَّدَ المشاهير والوفاة واحدة

ماذا يقول طب القلب والنفس عن هذه الظاهرة؟

الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)
الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)
TT

لعنةُ حوض الاستحمام... تعدَّدَ المشاهير والوفاة واحدة

الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)
الفنانون الأميركيون ماثيو بيري وويتني هيوستن وجيم موريسون قضوا جميعاً في حوض الاستحمام (إنستغرام)

أعادت حادثة وفاة الممثل الأميركي ماثيو بيري الأسبوع الماضي إلى الذاكرة نهاياتٍ مماثلة لزملاء له من عالم الفنّ. كثيرون قبله أغمضوا عيونهم للمرّة الأخيرة وَهُم داخل حوض الاستحمام أو السباحة. لم تسحبهم المياه إلى أسفل ولم يغرقوا في شبرٍ منها، إنّما غلبَهم مفعول ما تناولوه من كحول أو مخدّرات أو عقاقير، ليقضوا تحت سطح الماء.

من عازف فريق «رولينغ ستونز» براين جونز، إلى مغنّي «ذا دورز» جيم موريسون، والمغنّية الأميركية ويتني هيوستن وابنتها بوبي كريستينا براون، مروراً بمغنّية فريق «كرانبيريز» دولوريس أوريوردان، وصولاً إلى ماثيو بيري... جميعُهم مشاهير غادروا هذا العالم بالطريقة الدراماتيكيّة ذاتها، وعانَوا خلال حياتهم من الإدمان.

في يمين الصورة عازف فريق «رولينغ ستونز» براين جونز الذي توفّي عام 1969 في حوض السباحة (رويترز)

انتحار أم حادث؟

يوضح الطبيب والمعالج النفسي د. جورج كرم في هذا السياق، أنه لا يمكن معرفة ما إذا كان الهدف الأساسيّ لدى هؤلاء المشاهير هو الانتحار، أي أن يتعاطوا المخدّرات ويتركوا أنفسهم يغرقون عمداً، أم إذا كانوا قد توفّوا داخل حوض الاستحمام من دون تعمّد وضع حدّ لحياتهم. ويتوقّف كرم في حديث مع «الشرق الأوسط» عند حالة ماثيو بيري ليقول: «لا ندري ما إذا كان قد غرق لأنه تناول الكثير من الكحول، أم لأنّ هدفه كان قتلَ نفسه».

وفي وقتٍ أجّلت الجهات القضائيّة الإعلان عن أسباب الوفاة، فإنّه من المؤكّد أنّ بيري لطالما رزح تحت ثقل المخدّرات والكحول والمسكّنات، وقد تحدّث علناً عن الأمر مرّاتٍ عدّة. على مدى سنوات حياته الـ54، لم يُعلَن عن أي محاولة انتحار قام بها بيري. غير أنّ معاناته مع الإدمان ظهرت للعيان منذ كان في الـ28 من عمره، عندما وقع في شرك مسكّنات الألم بعد تعرّضه لحادثٍ بَحريّ. وصل به الأمر إلى حدّ تناول 55 حبّة منها يومياً. وقبل عامٍ من وفاته، كشف أنه أنفق نحو 9 ملايين دولار على العلاج من الإدمان، بما في ذلك 14 جراحة للمعدة، و15 إقامة في مراكز إعادة تأهيل، والخضوع لجلسات نفسية مرّتين أسبوعياً طوال 25 عاماً.

أثّر الإدمان على مسيرة بيري وغالباً ما وصل إلى موقع تصوير «فريندز» وهو تحت تأثير الكحول والمخدّرات (رويترز)

جرعة زائدة هبوط في الضغط فغرق

من وجهة نظر طبّ القلب التي عبّر عنها لـ«الشرق الأوسط» أخصّائي القلب والشرايين د. إيلي شمّاس، فإنّ ما يحصل لهؤلاء الأشخاص هو توقّف للقلب بسبب جرعة زائدة من المخدّرات أو الكحول أو الأدوية المضادّة للألم والمهدّئات. ويضيف شمّاس: «عندما ينزلون في المياه، ينخفض ضغطهم بشكل مفاجئ ويتوقّف قلبهم». ويلفت الطبيب إلى أنّ درجة حرارة المياه عنصر مؤثّر كذلك، فارتفاع حرارتها أو انخفاضها قد يزيد من منسوب الصدمة.

يسلسل شمّاس المراحل المؤدّية إلى الوفاة في مثل هذه الحالات، وهي أوّلاً الجرعة الزائدة، ثمّ هبوط في ضغط الدم، يليه توقّف القلب، ليحصل بعد ذلك الغرق والوفاة. وقد تعدّد الذين اختاروا عمداً أو صُدفةً هذه النهاية. فقبل 5 سنوات من العثور على نجم مسلسل «فريندز» المحبوب جثّةً داخل حوض الجاكوزي في منزله في لوس أنجليس، قضت المغنية الإيرلنديّة دولوريس أوريوردان بالطريقة ذاتها. وُجدت الفنانة الأربعينيّة متوفّاة داخل حوض الاستحمام في أحد فنادق لندن. كان قد سبق ذلك تناولُها كمياتٍ كبيرة من الكحول، ووفق تقرير الوفاة فإنها غرقت بعد أن خدّرها التسمّم بالكحول.

عانت أوريوردان من الاكتئاب واضطراب ثنائي القطب، كما راودتها أفكار انتحاريّة، بسبب تعرّضها لاعتداءات جنسية خلال طفولتها. وقد تفاقمت حالتها النفسيّة مع مرور السنوات، ما أغرقها في الإدمان على الكحول.

البُعد النفسي للمياه

من الغرق في الإدمان إلى الغرق في أحواض الاستحمام، ظاهرةٌ تكرّرت لدى المشاهير يربطها د. جورج كرم بالبُعد النفسي للمياه؛ «الموت داخل المياه، أكان في حمّام السباحة أم المغطس أو حتى البحر، أشبَه بالاستسلام. المياه تبتلع كل شيء كما أنها تنظّف كل شيء». غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الأمر بالضرورة انتحار، فالمخدّر هو السبب المباشر للوفاة.

يوضح كرم أنّ «إغراق النفس من دون أن يكون الشخص تحت تأثير المخدّرات صعب جداً، لأنّ غريزة الحياة تغلب ويعود النفَس من تلقاء ذاته. لكنّ هذه الغريزة تغيب عندما يكون المرء تحت تأثير المخدّر أو الكحول، فيصبح الغرق والموت أسهل، مع العلم بأنّ الغيبوبة تحصل قبل الغرق».

هذا هو السيناريو الذي رسم نهاية الفنانة العالميّة ويتني هيوستن عام 2012، عندما غرقت في حوض استحمام أحد فنادق بيفرلي هيلز في الولايات المتحدة الأميركية. توقّف قلب هيوستن بسبب جرعة زائدة من الهيروين. وهي كانت قد عانت طويلاً من الإدمان على إثر علاقتها المتفجّرة مع زوجها بوبي براون، وبسبب ضغوط العمل والشهرة.

توفيت ويتني هيوستن داخل حوض الاستحمام بسبب جرعة زائدة من الهيروين عام 2012 (أ.ف.ب)

بوبي كريستينا على خطى والدتها

تكرّرت مأساة هيوستن مع ابنتها التي اختارت أن تسير على خطى والدتها. فبعد 3 سنوات على رحيل هيوستن، عُثر على بوبي كريستينا براون فاقدةً للوعي في حوض استحمام منزلها في ولاية جورجيا الأميركية. وبعد غيبوبة استمرّت 6 أشهر، توفّيت الشابّة وهي في الـ22 من عمرها. أظهرت التقارير القضائيّة لاحقاً أنّها كانت تحت تأثير مزيج من الماريغوانا، والكحول، والكوكايين، والمورفين، والأدوية المهدّئة.

ويتني هيوستن وابنتها بوبي كريستينا براون (أ.ب)

تعود لعنة حوض الاستحمام إلى سنواتٍ خلت، فتحتَ المياه أسلمَ المغنّي الأميركي جيم موريسون الروح عام 1971 عن سنّ 27 عاماً. ذُكر حينها أن سبب الوفاة هو فشلٌ في القلب، لكنّ شهوداً أفادوا بتعاطيه جرعة زائدة من الهيروين. ومن المعروف أن موريسون عانى خلال سنوات حياته القصيرة من الإدمان على الكحول والمخدّرات.

عام 1969، طفت جثّة الموسيقيّ البريطاني براين جونز على وجه حوض سباحة منزله جنوبي إنجلترا. كان كذلك في الـ27 من عمره. وعلى سجلّ جونز تاريخٌ من تعاطي الموادّ المخدّرة، ما أثّر على عمله وأدّى إلى استبعاده عن فريق «ذا دورز».


مقالات ذات صلة

كندا تحاكم رجلاً باع سموماً عبر الإنترنت للمساعدة على الانتحار

العالم أقارب أحد الضحايا خلال جلسة محاكمة بائع السموم الكندي كينيث لو، الذي أقرّ بذنبه في 14 تهمة بالمساعدة على الانتحار بأونتاريو في كندا يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

كندا تحاكم رجلاً باع سموماً عبر الإنترنت للمساعدة على الانتحار

تُستأنف محاكمة رجل كندي باع سموماً في دول عدة عبر الإنترنت للمساعدة على الانتحار في 27 نوفمبر، وفق ما أعلنت المحكمة التي تنظر في القضية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
صحتك رجل يغطي وجهه أثناء ركوبه دراجة وسط الغبار والتلوث في الهند (أ.ب)

تلوث الهواء قد يرتبط بزيادة الأفكار الانتحارية

كشفت دراسة جديدة عن وجود علاقة بين تلوث الهواء وزيادة خطر الانتحار والأفكار الانتحارية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك استعادة الوزن بعد استخدام علاجات السمنة قد يرتبط بزيادة الأفكار الانتحارية (أ.ب)

استعادة الوزن بعد استخدام أدوية السمنة قد تزيد الأفكار الانتحارية

كشفت دراسة جديدة عن ارتباط استخدام أدوية إنقاص الوزن بارتفاع معدلات الاكتئاب والأفكار المرتبطة بالانتحار، خصوصاً بين الأشخاص الذين استعادوا الوزن بعد فقدانه.

«الشرق الأوسط» (سيول)
آسيا برج «سيتيك» في بكين حيث تظهر الأضرار في أحد الطوابق العليا من واجهته الخارجية (رويترز)

الصين: الطيار الذي اصطدم بطائرة صغيرة في بكين كتب عن «إنهاء حياته»

قالت السلطات الصينية، اليوم (الخميس)، إن الطيار الذي اصطدم بطائرة صغيرة في أطول مبنى في بكين الأسبوع الماضي، كتب في مذكراته بشأن «إنهاء حياته».

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ طفل يمسك بأيدي والديه في أثناء مغادرتهما المسجد بموقع إطلاق النار الذي وقع في المركز الإسلامي بسان دييغو في كاليفورنيا (رويترز) p-circle

طفل اختبأ في خزانة خلال الهجوم على مسجد بكاليفورنيا: «رأيت أشياء مروعة»

اضطر عدي شنة (9 سنوات) إلى الاحتماء مع عشرات الأطفال داخل غرف دراسية أمس، عندما بدأ إطلاق نار في المسجد الذي يدرسون فيه.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».