مذكّراتٌ بالألوان عن حياة إيمي واينهاوس القاتمة

كتاب يحتفي بكلمات المغنية البريطانية ورسوماتها في ذكرى ميلادها الـ 40

عائلة المغنية البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس تستذكرها من خلال كتاب يضمّ خواطرها ورسوماتها (رويترز)
عائلة المغنية البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس تستذكرها من خلال كتاب يضمّ خواطرها ورسوماتها (رويترز)
TT

مذكّراتٌ بالألوان عن حياة إيمي واينهاوس القاتمة

عائلة المغنية البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس تستذكرها من خلال كتاب يضمّ خواطرها ورسوماتها (رويترز)
عائلة المغنية البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس تستذكرها من خلال كتاب يضمّ خواطرها ورسوماتها (رويترز)

بعد أيام كانت ستحتفل إيمي واينهاوس بعيدها الـ40، لكن عدّاد عمر المغنية البريطانية توقّف عند الـ27 عام 2011. رغم مرور السنوات، لم ترغب عائلتها في أن تكون ذكرى ميلادها محطةً عابرة. للمناسبة، قرر والدا واينهاوس أن يجمعا كلمات ابنتهما وأفكارها المبعثرة ورسوماتها البريئة في كتاب، ليهدياه إلى روحها وإلى كل مَن أحبّوها ولا يزالون.

صدر «Amy Winehouse: in her Words – إيمي واينهاوس: في كلماتها» قبل أيام عن دار «هاربر كولنز». ليس الكتاب سيرةً تقليديّة عن الفنانة ولا شهاداتٍ جُمعت عن حياتها ومسيرتها الموسيقية، بل هو أقرب إلى ألبوم من 288 صفحة، يضمّ صوراً كثيرة لواينهاوس خلال مراحل مختلفة من حياتها. إلى جانب الصور، يزيّن خطّ يد المغنّية الأنيق معظم أجزاء الكتاب، بما في ذلك كلمات أغنيات ألّفتها، ورسائل كتبتها إلى أمها، وخواطر عن يومياتها، إضافةً إلى عشرات القوائم التي ضمّنتها مشاريعها وأحلامها.

غلاف كتاب «إيمي واينهاوس: بكلماتها» الصادر منذ أيام عن دار هاربر كولنز (مؤسسة إيمي واينهاوس)

قائمة «طموحات الشهرة»

في قائمة «طموحات الشهرة» دوّنت واينهاوس أنها تريد التمثيل في فيلم يُظهرها قبيحة، وأنها ترغب في أن تصبح صديقة ممثلات معروفات. مراهقةً، حلمت بالتعاون مع مغنّين معروفين، وأن تملك أكثر من 300 زوج من الأحذية. كتبت: «أريد شعراً مثل مارلين مونرو، وبيتاً على شاطئ ميامي، وأريد أن أتجنّب عمليات التجميل».

حققت واينهاوس معظم طموحاتها، فتعاونت مع كبار الفنانين، ولم تلجأ إلى التجميل، كما أنها عُرفت بتسريحتها المميّزة وبامتلاكها مجموعة ضخمة من الأحذية. لكنّ الأحلام بُترت وهي بعدُ يانعة، إذ غرقت الفنانة في الإدمان واسودّت الحياة في عينيها، إلى أن قضت جرّاء تسمّمها بالكحول.

قائمة «طموحات الشهرة» بخطّ يد إيمي واينهاوس (إنستغرام)

لا يستفيض الكتاب في الفصول القاتمة من حياة واينهاوس، بل يبدو نسخة منقّحة عنها نصاً وصوراً، فيضيء على لحظات الفرح وعفويّة الطفولة والبدايات. يمرّ بسرعة على معاناتها مع اضطرابات الطعام ومع الإدمان، من خلال هذه العبارة في افتتاحيّة الوالدَين: «حتماً ليس بوسعنا تبييض حكاية إيمي. نعم كانت مدمنة. نعم كانت حياتها فوضويّة. لكن بعد انقضاء 12 سنة على وفاتها، ننظر إلى رسوماتها وكتاباتها هذه ونبتسم، كما كانت تفعل هي».

تلميذة مشاغبة عاشقة للفنّ

في صور الطفولة، تبدو واينهاوس فتاةً سعيدة ومشاغبة. هنا تختبئ في سلّة كبيرة وتطلّ برأسها من داخلها، وهناك تبتسم للكاميرا وعلى كتفها بومة بيضاء. من الواضح أنها أحبّت أيامها في المدرسة، وتلك البطاقة التي ملأتها بالقلوب الحمراء احتفاءً بالعودة إلى مقاعد الدراسة ليست سوى دليل على ذلك. غير أن هذا لا يعني أنها كانت تلميذة مجتهدة.

كانت واينهاوس طفلة مشاغبة أتعبت أساتذتها في المدرسة (إنستغرام)

عن تلك الطالبة الصغيرة، كتبت إيمي في يوميّاتها: «قد أكون غريبة الأطوار وصاخبة بعض الشيء، لكن هذا سببه أن قلةً من الأشخاص يعرفون حقاً مَن أنا. معظم الناس لا يريدون أن يعرفوني، هم مسرورون فقط بالاعتقاد بأني مجنونة الصف. صوتي عالٍ وأنتقد الآخرين، هكذا أنا».

في تقرير نهاية العام الدراسي كتبت المدرّسة المسؤولة عن إيمي: «كم هي مثيرة للشفقة». عانى المدرّسون معها، فهي بالكاد كانت تجلس في مكان، كما أنها لم تُطِع أمراً وغالباً ما أثارت الشغب داخل قاعة الصف. اشتكوا من عنادها ومن أنها كانت سريعة الملل. لكن في المقابل، برزت ملامح الإبداع لديها مبكراً في اللغة والفنون، وهي كانت تهدأ بشكل استثنائي أمام فيلم أو مسرحية، ووجدت ضالّتها في الموسيقى وكتب الرواية والشعر التي كانت تلتهمها.

مخبأ الأسرار والأحلام

في مقدّمة الكتاب يقرّ والدا إيمي بأنهما لم يفهماها تماماً، لكنهما يعرفان أنها جعلت من غرفة نومها قصراً لأحلامها. تخبر والدتها بأن غرفتها شكّلت ملاذاً بالنسبة إليها ومخبأً لأسرارها؛ «ما كنّا نعرف آنذاك ماذا كانت تفعل بالتحديد خلف الباب، لكن اتّضح لاحقاً أنها كانت تملأ الدفاتر واحداً تلو الآخر بالقوائم والرسومات، بالخرائط والخطط. ثم كانت تخرج فجأةً من خلوتها حاملةً إليّ بطاقة صنعتها بنفسها بمناسبة عيد الأمّ، وفيها قصيدة من تأليفها».

إيمي واينهاوس مع والدتها جانيس على مسرح الـ«غراميز» بعد فوزها عام 2008 (إنستغرام)

بعيداً عن هدوء الغرفة، ملأت واينهاوس البيت رقصاً وغناءً، إلى درجة أن العائلة كانت تأمرها بالصمت أحياناً. في الكتاب الصادر حديثاً، تكثر النصوص التي ألّفتها وحلمت بغنائها، حتى أنها خصصت قوائم للمواضيع التي تخطط للغناء عنها. كل شيء تحوّل إلى قوائم ولوائح على دفاتر إيمي، حتى أنها وضعت لائحةً بالأساليب التي يجب اعتمادها لإقناع أهلها بأنها مسؤولة.

من بين القوائم التي وضعتها، واحدة بالأزياء التي سترتديها عندما تصبح مشهورة. ففي الكتاب تصاميم للملابس والتسريحات التي ستعتمدها إيمي في عالم الفن. رسمت مستقبلها على الورق قبل أن تراه يتحقق أمام عينيها. فهي لاحقاً التزمت بخطوط المراهِقة الحالمة، معتمدةً الفساتين الضيّقة والقصيرة، وتسريحة «قفير النحل» الشهيرة التي صمّمتها ولوّنتها في دفاتر المذكّرات.

اشتهرت واينهاوس بتسريحة «قفير النحل» وبالكحل الأسود السميك فوق عينيها (أ.ب)

«العودة إلى الأسود»

كبرت الطفلة المشاغبة إيمي لتحوّل أحلامها إلى حقيقة، حاصدةً الجوائز العالمية عن أغانيها التي حطّمت الأرقام القياسيّة مبيعاً واستماعاً. لكنها في المقابل اكتشفت تدريجياً الوجه الآخر للشهرة التي حلمت بها، وتدريجياً كذلك بدأت الرسومات تختفي من دفاترها. فبالتزامن مع صدور ألبومها الثاني «Back to Black – العودة إلى الأسود»، كانت واينهاوس قد دخلت دوّامة الإدمان والعلاقة السامّة مع زوجها.

أهملت دفاترها وصحّتها وصورتها التي لطالما رسمتها بالألوان الزاهية. لكن في ذكرى ميلادها الـ40، أصرّ أصحاب الشأن على الاحتفاء حصراً بالصورة الجميلة. يقول والدها ميتش واينهاوس في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأميركية إن إعداد الكتاب كان بمثابة علاج للعائلة، التي اختبرت أوقاتاً امتزجت فيها الدموع بالضحكات. ويضيف: «كثير من دفاتر إيمي ضاع عبر السنوات، لكن ما تبقّى هي لوحة رائعة عن ابنتنا التي نشتاق إليها».

إيمي ووالدها ميتش واينهاوس الذي كان متحكماً بإدارة أعمالها (إنستغرام)

يعود ريع مبيعات الكتاب إلى «مؤسسة إيمي واينهاوس» التي تأسست عقب وفاتها، والتي تُعنى بتوعية الأجيال الشابة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية بخطورة الكحول والمخدرات. قد يُفرح هذا الأمر قلب إيمي، لكن لا شيء يضمن أنها كانت لتفرح بمبادرة العائلة إلى نشر مذكّرات مراهقتها ومدوّناتها الحميمة على الملأ بعد وفاتها.


مقالات ذات صلة

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

الوتر السادس شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

أطلقت المطربة المصرية شذى أخيراً مجموعة أغانٍ منفردة أحدثها أغنية «أوكي» التي صدرت في بداية عام 2026 وأغنية «زمانك دلوقتي»، بالإضافة إلى عدة أغنيات مثل «ناجح»..

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

يزخر مشوار الملحن رواد رعد بأعمال غنائية ناجحة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. فهو ينتمي إلى الجيل الذهبي من الملحنين اللبنانيين الذين تركوا بصمتهم على الساحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

تبدو تجربة أحمد قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

كل الإشارات تدل على عودة قريبة للفنانة العالمية سيلين ديون بعد ابتعاد طويل بسبب إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبس». ويبدو أن باريس ستستضيف العودة الغنائية.

كريستين حبيب (بيروت)

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended