المتحف البريطاني في مرمى السهام

بعد اختفاء آلاف القطع من مجموعته

المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)
المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)
TT

المتحف البريطاني في مرمى السهام

المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)
المتحف البريطاني بلندن يواجه انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار (د.ب.أ)

أثارت قضية سرقة أكثر من ألفي قطعة من المتحف البريطاني بلندن انتقادات من الصحافة والمهتمين بالآثار، ومن دول تحاول جاهدة استعادة كنوزها الأثرية التي نهبت، أو تم الحصول عليها خلال حكم الإمبراطورية البريطانية لعدد من دول العالم. وليس جديداً أن دولاً مثل مصر واليونان تطالب باستمرار بعودة آثارها الهامة، والمعروف أيضاً رفض المتحف والحكومة البريطانية هذه الطلبات، غير أن ما توارد مؤخراً من فقدان المتحف عدداً كبيراً من القطع من مجموعته، فتح الباب مجدداً للمطالبة بالحقوق المنهوبة، وبالفعل قالت اليونان إن المتحف البريطاني مكان غير آمن لحفظ الآثار. في لطمة للمتحف ولبريطانيا التي قاومت إعادة الآثار المنهوبة لبلادها، بحجة الحفاظ عليها من أوضاع غير آمنة.

تجرى التحقيقات حالياً حول اختفاء مئات القطع من مجموعة المتحف البريطاني بلندن (إ.ب.أ)

نعود إلى قصتنا، في البداية كانت القطع المفقودة قليلة، عرفنا أن موظفاً في المتحف طرد، بسبب الاشتباه بسرقته بعض القطع في عهدته. لكن الأمر لم يتوقف عند حادث فردي، وبدا أن الأمر أكبر. تولت الصحف البريطانية متابعة وتمحيص المعلومات، فعلمت صحيفة «التلغراف» أن بعض القطع ما زالت معروضة على موقع «إي باي»، وأوردت صوراً تثبت ذلك، ثم أتبعت ذلك نشر قائمة بقطع مفقودة من المتحف حصلت عليها بناء على قانون حرية المعلومات، وبالأمس أوردت صحيفة «ذا تايمز» أن حادثة سرقة القطع من المتحف ليست أمراً عارضاً، ونقلت عن مصدر لم تفصح عن اسمه أن هناك لصاً قضى 20 عاماً ينهب في هدوء وخلسة قطع المجوهرات والقطع الأثرية صغيرة الحجم من المخازن. وتنقل «ذا تايمز» عن مصدر في الشرطة أن القطع المسروقة لم تكن في خزانات العرض، بل كانت في قاعات أرضية، وكانت مخصصة للأبحاث والدراسات. وربما يكون ذلك عاملاً في عدم ملاحظة اختفائها. ما زاد مهمة السارق سهولة هو أن هناك عدداً ضخماً من القطع في مخازن المتحف ليس مدوناً بتفاصيله في سجلات المتحف. وما يلفت النظر، ويثير الحيرة هو أن إدارة المتحف بدت خلال الفضيحة الأخيرة، وكأنها مغيبة. تضاربت التعليقات والتصريحات بشكل رسم صورة لفوضى إدارية داخل المتحف.

المعروف أن المتحف يضم حوالي 8 ملايين قطعة أثرية، منها 80 ألفاً في العرض.

صورة من موقع «إي باي» لإحدى القطع المفقودة من المتحف البريطاني

بحسب تحقيق طويل لصحيفة «التلغراف»، قام تاجر أنتيكات هولندي يُدعَى إيتاي غرادل بالتواصل مع مدير المتحف البريطاني د. هارتفيغ فيشر، ونائبه د. جوناثان ويليامز، في فبراير (شباط) 2021، غير أنه تلقى رداً محبطاً. وبحسب ما نقلته «التلغراف»، فقد أرسل غرادل صوراً من موقع «إي باي» تدل على هوية بائع القطع المسروقة ورقم حسابه المصرفي. الملاحظ أن اسم البائع كان مطابقاً للاسم الذي يستخدمه د. بيتر هيغز، القيم بالمتحف البريطاني، على موقع «تويتر»، وكان هيغز قد فصل من عمله مؤخراً بتهمة سرقة قطع من المتحف، رغم أنه ينفي التهمة. تاجر الأنتيكات الهولندي، بحسب تقرير الصحيفة، قام بشراء نحو 70 قطعة من موقع «إي باي» من نفس البائع منذ عام 2014، غير أن الشك بدأ يساوره بعدما رأى إحدى القطع المعروضة على «إي باي» لاحقاً على موقع المتحف البريطاني. عندها أدرك غرادل أن البائع قد خدعه بشأن تاريخ القطعة وملكيتها، بما يؤكد أن في الأمر جريمة سرقة، وقام بالكتابة لأمناء المتحف بعد تلقيه رداً فاتراً من المدير ونائبه، وعرف بعد ذلك أن القيم د. هيغز فصل من عمله. ما يبدو واضحاً هو أن شكوى غرادل أتت بنتيجة داخل المتحف، حيث وردت أخبار بأن د. فيشر سيترك منصبه في المتحف البريطاني العام المقبل، غير أنه لم يصدر بيان من المتحف بهذا الشأن. وللدفاع عن نفسه في وجه العاصفة، أصدر فيشر بياناً، أول من أمس، قال فيه: «عندما تلقينا الادعاءات في عام 2021، تعاملنا معها بجدية كبيرة، وأطلقنا تحقيقاً... في عام 2022 قمنا بإجراء عملية مسح شاملة، أظهرت لنا أن هناك مشكلة كبرى، وقمت على الفور بنقل مخاوفي لمجلس الأوصياء، وقررنا جميعاً أن نحيل الأمر للشرطة، وفي الوقت نفسه بدأنا إجراء تأديبياً نتج عنه فصل أحد العاملين في المتحف».

هارتفيغ فيشر مدير المتحف البريطاني مع الخبير بيتر هيغز الذي اتهم بسرقة قطعة من المتحف وبيعها على الإنترنت (غيتي)

القطع المختفية

بحسب التقارير الصحافية، يبدو أن القطع المختفية أو المسروقة بيعت بأسعار زهيدة لا تتجاوز مئات الجنيهات رغم قيمتها، ونقلت «ذا تايمز» عن مصدر في الشرطة أن بعض القطع الذهبية قد صهرت، وأن هناك أحجاراً ثمينة انتزعت من إطاراتها الذهبية للبيع على نحو منفصل. وبحسب ما ذكرته الصحيفة، فقد سجلت مئات القطع في سجلات المتحف على أنها «مفقودة».

أثارت الأسعار المنخفضة التي عرضت بها القطع على «إي باي» التساؤلات عن قيمتها الحقيقية. وبحسب التقارير المختلفة، يبدو أن القطع المختفية كلها ذات قيمة متوسطة، وهو ما يشير له مايكل مكدونالد، خبير الفضيات في شركة تقييم أنتيكات، في حديث مع «التلغراف»، حيث قال إنَّ القطع المفقودة قد لا تكون «النجوم المشعة في المجموعة، وهو الحال مع قطع أثرية مختلفة لا تكون لها قيمة تجارية عالية، لكنها تمثل أهمية معرفية وثقافية ضخمة». من تلك القطع؛ مصباح من الخزف، وميزان للعملات، وعملات فضية يونانية، حصل عليها المتحف عام 1948، إلى جانب عملات معدنية أخرى من روما القديمة وألمانيا في العصور الوسطى. كما اختفى أيضاً خاتم من العصر الإدواردي، حصلت عليه المؤسسة في عام 2001، وفي مكان آخر، اختفت أيضاً سلسلة من «الأسلاك الفضية المستديرة المقطعة» يُعتقد أنها نشأت من كنز من العصر الحديدي مدفون في عام 100 قبل الميلاد، وتبلغ قيمتها آلاف الجنيهات الإسترلينية. وقال المتحف البريطاني، في بيان: «نحن نأخذ مسألة أي عناصر مفقودة على محمل الجدّ. يتم تسجيل الخسائر وإبلاغ الأمناء بها على أساس سنوي». وقال مارتن هينيغ، أستاذ علم الآثار في جامعة أكسفورد: «إذا كان هناك مزيد من الأشياء المفقودة (مما نعرفه)، فقد يشير ذلك إلى مشكلة كبرى. لا ينبغي أن تختفي الأشياء من المتحف. يجب أن يكون هناك تدقيق مناسب».

غير أن البيان لم يكن كافياً بالنسبة لبعض الخبراء، فقد قال خبراء آخرون إنه كان ينبغي للمتحف أن يتصرف بسرعة أكبر. وقال ديك إليس، الرئيس السابق لفرقة الفنون والآثار في سكوتلاند يارد، لصحيفة «نيويورك تايمز»، إنه صُدم لأن المتحف لم يتخذ سوى القليل من الإجراءات خلال العامين الماضيين منذ إطلاق الإنذار. وقال إليس إنه من أجل الكشف عما حدث، سيحتاج المتحف البريطاني أولاً إلى التأكد مما فقده بالضبط، عندها ستحتاج الشرطة إلى الحصول على سجلات من موقع «eBay» أو مواقع المزادات الأخرى للتأكد من تفاصيل أي عملية بيع مكتملة أو محاولة بيع. وأضاف أن الشرطة ستحتاج بعد ذلك إلى الاتصال بمشتري العناصر. وإذا كان أي مشترين يقيمون خارج بريطانيا، فإن ذلك قد يعيق التحقيقات.

جانب من رخاميات إلغن اليونانية في المتحف البريطاني (إ.ب.أ)

تتولى قيادة الجرائم الاقتصادية بشرطة لندن (مترو بوليتان بوليس) التحقيق حالياً، وحتى تصدر تقريرها لن يعرف حجم السرقات أو الضرر الذي وقع داخل قاعات المتحف العريق، ولكن مما لا شك فيه هو أن سمعة مؤسسة المتحف قد تضررت، وفتحت الحادثة أبواباً كثيرة لمطالبات دول رفض المتحف إعادة مقتنياتها مراراً.

حقائق

8 ملايين

المتحف البريطاني يضم حوالي 8 ملايين قطعة أثرية، منها 80 ألفاً في العرض.


مقالات ذات صلة

سرقة العصر وتلَف آثار وإضرابات… «اللوفر» يمر بأسوأ فصوله

يوميات الشرق متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب) p-circle

سرقة العصر وتلَف آثار وإضرابات… «اللوفر» يمر بأسوأ فصوله

لم يعد اسم متحف اللوفر في باريس يقترن فقط بروائع الفن، بل بات يتردد أيضاً في سياق أزمات متلاحقة تمس البنية التحتية، والأمن، والإدارة جعلته يمر بأسوأ فصوله.

لينا صالح (بيروت)
يوميات الشرق منظر للفناء الداخلي مع الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر في باريس (د.ب.أ)

تسرب مائي في الجناح الأغلى في «اللوفر»... والموناليزا تنجو

تعرض جناح «دينون» في اللوفر الفرنسي، الذي ​يضم عدداً من اللوحات الفنية الأعلى قيمة في المتحف، لتسرب مياه مساء أمس الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

«أن يكون لك خادم مخلص في الحياة الأخرى»... هذا بالضبط ما فكّر فيه المصري القديم عندما صنع هذه التماثيل الصغيرة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)

«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

كل حين يبرز المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) مقتنياته الثمينة من الآثار المصرية في عروض متحفية استثنائية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended