أدوارٌ حطّمت الممثّلين وكادت تُفقدهم صوابهم

من جوني ديب إلى ليدي غاغا: تجويع... امتناع عن الاستحمام... اكتئاب وأكثر

توم هولاند، ناتالي بورتمان، أدريان برودي في أدوار هدّدت صحتهم النفسية (إنستغرام)
توم هولاند، ناتالي بورتمان، أدريان برودي في أدوار هدّدت صحتهم النفسية (إنستغرام)
TT

أدوارٌ حطّمت الممثّلين وكادت تُفقدهم صوابهم

توم هولاند، ناتالي بورتمان، أدريان برودي في أدوار هدّدت صحتهم النفسية (إنستغرام)
توم هولاند، ناتالي بورتمان، أدريان برودي في أدوار هدّدت صحتهم النفسية (إنستغرام)

لا تأتي الأمجاد والجوائز التي يحصدها الممثلون من دون أثمان باهظة. وغالباً ما يسدّدون هذه الأثمان من رصيد صحّتهم النفسيّة. فبعض الأدوار يلبس مؤدّيه إلى حدّ الالتصاق، ولا يغادرهم إلّا بعد أن يكون قد ترك آثاراً وندوباً جسديّة ونفسيّة عليهم.

لزميله الشابّ أوستن بتلر، الطالع من علاقةٍ طويلةٍ مع شخصية إلفيس بريسلي أرّقته على مدى سنتين، قال الممثل المخضرم توم هانكس: «لقد أغرقتَ نفسك في إلفيس، لذلك يجب أن تنتقل فوراً ومن دون تأخير إلى دورٍ آخر، هذا من أجل صحّتك النفسية».

أوستن بتلر بدور إلفيس بريسلي (أ.ب)

خرج بتلر من الدور مع جائزة «غولدن غلوب» ومن دون آثار نفسيّة تُذكَر، لكنّ زملاء له في المجال كانوا أقلّ حظاً. فها هو توم هولاند يقرر الابتعاد سنةً كاملة عن التمثيل من أجل الاعتناء بصحّته النفسية، بعد انتهائه من تصوير مسلسل «الغرفة المزدحمة» (The Crowded Room).

صرّح هولاند بأنّه يعاني من أجل الخروج من الشخصية المركّبة والمعقّدة التي أدّاها. ذهب الممثل الأميركي إلى حدّ القول إن المسلسل حطّمه وجعله يمضي وقتاً عصيباً، حتى أنه فكّر في حلاقة رأسه للتخلّص من شبح «داني سوليفان».

من بين الممثلين من يدفع بالدور أبعد من الحدود المعقولة، ومن بينهم من يدفعه الدور إلى الهاوية.

ممثّلون خنقتهم أدوارهم

لعلّ ليوناردو دي كابريو من أكثر الممثلين الذين خلّفت الأدوار الصعبة آثارها عليهم. في فيلم «الطيّار» (The Aviator)، أدّى شخصية هاورد هيوز الذي يعاني من اضطراب الوسواس القهري، الأمر الذي حرّك أعراض تلك الحالة النفسية لدى دي كابريو نفسه.

أما في فيلم «العائد» (The Revenant)، فهو اضطرّ إلى التصوير وسط درجات حرارة تدنّت إلى ما تحت الصفر بكثير، كما كان عليه الغطس في أنهار متجمّدة، وأن يأكل كبداً نيئاً. يقول إن هذا الدور أخذه إلى أماكن لم يتصوّر أنه قد يذهب إليها، لكنّ أداءه كوفئ بجائزة أوسكار.

ليوناردو دي كابريو بدور هيو غلاس في فيلم «The Revenant» (إنستغرام)

دانيال داي لويس المعروف بأنه ينغمس في الدور حتى قبل بدء التصوير، فاجأ المجتمع السينمائي بقراره اعتزال التمثيل بعد دوره في فيلم «خيط الشبح» (Phantom Thread) عام 2017. تسبّبت له شخصية مصمّم الأزياء رينولدز وودكوك بالاكتئاب، وأغرقته في الحزن، ما اضطرّه للتخلّي عن شغفه.

لم تذهب ناتالي بورتمان إلى حدّ الاعتزال، إلا أنها ظنّت لوهلة أنها على شفير الموت عندما كانت تصوّر فيلم «البجعة السوداء» (Black Swan). تحدّثت عن دورٍ طوّقها وكان على وشك سحقها، مرجّحةً أنها كانت تحتاج إلى علاج نفسي بسببه.

لم يستطع الممثل فال كيلمر الخروج من جلد المغنّي جيم موريسون واسترجاع حياته الطبيعية، إلا بعد الخضوع لعلاج نفسي. أمضى عاماً كاملاً داخل حياة موريسون وهو يستعدّ للفيلم الذي جسّد مسيرته، فكان يجبر الجميع على مناداته «جيم»، كما أنه تعلّم 50 من أغنياته.

تجربة جايمي فوكس خلال أدائه دور أسطورة الموسيقى راي تشارلز لم تكن أسهل، فهو اضطرّ إلى إغماض عينيه بواسطة مادّة لاصقة 14 ساعة يومياً، بما أنّ تشارلز كان فاقداً للبصر. انعكس الأمر على فوكس نوبات ذعر استمرّت أسبوعين خلال التصوير.

من جانبها، أمضت هيلاري سوانك 3 أشهر في النادي الرياضي استعداداً لدورها في «Million Dollar Baby». كلّفتها شخصية الملاكمة ماغي فتزجيرالد التهاباً في قدمها كاد أن يصل إلى قلبها لو لم يتداركه الأطبّاء.

هيلاري سوانك إلى جانب كلينت إيستوود في فيلم «Million Dollar Baby» (إنستغرام)

دخل مشهد جريمة الحمّام في فيلم «سايكو – Psycho» لألفريد هيتشكوك، تاريخ السينما. أما الممثلة التي أدّت الدور، فحملت معها ندوباً مدى العمر، إذ امتنعت جانيت لي عن استخدام الدش خلال الاستحمام، كما أنها باتت تتأكد من أن كل أبواب المنزل ونوافذه مقفلة، وأن باب الحمّام والستارة مفتوحة قبل الاستحمام.

جانيت لي ومشهد جريمة الحمّام الشهير في فيلم «Psycho» (إنستغرام)

من فيلم «خطاب الملك» (The King’s Speech)، حمل الممثل كولن فيرث معه التأتأة وكثيراً من الحركات العصبيّة التي كان يقوم بها جورج السادس، ولم يتمكّن فيرث من التخلّص منها إلا بعد أشهر.

تطول لائحة الممثّلين المتضررين نفسياً من أدوارهم، من بينهم كيت وينسلت عن دورها في «القارئة» (The Reader) حيث أدّت شخصية «هانا» الحارسة في أحد معسكرات الإبادة النازيّة. كذلك كان الأمر بالنسبة إلى خواكين فينيكس في فيلم «جوكر - Joker»، الذي قال إنه كاد أن يفقد صوابه بسبب الدور.

الممثل خواكين فينكس في لقطة من فيلم «Joker» (أ.ب)

انتحاريّو التمثيل

في المقابل، بعض الممثلين يعيش الدور إلى درجة أنه يضيّع الخيط الفاصل بين الواقع والتمثيل. نيكولاس كيج معروف بتخطّيه حدود المنطق خلال التحضير لشخصية ما، فهو اقتلع 12 من أسنانه تمهيداً لبطولته فيلم «بيردي - Birdy» عام 1984.

مثله قرر جوني ديب أن يعيش الحالة خلال تحضيره لفيلم «خوف واشمئزاز في لاس فيغاس» (Fear and Loathing in Las Vegas) عام 1998، فتعاطى المخدرات وأمضى ليالي نائماً قرب مستودعات من البارود والموادّ المتفجرة، تقمّصاً لشخصية هانتر ثومسون.

أما آن هاثاواي فاكتفت بالخسّ ودقيق الشوفان طيلة فترة تصوير فيلم «البؤساء» (Les Misérables)، ما أدّى بها إلى مراحل متقدّمة من الحرمان الجسدي والمعنوي كادت أن تُفقدها صوابها.

ومن بين الممثلين الذين أخضعوا أنفسهم لحمية قاسية، آشتون كوتشر خلال أدائه دور ستيف جوبز. فهو طبّق حمية مؤسس شركة «أبل» المقتصرة على الفاكهة، إلى أن أُدخل المستشفى بسبب انخفاض حادّ في الفيتامينات وفي تراجع كثافة العظام.

أبعد من مجرّد حمية، ذهبت هالي بيري في فيلم «Jungle Fever» حيث رفضت الاستحمام لمدّة أسبوعين، من أجل تجسيد شخصية فيفيان المدمنة على المخدّرات. ومثلها فعل الممثل شيا لابوف الذي لم يستحمّ لمدّة شهر كامل خلال تصوير فيلم «Fury»، ما اضطرّ فريق العمل إلى حجز غرفة خاصة به كي لا تنفّر رائحته زملاءه.

الممثل الأميركي شيا لابوف في فيلم «Fury» (إنستغرام)

منهم مَن قلبَ حياته رأساً على عقب بسبب دور، مثلما فعل أدريان برودي في فيلم «عازف البيانو» (The Pianist). لم يكتفِ الممثل بتجويع نفسه، بل باع منزله وانفصل عن شريكته. أما بعد الفيلم فأمضى سنة مكتئباً وظنّ أنه لن يعود أبداً إلى صوابه.

سوداويّة شخصية باتريزيا غوتشي حملتها معها ليدي غاغا إلى بيتها، فهي عاشت الدور إلى أقصاه. وقد تطوّرت حالتها ما اضطرّها إلى اصطحاب ممرّضة نفسية معها إلى موقع التصوير.

المغنّية ليدي غاغا بشخصية باتريزيا غوتشي في فيلم «House of Gucci» (إنستغرام)

ومن بين انتحاريّي التمثيل تشارليز ثيرون، التي أصرّت على تنفيذ كل المشاهد الخطرة بنفسها في فيلم «Atomic Blonde»، ومن دون الاستعانة بممثلة بديلة. أدّى هذا الأمر إلى إصابتها بكسور عدّة، وبخسارتها اثنين من أسنانها.


مقالات ذات صلة

الأمومة لا عمر لها... مشاهير أنجبن بعد سن الأربعين

يوميات الشرق من اليسار الممثلة نيكول كيدمان، والممثلة هيلاري سوانك خلال حملهما، وكارول سماحة مع ابنتها (رويترز- انستغرام)

الأمومة لا عمر لها... مشاهير أنجبن بعد سن الأربعين

نجمات من العرب ومشاهير هوليوود يثبتن أن الأمومة لا عمر لها.

يسرا سلامة (القاهرة)
يوميات الشرق كان للمدينة وجهٌ بريّ يمشي على أربع (رويترز)

أسد هوليوود يعود بتمثال... لوس أنجليس تُخلّد «بي-22»

تعتزم مدينة لوس أنجليس تخليد ذكرى أشهر أُسودها الجبلية بتمثال برونزي في متنزه غريفيث، الذي يمتدّ على مساحة 4200 فدان (1700 هكتار)، وكان الأسد يجوب أرجاءه يوماً

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق نجمة البوب ليدي غاغا في هوليوود (أ.ف.ب)

ليدي غاغا تستقبل مولودها الأول

أفادت وسائل إعلام أميركية بأن نجمة البوب ليدي غاغا رزقت بمولودها الأول من خطيبها مايكل بولانسكي.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية هايدن بانتير (رويترز)

وفاة الممثلة الأميركية هايدن بانتير بطلة «هيروز» و«ناشفيل» عن 36 عاماً

توفيت الممثلة الأميركية الشهيرة، هايدن بانتير، التي شاركت في بطولة المسلسلين التلفزيونيين «هيروز» و«ناشفيل»، عن عمر يناهز 36 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
TT

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة نوتنغهام الإنجليزية عن أنّ المجال المغناطيسي للأرض قد يؤثّر في كيفية إنتاج خلايا الجسم للطاقة، والأداء البدني، وحتى العمر الافتراضي للكائن الحيّ.

وتقدّم النتائج، المنشورة الأربعاء في دورية «الشيخوخة» لبحوث الشيخوخة، رؤى جديدة حول كيفية تفاعل هذه القوة غير المرئية مع العمليات البيولوجية الأساسية في الجسم، ممّا قد تكون له تداعيات مهمّة على فهمنا لعملية الشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، مثل باركنسون وألزهايمر.

وعزا الباحثون هذه التأثيرات إلى الميتوكوندريا، وهي تراكيب دقيقة داخل الخلايا مسؤولة عن توليد جزء كبير من الطاقة اللازمة للحياة. فقد تغيّرت عمليات التمثيل الغذائي للطاقة في الميتوكوندريا عند خفض المجال المغناطيسي، وكذلك مستويات «فوق الأكسيد»، وهو جزيء شديد التفاعل تنتجه الميتوكوندريا.

وقال الباحث جاكوب ريد، طالب الدكتوراه بجامعة نوتنغهام: «البحوث في هذا المجال نادرة، إذ تركز غالباً على إعداد البشر لرحلات الفضاء. ومع ذلك، لا نزال نعرف قليلاً جداً عن سبب حاجة الكائنات الحيّة إلى المجال المغناطيسي. جمع هذا المشروع بين خبرات في الفيزياء والهندسة وعلم الأحياء، وتقنيات ومعدات مبتكرة ومتخصّصة جداً، لدراسة الجوانب الفسيولوجية والمرضية أيضاً».

وأضاف في بيان الأربعاء: «يفتح هذا العمل آفاقاً جديدة محتملة لنهج علاجي غير جراحي يستهدف الميتوكوندريا لعلاج أمراض عدّة. نأمل أن يُسهم هذا البحث في إبراز أهمية المجالات المغناطيسية للحياة».

حجب المجال المغناطيسي

درس الفريق البحثي ما يحدث عند حجب المجال المغناطيسي للأرض بصورة شبه كاملة. وباستخدام نظام حجب مغناطيسي صُمّم خصوصاً لهذا الغرض، خفّض الباحثون المجال المغناطيسي المحيط بذبابة الفاكهة إلى مستوى يقارب الصفر. وقارنوا بين ذباب سليم وآخر يحمل خللاً في جين «بينك 1»، المرتبط بمرض باركنسون الوراثي المبكر لدى البشر.

ووجد الباحثون أنّ عزل الذباب عن المجال المغناطيسي للأرض أدّى إلى تغيّرات في وظائف الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة في الخلية، والعمر الافتراضي والأداء البدني، مع تفاوت لافت في التأثيرات تبعاً للحالة الصحية للميتوكوندريا لدى الذباب.

ووفقاً لهم، كانت النتائج لافتة للنظر؛ إذ أدّى حجب المجال المغناطيسي للأرض عن الذباب الذي يحمل طفرة في جين «بينك 1» إلى زيادة متوسط عمره بنحو 20 في المائة، رغم تراجع أدائه البدني. وفي المقابل، كانت استجابة الذباب السليم مختلفة تماماً؛ فمع أن مدّة حياته الصحية تأثرت، فإن حركته تحسّنت.

وتُجرى البحوث العلمية على ذبابة الفاكهة لأنها توفّر نموذجاً حيّاً سريعاً وبسيطاً، يشترك مع الإنسان في نسبة كبيرة من جيناته الأساسية، ونحو 60 إلى 75 في المائة من الجينات المسببة للأمراض، بما فيها أمراض الأعصاب. وتتميَّز ذبابة الفاكهة بدورة حياة قصيرة جداً لا تتجاوز أسبوعين، ممّا يتيح للعلماء مراقبة تأثير الطفرات الجينية عبر أجيال عدّة في وقت قصير.

وتُظهر نتائج هذه التجارب أنّ البيئة المغناطيسية المحيطة بالكائن الحيّ يمكن أن تؤثر في العمليات البيولوجية الأساسية، بما فيها إنتاج الطاقة والأداء البدني ومتوسط العمر.

وعلّقت أستاذة بيولوجيا الميتوكوندريا في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة نوتنغهام، البروفسورة ليزا تشاكرابارتي: «نعيش حياتنا بأكملها في ظلّ وجود المجال المغناطيسي للأرض؛ فهو يخترق أجسامنا وخلايانا وكل كائن حيّ على هذا الكوكب، ومع ذلك، لا نعرف سوى قليل عمّا إذا كانت هذه القوة غير المرئية تؤثّر في آلية عمل خلايانا، وكيفية حدوث ذلك».

وأضافت: «تطرح نتائجنا احتمالاً مثيراً للاهتمام، وهو أنّ المجال المغناطيسي للأرض يُشكّل جزءاً من البيئة البيولوجية التي تكيّفت معها الحياة عبر مسار التطوّر»، موضحة أنّ «فهم كيفية استشعار الخلايا للمجالات المغناطيسية واستجابتها لها قد يكشف في نهاية المطاف عن طرق جديدة للتحكّم في وظائف الميتوكوندريا في حالات الشيخوخة والمرض».


«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
TT

«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

قد يجلس شخص أمام مجموعة من الزهور ليضعها في إناء، فيبدو المشهد لأول وهلة بسيطاً للغاية. لكنه في اليابان قد يتحول لحظةَ تأمل ومواجهة مع النفس. فمنذ أكثر من 500 عام، يمنح فن الـ«إيكيبانا» الياباني لتنسيق الزهور مريديه فرصة للابتعاد قليلاً عن ضجيج الحياة، في حين يجد فيه جيل جديد وسيلة لاستعادة الهدوء والتوازن وسط عالم سريع الإيقاع، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

و«إيكيبانا»، وتعني باليابانية «الزهور الحية»، هو أحد الفنون اليابانية التقليدية التي تقوم على تنسيق الزهور والأغصان والأوراق بطريقة تجمع بين الجمال والتأمل. ويُعرف هذا الفن أيضاً باسم «كادو»، أي «طريق الزهور»، في إشارة إلى أن ممارسته ليست مجرد ترتيب للزهور، وإنما رحلة تقوم على الصبر والانتباه والتفاعل مع الطبيعة.

وعلى خلاف كثير من أساليب تنسيق الزهور في الغرب، التي قد تركز على وفرة الزهور وتنوع ألوانها وإبراز جمالها، يهتم «إيكيبانا» بالمساحة والتوازن والخطوط والعلاقة بين الزهرة والأغصان والإناء. وقد تبدو النتيجة في كثير من الأحيان بسيطة، بل شديدة البساطة، لكن وراء هذا الهدوء قواعد ورؤية عميقة للطبيعة والحياة.

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

ولا يقوم «إيكيبانا» على البحث عن تنسيق مثالي واحد، ولا توجد فيه بالضرورة إجابة واحدة صحيحة. لكل زهرة شكلها وشخصيتها، ولكل غصن اتجاهه، تماماً كما لكل إنسان طريقته الخاصة في رؤية الأشياء. ولذلك؛ يمكن للزهور نفسها أن تنتج تنسيقات مختلفة، وفق الشخص الذي يقف أمامها.

يقول هيرويوكي أوكادا، البالغ 40 عاماً، الذي بدأ دراسة «إيكيبانا» قبل نحو 7 سنوات، إن ممارسة هذا الفن تحمل شيئاً من «التطهير»، وتأثيراً علاجياً. ويعمل أوكادا اليوم مدرساً في مدرسة «إيكنوبو» في كيوتو، وهي من أقدم مدارس «إيكيبانا» وأشدها ارتباطاً بالتقاليد اليابانية.

يقول أوكادا: «عندما تنسق الزهور، فأنت تتعامل مع حياة موجودة أمامك؛ مع الجمال بالطبع، لكنك في الوقت نفسه تكتشف ما في داخلك. إنك تواجه نفسك وجهاً لوجه».

وربما يعكس أوكادا نفسُه الطريقة التي وجد بها هذا الفن طريقه إلى الحياة المعاصرة. فهو يرتدي عادة سلاسل فضية وسراويل الجينز، كما يعطي دروساً في أداء الشقلبة الخلفية، لكنه يختار الكيمونو الأنيق عندما يقدم عروضاً رسمية لتنسيق الزهور.

وبالنسبة إليه، فإن كثيراً من الأشخاص الذين يتجهون اليوم إلى «إيكيبانا» لا يبحثون فقط عن هواية جديدة، بل عن شيء أشد بساطة وعمقاً: لحظة هدوء، أو شعور بالهدف، أو مساحة للابتعاد عن الضغوط اليومية.

يوضح هيرويوكي أوكادا مدرب «إكينوبو إيكيبانا» أسلوباً أساسياً لتنسيق الزهور يسمى «شوكا شوفوتاي» داخل استوديو في طوكيو (أ.ب)

زهور تساعد على الهدوء

تقوم فلسفة «إيكيبانا» على علاقة مباشرة بالطبيعة، حتى لو اقتصرت تلك العلاقة على إناء صغير داخل منزل. فمراقبة نمو الزهور والنباتات، والانتباه إلى شكل الأوراق وانحناء الأغصان وملمس البتلات... كلها أجزاء من التجربة.

وتقول سينكو إيكنوبو، الرئيسة المقبلة لمدرسة «إيكنوبو»، إن الأمر في جوهره يتعلق «بالعلاقة بين الشخص الذي يبدع والزهور».

وتنحدر سينكو من عائلة ارتبطت بهذا الفن عبر أجيال عدة، فيما يشغل والدها حالياً منصب رئيس المدرسة. وتقول إنها شاهدت كيف أصبح «إيكيبانا» جزءاً من حياة أشخاص في مراحل مختلفة؛ من نساء يحاولن الموازنة بين العمل والأمومة، إلى أخريات يعتنين بوالديهن المتقدمين في السن.

وتشير جانيت هافيلاند جونز، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة رودغرز الأميركية، إلى أن دراسات عدة أظهرت أن الزهور، وحتى روائحها، يمكن أن تعزز مشاعر السعادة لدى الإنسان. ولا يقتصر الأمر، بالنسبة إلى أوكادا، على منظر الزهرة أو رائحتها؛ إذ يرى أن لمس البتلات والأوراق جزء أساسي من التجربة، بما يشبه الشعور بالراحة عند مداعبة قطة صغيرة أو جرو.

أما مايو شيميزو، التي تعمل في مجال التعليم عبر الإنترنت وتتلقى دروساً لدى أوكادا منذ نحو 3 سنوات، فتصف فن «إيكيبانا» بأنه تجربة قريبة من اليوغا، والتأمل، وحتى اللعب.

سينكو إكينوبو الرئيسة المعينة لمدرسة «إكينوبو» تتحدث خلال مقابلة في طوكيو

زهرة تختصر دورة الحياة

ومن أشهر أساليب مدرسة «إكينوبو» التقليدية «شوكا شوفوتاي»، الذي يحاول تقديم الزهور والأغصان كما قد تظهر في الطبيعة؛ بعضها يمتد نحو الضوء، وبعضها ينحني أمام الرياح. وحتى الإناء نفسه يصبح جزءاً من التكوين، سواء أكان مصنوعاً من الخشب أم من الفخار.

وتحمل عناصر التنسيق معاني مرتبطة بالحياة. فالعنصر الأطول؛ «شين»، يمثل جوهر الإنسان وامتداده نحو السماء. ويأتي «سوي» أقصر منه، ليعبر عن خصوصية الزهرة وتفردها، وقد تظهر عليه علامات ذبول بسيطة؛ في إشارة إلى مراحل العمر المتقدمة. أما «تاي»، فيمثل المستقبل؛ ولذلك تختار له زهرة متفتحة أو أوراقاً صغيرة نضرة، في إشارة إلى ما يولد وينمو.

ومع ذلك، فلا يعيش «إيكيبانا» في الماضي وحده. فقد ظهرت أساليب أرحب، تقترب من باقات الزهور الغربية، وتمنح المبتدئين مساحة أكبر للتجربة بعيداً عن القواعد الصارمة.

ولعل سر استمرار هذا الفن أكثر من 5 قرون يكمن في أنه لا يتحدث عن الزهور وحدها. فالزهرة تتفتح ثم تذبل، والأوراق تتغير، والأغصان تنحني، وفي كل ذلك صورة صغيرة من حياة الإنسان نفسه.

وهكذا؛ لا يصبح فن «إيكيبانا» مجرد طريقة لوضع الزهور في إناء، بل طريقة للنظر إليها... وربما للنظر إلى أنفسنا أيضاً. كما يبقى جسراً بين الأجيال، تنتقل عبره مهارات فن قديم من يد إلى أخرى، ومن حياة إلى حياة.


قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
TT

قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)

بات قطّ برّي صغير يختبئ في غابات بوليفيا الضبابية مَعْلماً سياحياً غير متوقَّع، إذ تتدفّق إليها موجات من الزوّار أملاً في إلقاء نظرة على الحيوان الذي صنّفه العلماء نوعاً جديداً كلياً.

لكن ثمة مشكلة واحدة: «تيغرينو»، الاسم المحبّب الذي أُطلق عليه، لا يحبّ الاهتمام.

ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أنّ القطّ الصغير، المرقّط ببُقع كبيرة تشبه بُقع الفهد، سريع التوتر، لذا يُبعده القائمون على محمية للحياة البرّية قرب لاباز عن أنظار العامة، رافضين إتاحته للحشود المتشوّقة للاقتراب منه. ويوم الأحد، خرج «تيغرينو» بحذر من مأواه، واستنشق الهواء، وتجوّل قليلاً لبضع دقائق، قبل أن يعود متسلّلاً إلى أوراق الأشجار.

كلّ العيون عليه... وعيناه على مخبئه (رويترز)

ينتمي «تيغرينو» إلى نوع «ليوباردوس تيلكايو»، وهو أول نوع حيّ من القطط البرّية يصفه العلماء منذ أكثر من قرن. ولا يتجاوز طوله 18 بوصة (46 سنتيمتراً) من الرأس حتى قاعدة الذيل، ولا يزيد وزنه على 3 أرطال (1.4 كيلوغرام)، ممّا يجعله أصغر من القطة المنزلية العادية.

صغيرٌ على كلّ هذه الأضواء (رويترز)

وأثار الاكتشاف، المنشور يوم الخميس الماضي في دورية «كارنت بيولوجي»، موجة من الحماسة على وسائل التواصل الاجتماعي. وتوافد زوّار من أنحاء بوليفيا وخارجها إلى محمية «سيندا فيردي» للحياة البرّية، حيث يعيش «تيغرينو» منذ عام 2017، حين أحضرته عائلة كانت قد حاولت، دون جدوى، تربيته على أنه قط منزلي عادي.

وقال المؤسِّس المُشارك للمحمية، مارسيلو ليفي: «أصبح (تيغرينو)، في غضون أيام قليلة فقط، سفيراً للحفاظ على الطبيعة»، مضيفاً أن تصنيفه على أنه نوع جديد أسهم في رفع الوعي بالحاجة إلى حماية القطط البرّية وموائلها في الغابات الاستوائية البوليفية.

وأردف ليفي: «إنه حيوان بالغ الصغر، وقد أصبح شيئاً شديد الأهمية لنا».