عندما أطلت عازفة الكمان اللبنانية ديفانيسا لأول مرة على المسرح تمسك بآلتها الموسيقية وتعزف عليها باحتراف في عام 2009، كانت أول نموذج نسائي يمتهن العزف على آلة ذكورية بامتياز في العالم العربي. ومن بعدها كرّت السبحة لتصبح أشهر عازفة كمان في لبنان والعالم العربي.
فانيسا عبدو نصار، هو اسمها الحقيقي. ولدت في كندا وترعرعت في لبنان. منذ نعومة أظافرها لمس أهلها موهبتها الفنية؛ فدرست الموسيقى الغربية، لتصقلها فيما بعد بدروس أخرى خاصة بالموسيقى الشرقية.
تُعدّ موسيقاها مزيجاً من الشرق والغرب، وقد طبعت مقطوعاتها التي ألفتها بنفسها؛ وتستعد حالياً لإصدار معزوفة «بيروت» لتهديها إلى مدينة تعشقها وتعني لها الكثير. جالت العواصم وأحيت حفلات في بلدان عربية وأوروبية، أما بيروت؛ فبقيت تحمل لها الحب الكبير وفكرت في تكريمها من خلال هذه المعزوفة.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إن آلة الكمان بالنسبة إليها جزء لا يتجزأ من حياتها. وتتابع: «هي صديقتي الدائمة، وأشعر عندما أحنو برأسي عليها كأنني ملكت الدنيا. لا وصف لمكانتها عندي، فهي تمثل كل نجاحي وشهرتي».
تُعدّ ديفانيسا نفسها أول من فتح باب عزف موسيقى الكمان في لبنان والعالم العربي، وتعلق: «سعيدة لأنني ولجت هذا الباب على مصراعيه وشققت الطريق أمام نساء كثيرات من بعدي».
تذكّرنا عندما أطلت للمرة الأولى في كليب مصور مع المخرج الراحل يحيى سعادة في عام 2010: «كنتِ لا أزال صغيرة السن. يومها تعجب الناس من فتاة تعزف الكمان، فكان الأمر غريباً بالنسبة إليهم. تبنتني وقتها شركة (ميوزك إز ماي لايف)؛ لأنها اقتنعت بموهبتي. فأمسكت بيدي، ومن بعدها انطلقت في عالم الموسيقى من بابه الواسع».
تأخذ ديفانيسا في الحسبان عناصر فنية مختلفة عندما تقف على المسرح... «تلحق هذه العناصر المكان والزمان اللذين أقف فيهما. فأعدّ موسيقى خاصة تشبه البلاد التي أحيي فيها الحفل. كما أرتدي الأزياء المناسبة لها؛ لأن لكل بلد خصوصيته».

تقول إنها عندما بدأت دراسة الموسيقى بجامعة الروح القدس في الكسليك تعرفت إلى موسيقى نوابغ عالميين مثل بِتهوفن وباخ، «ومن بعدها نبدأ بالدروس الخاصة بالموسيقى الشرقية. أُعجبت بالعازفين جهاد عقل وعبود عبد العال؛ وتأثرت بالإحساس الكبير الذي يتملكه عبد العال عندما يعزف. ومن العازفين العالميين الذين لفتوني: سامفل يارفينيان ويعزف مع الموسيقي يني».
من المقطوعات الموسيقية المحببة إلى قلبها هي تلك التي خصصتها للمطرب طلال مداح، وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «اخترت حينها أغنية (وطني الحبيب) وعزفتها على طريقتي بما نسميه (كوفر)، ولاقت تجاوباً كبيراً من قبل أهل السعودية والخليج العربي».
تأخرت ديفانيسا في عودتها إلى الساحة من جديد. تبرّر: «جميعنا مررنا بحالة من الركود فرضتها علينا الجائحة وأزمات لبنان... لست بحاجة لمن يدعمني أو يموّلني، وأسباب غيابي ليست مادية بتاتاً؛ وفي المقابل؛ كنت أدرس بدقة لأجل عودة أردتها مختلفة، لذا بحثت عن أفكار جديدة كي لا أكرر نفسي. والآن حان وقت العودة؛ وسأستهلها مع معزوفة (بيروت)».
وعن جديدها تقول: «هناك مجموعة مقطوعات أفكر في تصوير بعضها (فيديو كليب)، وسألوّنها بعناصر فنية متطورة، فأركن إلى صوتي تارة، وإلى مزيج جديد من موسيقى غربية وشرقية تارة أخرى. لن أتعدى على أحد بإدخال صوتي في أعمالي، ولا أنوي التحول إلى مطربة. كل ما في الأمر أن الصوت يدفع بالناس إلى التفاعل بنسبة أكبر. فعزفي على الكمان سيبقى العنصر الرئيسي والأساسي».
لا تلتحق ديفانيسا بما يروّج على الساحة من موسيقى من دون درس كل خطوة من خطواتها... تقول: «أفضل تقديم ما يشبهني؛ فلا ألتحق بـ(الترند). التحق البعض مثلاً بموسيقى (الغزالة رايقة)، وحاولوا تقليدها، ولكنهم لم ينجحوا، لذا من الأفضل أن يقوم العازف بما يشبهه؛ لأن لكل منا هويته وعليه الحفاظ عليها».
موسيقاها وعزفها يشبهانها ويشيران بوضوح إلى شخصيتها... «لا يمكنني التحدث عن نفسي أو أن أصف شخصيتي، فقد أبالغ أو أُخطئ. ولكن عندما أقول إن موسيقاي تشبهني، أعني أنها صادقة ومفعمة بالأحاسيس تماماً مثلي».
تملك ديفانيسا مجموعة كبيرة من آلات الكمان. بعضها لحقت به إلى آخر الدنيا لتحصل عليه، «وبعضها الآخر اشتريته؛ لتاريخه الطويل وما يحمل لي من معانٍ مهمة. هذه الآلات تحمل لي قيمة كبيرة لا تقدر بكنوز العالم، ولا يمكنني أن أبيعها أو أن أستغني عنها؛ على الرغم من عروض كثيرة أتلقاها بهذا الخصوص».

ومن الآلات التي تحتفظ بها لذكرى خاصة تقول: «أول آلة كمان عزفت عليها مصنوعة من الخشب؛ سوداء، من ماركة (سانديفاريس)، حتى إن أساتذة كباراً أعجبوا بها، ولكني لن أبيعها».
جميع الآلات التي تملكها مصنوعة من الخشب، وتتراوح قيمتها حسب طريقة صنعها، والصوت الذي يخرج منها؛ «هناك مجموعة أخاف أن أحملها معي عند السفر خوفاً من ضياعها. وتكمن أهميتها في أصواتها الرائعة، وتضاهي بجمالها تلك الإلكترونية».
وعن الفنان النجم الذي قد تختاره يوماً للوقوف معه على المسرح؛ تختم: «أعتقد أنّ أسلوب غناء قيصر الغناء العربي كاظم الساهر يلائم عزفي، وأيضاً مروان خوري، وإليسا».




