عندما تدخل البهو الرئيسي في كازينو لبنان الواقع مقابل مسرحه مباشرة، لا بد أن يلفتك عزف فاريسيمو على آلة البيانو، بشعره الأبيض وأنامله الساحرة يحضر فارتكيس مزمانيان بكامل أناقته. يعزف موسيقى أغان لإلتون جون، وسيلين ديون، والبيتلز وغيرهم من فناني الحقبة الذهبية الفنية في العالم. تقترب منه وتتفرس في ملامح وجهه المبتسمة دائماً تراقب عزفه السلس. يتأهل بك من دون أن يتوقف عن العزف لا بل يسألك إذا ما لديك «سبيشيل ريكويست» (طلب خاص) ترغب في أن تسمعه منه.
يعمل فاريسيمو وهو لقبه الفني في هذا الصرح السياحي المعروف في لبنان، منذ نحو 23 عاماً. ويخبرنا بأنه شهد أيام العز لبلد السياحة والمهرجانات ومسابقات الجمال التي كان يستضيفها كازينو لبنان ولا يزال. «إن هذا المكان يزوره الناس من كل حدب وصوب، لبنانيون ومغتربون وسياح. الفرق أن جميع من يحضر هنا تغمره مشاعر الفرح. فهو يعرف سلفاً بأنه في مركز ترفيهي وفني ويقصده للتمتع بحفل أو أمسية موسيقية».

ولكن ما هي مهمتك بالتحديد؟ «يمكنك أن تعتبريني مفتاح الشهية الفنية لهؤلاء الزوار. فهم يبدأون معي سهرتهم ومرات يختمونها على صوت عزفي على البيانو. بينهم من يرتاد مطعم (مارتينغال) الموجود هنا خلفي. فيمضون وقتاً رائعاً يتفرجون على خليج جونيه وهم يتناولون أطيب الأطباق اللبنانية والغربية. وبينهم من يأخذ فترة استراحة قبل دخوله صالة المسرح لحضور مهرجان أو حفل أو مسرحية».
بدأ فارتكس مزمانيان مشواره الموسيقي منذ الثمانينات. «يومها وصلت من الكويت مع أفراد عائلتي أبحث عن مكان أستقر فيه. وفي ظل الحرب الدائرة في تلك الآونة كان فقط فندق السمرلند في منطقة الرملة البيضاء الوحيد الفاتح أبوابه».
وبالفعل استقر فارتكس هناك حيث بدأ يمارس عمله عازف بيانو في مطعمه «ليالينا». وبعد نحو 9 سنوات من عمله هناك انتقل إلى كازينو لبنان حيث لا يزال يعمل حتى اليوم. ويعلق لـ«الشرق الأوسط»: «عندما أشاهد زحمة الناس هنا وهم بكامل أناقتهم، يمضون أمسيات من العمر يغمرني شعور بالفرح الكبير. فاللبناني يحب الحياة ولا يستطيع أن يستسلم للحزن. ومنذ 23 عاماً حتى اليوم لا يزال هذا الموقع السياحي قبلة للمغتربين والسياح والمقيمين».
يحضر فارتكس يومياً إلى مكان عمله منذ 23 عاماً حتى اليوم. لا يتذكر أنه اعتذر مرة عن ممارسته. «هذه السنة بدأت آخذ يوم إجازة واحداً في الأسبوع. وخلاله أفتقد الناس وفرحتهم وأصبح أعد الساعات لأعود. مرات أعزف لساعتين أو ثلاث، ولكن كل اثنين أبقى هنا حتى منتصف الليل».

أكثر ما يتذكره عن فترة عمله هي تلك اللحظات التي التقى بها العازف العالمي راوول دي بلازيو. «كان يومها يحيي حفلاً موسيقياً في الكازينو عندما سمع عزفي من بعيد. فسأل من هم حوله من أين تأتي هذه الموسيقى؟ وفجأة رأيته أمامي طالباً مني المشاركة في العزف على البيانو. تفاجأت بتواضعه وبالفعل عزفنا معاً على طريقة (Quatre mains A). ومن ثَمّ ودعني بعد أن أبدى إعجابه الكبير بعزفي وهو رأي أفتخر جداً به».
لا يحب فارتكس أن يخلط في موسيقاه بين الغربي والشرقي. «أعزف موسيقى تعرف بـ(PUB Music). لا أتحمس للموسيقى العربية ولا حتى للكلاسيكية منها، فنوع الموسيقى الذي أقدمه هو أكثر ما يستهويني».
يعجبه عازف البيانو اللبناني ميشال فاضل يقول: «إنه ممتاز في العزف، ومحترف إلى حد كبير. وكذلك أحب زياد الرحباني وهاني سبليني». ولكن ماذا عن غي مانوكيان؟ ألا يعجبك عزفه؟ يرد: «لا شك أنّه موهبة فنية كبيرة، ولكن عزفه يصبّ بالترفيهي ليس أكثر».
ابن مدينة طرابلس الفيحاء وبالتحديد منطقة الميناء يختم حديثه معتبراً أن أكبر وأهم مكافآت حصل عليها في مشواره المهني جاءت من الناس. «يكفيني أن أراهم سعداء يصفقون لي عند انتهائي من العزف. فهم مصدر استمراريتي وإلا لما استطعت إكمال مشواري حتى اليوم».



