إسبانيا تحيي قنوات ريّ بناها عرب الأندلس لمواجهة الجفاف

الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)
الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)
TT

إسبانيا تحيي قنوات ريّ بناها عرب الأندلس لمواجهة الجفاف

الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)
الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)

في أعالي الجبال الجنوبية لإسبانيا أمسك نحو 40 شخصاً بمعازق ومجارف لتنظيف قنوات قديمة مشيدة منذ قرون، لا تزال تحافظ على خضرة سفوح الجبال، من الأحجار وأكوام العشب. قال أنطونيو جيسيز غارسيا، مزارع من قرية بيتريس القريبة التي يبلغ عدد سكانها 400 شخص: «إنها مسألة حياة أو موت، ومن دون هذه المياه لا يستطيع المزارعون زراعة أي محصول، ولن تتمكن القرية من الصمود والبقاء على قيد الحياة».

الحرارة المرتفعة التي تسود جزءاً كبيراً من جنوب أوروبا خلال الأسبوع الحالي ليست سوى رسالة تذكير حديثة بالتحديات التي فرضها التغير المناخي على إسبانيا، حيث وصلت درجة الحرارة إلى 109 درجة فهرنهايت يوم الثلاثاء الماضي، ما يعرّض نصف الأراضي إلى الخطر.

ويعرّض هذا المستوى من الحرارة، وما يترتب عليه من موجات جفاف، ثلاثة أرباع أراضي البلاد إلى خطر التصحّر خلال القرن الحالي. وفي مواجهة هذا الواقع أخذ مزارعون ومتطوعون وباحثون إسبان يبحثون في عمق التاريخ عن حلول، وتوجهوا نحو شبكة من قنوات الرّي التي بناها الموريون (مغاربة)، وهم المسلمون الذين فتحوا شبه الجزيرة الإيبريية، واستقروا فيها خلال القرون الوسطى.

لقد جعلت القنوات التي اشتقت الكلمة المشيرة إليها من كلمة «الساقية» العربية، الحياة ممكنة في واحدة من أكثر مناطق أوروبا جفافاً، حيث غذّت نافورات قصر الحمراء الملكي، وحوّلت منطقة الأندلس إلى مركز للزراعة.

وباتت الكثير من قنوات الري تلك غير مستخدمة في ستينات القرن العشرين عندما اتجهت إسبانيا إلى تبني نموذج زراعي فضّل خزانات الماء، ودفع بالكثير من الإسبان إلى مغادرة المناطق الريفية نحو المدن. وكما انتهى زمن استخدام الشبكة، كذلك ضاعت المعرفة القديمة والتقاليد التي كانت توصل المياه إلى أبعد مناطق الأندلس.

متطوعون وعاملون في التنقيب عن القنوات المائية في سييرا نيفادا بجنوب إسبانيا (نيويورك تايمز)

واليوم يُعاد إحياء ذلك النظام المعقّد، الذي يُنظر إليه بوصفه أداة قليلة التكلفة وفعّالة للتخفيف من وطأة الجفاف. قال خوسيه ماريا مارتين سيفانتوس، عالم آثار ومؤرخ يتولى مهمة تنسيق مشروع ترميم وإصلاح ضخم: «لطالما كانت قنوات الرّي قادرة على الصمود والبقاء في مواجهة ألف عام من التغيّر المناخي والاجتماعي والسياسي على الأقل. لماذا نستغني عنها اليوم؟».

وقال سيفانتوس إن الموريين بنوا على الأقل 1500 ميل من قنوات الري في مناطق غرناطة وألميريا الأندلسية، مشيراً إلى أنه قبل قنوات الري كان من الصعب زراعة أي محاصيل غذائية في مناخ البحر المتوسط المضطرب، الذي يشهد موجات دورية من الجفاف. وأضاف قائلاً: «تكمن عبقرية النظام في أنه يُبطئ تدفّق المياه من الجبال إلى السهول من أجل الاحتفاظ بها وتوزيعها بشكل أفضل».

قرية كانيار تقع في منطقة البشرات (نيويورك تايمز)

من دون وجود قنوات الرّي يتدفق الماء الناتج عن ذوبان الثلج من قمم الجبال مباشرة إلى الأنهار والبحيرات التي تجفّ مياهها خلال فصل الصيف، لكن في ظل وجود قنوات الرّي تُوجّه تلك المياه إلى قنوات عدّة تعمل عبر التلال.

وتتشرب الأرض الماء مثل «الإسفنجة»، ومن ثَمّ تدور ببطء عبر الطبقات الصخرية المائية، وتعود للظهور مرة أخرى بعد أشهر في اتجاه المنحدر في الينابيع التي تروي المحاصيل خلال موسم الجفاف.

ولا تزال آثار النظام موجودة في كل مكان بجبال البشرات الجنوبية على المنحدرات الجنوبية لمنطقة سييرا نيفادا، تتدفق المياه من الجبال على كل منحنى من الطرق، وتجعل تربة السهول المرتفعة لينة. إنها تنبجس من نافورات في قرى المنطقة المطلية باللون الأبيض.

قالت إيلينا كوريا، باحثة في مشروع الترميم والإصلاح الذي تديره جامعة غرناطة وهي تمسك بمجرفة، وتشير إلى الأراضي الخضراء الممتدة بالأسفل: «لم يترك لنا الموريون قنوات الري فحسب، بل أيضاً المحيط الجغرافي الذي صاحب إنشاءها. لم يكن أيّ مما نراه ليكون موجوداً لولا قنوات الرّي تلك، ولم يكن لولاها من مياه للشرب أو نافورات أو محاصيل، ولكانت الأرض أصبحت صحراء تقريباً». ولطالما كانت المياه ضرورية هنا إلى درجة أن السكان المحليين يتحدثون عنها كأنها المحصول نفسه. لا تمتص التربة التحتية المياه، بل «يتم بذرها»، ولا تُجمع من أجل الري، بل «تُحصد».

عندما استخدمت إسبانيا أنظمة حديثة لإدارة المياه عوضاً عن الكثير من قنوات الري التقليدية أصبحت نحو خمس القنوات الموجودة في سييرا نيفادا مهجورة ومهملة حسب بيانات حكومية.

وساعدت الثورة الزراعية في تحويل الأندلس إلى حديقة أوروبا الخلفية بفضل ما تنتجه من كميات هائلة من الرمان والليمون التي تُصدّر إلى جميع أنحاء أوروبا. مع ذلك أدى الأمر إلى نقص كبير في الماء تسبب في نضوب الطبقات الصخرية المائية في المنطقة، وتفاقم موجات الجفاف.

وما يزيد الأمر سوءاً هو تعرّض إسبانيا إلى موجات كثيرة متكررة من الحرارة الشديدة بسبب التغير المناخي، وكان فصل الربيع الحالي هو الأكثر حرارة فيها حسب هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية، حيث تجاوزت درجة الحرارة مائة درجة فهرنهايت في الأندلس خلال شهر أبريل (نيسان).

المزارع رامون فيرناندز يتذكر عندما كانت المنازل توشك على الانهيار بسبب الثلوج (نيويورك تايمز)

وعانت كانيار، وهي قرية تقع في منطقة البشرات، من الزراعة المكثفة، ودرجات الحرارة المرتفعة، وإهمال قناة ري قريبة، وأصبحت العديد من الأراضي الزراعية في القرية جدباء حالياً. هناك لافتة في مقهى مكتوب عليها «أبحث عن مزرعة مروية». وتتجه أكثر روافد المياه في جبال المنطقة بعيداً عن قرية كانيار، وتغذي نهراً في وادٍ بالأسفل يروي خيماً زراعية تزرع فيها الأفوكادو، ولا يعمل أحد من القرية هناك. وقال رامون فيرناندز، مزارع عمره 69 عاماً، إنه يتذكر عندما كانت منازل القرية توشك على الانهيار تحت وطأة ثلوج الشتاء. وعندما سُئل عن أخر مرة تساقطت فيها الثلوج على المنطقة، ضحك وقال: «الأيام السيئة آنذاك باتت السنوات الجميلة الآن».

عالم الآثار خوسيه ماريا مارتين سيفانتوس (نيويورك تايمز)

في عام 2014 أصبحت القرية موقع اختبار لمشروع ترميم قنوات الري الخاص بخوسيه ماريا مارتين سيفانتوس وإصلاحها. وظل سيفانتوس و180 متطوعاً يحفرون الأرض تحت أشعة الشمس الحارقة لمدة شهر من أجل استكشاف قناة واستعادتها. وأوضح قائلاً: «كان بعض المزارعين في الثمانين من العمر، وكانوا يبكون لاعتقادهم أنهم لن يروا هذا الماء يتدفق مرة أخرى».

وقال فرانشيسكو فيلتشيز، أحد السكان الذين يديرون شبكات الرّي في قرية كانيار، إن استعادة قناة الري مكّنت بعض السكان من زراعة الكرز والكيوي مرة أخرى.

وقد تمكّن سيفانتوس وفريقه حتى هذه اللحظة من إعادة إحياء أكثر من 60 ميلاً من قنوات الرّي، وهو ما تطلب عملاً شاقاً من جانب مجموعات متباينة من الباحثين والمزراعين ونشطاء البيئة والسكان المحليين في أنحاء منطقة البشرات. لقد انتشرت المبادرة، ووصلت إلى مناطق في شرق وشمال إسبانيا، لكن سيفانتوس والعديد من المزارعين قالوا إنهم يحتاجون لدعم مالي؛ لأن السياسيين ورجال الأعمال كثيراً ما يعدون قنوات الرّي غير فعّالة مقارنة بالشبكات الهيدروليكية الحديثة. وتابع موضحاً: «من الصعب تغيير العقليات وطرق التفكير، لكن إذا فهم المرء الفاعلية من حيث تعدد الوظائف، فستكون أنظمة الرّي التقليدية أكثر فاعلية، فهي تحتفظ بالمياه بشكل أفضل، ومن ثمّ تعيد تغذية قنوات الري وتحسّن خصوبة التربة».

مياه متدفّقة من ذوبان ثلوج سييرا نيفادا (نيويورك تايمز)

مع ذلك يظلّ التحدي الأكبر أمام إنقاذ قنوات الرّي هو الحفاظ على معرفة تمتد لعصور تقف وراء وجود تلك القنوات، في قرى مثل كانيار، حيث لا يزال السكان يستخدمون سجلاً يعود إلى القرن الـ19 لتوزيع المياه على المزراعين، وتهدد الهجرة من الريف عملية التناقل والتوارث الشفهي للتقنيات والوسائل.

وقال فيلتشيز إن أحد السكان، الذي كان يعرف كل فرع على طول 22 ميلاً من قنوات الرّي في المنطقة، قد تُوفي مؤخراً وأخذ معه إلى القبر «معرفة الأجداد الغالية». وأفاد خوسيه أنطونيو غارسيا، عمدة بلدة بيتريس (58 عاماً)، خلال استراحته أثناء عملية التنظيف بأن هناك «الكثير من الحكمة» المحفوظة في قنوات الرّي، مشيراً إلى أن (الفرصة لا تزال أمامنا لاستغلال هذه الحكمة القديمة في مكافحة التغير المناخي».


مقالات ذات صلة

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

تحليل إخباري مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

هل سنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية؟

أنطوان الحاج
يوميات الشرق أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أفاد تقرير جديد بأن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار؛ مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.

«الشرق الأوسط» (روما )
يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
TT

بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)

بينما تتسارع خطى الرياض نحو مستقبل ومشهد عمراني متطور، يُسدل طريق الملك عبد العزيز ستارة الفصل الأخير على أحد أهم شواهده التاريخية، فندق «زهرة الشرق»، الذي شُيّد في قلب حي الملز عام 1958، بوصفه أولى بوادر العمارة الحداثية، ويستعد الآن للرحيل والإزالة، مخلفاً وراءه قصصاً سكنت شرفاته، وصوراً خلدها المصور كيث ويلر، وذاكرة عصية على الهدم.

ويُعد فندق «زهرة الشرق» من أوائل المباني الحديثة في مدينة الرياض، وصُمّم بشكل يعكس التطور الذي ظهر في مدينة الرياض آنذاك، ومحاولة عكس صور التحديث في شتى المجالات. وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» أن الفندق، الذي أُقيم على طريق الملك عبد العزيز، بحي الملز في الرياض، من تصميم المعماري المصري سيد كريم، وتنفيذ مؤسسة محمد بن لادن، وهو من الفنادق التي أنشأتها الدولة في الخمسينات، وتم الانتهاء من بنائه في 1958، بالتزامن مع فندق «اليمامة» وتسلمه محمد بن لادن بوصفه مستخلصاً مالياً، وانتقلت ملكية الفندق إليه، واستمر على هذا الحال حتى تاريخ إزالته.

الفندق كان يمثل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية في عصره وتتوافر فيه مساحات وملاعب وفق القياسات العالمية (أمانة منطقة الرياض)

سبعة عقود من التاريخ

قال الكاتب والباحث منصور العساف إن عمر الفندق قارب على السبعين سنة، مضيفاً: «كانت ملكيته في أول الأمر لعيد بن سالم، وهو أحد الوجهاء والمسؤولين في بلاط الملك سعود، ثم آلت ملكيته إلى رجل الأعمال محمد بن لادن، بالإضافة إلى فندق (اليمامة) وأصبحا ملكاً له، منذ افتتاحهما».

وأضاف العساف: «يُعدّ (زهرة الشرق) من الفنادق الأولى في مدينة الرياض، وسبقه عدد من الفنادق، وسكن في الفندق خلال تاريخه عدد من المسؤولين والكثير من ضيوف المملكة، وكان مقراً لإقامة عدد من منتخبات وأندية كرة القدم المشاركة في مسابقات رياضية متعددة أُقيمت في الرياض».

ووصف العساف الفندق بأنه كان يمثّل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية، وكان يضم مساحات وملاعب على أعلى طراز وحسب القياسات العالمية، بالإضافة إلى صالة للأفراح ‏بقسمَين للرجال والنساء.

وقال العساف: «كانت قاعة أفراح الفندق، زاخرة بالمناسبات الاجتماعية لا سيما للطبقة المخملية في فترة ‏الستينات والسبعينات، وانحسر وهجه في الثمانينات، عندما بدأ بناء الفنادق الجديدة وبدأت الطفرة العمرانية والاقتصادية في المملكة التي بدأت معها حقبة جديدة من إنشاء الفنادق وقاعات المناسبات الكبيرة التي أُقيمت تلبية للاحتياجات والظروف الاجتماعية المعاصرة».

اشتهر المصور كيث ويلر أحد نزلائه بصوره لتوثيق مدينة الرياض وتفاصيل الفندق مطلع الستينات الميلادية (أمانة منطقة الرياض)

وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» الذي أصدرته أمانة منطقة الرياض لتوثيق التطور العمراني للعاصمة السعودية، أنه ومع بداية الطفرة في منتصف السبعينات كانت صالة الأفراح في الدور الأرضي للفندق تُحجز مسبقاً بما لا يقل عن شهرَين بسبب كثرة المناسبات التي كانت تُقام في الفندق، وتم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات.

وعن تفاصيل البناء، ورد في إصدار الذاكرة أن المبنى صُمّم مستخدماً مفردات بصرية حداثية غير مألوفة في عمارة الرياض آنذاك، أفقية المبنى متعدد الأدوار، تتقاطع مع رأسية عناصر الحركة العمودية للمبنى، واستخدام لون مختلف لتمييز الكتل البنائية، وكذلك أضاف نوعاً من التفرد لواجهة المبنى، وهناك عنصر آخر يتميز به تصميم المبنى، وهو انسيابية الخطوط في العنصر الرأسي الأبرز في المبنى الذي يحدد مدخل الفندق الرئيسي.

وكانت الفكرة التصميمية للفندق عبارة عن كتلة رئيسية مستطيلة تحتوي على غرف الإقامة للنزلاء، وكانت غرف النزلاء عبارة عن صفين يفصلهما ممر في المنتصف على طول محور هذا المبنى، ومعظم الغرف تحتوي على شرفات خارجية، ويحتوي الفندق على مطعم، وملاعب لكرة القدم والتنس، وقاعات للمناسبات.

تم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات (أمانة منطقة الرياض)

كيث ويلر... ذاكرة مدينة

قال الباحث منصور العساف إن «من بين من سكن في الفندق المصور كيث ويلر الذي صور معظم معالم مدينة الرياض في مطلع الستينات الميلادية، وهو الذي زوّد المكتبة المحلية السعودية بعمل توثيقي مهم لمدينة الرياض وكذلك مدينة الخرج».

واشتهر المصور كيث ويلر بصوره لتوثيق مدينة الرياض، وقد التقط صوراً للفندق في مطلع الستينات الميلادية، وهو أفضل من وثّق الرياض في ستينات القرن الماضي، ولذلك تُعد صوره من أفضل الشواهد والوثائق في كثير من الكتب التي تتحدث عن الرياض في مرحلة الستينات.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور للفندق في أثناء هدمه، وتشاركوا ذكريات ومواقف ربطت أجيالاً من السعوديين وسكان مدينة الرياض وزوارها مع الفندق الذي بقي لنحو 7 عقود واحداً من معالم العاصمة السعودية.

وعلق بعض المشاركين من الباحثين والمهتمين بتراث المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي، عن أهمية حفظ معالم وتراث المدينة الماثل في أحيائها، لا سيما في ظل وجود سجل وطني للتراث العمراني يسهم في صون التراث والمحافظة عليه، وضم في قوائمه آلاف المباني ذات الصبغتَين الحضرية والتاريخية.

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تعيد «التجارة الممنوعة» للواجهة

اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)
اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تعيد «التجارة الممنوعة» للواجهة

اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)
اكتشاف تمثال غرانيتي أثري بعد ضبط 5 أشخاص (وزارة الداخلية المصرية)

أعادت واقعة القبض على 5 أشخاص بالبدرشين (جنوب القاهرة) أثناء التنقيب عن الآثار، وبحوزتهم تمثال كبير الحجم من الغرانيت الأحمر، جرائم التنقيب غير المشروع عن الآثار إلى الواجهة؛ كونها تجارة ممنوعة ويجرّمها القانون في مصر.

وقد شهدت الأيام الماضية أكثر من واقعة لضبط آثار لدى أفراد يحاولون بيعها والاتجار فيها بمدن مصرية مختلفة، من بينها واقعة ضبط شخص في محافظة المنيا بحوزته 277 قطعة أثرية، وضبط شخصين في محافظة سوهاج بحوزتهما تابوت مصري قديم، ووصل عدد القضايا المتعلقة بالتنقيب والحفر وحيازة الآثار إلى أكثر من 380 قضية خلال النصف الأول من شهر أبريل (نيسان) الحالي، وفق تقارير نشرتها وسائل إعلام محلية.

وينص القانون المصري رقم 117 لسنة 1983، وهو قانون حماية الآثار، على أن الجهات المعنية بالتنقيب عن الآثار هي الجهات التي يصرّح لها المجلس الأعلى للآثار بالبحث والتنقيب، كما يواجه كل من ينقب عن الآثار خارج الإطار القانوني أو يحاول تهريب قطع أثرية للخارج عقوبات تبدأ من السجن 3 سنوات وغرامة 500 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 54 جنيهاً مصرياً)، وتصل إلى السجن المؤبد وغرامة تصل إلى 5 ملايين جنيه.

قطع أثرية مضبوطة لدى شخص بمحافظة المنيا (وزارة الداخلية المصرية)

وكانت وزارة الداخلية المصرية أعلنت في أوائل أبريل الحالي عن القبض على شخص مقيم في دائرة مركز شرطة ديرمواس بالمنيا، بتهمة حيازة قطع أثرية بقصد الاتجار متخذاً من مسكنه مسرحاً لمزاولة نشاطه الإجرامي.

وأوضحت الوزارة في بيانها أنه عقب تقنين الإجراءات تم استهدافه وأمكن ضبطه، وبحوزته 277 قطعة أثرية متنوعة. وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار.

وأكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن القطع المضبوطة جراء الحفر خلسة زادت حدتها بعد يناير (كانون الثاني) 2011. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض الفتاوى الضالة أسهمت في انتشار هذه الظاهرة بشكل كبير لدرجة شجعت البعض في القرى على البحث عن الآثار وتهريبها، وظهر الغناء الفاحش على مجموعة من الأفراد نتيجة الحفر وتهريب الآثار».

وأضاف: «الموضوع شائك وله أبعاد أثرية وقانونية ودينية واجتماعية ودولية عدة، وبخصوص الحفر خلسة أو التنقيب غير الشرعي فهو مخالف للمادة 32 من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته التي تنص على أن السلطة المختصة بأعمال التنقيب عن الآثار فوق الأرض وتحت الأرض والمياه الداخلية والإقليمية المصرية هي المجلس الأعلى للآثار».

وجاءت عقوبة جريمة الحفر خلسة وإخفاء الآثار بقصد تهريبها في المادة 42 في تعديلات القانون رقم 91 لسنة 2018 كالآتي: «تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقــل عن 3 سنوات ولا تزيد على 7 سنوات لكل من قام بالحفر خلسة أو بإخفاء الأثر أو جزء منه بقصد التهريب، ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأثر والأجهزة والأدوات والآلات والسيارات المستخدمة في الجريمة لصالح المجلس».

وفى بيان سابق لوزارة الداخلية، في إطار جهود مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها، أكدت معلومات وتحريات قطاعي (السياحة والآثار – الأمن العام) بالتنسيق مع مديرية أمن سوهاج قيام (شخصين «لأحدهما معلومات جنائية» - مقيمين بسوهاج) بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار، وعقب تقنين الإجراءات تم استهدافهما وضبطهما بنطاق محافظة سوهاج، وضُبط بحوزتهما (تابوت أثري كامل «مكون من جزأين»)، وبمواجهتهما اعترفا بأن التابوت المضبوط نتاج أعمال الحفر والتنقيب عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أخميم، وحيازتهما له بقصد الاتجار فيه، وبعرض التابوت على الجهات المعنية تبيَّن أنه أثري ويعود للعصر الروماني المتأخر.

التابوت الأثري وُجد بحوزة شخصين (وزارة الداخلية المصرية)

وقال الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن «تجارة الآثار أصبحت حلماً يراود الكثير من التجار والمغامرين؛ بغرض الثراء السريع والفاحش، حيث نجد أن سوق الآثار المصرية في الخارج من أهم مصادر الثروة»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف الشديد، الجميع يعلم ذلك، وتجارة وتهريب الآثار كانت مجالاً واسعاً تورطت فيه أسماء كبيرة ما بين تجار ومهربين».

وتابع أن «تجارة الآثار للخارجين عن القانون والطامعين في الكسب غير المشروع تُعدّ من أهم مصادر الثروة في مصر الآن، ويعود تزايد عمليات التهريب في هذه الفترة إلى البحث عن الثراء السريع، حيث إن الكثير يتعاملون مع الآثار على أنها سلعة تباع وتشتري، ولا يتأثرون بالوعي الأثري، ولا يدركون أهمية الآثار بالنسبة لأي دولة، حيث إن الآثار تعدّ بمثابة تاريخ الحضارة للدولة».


«سينما الشباب» تستحوذ على جوائز «جمعية الفيلم» في مصر

المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)
المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«سينما الشباب» تستحوذ على جوائز «جمعية الفيلم» في مصر

المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)
المكرمون في لقطة مع رئيس المهرجان (إدارة المهرجان)

استحوذت 4 أفلام مصرية من صناعة جيل الشباب على أكبر عدد من جوائز مهرجان «جمعية الفيلم» في دورته الـ52، وهي أفلام «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» للمخرج خالد منصور، و«ضي - سيرة أهل الضي» لكريم الشناوي و«6 أيام - وعملت إيه فينا السنين» لكريم شعبان، و«دخل الربيع يضحك» لنهى عادل. وتسلم صناع الأفلام جوائزهم في حفل ختام المهرجان الذي أقيم، الأحد، في دار الأوبرا المصرية بحضور مدير التصوير السينمائي محمود عبد السميع، رئيس «جمعية الفيلم» ورئيس المهرجان، وعدد كبير من صناع الأفلام.

وتصدر فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» الأفلام الفائزة بحصوله على 5 جوائز لأحسن قصة سينمائية وإخراج لخالد منصور وأحسن ممثل لعصام عمر وأحسن سيناريو لخالد منصور ومحمد الحسيني وأحسن صوت لمحمد صلاح، وأكدت منتجة الفيلم الناقدة رشا حسني أن «(السيد رامبو) حصل على أكثر من 30 جائزة محلية وعالمية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «فرحتنا كبيرة بهذا النجاح الذي حققه أول فيلم لي كمنتجة ولخالد منصور كمخرج، كما يُعد أيضاً التجربة الأولى لعدد كبير من المواهب التي شاركت به، وأنه كفيلم مستقل استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة بين أن يكون فيلماً جماهيرياً ويحقق إيرادات لافتة، ويحظى بإشادات نقدية واسعة، كما شارك في عرضه الأول بمهرجان فينيسيا، وطاف مهرجانات عدة»، لافتة إلى تعاونها مجدداً مع المخرج خالد منصور في فيلم جديد.

فيما نال فيلم «ضي - سيرة أهل الضي» جائزة أحسن فيلم بتصويت أعضاء جمعية الفيلم والجمهور، كما حاز جوائز أحسن أفيش لآدم عبد الغفار، وأحسن تصوير لعبد السلام موسى، ومنحت لجنة التحكيم جائزتين في التمثيل لبطل الفيلم بدر محمد والممثلة حنين سعيد التي قامت بدور شقيقته، بينما فاز فيلم «6 أيام - وعملت إيه فينا السنين» على جائزة أحسن ممثلة لبطلته آية سماحة، وفاز أحمد مالك بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وفازت ليال وطفة بجائزة أحسن موسيقى.

آية سماحة وجائزة أفضل ممثلة من رئيس المهرجان والمخرج عادل الأعصر (إدارة المهرجان)

وحصلت المخرجة نهى عادل على جائزة أفضل حوار عن أول أفلامها «دخل الربيع يضحك»، كما حاز العمل جائزة «سامي السلاموني في التجديد والابتكار»، وحصلت بطلته ريم العقاد على شهادة تقدير في التمثيل. وحصد فيلم «الست» على جائزتي أحسن ملابس من تصميم ياسمين القاضي وأحسن ديكور لمحمد عطية. وحصل الممثل الشاب عمر رزيق على جائزة في التمثيل عن دوره في فيلم «ولنا في الخيال حب»، فيما فاز عمر المهندس بجائزة أفضل مخرج عمل أول عن فيلم «سيكو سيكو»، وكمال الملاخ كأحسن مونتير عن الفيلم نفسه.

وأشاد المخرج محمد ياسين، رئيس لجنة التحكيم، بمستوى الأفلام والتجارب السينمائية الجديدة التي وصفها في كلمته بـ«المبشرة» موجهاً التحية للسينما المصرية التي لا تزال رغم التحديات قادرة على أن تحلم وتجرب وتجدد، كما وجه التحية لجمعية الفيلم لإصرارها على أن تظل هذه المساحة مفتوحة للسينما وصناعها، مؤكداً أن «لجنة التحكيم شاهدت أفلاماً مختلفة في لغتها ومساراتها بين السينما الجماهيرية والرؤية الذاتية، ورأينا في هذا التنوع طاقة حية تؤكد أن السينما لا تسير في اتجاه واحد، بل تتسع للجميع، وأن جيلاً جديداً يسعى بوعي وإخلاص لكي يجد صوته ويصنع مكانته»، على حد تعبيره.

واختار المهرجان 8 أفلام مصرية عبر الاستفتاء السنوي الذي شارك به عدد كبير من النقاد وأعضاء جمعية الفيلم من بين 36 فيلماً تم عرضها خلال عام 2025 بدور العرض، وهي: «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» و«6 أيام - وعملت إيه فينا السنين؟» و«سيكو سيكو»، و«ضي - سيرة أهل الضي» و«دخل الربيع يضحك» و«لنا في الخيال حب؟» و«الست»، حيث أقام المهرجان لها عروضاً جماهيرية تضمنت مناقشات مع صناعها.

لقطة جماعية للمتوجين بجوائز المهرجان (إدارة المهرجان)

وشهد حفل الختام تكريم عدد من الفنانين، من بينهم سلوى خطاب، والموسيقي المصري جورج كازازيان، وعز الدين غنيم رئيس الشركة القابضة للسينما، والناقد طارق الشناوي، وعبّرت سلوى خطاب في كلمتها عن سعادتها بالتكريم من جمعية سينمائية لها مكانتها في المجال السينمائي، فيما عَد الشناوي تكريمه بمهرجان جمعية الفيلم بمثابة تتويج لمسيرته، مؤكداً أن جمعية الفيلم منذ إنشائها قبل أكثر من نصف قرن وهي تشكل جزءاً من وجدان أي ناقد بدعوتها للحريات ودفاعها عن تراث السينما، كما أن لجوائزها مصداقية كبيرة.

المخرج محمد الشناوي تسلم تكريم والده الفنان كمال الشناوي (إدارة المهرجان)

وأهدى المهرجان دورته لاسم المخرج الراحل داوود عبد السيد، كما قام بتكريم اسم الفنان كمال الشناوي، وقال المخرج محمد الشناوي نجل الفنان إن هذا التكريم يعكس مكانة والده المستقرة في السينما المصرية، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «مسيرة كمال الشناوي استمرت لأكثر من نصف قرن، حيث كان بطلاً ونجماً له حضوره وكان يقول عن نفسه إنه سباح مسافات طويلة لاستمرارية عطائه واحترامه لفنه»، لافتاً إلى رفضه في سنواته الأخيرة تقديم أدوار ضعيفة، محافظاً على كيانه الفني حتى آخر لحظة من عمره.