لدى ذكر اسم سعاد حسني، تتباين المشاعر بين بهجة مستمدة من إطلالتها وأفلامها واستعراضاتها المميزة، وشجن تحدثه ذكريات رحيلها المؤلمة.

بين هذين النقيضين يدور استدعاء المصريين لقصة حياتها في الذكرى الـ22 لرحيلها.
وتكشف جنجاه عبد المنعم حافظ (أختها من الأم) عن بعض تفاصيل وكواليس حياة السندريلا، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان الشاعر الراحل صلاح جاهين من أقرب أصدقائها في الوسط الفني، إذ كانت تعتبره والدها الروحي، وكذلك الفنانة إنعام سالوسة والفنانة نادية لطفي».
وأكدت جنجاه أن سعاد ندمت على أفلام قدمتها في حقبة الستينات من القرن الماضي، لأنها لم تكن على مستوى عالٍ من حيث المحتوى، مشيرة إلى أن «السندريلا» كانت تحب فيلم «خلي بالك من زوزو» جداً لأنها كانت تعشق الاستعراض والبهجة، فقد كانت تفضل أن يناديها الناس باسم «زوزو».
وحسب الفيلم، كانت «زينب» أو كما يلقبها الجميع «زوزو»، ابنة الراقصة نعيمة ألماظية، فتاة تنتقل بعالمها من شارع محمد علي، وراقصاته إلى الجامعة، تطمح إلى التعليم وترك هذه المهنة لكنها ترتبط بقصة حب مع شاب من الطبقة الغنية، وتعيش صراعاً نفسياً بين «زينب» الطالبة الجامعية، و«زوزو» ابنة شارع محمد علي.
فيلم «خلي بالك من زوزو» من تأليف صلاح جاهين، وإخراج حسين الإمام، وبطولة سعاد حسني، وحسين فهمي، وتحية كاريوكا.
وأوضحت جنجاه أن «سعاد كانت تفضل الذهاب إلى مدينتي رأس البر والإسكندرية في فصل الصيف كي تقضي بعض الوقت هناك».
وعن الأسباب وراء عدم تقديمها سوى مسلسل «هو وهي»، قالت إن المسلسل أرهقها كثيراً في التحضيرات، وبعد ذلك انشغلت في أمور أخرى ومنها عمل للمسرح مع المنتج سمير خفاجة، وأشارت جنجاه إلى أن سعاد كانت تحب الاستماع إلى فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم والموسيقى الكلاسيكية بشكل عام.
ولفتت إلى أن سعاد كانت تحب الأكل وتتفنن في الطبخ، خصوصاً الفتة والملوخية ومكرونة الفرن، وفي الصباح كانت تحب تناول الجبن الأبيض البراميلي مع كوب كبير من الشاي الثقيل مع حليب خفيف وخبز بلدي محمص، بجانب شرب الكثير من الماء.

ونوهت جنجاه بأن سعاد تشبه والدتها فيما يتعلق بعدد ساعات النوم، حيث كانت تنام سعاد ساعات قليلة جداً، كما كان نومها خفيفاً مثل العصفورة، «فنحن أسرة لا نحب النوم كثيراً»، مؤكدة أن سعاد لم تجرِ أي عملية تجميل طول حياتها، وقالت إنها كانت تحب الألوان الفاخرة التي تعطي وقاراً مثل الأبيض والأسود ولا تحب الألوان الزاهية، وإنها زارت العديد من البلدان مثل باريس وموسكو والعراق وسوريا ولبنان، وكانت محطتها الأخيرة في لندن.
وأشارت جنجاه إلى أن سعاد كانت حريصة فيما تقدمه من أعمال، وكانت قلقة دائماً على أسرتها، خصوصاً والدتها التي كانت تخاف عليها بشكل كبير.
سعاد حسني التي اكتشفها الشاعر والروائي المصري عبد الرحمن الخميسي وقدمها في مسرحية «هاملت»، أسند لها المخرج هنري بركات البطولة الأولى في فيلم «حسن ونعيمة»، ثم قدمت بعد ذلك العديد من البطولات، حتى وصل رصيدها السينمائي إلى نحو 90 فيلماً وعدد من المسلسلات الإذاعية.
المؤرخ الفني محمد شوقي يقول إن «السندريلا أيقونة فنية استعراضية، ذات موهبة فطرية فاقت مَن درس الفن أكاديمياً، كانت تتمتع بحضور طاغٍ، ومحبة خالصة وقبول لافت، حتى عند ظهورها في مشهد صامت ضيفة شرف في فيلم (عصفور الشرق)، لاقت نجاحاً كبيراً».
وأضاف شوقي لـ«الشرق الأوسط» أن سعاد حسني كانت شخصية واضحة في حياتها الشخصية والفنية وكانت سلسة وبسيطة ومتواضعة وحنونة للغاية ولا توجد جوانب خفية في حياتها.
ورجح شوقي أن يكون الخجل وراء عدم خوضها تجربة المسرح، موضحاً: «هي امرأة خجولة وهذا سبب عدم وقوفها على خشبة المسرح، فقد عُرض عليها الظهور في حفلات وتقديم أغنيات فردية لكن ظهورها كان محدوداً حتى إنها لم تظهر سوى في عيد الإعلاميين بمنتصف الثمانينات من القرن الماضي، والمرة الثانية في استعراض عبر أغنية مسجلة».
ويرى شوقي أن سعاد لو كانت تفرغت للغناء أكثر لنافست أعظم مطربات مصر لتمتعها بصوت وحضور وإحساس طربي مميز، حتى إن أغنيات مسلسل «هو وهي» عندما طُرحت في شريط كاسيت اكتسحت السوق في ذلك الوقت، ويظل ما قدمته «السندريلا» لا يتعدى نسبة ضئيلة من موهبتها العبقرية.
وذكر الناقد الفني المصري طارق الشناوي أن سعاد حسني بدأت رحلتها في الخمسينات، لكن محطاتها الفنية المهمة كانت في منتصف الستينات والسبعينات، وقتها بدأ يشعر الناس بأنهم أمام موهبة استثنائية، أما النجومية الطاغية فجاءت عبر فيلم «خلي بالك من زوزو»، الذي حقق إيرادات غير مسبوقة، حيث أظهرت من خلاله الرؤية الواضحة لموهبتها.
وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن سعاد مرت بحالة اكتئاب بدليل إقامتها في لندن رغم توفر العلاج في مصر، كي تبتعد عن العيون، ويظل جزء مهم من معاناتها نابعاً من داخلها، فهي توقفت عند شخصية «زوزو»، رغم تقديمها أفلاماً مهمة بعد ذلك، لكنها لم تتكيف مع تغير ملامحها، وعندما أرادت العودة مجدداً عبر فيلم «البلياتشو» كانت ستضع أصباغاً كي تخفي ملامحها، ورغم ذلك تظل سعاد حسني أكبر موهبة فن أداء عرفتها مصر.





