قصة الرحابنة... من «إنطلياس العتيقة» إلى مسارح المجد

بدايات الأخوين ترويها العائلة لـ«الشرق الأوسط»

TT

قصة الرحابنة... من «إنطلياس العتيقة» إلى مسارح المجد

عاصي ومنصور الرحباني مع والدتهما سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
عاصي ومنصور الرحباني مع والدتهما سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

المكان: فوّار أنطلياس

الزمان: مطلع ثلاثينات القرن الماضي

الشخصيات: الأب حنّا عاصي، الجدة غيتا، الأم سعدى، الطفلان عاصي ومنصور

المشهد: حنا يعزف على البزق والعائلة مجتمعة حوله تغنّي مع «القبضايات»

 

أوّل نغم زار آذان عاصي ومنصور الرحباني خرج من بزق الوالد حنّا. لم يكن حنا فناناً ولا الأم سعدى مغنّية، لكنّ صوتها احتضن ما يكفي من رقّة ليأخذ الولدَين إلى الحلم.

وبما أنه لا حلم بلا مخيّلة واسعة، تكفّلت الجدة غيتا بتوسيع «طاقة» الخيال لدى الأخوين. حدّثتهما عن الغرائب و«الغامض»، سقتهما الأساطير والمواسم والفولكلور من نبع حكاياتها، ونقلت إليهما عشق الكلمة خلال جلسات الشعر والزجل و«القرّادي»، رغم أنها كانت أمّيّة.

حضرت الجدّة التي من عينطورة (إحدى قرى المتن الشمالي في لبنان) لاحقاً في أعمال الأخوين، كشخصيةٍ مغنّاة، بعد أن زرعت فيهما بذور التراث: «هالله هالله يا تراب عينطورة يا ملفى الغيم وسطوح العيد... ستّي من فوق لو فيي زورا، راحت عالعيد والعيد بعيد».

حضر كذلك الوالد حنا كشخصيةٍ محوريّة في المسرحيات والأفلام. فحنّا عاصي لم يكن عازف بزق، بل «قبضاي». والقبضايات حينها كانوا قُطّاع طرق من نوع خاص، يوقفون قطاراً عن مساره، يستولون على ما فيه من حمولة قمح ليوزّعوها على الناس في زمن الحُكم العثماني. حنا ورفاقه «القبضايات» استُحضروا لاحقاً في أعمال مثل فيلم «سفر برلك».

حنا الرحباني «أبو عاصي» (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

بعد أن صدر عليه حكمٌ بالإعدام من قِبَل العثمانيين، هرب حنا عاصي من بيروت واستقرّ على «تلّة الفوّار» في أنطلياس شمال العاصمة. هناك، فتح مقهى سرعان ما صار مقصداً لقبضايات المنطقة وللزوّار من كل البلد، نظراً لسُمعته المستقيمة وللقمته اللذيذة.

وبين «طلبيّة» يوصلانها إلى طاولة، وصحنٍ يقدّمانه إلى زبون، كان ينصبّ تركيز عاصي ومنصور على الأصوات الطالعة من فونوغراف مقهى الفوّار: سيّد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب...

يهبط المساء فوق أنطلياس، فلا تغفو عيونهما. يصغيان إلى أصوات الليل ويسرحان في خيالهما إلى ما خلف العتمة. يخترعان شخصيات مستوحاة من مشاهداتهما خلال النهار، ويُمَسرِحان الحياة في رأسيهما الصغيرَين.

عاصي ومنصور في سنواتهما الأولى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

كيف رسم الأخوان رحباني «طريق النحل»؟

كظلَّين اتّحدا في ظلٍ واحد، مشى عاصي ومنصور تحت شمس الجرود الحارقة يوم قرر الوالد نقل المقهى إلى منطقة الشوير الجبليّة صيفاً. فوق، «صار القمر أكبر» والشمس أقرب. حاول الصبيّان ترويض الوعورة والتآخي مع الطبيعة القاسية، فَلانَ صوّان الجبال، وصدحت أغاني الحصّادين، ورُسمت «طريق النحل».

يستحضر أسامة الرحباني طفولة عمّه عاصي ووالده منصور قائلاً إنهما «كانا يتأمّلان الطبيعة كثيراً، بأسرارها وجمالها وغضبها؛ الأحراش، والضباب، والوديان، والندى، وهجرة الطيور، وتحوّل الفصول...». كانت تمضي ساعتان وهما يراقبان دبيب النمل مثلاً. ويضيف أسامة في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنّ «إحدى أهمّ نقاط القوة عند الأخوين كانت حسّ المراقبة. يخالطان الصيادين ورُعاة الماعز. يراقبان أهل القرى بشخصياتهم واهتماماتهم... يرصدان مشاكلهم (من قاطع لقاطع)» حول نقل المياه مثلاً. وقد تكرّر هذا المشهد في مسرحية «جسر القمر». «لا شك أن الفقر الذي عاشاه خلال الطفولة أثّر على ما صنعاه»، يقول أسامة الرحباني متابعاً: «لم تكن سنوات حياتهما الأولى ورديّة. ظروف المعيشة القاسية تحكّمت بها. ولاحقاً أظهرا انكباباً متوحشاً على العمل، في انعكاسٍ واضح لتحدّي البدايات».

وعندما حان أوان صبّ الأفكار على الورق في بداية المراهقة، اخترع عاصي مجلّة سمّاها «الحرشاية» ولحقَه منصور بمجلّة «الأغاني». يخطّانهما بالقلم الرصاص ويضمّنانهما شعراً وخواطر ومشاهد مسرحيّة، ثم يدوران بهما على الجيران والأصدقاء ويقرآنهما عليهم في سهرات نهاية الأسبوع، ليعودا يوم الاثنين إلى تحضير عددٍ جديد.

يدخل الكمان إلى البيت الرحبانيّ رغم اعتراض حنّا الذي لم يرغب بالفنّ لولدَيه. ثم ينطلق أول دروس الموسيقى على يد الكاهن بولس الأشقر في دير مار الياس - أنطلياس عام 1938.

عاصي ومنصور المندهشان بآلة الأرغن وبالنوتات الموسيقية، صارا يغيبان عن مساعدة الوالد في دكّانه الجديد، وبالكاد يعودان إلى المنزل. وفي المدرسة والدير كانت البدايات المسرحيّة المتعثّرة، بالتزامن مع انضمام عاصي إلى الشرطة البلدية ومنصور إلى البوليس العدلي الملحق بالأمن العام الفرنسي، بهدف العمل ومساعدة العائلة التي كانت تعاني ضائقة مالية.

عاصي ومنصور والبدايات على الخشبة (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

زخرت رحلة الشرطيين رحباني بالطرائف، فهما كانا بعيدَين كل البُعد عن عالم السلاح ومَحاضر الضبط والمطاردات وعسكر الانتداب، فأمضيا معظم تلك الفترة في الهروب من الخدمة إلى الحفلات، للعزف أو المشاهدة. غير أنّ هذا لم يَحُل دون تأثّرهما بذاك العالم، فحضرت لاحقاً شخصيات مثل «الشاويش» و«البوليس» في أعمالهما.

بدايات عاصي ومنصور في ذاكرة أختهما إلهام

حلّت سنة 1944 صعبة على عاصي ومنصور مع وفاة والدهما، فصارا المعيلَين الوحيدَين للوالدة، والجدّة، والعمّ، وللإخوة سلوى وناديا والياس وإلهام.

«كنت في الثالثة من عمري يوم رحل الوالد»، تخبر إلهام الرحباني حنّا «الشرق الأوسط». وإلهام هي الشقيقة الصغرى وآخر من بقي من الجيل الرحبانيّ الأوّل. تضيف: «كان عاصي ومنصور بمثابة الأب بالنسبة إلينا. وكانت المسؤولية كبيرة عليهما، لكنهما حملاها بطيبة وكرم وفرح». تستذكر عودتهما من العمل مساءً وهما يخبّئان السكاكر في جيوب بزّة الشرطة، لتوزيعها على الإخوة الصغار. وفي يوم قبض الراتب، كانا يأتيان بالهدايا من ملابس وألعاب وحلوى.

الإخوة رحباني مع الوالدة سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

«كانا يخافان علينا كثيراً»، تقول إلهام وتتابع: «الرحلات المدرسية كانت شبه ممنوعة، والحِجّة عند عاصي ومنصور: ماذا لو انقلب الباص المدرسي؟ ماذا لو وقع حادثٌ ما؟... أما عندما كانا يأخذانني إلى البحر، فكان يمسكني كلٌ منهما بيَد وحين تصل المياه إلى ركبتي، يقرران العودة إلى المنزل».

في المقابل، نقل عاصي ومنصور بهجة الفن إلى داخل البيت، فاخترعا مَشاهد للترفيه عن العائلة. وتَصِف شقيقتهما إلهام كيف كانا يقفزان على السرير ويقومان معاً بحركات بهلوانيّة، في صورة لا تغيب عن ذاكرتها.

في تلك الآونة، كانت قد بدأت تتشكّل ملامح الأغنية الرحبانية القصيرة والبعيدة عن المطوّلات السائدة حينها. وتزامناً، تكوّنت المسرحية الغنائية الرحبانية الزاخرة بمشاهد الضيعة اللبنانية والفولكلور. استعان الأخوان بشقيقتهما سلوى غناءً، أما المسرح فكان نادي أنطلياس والجمهور أهالي البلدة من جيران وأصدقاء.

«كانا يؤلّفان في البيت آنذاك، وتفادياً للإزعاج كانا يُجلسانني فوق الخزانة ثم يطلبان من أخي الياس أن يبحث عني، فيحصلان على الهدوء المطلوب»، تتذكّر إلهام مبتسمة.

وبعد المسرحيّات الجوّالة بين أنطلياس والقرى المجاورة، شدّ الأخوان الرحال صوب الإذاعة اللبنانية في بيروت. مغامرة لا تشبه سواها ومعركة إثبات هوية غنائية جديدة كادت تبوء باليأس والفشل. رفض كثيرون أداء أغانيهما المختلفة والطالعة من وعورة الأرض، فأمضى عاصي ومنصور بين 1945 و1948 أياماً صعبة، إنما استفادا خلالها من دروسٍ تلقياها على يد أستاذ الموسيقى الفرنسي بيرتران روبيار، إيماناً منهما بأنّ الموهبة لا تكتمل سوى بالعِلْم.

أما الموهبة والعلم، فاكتملا بصوتٍ فتح أبوابه وشبابيكَه بيتاً للأغنية الرحبانية، وطار بها إلى أوسع المطارح...


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.