قصة الرحابنة... من «إنطلياس العتيقة» إلى مسارح المجد

بدايات الأخوين ترويها العائلة لـ«الشرق الأوسط»

TT

قصة الرحابنة... من «إنطلياس العتيقة» إلى مسارح المجد

عاصي ومنصور الرحباني مع والدتهما سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
عاصي ومنصور الرحباني مع والدتهما سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

المكان: فوّار أنطلياس

الزمان: مطلع ثلاثينات القرن الماضي

الشخصيات: الأب حنّا عاصي، الجدة غيتا، الأم سعدى، الطفلان عاصي ومنصور

المشهد: حنا يعزف على البزق والعائلة مجتمعة حوله تغنّي مع «القبضايات»

 

أوّل نغم زار آذان عاصي ومنصور الرحباني خرج من بزق الوالد حنّا. لم يكن حنا فناناً ولا الأم سعدى مغنّية، لكنّ صوتها احتضن ما يكفي من رقّة ليأخذ الولدَين إلى الحلم.

وبما أنه لا حلم بلا مخيّلة واسعة، تكفّلت الجدة غيتا بتوسيع «طاقة» الخيال لدى الأخوين. حدّثتهما عن الغرائب و«الغامض»، سقتهما الأساطير والمواسم والفولكلور من نبع حكاياتها، ونقلت إليهما عشق الكلمة خلال جلسات الشعر والزجل و«القرّادي»، رغم أنها كانت أمّيّة.

حضرت الجدّة التي من عينطورة (إحدى قرى المتن الشمالي في لبنان) لاحقاً في أعمال الأخوين، كشخصيةٍ مغنّاة، بعد أن زرعت فيهما بذور التراث: «هالله هالله يا تراب عينطورة يا ملفى الغيم وسطوح العيد... ستّي من فوق لو فيي زورا، راحت عالعيد والعيد بعيد».

حضر كذلك الوالد حنا كشخصيةٍ محوريّة في المسرحيات والأفلام. فحنّا عاصي لم يكن عازف بزق، بل «قبضاي». والقبضايات حينها كانوا قُطّاع طرق من نوع خاص، يوقفون قطاراً عن مساره، يستولون على ما فيه من حمولة قمح ليوزّعوها على الناس في زمن الحُكم العثماني. حنا ورفاقه «القبضايات» استُحضروا لاحقاً في أعمال مثل فيلم «سفر برلك».

حنا الرحباني «أبو عاصي» (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

بعد أن صدر عليه حكمٌ بالإعدام من قِبَل العثمانيين، هرب حنا عاصي من بيروت واستقرّ على «تلّة الفوّار» في أنطلياس شمال العاصمة. هناك، فتح مقهى سرعان ما صار مقصداً لقبضايات المنطقة وللزوّار من كل البلد، نظراً لسُمعته المستقيمة وللقمته اللذيذة.

وبين «طلبيّة» يوصلانها إلى طاولة، وصحنٍ يقدّمانه إلى زبون، كان ينصبّ تركيز عاصي ومنصور على الأصوات الطالعة من فونوغراف مقهى الفوّار: سيّد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب...

يهبط المساء فوق أنطلياس، فلا تغفو عيونهما. يصغيان إلى أصوات الليل ويسرحان في خيالهما إلى ما خلف العتمة. يخترعان شخصيات مستوحاة من مشاهداتهما خلال النهار، ويُمَسرِحان الحياة في رأسيهما الصغيرَين.

عاصي ومنصور في سنواتهما الأولى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

كيف رسم الأخوان رحباني «طريق النحل»؟

كظلَّين اتّحدا في ظلٍ واحد، مشى عاصي ومنصور تحت شمس الجرود الحارقة يوم قرر الوالد نقل المقهى إلى منطقة الشوير الجبليّة صيفاً. فوق، «صار القمر أكبر» والشمس أقرب. حاول الصبيّان ترويض الوعورة والتآخي مع الطبيعة القاسية، فَلانَ صوّان الجبال، وصدحت أغاني الحصّادين، ورُسمت «طريق النحل».

يستحضر أسامة الرحباني طفولة عمّه عاصي ووالده منصور قائلاً إنهما «كانا يتأمّلان الطبيعة كثيراً، بأسرارها وجمالها وغضبها؛ الأحراش، والضباب، والوديان، والندى، وهجرة الطيور، وتحوّل الفصول...». كانت تمضي ساعتان وهما يراقبان دبيب النمل مثلاً. ويضيف أسامة في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنّ «إحدى أهمّ نقاط القوة عند الأخوين كانت حسّ المراقبة. يخالطان الصيادين ورُعاة الماعز. يراقبان أهل القرى بشخصياتهم واهتماماتهم... يرصدان مشاكلهم (من قاطع لقاطع)» حول نقل المياه مثلاً. وقد تكرّر هذا المشهد في مسرحية «جسر القمر». «لا شك أن الفقر الذي عاشاه خلال الطفولة أثّر على ما صنعاه»، يقول أسامة الرحباني متابعاً: «لم تكن سنوات حياتهما الأولى ورديّة. ظروف المعيشة القاسية تحكّمت بها. ولاحقاً أظهرا انكباباً متوحشاً على العمل، في انعكاسٍ واضح لتحدّي البدايات».

وعندما حان أوان صبّ الأفكار على الورق في بداية المراهقة، اخترع عاصي مجلّة سمّاها «الحرشاية» ولحقَه منصور بمجلّة «الأغاني». يخطّانهما بالقلم الرصاص ويضمّنانهما شعراً وخواطر ومشاهد مسرحيّة، ثم يدوران بهما على الجيران والأصدقاء ويقرآنهما عليهم في سهرات نهاية الأسبوع، ليعودا يوم الاثنين إلى تحضير عددٍ جديد.

يدخل الكمان إلى البيت الرحبانيّ رغم اعتراض حنّا الذي لم يرغب بالفنّ لولدَيه. ثم ينطلق أول دروس الموسيقى على يد الكاهن بولس الأشقر في دير مار الياس - أنطلياس عام 1938.

عاصي ومنصور المندهشان بآلة الأرغن وبالنوتات الموسيقية، صارا يغيبان عن مساعدة الوالد في دكّانه الجديد، وبالكاد يعودان إلى المنزل. وفي المدرسة والدير كانت البدايات المسرحيّة المتعثّرة، بالتزامن مع انضمام عاصي إلى الشرطة البلدية ومنصور إلى البوليس العدلي الملحق بالأمن العام الفرنسي، بهدف العمل ومساعدة العائلة التي كانت تعاني ضائقة مالية.

عاصي ومنصور والبدايات على الخشبة (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

زخرت رحلة الشرطيين رحباني بالطرائف، فهما كانا بعيدَين كل البُعد عن عالم السلاح ومَحاضر الضبط والمطاردات وعسكر الانتداب، فأمضيا معظم تلك الفترة في الهروب من الخدمة إلى الحفلات، للعزف أو المشاهدة. غير أنّ هذا لم يَحُل دون تأثّرهما بذاك العالم، فحضرت لاحقاً شخصيات مثل «الشاويش» و«البوليس» في أعمالهما.

بدايات عاصي ومنصور في ذاكرة أختهما إلهام

حلّت سنة 1944 صعبة على عاصي ومنصور مع وفاة والدهما، فصارا المعيلَين الوحيدَين للوالدة، والجدّة، والعمّ، وللإخوة سلوى وناديا والياس وإلهام.

«كنت في الثالثة من عمري يوم رحل الوالد»، تخبر إلهام الرحباني حنّا «الشرق الأوسط». وإلهام هي الشقيقة الصغرى وآخر من بقي من الجيل الرحبانيّ الأوّل. تضيف: «كان عاصي ومنصور بمثابة الأب بالنسبة إلينا. وكانت المسؤولية كبيرة عليهما، لكنهما حملاها بطيبة وكرم وفرح». تستذكر عودتهما من العمل مساءً وهما يخبّئان السكاكر في جيوب بزّة الشرطة، لتوزيعها على الإخوة الصغار. وفي يوم قبض الراتب، كانا يأتيان بالهدايا من ملابس وألعاب وحلوى.

الإخوة رحباني مع الوالدة سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

«كانا يخافان علينا كثيراً»، تقول إلهام وتتابع: «الرحلات المدرسية كانت شبه ممنوعة، والحِجّة عند عاصي ومنصور: ماذا لو انقلب الباص المدرسي؟ ماذا لو وقع حادثٌ ما؟... أما عندما كانا يأخذانني إلى البحر، فكان يمسكني كلٌ منهما بيَد وحين تصل المياه إلى ركبتي، يقرران العودة إلى المنزل».

في المقابل، نقل عاصي ومنصور بهجة الفن إلى داخل البيت، فاخترعا مَشاهد للترفيه عن العائلة. وتَصِف شقيقتهما إلهام كيف كانا يقفزان على السرير ويقومان معاً بحركات بهلوانيّة، في صورة لا تغيب عن ذاكرتها.

في تلك الآونة، كانت قد بدأت تتشكّل ملامح الأغنية الرحبانية القصيرة والبعيدة عن المطوّلات السائدة حينها. وتزامناً، تكوّنت المسرحية الغنائية الرحبانية الزاخرة بمشاهد الضيعة اللبنانية والفولكلور. استعان الأخوان بشقيقتهما سلوى غناءً، أما المسرح فكان نادي أنطلياس والجمهور أهالي البلدة من جيران وأصدقاء.

«كانا يؤلّفان في البيت آنذاك، وتفادياً للإزعاج كانا يُجلسانني فوق الخزانة ثم يطلبان من أخي الياس أن يبحث عني، فيحصلان على الهدوء المطلوب»، تتذكّر إلهام مبتسمة.

وبعد المسرحيّات الجوّالة بين أنطلياس والقرى المجاورة، شدّ الأخوان الرحال صوب الإذاعة اللبنانية في بيروت. مغامرة لا تشبه سواها ومعركة إثبات هوية غنائية جديدة كادت تبوء باليأس والفشل. رفض كثيرون أداء أغانيهما المختلفة والطالعة من وعورة الأرض، فأمضى عاصي ومنصور بين 1945 و1948 أياماً صعبة، إنما استفادا خلالها من دروسٍ تلقياها على يد أستاذ الموسيقى الفرنسي بيرتران روبيار، إيماناً منهما بأنّ الموهبة لا تكتمل سوى بالعِلْم.

أما الموهبة والعلم، فاكتملا بصوتٍ فتح أبوابه وشبابيكَه بيتاً للأغنية الرحبانية، وطار بها إلى أوسع المطارح...


مقالات ذات صلة

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

الوتر السادس شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

أطلقت المطربة المصرية شذى أخيراً مجموعة أغانٍ منفردة أحدثها أغنية «أوكي» التي صدرت في بداية عام 2026 وأغنية «زمانك دلوقتي»، بالإضافة إلى عدة أغنيات مثل «ناجح»..

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

يزخر مشوار الملحن رواد رعد بأعمال غنائية ناجحة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. فهو ينتمي إلى الجيل الذهبي من الملحنين اللبنانيين الذين تركوا بصمتهم على الساحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

تبدو تجربة أحمد قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

كل الإشارات تدل على عودة قريبة للفنانة العالمية سيلين ديون بعد ابتعاد طويل بسبب إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبس». ويبدو أن باريس ستستضيف العودة الغنائية.

كريستين حبيب (بيروت)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
TT

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة، بدأت بصورة عابرة؛ لكنها ظلت تطارده سنوات، موضحاً أن الشرارة الأولى جاءت من جدِّه الذي قضى عمره مُدرساً، قبل أن يجد نفسه بعد التقاعد في حالة من الفراغ القاسي، كأن حياته فقدت معناها فجأة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جده، رغم مكانته الكبيرة واحترام الجميع له؛ إذ كان مدرّساً للغة الإنجليزية ومدير مدرسة لسنوات طويلة، لم يكن يرى نفسه إلا مزارعاً مرتبطاً بالأرض والمواشي، وهو ما جعله يعيش صدمة حقيقية حين اضطر للتخلي عن هذا العالم تدريجياً، تحت ضغط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

زحف المدن

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت بمنزلة «لحظة انفصال عن الهوية»، وكانت مدخله الأساسي لصناعة الفيلم؛ حيث بدأ يتساءل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الشيء الذي عرفه طوال حياته؟ مشيراً إلى أن فيلمه لا يروي حكاية تقليدية؛ بل يستند إلى إعادة تمثيل لوقائع حقيقية عاشها مع عائلته في الريف، في منطقة هاريانا؛ حيث تتآكل أنماط الحياة القديمة أمام زحف المدن.

تدور أحداث فيلم «العِجل البديل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» حول أستاذ متقاعد يعيش في قرية ريفية تختنق تدريجياً تحت وطأة التمدد الحضري؛ حيث يواجه لحظة قاسية عندما تلد بقرته عجلاً ميتاً، فيجد نفسه أمام أزمة تتجاوز الخسارة المادية إلى صدمة إنسانية تمس علاقته بالمكان والهوية، مع غياب مَن يساعده، وتفكك نمط الحياة الذي اعتاده.

وأشار إلى أن من الحوادث المفصلية التي أثَّرت فيه، حادثة موت عِجل حديث الولادة داخل المزرعة، وقد أعادت طرح طقوس قديمة كانت تمارس في القرى، من بينها صنع «دمية العِجل» كبديل رمزي للحفاظ على سلوك أُم العجل، وهي طقوس تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية تتجاوز ظاهرها.

المخرج الهندي أنكور هودا (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم يسير على هذا الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي؛ حيث شارك أفراد عائلته الحقيقيون في العمل، عبر حضورهم أشخاصاً حقيقيين يعيدون تمثيل ذواتهم، وهو ما أضفى على الفيلم طابعاً شديد الخصوصية والصدق، لافتاً إلى أن هذا المزج بين الحقيقة والخيال كان ضرورياً للتعبير عن طبيعة القصة نفسها التي تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع التأويل؛ لأن هدفه لم يكن تقديم حكاية عن عائلة بعينها؛ بل التقاط حالة إنسانية أوسع تعيشها المجتمعات الريفية التي تواجه التحولات الحديثة.

تحولات عميقة

وأوضح أن الفيلم يعكس أيضاً التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها القرى؛ حيث يهاجر الشباب إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل، تاركين خلفهم كبار السن يواجهون مصيراً غامضاً، وهو ما يخلق فجوة بين الأجيال، ويضع من تبقوا في حالة من التيه، بين ماضٍ يتلاشى وحاضر لا ينتمون إليه كاملاً.

وعن التحديات الإنتاجية، قال هودا إن فيلم «العِجل البديل» تم تنفيذه بإمكانات محدودة للغاية؛ حيث لم يتمكن من الحصول على تمويل تقليدي؛ مشيراً إلى أن العمل خرج إلى النور بفضل دعم الأصدقاء والعائلة الذين آمنوا بالفكرة وساعدوه في تنفيذها.

وأضاف أنه اشترى كاميرا بسيطة، وصوَّر الفيلم في مواقع حقيقية داخل القرية، مؤكداً أن التكلفة الإجمالية لم تتجاوز 500 دولار، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه، ولكنه في الوقت نفسه منح الفيلم صدقاً بصرياً وحرية إبداعية كبيرة. وتابع بأن غياب التمويل لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً للبحث عن حلول بديلة؛ مشيراً إلى أن العمل بروح جماعية صغيرة جعله أكثر قرباً من موضوعه.

قدَّم المخرج جانباً من حياة جدِّه (الشركة المنتجة)

وأشار هودا إلى أن عرض فيلم «العِجل البديل» في قريته كان تجربة مختلفة تماماً؛ حيث لم تكن هناك إمكانات تقنية أو تجهيزات احترافية، ولكن الحضور الإنساني كان طاغياً، مؤكداً أن مشاهدة أهل القرية أنفسهم على الشاشة كانت لحظة مؤثرة، أعادت ربطهم بقصتهم وبالتحولات التي يعيشونها، معتبراً أن هذا التفاعل المباشر مع الجمهور كان من أهم مكاسب الفيلم؛ لأنه جعله يدرك أن السينما يمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات، قبل أن تكون وسيلة للعرض أو الترفيه.

مشروع طويل

وأكد المخرج الهندي أن فيلمه ليس مجرد فيلم مستقل؛ بل بداية مشروع سينمائي أطول يسعى من خلاله إلى توثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات الريفية في الهند؛ مشيراً إلى أنه مهتم باستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على هذه العلاقة، وما يهمه في النهاية ليس فقط الحكايات نفسها؛ بل تلك المساحات الصامتة التي تتشكل فيها الهوية، أو التي يشعر فيها الإنسان بأنه يفقد جزءاً من نفسه، دون أن يدرك تماماً كيف أو لماذا.


لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
TT

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)

نجح باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية في حلّ أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، المتعلِّق بسبب ظهور كوكب زحل وكأنه يُغيّر سرعة دورانه وفق طريقة القياس.

وكشفت الدراسة عن أنماط معقّدة من الحرارة والجسيمات المشحونة كهربائياً في الشفق القطبي لزحل، ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: سبيس فيزيكس».

ولطالما حيَّر زحل العلماء، خصوصاً بعد قياسات أجرتها مركبة كاسيني التابعة لوكالة «ناسا» عام 2004، والتي أشارت إلى أنّ معدل دوران الكوكب يتغيَّر مع الوقت، وهو أمر غير منطقي علمياً؛ إذ لا يمكن لكوكب أن يُسرّع دورانه أو يُبطئه بهذه الطريقة.

وعام 2021، توصَّل فريق بقيادة عالم الفلك توم ستالارد من جامعة ليستر البريطانية إلى أنّ التغيُّر الظاهري لا يتعلّق بدوران زحل نفسه، بل ينتج عن رياح في غلافه الجوّي العلوي تولّد تيارات كهربائية تعطي إشارات مضلّلة في الشفق القطبي. لكن السؤال الأهم بقي: ما الذي يُسبِّب هذه الرياح أصلاً؟

وخلال الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي لرصد الشفق القطبي الشمالي لزحل بشكل متواصل خلال يوم كامل على الكوكب. ومن خلال تحليل الإشعاع تحت الأحمر الصادر عن جزيء يُعرف باسم «ثلاثي الهيدروجين الموجب»، والذي يعمل مقياساً طبيعياً لدرجة الحرارة، تمكَّن الفريق من إنتاج أول خرائط عالية الدقة لدرجات الحرارة وكثافة الجسيمات في هذه المنطقة.

ووفق الدراسة، تميَّزت هذه القياسات بدقة غير مسبوقة؛ إذ كانت أكثر دقة بـ10 مرات من القياسات السابقة، ممّا سمح برصد تفاصيل دقيقة لعمليات التسخين والتبريد في الغلاف الجوّي.

وأظهرت النتائج أنّ أنماط الحرارة والكثافة تتطابق بشكل كبير مع توقّعات النماذج الحاسوبية القديمة، ولكن بشرط أن يكون مصدر الحرارة في المناطق نفسها التي يدخل منها الشفق القطبي إلى الغلاف الجوّي.

«مضخّة حرارية كوكبية»

ويعني ذلك، وفق الفريق، أنّ الشفق القطبي في زحل ليس مجرّد عرض ضوئي جميل، فهو يلعب دوراً نشطاً في تسخين الغلاف الجوّي في مناطق محدّدة، وهذا التسخين يولّد رياحاً، وهذه الرياح بدورها تنتج تيارات كهربائية تغذي الشفق القطبي مجدّداً، لتنشأ حلقة مستمرة ذاتية التغذية.

ووصف الفريق هذه الظاهرة بأنها «مضخّة حرارية كوكبية»؛ إذ يُسخّن الشفق الغلاف الجوّي، فتتولد الرياح، ثم تنتج هذه الرياح تيارات كهربائية تعزّز الشفق مرة أخرى.

وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما يحدث في الغلاف الجوي لزحل يؤثّر مباشرة في غلافه المغناطيسي، وهي المنطقة الواسعة من الفضاء التي يهيمن عليها المجال المغناطيسي للكوكب، والتي تعيد بدورها ضخّ الطاقة إلى الغلاف الجوّي، وقد يساعد هذا التفاعل المتبادل في تفسير استقرار هذه الظاهرة واستمرارها لمدّة طويلة.

ويؤكد الفريق أنّ هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للتفاعلات بين الغلاف الجوّي والمجالات المغناطيسية في الكواكب الأخرى، وربما يكشف عن ظواهر مماثلة في عوالم بعيدة داخل وخارج نظامنا الشمسي.


ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
TT

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون (1830 - 1896) في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصمم فيه «قاعة العرب» شرقية الروح والملامح والتفاصيل.

تظل القاعة مصدر جذب للزوار للتأمل في جمالياتها العالية وتفاصيلها الشرقية التي تنقلنا من مدينة لندن لقاعات عربية وشرقية مكتملة بالجدران المتدثرة بقطع السيراميك الأزرق والزخارف والكتابات العربية وتحتضن في وسطها نافورة تحول الغرفة إلى قاعة شرقية مهاجرة.

قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس»... درة شرقية (تصوير سيوبان دوران)

العيون الزرقاء في قاعة العرب

في هذه القاعة تحديداً، التي جلب لها اللورد ليتون السيراميك واللوحات من أنحاء المشرق، يطل علينا عمل معاصر للفنان اللبناني رمزي ملاط، لا يبدو دخيلاً على الجو العام للقاعة بل يمتزج معها إلى درجة كبيرة، فهنا تتدلى أمامنا من الثريا المعدنية سلاسل من حبات الخرز الأزرق، نقترب منها وتأخذنا بشكلها الأسطواني وتكوينها الذي يشبه المشربيات الشرقية. تتدلى خيوطها وحبات الخرز فيها لتتفاعل مع الجدران الزرقاء حولها وتعكس ظلالها على بركة الماء أسفلها.

الفنان مع عمله في متحف «ليتون هاوس» بلندن (تصوير: جارون جيمس)

«أطلس النظرة المتشابكة»

بالاقتراب من العمل نتبين تفاصيل الخرزات الزرقاء وتناغمها، هي مثل تلك التي تستخدم لدرء النظرة الحاسدة في الثقافات العربية، ربما هذا ما يعكسه عنوان العمل وهو «أطلس النظرة المتشابكة». النظرة هنا أساسية لفهم العمل، فالخرز الأزرق كان يستخدم للحماية من الحسد ومن النظرة الشريرة، ولكن العمل يوظف ذلك العنصر للحديث عن مواضيع أعمق تنبع من خلال تلك المظلة المؤلفة من آلاف «العيون» الخزفية الزرقاء، حيث نسج الفنان عملاً يستمد من الفلكلور الشامي وتقاليد الحرف الإسلامية واللغة المعمارية والرمزية للمكان، ليقدم تأملاً معاصراً في الإدراك والحماية والتراث الثقافي.

أمام الثريا الزرقاء أقف مع رمزي ملاط للحديث عن العمل ومعانيه. يقول إن الأمر الأهم بالنسبة له كان أن يعكس العناصر المختلفة في ليتون هاوس وهي كثير، فالخرزات الزرقاء المعلقة، وعددها 7500، تتشابه في ألوانها وتفاصيلها مع ثيمات أخرى موجودة في غرف المتحف مثل أطباق خزفية معلقة على الجدار ورسمات على وسائد موضوعة على أريكة: «عند زيارتي للمتحف لاحظت ذلك النمط المتكرر، وشعرت وكأن فريدريك ليتون استلهم نفس الفكرة لحماية منزله من خلال عناصر مختلفة وضعها في غرف متفرقة، أو ربما كان ذلك مجرد خيار أسلوبي، لكنني أميل إلى الاعتقاد بوجود دافع أعمق، نظراً لكثرة أسفاره في الشرق الأوسط. لفتت هذه العناصر انتباهه، وصمم منزله بأسلوب يعكس أسفاره وشغفه».

النظرة بين الشرق والغرب

صمم ملاط عمله مستخدماً نمط الخرزات الزرقاء وتصميماتها بشكل بدا وكأنه يتجاوب مع غرف المتحف غير أنه يقول إن هناك مرجعيات أخرى لاحظها في الغرف الأرضية للمتحف، يشير إلى «قاعة نرجس» وهي قاعة ملبسة بالسيراميك الأزرق بحيث يشعر الزائر بأنه في خضم موجات كثيفة من اللون وكأنه يغوص في أعماق لجة من الماء، ولا يبدو ذلك غريباً فالقاعة تستلهم من الأسطورة اليونانية عن شخص شديد الجمال وقع في غرام انعكاس صورته على ماء بركة حتى وقع وغرق في مياهها.

نسج ملاط مع حبات الخرز الزرقاء مظلة تستوحي من الشرق والغرب (الفنان)

من أسطورة نرجس أو نارسيس، يرى ملاط عنصر النظرة التي تغوي، هي النظرة التي تستخدم الخرزات الزرقاء للحماية من شرها، النظرة هنا تكتسب أبعاداً مختلفة يحدثنا عنها ملاط: «عندما أردت إنتاج هذه القطعة، فكرت في الحسد، وفكرت أيضاً في النافورة التي عطلناها لنحولها إلى بركة ماء. بدأت أتساءل: لماذا يوجد هذا التقارب بين نرجس والقاعة العربية؟ ربما من وجهة نظري، أسطورة نرجس يمكن أن تكون تفسيراً لمعتقد الحسد، ولكن بشكل أكبر للجمهور الغربي، لأنها لا تزال تتحدث عن قوة النظرة وحقدها، فهي قد تجلب سوء الحظ أيضاً، ويعتبرها آخرون غروراً. أحب أن أنظر إليها كحوار مفتوح بين التقاليد الغربية والشرقية، ولهذا السبب أردت إبراز ذلك، وأردت تعليق هذا العمل من حوض النافورة لمواصلة اللعب بهذه المراجع المختلفة أيضاً. حقيقة أن لونها أزرق وأن الماء راكد الآن، تجعل الناس ينظرون إلى انعكاسها، وينظرون أيضاً إلى القطعة نفسها في الماء، لذا أعتقد أن هناك تبادلاً يحدث عبر الماء أيضاً».

الحماية والعنف

مفهوم الحماية، سواء من العين الحاسدة الذي تجسده الخرزات الزقاء، يتسع ويكتسب أبعاداً جديدة في عمل ملاط، فالثريا الزرقاء تشبه في شكلها خوذات المحاربين في العصور الوسطى المغطاة بحلقات معدنية كانت تهدف لحماية الوجه أثناء القتال: «عندما دخلت المكان لأول مرة، ذكّرتني الثريا الموجودة بخوذات المحاربين العثمانيين، وأردت إبراز هذا الجانب من خلال تصميم سلسلة من العيون المتأملة على طراز المشربية، وهي مترابطة بسلاسل لمحاكاة النمط نفسه الموجود في الدروع، لكنني أردت أيضاً أن تبدو كدرع يحمي المكان ويمنحه في الوقت نفسه إحساساً بالحركة، لأنني أرى ذلك في تجربة الناس وهم يدخلون المكان، فهم ينظرون إليه باستمرار».

يتداخل مفهوم الحماية لدى ملاط ليربط ما بينها وبين الشعور بالضعف وأيضاً العنف، يقول: «بمعنى ما الخوذة هي وسيلة حماية، لكنها لا تقتصر على الحماية فحسب، بل تشير أيضاً إلى العنف. أعتقد أن امتلاك المعدات اللازمة للحماية يعني أنك في حالة من الضعف الدائم. وهذا ما أردت التطرق إليه، حيث لا يقتصر الأمر على الحماية فحسب، بل يتعلق أيضاً بالضعف الكامل».

الخرزات الزرقاء في «أطلس النظرة المتشابكة» لرمزي ملاط (تصوير: جارون جيمس)

مخاوف معاصرة

يرى الفنان في رمزية العين الشريرة انعكاساً للمخاوف المعاصرة المتعلقة بالحماية والمحو والعنف الموجه نحو المنطقة العربية: «عندما أنتجتُ هذا العمل، كان لديّ دائماً هذا الفهم العميق بأننا نواجه باستمرار حالة من عدم اليقين في المنطقة، وعندما كنتُ أبحث في فهم سبب استمرار فكرة العين الزرقاء في مجتمعاتنا المعاصرة، توصلتُ إلى استنتاج مفاده أن الاعتقاد بالحماية من العين الشريرة إنما هو وسيلة للتكيف والتعامل مع الأوضاع. أعتقد أن التمسك بهذا الاعتقاد يفسر حقاً مصيبتك، ويسمح لك أيضاً بالحزن الشديد بسبب حقيقة أننا نواجه باستمرار المحو والتدمير، واستحالة هذا الوضع حيث تشعر بالعجز الشديد، ولكن في الوقت نفسه تريد أن تكون قادراً على فعل شيء ما بحياتك. وأعتقد أن هذا الأمر يُبرز أهمية التفاعل الحقيقي مع شيء غير مادي يربطنا جميعاً».

بشكل شخصي يرتبط الإحساس لدى الفنان بما يحدث في بلده: «أنا من لبنان، بلد صغير جداً، وكنت أعاني من هذا القلق في صغري بشأن نظرات الآخرين وتطور الإيمان بهذه التميمة ورمزيتها حتى أنني أنجزت سلسلة أكبر من الأعمال الفنية التي تحمل هذه العيون الشريرة. عندما اندلعت الحرب بين (حزب الله) وإسرائيل عام 2024، كانت المناوشات لا تزال مستمرة في الجنوب، وعندما ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل الفوسفور، ورأيت هذا المحو الهائل والإبادة البيئية في الجنوب، شعرت بالعجز الشديد، فبدأت أرسم هذه المناظر الطبيعية، هذه الجبال الشاهقة التي منحتني الشعور بالحماية عندما كنتُ هناك، ثمّ نقشتُ عليها عيوناً حاسدة، وكأنّ عجزي يُترجم إلى ورق، أردت إبراز كلّ هذه المشاعر والإحباطات، وجعلها أيضاً رسالة حبّ للعالم العربي».

يعتبر ملاط العمل بمثابة بنية للذاكرة الجماعية، وتذكير بأن فعل النظر ليس محايداً أبداً. وبهذا المفهوم تصبح رؤية «أطلس النظرة المتشابكة» كغطاء واقٍ وشبكة من «العيون» اليقظة، تُثير التأمل في مفهومي الظهور والهشاشة: من يُراقَب، ومن يُحمى، وكيف تنتقل الرموز الثقافية وتتحول عبر القرون.

قاعة العرب وفي الخلف قاعة نارسيس بمتحف «ليتون هاوس» (تصوير: سيوبان دوران)

العمل يعد ​​أول تكليف للفنان من مؤسسة فنية بالمملكة المتحدة، ويقدم من خلال برنامج «قاعة العرب: الماضي والحاضر» في المتحف، حيث ستُقدّم ثلاثة أعمال تركيبية جديدة رؤى معاصرة حول قاعة العرب، تتناول كل منها هندستها المعمارية وموادها وتاريخها المتراكم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended