خاصة بعد الحروب، تحاول المدن لملمة أوراقها وتاريخها. وبيروت هي واحدة من تلك المدن التي دمرتها الحرب، وتركت أثرها الكبير على طرقها ومبانيها ومعالمها. هي ورشة إعادة الحسابات لبيروت العمارة، التي يدخلنا بها المخرج نديم مشلاوي. ويطرح علامات استفهام كثيرة في فيلمه «ما بعد النهاية»، ويتركها مرات كثيرة من دون أجوبة. الفيلم اختاره مهرجان «شاشات الواقع» السينمائي ليختتم معه فعالياته في بيروت. فهو يكمل مشواره من عروض سينمائية تلامس الواقع في مناطق أخرى بينها طرابلس وحمانا.
منذ اللحظات الأولى للفيلم يأخذنا مشلاوي في رحلة واقعية بامتياز يجمع فيها لحظات من حياته الشخصية، وأخرى تتعلق بعمارات بيروت وشوارعها. يستضيف في هذا الوثائقي المهندسين المعماريين برنار خوري وجورج عربيد والمصور الفوتوغرافي زياد عنتر. أما العنوان العريض لموضوع الفيلم فهو البحث في جدلية الاختفاء. هذا الاختفاء الذي عاشه مع غياب والده، أوصله إلى مدينة على حافة الاختفاء، كما يقول.
استغرق تنفيذ الفيلم نحو 10 سنوات، إذ بدأه مشلاوي في عام 2013. لم يكن يدرك أن دخوله موضوع المدينة وعماراتها سيتشعب إلى ما لا نهاية، يوثقه بكاميرته الصلبة والواضحة ويغوص معها في دهاليز مدينة تغرق حتى عماراتها بالفساد.
يقسم مشلاوي فيلمه إلى 4 أقسام، يطلق على كل منها عنواناً يبث فيك الرعب. ومع «هذيان» و«طمر» و«نبش» و«أشباح»، يبدأ مشوارك صعب المراس مع الفيلم. تركز وتصغي بدقة لكل حوارات الفيلم كي لا يفوتك أي تفصيل. المخرج وضيوفه يتحدثون بسلاسة صحيح، ولكن الحوار يطرح إشكاليات لا يمكن استيعابها في ظرف 85 دقيقة. فالموضوعات تتشابك إلى حدّ الالتصاق، مما يصعب فكها عن بعضها. ويكتشف مشلاوي خلال مشواره مع هذا الفيلم خبايا بيروت العمرانية. ويرمي إلى المشاهد بمعلومة خطيرة: «لا نعرف لماذا يوجد فرق بين المدينة وخرائطها. أحياناً وأنا أسير في بيروت أشعر كأني أمشي بالزمن. فلا خريطة يمكنها أن توضّح جغرافيا مدينة غامضة إلى هذا الحد».

من هنا يبدأ مشاهد الفيلم بالتحليل والتفتيش عما يقصده مشلاوي. ويأخذ إثر متابعته أحاديث ضيوفه تفكيك هذا اللغز.
ففي حديثه مع المصور زياد عنتر، يقف نديم متعجباً وحائراً. فالأخير يؤكد له أن هناك عمارات تختفي في بيروت بين الحين والآخر من دون مبرر. فهل هناك خطة خبيثة تهدف إلى محو بيروت عن الخريطة؟ هو السؤال الذي يستوحيه مشاهد الفيلم لاشعورياً من حديث عنتر. فهو يصر على أن كاميرته الفوتوغرافية صورت أكثر من مبنى ما لبث أن اختفى فيما بعد. وحدها صورته تحفظ مكانها، عكس العقار الذي كان يحمله وتحول إلى فراغ. يؤكد عنتر أن أكثر من عمارة اختفت من دون سبب، وكأن هناك شبكة تتاجر بالعقارات، فتقوم بعملها بوضح النهار حافية القدمين، كي لا تحدث أي ضجة حولها. وعندما كان مشلاوي يحاول الاستفسار من عنتر عن سبب هذا الاختفاء برأيه، كان يرد عليه بغضب «لا أعلم، لا أعلم».
هناك من يلومنا لأننا رممنا مدينتنا. ولكن من عاش الحرب مثلنا لا يحتاج إلى ما يذكره بها".
المهندس جورج عربيد
ومع المهندس جورج عربيد نتأكد أن خرائط بيروت وعمرها يفوق 70 عاماً هي صحيحة. ويقول عربيد: "انها وثائق ضرورية نحتاجها في عملية إعادة الإعمار والترميم مزودين بالمعرفة. وعلى الأقل تفيدنا بحجم خسائرنا على الأرض. فمن دونها لا نستطيع أن نحصي عدد المباني التي كانت ترتفع في المدينة وتلك التي دمرتها الحرب". ولكن يتابع عربيد بأن علب وصناديق بالعشرات تم رميها إثر احتراقها بقذائف الحرب، فاختفت هي أيضاً، وضاعت معها كل الدلائل التي توثق معالم مدينة.
طيلة الفيلم يذكرنا مشلاوي بأيام الحرب اللبنانية. وبين مباني مثقوبة بفعل الرصاص، وأخرى مهدمة بفعل القذائف وصولاً إلى انفجار بيروت. يومها اختفت عمارات كثيرة ودمرت معالم من تراث بيروت العريق.
ويظهر عربيد في كلامه أهمية ترميم مدينة مدمرة ويقول: "هناك من يلومنا لأننا رممنا مدينتنا. فهم يريدونها شاهداً حيا ًيدخل مضمار سياحة الحرب وذكرياتها. ولكن من عاش الحرب مثلنا لا يحتاج إلى ما يذكره بها".

أما برنار خوري فنعرف من خلال الفيلم بأنه ابن نجار كان يحلم ببناء الطائرات، فاتجه إلى صناعة المفروشات وعندما رغب والده بتوسيع أعماله بنى عمارة كبيرة، ولكنها بقيت فارغة ولم يتم استخدامها حتى اليوم. وعن رأيه بهدم عمارات وانتصاب أخرى مكانها يقول: "أعتقد أن ذلك هو بمثابة عملية تفخيم للعمارة. لأننا نزودها برونق وبحلة جديدين".
ويختم مشلاوي فيلمه بمونولوغ يتحدث فيه عن مشواره مع هذا الفيلم. "بعد انفجار بيروت دمر مبنى الشركة المنتجة لهذا الفيلم (أبوط برودكشن)، وكذلك منازل لبنانيين كثر وبرنار خوري بينهم. ومات 200 شخص وآلاف جرحوا. بقيت سنين طويلة أصور هذا الفيلم عن إمكانية اختفاء بيروت. لم أتصور أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه هذه النظرية حقيقة إثر انفجار المرفأ".




