الملك تشارلز والفنون

انخرط في الحياة الفنية البريطانية ليس فقط كفنان... بل أيضاً كمتفرج نهم وراعٍ للفنون

الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)
الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)
TT

الملك تشارلز والفنون

الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)
الملك تشارلز مع الممثلة جودي دينش بعد حضوره عرضاً مسرحياً لفرقة شكسبير الملكية عام 2016 (تريستان فوينغ - غيتي)

في عهد الملك تشارلز الثالث، تحظى بريطانيا بأكثر ملوكها توافقاً مع الثقافات عبر أجيال من الزمان.

في عام 1987، قدم آرثر جورج كاريك، وهو رسام سابق بالألوان المائية غير معروف وعمره 39 عاما، عملاً للأخذ في الاعتبار في «معرض الصيف»، وهو أحد أهم العروض الفنية في بريطانيا.

يمنح المعرض الذي يقام سنوياً في الأكاديمية الملكية في لندن، الفرصة للهواة لعرض أعمالهم إلى جانب اللوحات والمنحوتات من أعمال مشاهير الفنون العالمية. إذ يقدم آلاف البريطانيين أعمالهم كل سنة. وكلها تقريباً أعمال مرفوضة.

كانت لوحة كاريك بسيطة وتقليدية - عبارة عن لوحة صغيرة بألوان مائية تصور بيوتاً ريفية وبضعة أشجار تحت سماء زرقاء شاحبة - لكن من الواضح أن أمناء المعرض رأوا فيها شيئاً خاصاً. لقد اختاروها على أكثر من 12.250 عملاً آخر لضمها إلى المعرض.

ما لم يعرفه قيّمو العرض هو أنهم خُدعوا، فآرثر جورج غاريك كان اسماً مستعاراً، والرسام الحقيقي كان الرجل الذي توج هذا الأسبوع ملكاً على بريطانيا.

الملك تشارلز يرسم أثناء رحلة لبوتان (تيم غراهام - غيتي)

خلال حياته انخرط الملك تشارلز في الحياة الفنية البريطانية ليس فقط كفنان، بل أيضاً كمتفرج نهم وراعٍ للفنون.

في بريطانيا دائماً ما كان يتم تصوير الملك تشارلز على أنه تقليدي في ميوله الثقافية بسبب حبه المعروف للعمارة الكلاسيكية وتردده الدائم على دار الأوبرا: وتوائم ميوله هذه مشروعات أطلقها باسمه، مثل مدرسة للفنون وأكاديمية للحِرف التراثية.

لكن العديد من أذواقه ليست كلها كلاسيكية. في المقابلات، قال تشارلز إنه من المعجبين بموسيقى وأفلام الممثلة باربرا سترايسند، وعروض الكوميديا السريالية، بما في ذلك «مونتي بايثون فلاينج سيركاس» و«غون شو». وهو أيضاً من الأشخاص المحبين لموسيقى ليونارد كوهين و«ذا ثري ديجريز»، إحدى فرق «صوت فيلادلفيا» الموسيقية.

الملك تشارلز مع باربرا سترايسند أثناء زيارته للوس أنجليس عام 1974 (غيتي)

بوجود هذه الاهتمامات المتنوعة، فإن تشارلز هو الملك الأكثر انسجاماً من الناحية الثقافية لأكثر من قرن من الزمان. وإذا كانت الملكة إليزابيث الثانية، التي توفيت العام الماضي، أكثر اهتماماً بسباق الخيل من آلاف عروض التأدية التي شهدتها أثناء فترة حكمها، فإن افتتان تشارلز بالفنون والترفيه يعكس شواغل العديد من الملوك الأوائل.

الملك تشارلز وقرينته كاميلا مع الملكة الراحلة إليزابيث في حفل أقيم عام 2018 بمعرض اللوحات في قصر باكنغهام (غيتي)

في القرن السابع عشر، بنى الملك تشارلز الأول، راعي الرسامين من بينهم «روبنز» و«فان دايك»، واحدة من أهم المجموعات الفنية في أوروبا. وأعاد نجله الملك تشارلز الثاني افتتاح مسارح بريطانيا بعد أن فرض المتمردون المتدينون إغلاقها لفترة طويلة، ووضع الأساس لما هو معروف اليوم باسم «ويست إند». في القرن الثامن عشر، جمع الملك جورج الثالث مجموعة فائقة من 65 ألف كتاب شكّلت قلب المكتبة البريطانية.

لكن حيث كان الملوك السابقون معروفين بشغفهم، كان تشارلز يُعرف غالباً بالأشياء التي لا يحبها. بدءاً من الثمانينات عندما كان أميراً لويلز، استخدم تشارلز الخطب، والكتب، والبرامج التلفزيونية لمهاجمة العمارة الحديثة بصفة متكررة، والترويج للبدائل القائمة على الأنماط الكلاسيكية. وفي مناسبات عدة، تدخل بصورة مباشرة لوقف مشاريع البناء بالزجاج والصلب. وفي هذه العملية، أثار حفيظة المهندسين المعماريين البريطانيين، الذين وصف بعضهم تدخله بأنه غير دستوري.

وظهر يوم السبت جلياً للكل محبة الملك للموسيقى. فقد كلف 12 عملاً لمراسم التتويج، بما في ذلك مقطوعة «أغنوس داي» لجوقة المؤلف الموسيقي الأميركي المولود في لندن طارق أوريغان. في مقابلة هاتفية، قال أوريغان إنه بمجرد أن «تتعمق في ما يحبه وما يكرهه تشارلز»، تظهر صورة لرجل كانت اهتماماته «دقيقة بشكل واضح».

قال أوريغان «إنه شخص يتأثر بالموسيقى والفنون الأخرى بصورة واضحة للغاية».

قال تشارلز مراراً إن محبته للثقافة نابعة من جدته الملكة إليزابيث الأم، التي اصطحبته إلى دار الأوبرا الملكية في لندن لمشاهدة الباليه الأول له في سن السابعة. وقال أيضاً خلال مقابلة إذاعية أجريت عام 2018 «أتذكر أنني كنت مأخوذاً للغاية بسحر هذا الباليه».

كما شجعت الملكة الأم حفيدها تشارلز أيضاً على محبة الموسيقى الكلاسيكية، وتعلم الملك المستقبلي البوق في أوركسترا المدرسة الداخلية. وتذكر تشارلز أنه اعتقد بأنه يحسن صنعاً في الآلة الموسيقية إلى أن قاطعه أحد المعلمين في البروفة بالصراخ «هذه الأبواق! أوقفوا هذه الأبواق!»، ومن ثم تحول إلى العزف على التشيللو.

الملك تشارلز أثناء دراسته في كلية ترينيتي بجامعة كمبردج يتدرب على عزف آلة التشيلو (غيتي)

في كلية ترينيتي، جزء من جامعة كمبردج، عزف تشارلز في الأوركسترا وقدم دوراً كوميدياً كعضو في المجتمع المسرحي للكلية.

الآن، تشارلز (74 عاماً) أكثر ارتياحاً كمشاهد من كونه مؤدياً. غالباً ما يحضر أعمال الأوبرا والباليه في لندن - قال متحدث باسم دار الأوبرا الملكية إن الملك زار الأوبرا الشهر الماضي بصفة خاصة - ويشاهد بانتظام أعمال «شركة شكسبير الملكية» في مقر فرقة المسرح في ستراتفورد أبون آفون، في إنجلترا. (تشارلز راعي كلتا المنظمتين).

يتذكر الأمير هاري في سيرته الذاتية الأخيرة «الاحتياطي»، وهو يرافق والده لزيارة «شركة شكسبير الملكية» في مناسبات عدة. يكتب هاري قائلاً «كنا نذهب إلى هناك من دون إخطار مسبق، ونشاهد أي مسرحية يؤدونها. لم يكن الإخطار المسبق مهماً لوالدي في شيء». (يقول هاري إن مسرحية «هنري الخامس» هي المفضلة لدى والده).

أحاطت روائع التحف تشارلز منذ أيامه الأولى. تتضمن المجموعة الفنية للعائلة المالكة 600 رسم لليوناردو دافنشي، من بين كنوز أخرى. ومع ذلك، قال تشارلز في فيلم «رويال باينتبوكس» الوثائقي لعام 2013، إنه لم يشغل باله بهذه الأعمال الفنية حتى بلغ المراهقة. ثم «فجأة، صارت كل الرسومات على الجدران، والأثاث، محل الاهتمام»، كما قال تشارلز.

لم يتلق أي تدريب فني رسمي، بحسب الفيلم الوثائقي، وعلّم نفسه الرسم بالألوان المائية. بحلول الوقت الذي دخل فيه عمل تشارلز الفني سراً إلى «معرض الصيف» بالأكاديمية الملكية، سنة 1987، كان يصنع صوراً لمشاهد ريفية ومساكن ملكية لعقود. (عُرضت مجموعة من الألوان المائية للملك في «ساندرينغهام هاوس»، أحد منازل تشارلز، في مقاطعة نورفولك، بتاريخ 12 أكتوبر/ تشرين الأول).

كما دفع تشارلز أموالاً ليرافقه الفنانون في جولات خارجية، منتجاً سجلات عن الفعاليات التي تُضاف إلى مجموعة الفنون الملكية. قال ديارمويد كيلي، الرسام التشكيلي الذي ذهب مع تشارلز في جولة في المكسيك وكولومبيا سنة 2014، إنه طُلب منه أن يرسم كل ما يحبه، رغم أن رجال البلاط حثّوه على تضمين تشارلز في الصور. قال كيلي إنه رسم مشاهد الشوارع وزيارة المعبد — «لا شيء غريب أو ريادي».

قال كيلي «النظام الملكي مُحافظ بطبيعته. لا يمكنك احتضان الفنانين المناهضين للمؤسسة عندما تكون جزءاً من المؤسسة».

قال المؤلف الموسيقي أوريغان، إنه بصرف النظر عن رأي الناس في أذواق تشارلز، فإنها مناسبة جيدة للغاية أن يكون هناك ملك محب للفنون على عرش بريطانيا. انخفض الدعم الحكومي لبعض المنظمات الثقافية العام الماضي، وقال أوريغان إن الموسيقى الجديدة التي طلبها الملك في مراسم للتتويج كانت «بياناً واضحاً حول أهمية الفنون».

وأضاف أوريغان أنه لا ينبغي على الملوك توجيه أعمال الحكومات، لكن تشارلز كان على الأقل يُظهر أهمية الثقافة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«رسالة تريث» من بارزاني تؤجل انتخاب الرئيس العراقي

المشرق العربي البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية في البلاد (إكس)

«رسالة تريث» من بارزاني تؤجل انتخاب الرئيس العراقي

دعا الزعيم الكردي مسعود بارزاني قوى التحالف الحاكم «الإطار التنسيقي» إلى التريث في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح لرئاسة الوزراء.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية متظاهرون يرفعون لافتات تطالب بإطلاق سراح رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو مع انطلاق محاكمته بتهمة الفساد في قاعة داخل سجن سيليفري (أ.ف.ب)

تركيا: محاكمة مزدوجة وتحقيق جديد ضد إمام أوغلو

فتحت نيابة عامة في إسطنبول تحقيقاً فورياً جديداً ضد رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو بتهمة إهانة وتهديد موظف عام أثناء تأدية عمله.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو خلال تجمع بمدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يقترح فرض «الإقامة الجبرية» على إمام أوغلو

أثار اقتراح لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل وضع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو رهن الإقامة الجبرية لحين انتهاء محاكمته في قضية فساد جدلاً واسعاً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.