«فندي» تبدأ مغامرة فنية جديدة مع الياباني كينغو كوما

عندما تتماهى مواد الطبيعة مع جمال الإكسسوارات

ركز كوما على قطع أيقونية مثل حقيبتي «بيكابو» و«باغيت» وحذاء «فلو»
ركز كوما على قطع أيقونية مثل حقيبتي «بيكابو» و«باغيت» وحذاء «فلو»
TT

«فندي» تبدأ مغامرة فنية جديدة مع الياباني كينغو كوما

ركز كوما على قطع أيقونية مثل حقيبتي «بيكابو» و«باغيت» وحذاء «فلو»
ركز كوما على قطع أيقونية مثل حقيبتي «بيكابو» و«باغيت» وحذاء «فلو»

دار «فندي» سعيدة هذه الأيام. فأخيراً كُشف النقاب عن مجموعة من الإكسسوارات من مجموعتها الرجالية لربيع وصيف 2024، خرجت من مصنع الدار الجديد. مصنع يقع وسط تلال منطقة كابانوتشيا الخضراء في توسكانا ويختلف عن سواه. فتصميمه جاء ليكون مركزاً حاضناً لحرفيي المستقبل ومختبراً لتعاونات بين الحرفيين وكبار الفنانين من مجالات مختلفة. أول الغيث كان مجموعةً حصريةً من الإكسسوارات تم التعاون فيها مع المهندس المعماري الياباني كينغو كوما، فيما أسمته الدار الإيطالية تبادلاً ثقافياً محفزاً بين الاختصاصات الإبداعية المختلفة، ودمج الماضي والحاضر من خلال تعبير حقيقي عن الإمكانيات المادية.

المهندس المعماري كينغو كوما في المصنع يعمل على هيكل حذاء «فلو» الرياضي (فندي)

تقول سيلفيا فنتوريني فندي، المديرة الفنية للإكسسوارات وملابس الرجال إن هذه الشراكة مع مهندس بحجم كوما، ليس مجرد حوار بين الدار والهندسة المعمارية «بل هي تأسيس لنوع من المحادثة تجمعنا بمصمّم من ثقافة مختلفة نستكشف معه طريقة اختياره للمواد وتعامله مع الحرفيين». وتتابع: «نحن ندرك أن الإبداع على نطاق واسع ليس عملاً فردياً، بل هو تعاون يعتمد على مجموعة متكاملة من الأيادي والعقول، والمواهب، إضافة إلى موارد متنوعة بخصوصيات عالمية».

بالنسبة إلى سيلفيا، فإن هذه الشراكة طبيعية تتماشى مع ثقافة الدار التي تتبنى شتى الفنون. فقد سبق وحوّلت مقرها الرئيسي في روما متحفاً مفتوحاً للعامة تنظم فيه بين الفينة والأخرى معرضاً. في العام الماضي، مثلاً نظمت معرضاً ضخماً استعرضت فيه أعمال الفنان أرنالدو بومودورو، بعنوان «المسرح العظيم للحضارات». كان هو الآخر يربط الماضي بالمستقبل، ويُسلط الضوء على علاقة فنان اشتهر بجرأته على دمج شتى أنواع الفنون المرئية والمسرحية واستعمال المواد الغريبة بأشكال ثلاثية الأبعاد. كانت المعروضات تتماهى مع الطبيعة المحيطة بمقر الدار.

ورق الواشي شكّل قاعدة هيكلية متينة بواجهة مرقطة لكل من حقيبتَي «بيكابو» و«باغيت» وحذاء «فلو» الرياضي (فندي)

وربما هذا ما شجع على هذه الشراكة بين «فندي» الإيطالية وكينغو كوما الياباني. فحسب سيلفيا، تتماشى هناك قواسم مشتركة كثيرة بينهما. تقول عن كينغو إنه «أستاذ في الهندسة المعمارية الطبيعية. وكان أول من فهم أهمية بناء الطبيعة في الهندسة المعمارية من الداخل، كما من الخارج أيضاً. والأهم من هذا يستعمل مواد طبيعية تقليدية في بناء المستقبل».

لم تنس سيلفيا أن تشير إلى أن مبادئ التصميم الصارمة التي يعتمدها كوما، ونهجه التجريبي حيال هذه المواد الطبيعية، إضافة إلى حرصه على الحرفية العالية، يتوافق تماماً مع مقاربة الدار التي تعتمد هي الأخرى على الابتكار في المواد، وعلى البحث والتنمية. تشرح: «إن عمله يمزج بين المستقبل وجذوره بطريقة جوهرية رائعة؛ ما يجعلني أشعر بنوع من القرابة تجمعنا كإيطاليين بالنهج الياباني الذي يتبعه، لا سيما فيما يخصّ الحرفية».

طبّق في حقيبتَي «بيكابو» Peekaboo والباغيت Baguette Soft Trunk وحذاء «فلو» Flow Sneakers التقاليد الحرفية اليابانية القديمة والمواد الطبيعية الخام (فندي)

المعروف عن كينغو كوما أن الطبيعة والحِرف اليدوية تدخل في صُلب عمله كمهندس معماري ومصمّم على حد سواء؛ لهذا عندما طلبت منه «فندي» التأمّل في الحقائب والأحذية التي تحمل اسمها ليرى كيف يمكنه أن يضيف إليها نفسُه، ويتعامل معها «كمشروع معماري صغير، لكن بمفهوم بشري» كان أول ما قام به أنه اعتمد تقنيات ومواد يابانية تقليدية تحتفي بالطبيعة والابتكار على حد سواء.

عمل على ورق وارانشي وهو نمط هجين من ورق الواشي المصنوع من ألياف القطن ولحاء الأشجار كعنصر أساسي (فندي)

بالنسبة إليه كان من الطبيعي عندما طُلب منه التركيز على قطع أيقونية مثل «بيكابو» Peekaboo، والباغيت Baguette Soft Trunk ، وحذاء «فلو» Flow Sneakers، أن يُطبّق التقاليد الحرفية اليابانية القديمة والمواد الطبيعية الخام. أضاف إلى ذلك الفن القديم لصناعة الورق يدوياً، حيث عمل على ورق وارانشي، كعنصر أساسي في كلّ تصميم، علماً أن هذا الورق هو نمط هجين من ورق الواشي، المصنوع من ألياف القطن ولحاء الأشجار. إلى عهد قريب كان هذا النسيج الجاف والناعم مخصّصاً لفنون الأوريغامي وصناعة الفوانيس وتفاصيل الكيمونو، لكنه في هذه المجموعة يُشكل قاعدةً هيكليةً متينةً بواجهة مرقطة وغير مثالية، لكل من حقيبتيْ «بيكابو» و«باغيت» وحذاء «فلو» الرياضي.


مقالات ذات صلة

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

لمسات الموضة المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

مرت مصممة الأزياء الروسية ڤيرا زولوتاريڤا برحلة طويلة بداية من سيبيريا المتجمدة في روسيا وحتى استقرارها في مصر. تقول: «قصتي مع التصميم بدأت من عمر الثالثة،…

مروى صبري (القاهرة )
لمسات الموضة اكتسب الريش هذه المرة مرونة وديناميكية شبابية (آسبري لندن)

الأميرة نورة الفيصل تضخ «آسبري لندن» بالحيوية

تأمل «آسبري» أن تحقق لها هذه المجوهرات نفس النجاح المبهر الذي حققته كبسولة الحقائب في العام الماضي. كانت الأسرع مبيعاً في تاريخها الممتد لأكثر من 200 عام.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة الأسلوب الخاص يمكن اكتسابه مع الوقت والممارسة... لكنه في الغالب يولد مع الشخص (رويترز)

أسرار «الأناقة الراقية»... تميز دون تكلف أو تكاليف

«الأناقة دون جهد» ليست مجرد صفة مميزة؛ بل تجسيد لأناقة تنبع من الشخص بطريقة طبيعية وغير متكلفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة بعد خمس سنوات مديرة إبداعية في الدار غادرت فيرجيني فيار «شانيل» بهدوء (أ.ف.ب)

من سيخلف فيرجيني فيار في دار «شانيل»؟

مساء يوم الأربعاء، أعلنت دار الأزياء الفرنسية شانيل مغادرة مديرتها الفنية فيرجيني فيار. كما تبوأت هذا المنصب منذ خمس سنوات بهدوء، غادرته بهدوء.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أزياء طاقم طيران الرياض سيكون أول ما سيراه المسافرون لهذا كان مهماً أن تُسند هذه المهمة لمصمم من وزن وثقافة محمد آشي (آشي)

محمد آشي... مصمم طاقم «طيران الرياض» الجديد

استعداداً لإطلاق أولى رحلاته التجارية رسمياً في عام 2025، كشفت شركة «طيران الرياض»، الناقل الجوي الوطني الجديد، عن اختياره مصمم الأزياء محمد آشي لتصميم أزياء…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
TT

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصل فريق «غالا دو دانزا» Gala De Danza إلى القاهرة، في زيارة تُمهد لحفلها المرتقب في المتحف المصري الكبير، والمقرر إقامته في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تقول كريستينا ليون، مؤسسة مشروع «غالا دو دانزا» لـ«الشرق الأوسط» إنها في «غاية السعادة، لأن المتحف المصري الكبير -بكل ما يحمله من ثقل ومكانة- سيتحول إلى مسرح لرقص الباليه في أول حضور للمشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

لقطة تجمع مجموعة من الراقصين المشاركين في المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وسيُقدِم الحفل برنامجاً يمزج بين الباليه الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والموسيقى، والفنون، في عرض يراهن على خصوصية المكان، وأهميته التاريخية. ويشارك في هذه الفعالية أكثر من 150 فناناً، من بينهم نجوم دوليون، ومؤدون مصريون شباب اختيروا من بين مئات المتقدمين. فمع وصول فريق «غالا دو دانزا» في شهر يونيو الماضي، فُتحت اختبارات أداء أمام المواهب المصرية من مختلف الأعمار، ومن أكاديميات، ومدارس باليه محلية. وتقول كريستينا إن أكثر من 500 موهبة تقدمت للاختبارات، بينما سيحظى 50 منهم فقط بمشاركة راقصين من فرق عالمية، مثل «رويال باليه»، و«داتش ناشيونال باليه»، وفرق ومؤسسات فنية أخرى.

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وبما أنه سيكون للموسيقى نصيب في هذا الحفل، فإن من بين المشاركين ستكون سوسن البهيتي، أول مغنية أوبرا سعودية.

لكن ما يبدو للوهلة الأولى حفلاً عالمياً ذا طابع ترفيهي، هو بالنسبة لكريستينا ليون أبعد من ذلك بكثير، لما يحمله من جانب إنساني يطمح لمنح فنان مغمور -لم تسعفه الجغرافيا والظروف للوصول إلى المنصات العالمة- فرصة التحول إلى نجم ساطع.

فإتاحة الفرص أمام المواهب الجديدة ليست تفصيلاً عابراً في مشروعها، بل إنها جوهر تجربتها الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء. ولفهم هذه الرؤية، لا بد أن نعود إلى البداية.

من هي كريستينا ليون؟

كريستينا ليون مؤسسة «غالا دو دانزا» (تصوير: فريدي كوه)

بدأت الرقص في الثانية عشرة من عمرها بعد أن كانت تمارس التزلج على المنحدرات. في الثالثة عشرة لفتت أنظار صوفيا غولوفكينا، مديرة أكاديمية البولشوي المعروفة، خلال ورشة أقيمت في الولايات المتحدة. سافرت بعدها إلى موسكو لتتدرَب، وتكون من أوائل الفتيات الأميركيات اللواتي تلقَين التدريب في الأكاديمية الروسية.

وفي السادسة عشرة من عمرها، انضمت إلى «مسرح الباليه الأميركي». هنا عاشت حلم كل راقصة باليه: عروض، وسفر حول العالم، واحتكاك بأسماء كبيرة، مثل الراحلة جاكلين كينيدي أوناسيس، التي كانت حينها رئيس مجلس إدارة المسرح.

تأثرها بجاكلين كينيدي

تروي ليون أنها تعرَفت عليها عن قُرب، وتعاملت معها بشكل مباشر. فمنها تعلَمت أصول إنتاج الحفلات، والتعامل مع الرعاة، والعمل الخيري. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن تُحوِل أمسية فنية إلى حوار بين الفنان والجمهور. تعترف بأن هذه الدروس كانت مختلفة تماماً عما تعلَمته في مدارس الباليه. ففي حين ينصب تركيز الراقص على إتقان الحركة فوق الخشبة، يتسع تفكير منتج العروض ليشمل الخشبة، والجمهور، والتمويل، والمكان، وكل ما يحدث قبل العرض، وبعده.

لوقا عبد النور المصري المولد من فرقة «Dutch National Ballet» سيشارك في هذا المشروع الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

ومع الوقت، أصبحت هذه المعرفة الأداة التي ساهمت في ولادة «غالا دو دانزا». مشروع فني بنكهة إنسانية أطلقته في عام 2013 في المكسيك، بعد لقاء عابر بفتاة تُدعى ماريانا كاريلو في مدرسة محلية للرقص في لوس كابوس المسكيكية. كانت الفتاة موهوبة لحد أدهش ليون، لا سيما أنها لم تكن قد احتكت بشكل مباشر بعالم الفنون الأدائية الحية. من هنا بدأ سؤال كريستينا: كيف يمكن إحضار الفرصة إلى حيث توجد موهبة لا تملك طريقاً إلى المنصات العالمية؟

من هذه الفكرة ولد المشروع كما نعرفه اليوم: «لم يكن الهدف منه إنشاء فرقة باليه أخرى، أو مهرجان تقليدي له موسم ثابت، وبرنامج مألوف، وإنما جمع أسماء عالمية تمتلك خبرة طويلة مع مواهب شابة، حتى يتمكن جمهور جاء من أجل نجم معروف من اكتشاف اسم جديد»، وفق تعبيرها.

الراقص سيزار كوراليس يتدرب بين جدران المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

تستشهد هنا بقصة الراقص أندريس زونيغا الذي حضر إحدى حفلاتها في المكسيك، وأصر على لقائها في الكواليس بعد الحفل ليُعبِر لها عن أمنيته أن يرقص يوماً ما في حفل مماثل. كان عمره لا يتعدى الثالثة عشرة، لكن إصراره أثار فضولها، فطلبت منه الحضور في اليوم التالي لاختباره. وهنا اكتشفت موهبة لافتة جعلتها لا تتردد في الاتصال بجهات لكي يحصل على منحة تساعده على تحقيق حلمه.

من مكسيكو إلى لندن

ظلت ليون تطور مشروعها في المكسيك منذ عام 2013، وفقط في 2025 قررت أن تخرج به إلى العالم.

كانت لندن أول اختبار حقيقي للمشروع خارج المكسيك. ولم تكن اختياراً اعتباطياً. كانت المحطة الأولى، فمنذ أن زارتها كراقصة وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهي تتطلع للعيش فيها. وبعد عقد عادت إليها ليست كراقصة تبحث عن مستقبلها، وإنما كصاحبة مشروع له مكانة دولية، واستقطب راقصين من مؤسسات عالمية كان لديهم استعداد لدعم مواهب شابة. ففي عروضها اجتمعت أسماء من «رويال باليه» و«باريس أوبرا باليه» و«نيويورك سيتي باليه» مع موسيقيين، ومغنين، وراقصين معاصرين، جمعتهم أماكن ثقافية وفنية مهمة.

من لندن إلى القاهرة

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

لكن رحلة «غالا دو دانزا» خارج المكسيك لم تتوقف عند لندن. ففي نوفمبر المقبل ستنتقل التجربة إلى القاهرة، حيث تضع ليون مشروعها للمرة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في المنطقة: المتحف المصري الكبير.

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

تقول ليون إنها لا ترى المتحف المصري الكبير بوصفه مجرد مبنى يمكن استئجاره لإقامة حفل عالمي، بل إنه مؤسسة تختزن آلاف السنين من التاريخ، ولذلك يخلق وضع راقصين معاصرين في هذا المعلمة نوعاً من الحوار بين زمنين: حضارة تركت آثاراً صامدة، وفن يعتمد على الحركة، ليتغير المفهوم التقليدي لأي عرض يتم تقديمه. فهو يتحوَل إلى جزء من التجربة التاريخية نفسها، وذلك بتماهيه مع المكان.

سيلفي وين سيندلار واحدة من الراقصات اللواتي سيشاركن في الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

هل ستكتفي كريستينا بالقاهرة بعد تجربة المتحف المصري الكبير؟ وهل العُلا السعودية يمكن أن تكون محطة أخرى؟ تردَ بحماس: «كأنك قرأت أفكاري، ففكرة التوسع حول العالم جزء من طبيعة المشروع، وإحضار (غالا دو دانزا) إلى العُلا حلم شخصي يراودني منذ فترة، لا سيما أن السعودية أصبحت تغلي بالحراك الثقافي، والفني». وتُضيف أن العُلا، إلى جانب كونها موقعاً استثنائياً لإقامة حفل من أي نوع، تتيح فرصة للوصول إلى جيل جديد، وتعريفه بمختلف أشكال الفنون، من خلال تجربة فنية مباشرة، وغامرة، «فأنا أعرف من خلال تجاربي كيف يمكن لفرصة واحدة، أو صُدفة، أن تُغير مسيرة فنان».

الراقص المصري لوقا عبد النور وتدريبات استباقية (تصوير ميلودي باتونتييه)

ثم تضحك، وتتابع: «في نوفمبر سنضع أقدامنا للمرة الأولى في المتحف المصري الكبير، وهذه خطوة عظيمة. أما العُلا فهي الآن حلم نأمل أن يتحقق قريباً».


لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
TT

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ الموضة المعاصرة. لكن فجأة انهار كل شيء. ما كان مقرراً أن يكون احتفاءً بأحد أهم مصممي جيله، تطوّر إلى أزمة تمس متحف الميتروبوليتان، ومعهد الأزياء وحفل الميت. والأهم صورة مصمم لا يرحمه ماضيه، ومكانة امرأة ارتبط اسمها بهذه المنظومة وكانت إلى الأمس القريب تُلقب بالمرأة الحديدية وأحياناً الجليدية: آنا وينتور.

جون غاليانو عام 1997 محاطاً بمجموعة من العارضات السوبر (غيتي)

في 31 يوليو (تموز) الماضي، أعلن متحف الميتروبوليتان أن غاليانو سيكون محور معرض بعنوان «John Galliano: Horizons» المرتقب في مايو (أيار) 2027. وفي 31 أغسطس (آب)، أعلن أن المعرض لن يمضي قُدماً.

اصطدام الموهبة بالذاكرة

فاجأ الخبر أوساط الموضة لأنه جاء بعد شهر فقط من الإعلان عن المشروع، وبعد أن اعتقد الجميع أن الاعتراضات الواسعة، التي شنّها البعض عليه خفّت نوعاً ما. لكن برهن منتقدوه أنهم أكثر قوة وتأثيراً من آنا وينتور، داعمته الأولى. هؤلاء لم ينسوا تصريحات المصمم المعادية للسامية في تلك الليلة المشؤومة من عام 2011، التي أدّت إلى إقالته من منصبه في دار «ديور» وإدانته قضائياً في فرنسا.

لم يشفع له اعتذاره لكل المجتمعات المعنية، ودخوله مصحة للتعافي من الإدمان. بقيت تلك الواقعة جزءاً لا يمكن فصله من إرثه.

وفي بيان أصدره المتحف، قال ماكس هولين، المدير التنفيذي للمتحف: «بعد نقاشات متأنية مع جون غاليانو، قررنا معاً عدم المضي قدماً في إقامة المعرض».

المصمم جون غاليانو في إحدى الفعاليات التي تثبت أنه لا يزال حاضراً في وجدان الموضة رغم حملات إلغائه (أ.ف.ب)

كما نشر المصمم بياناً، قال فيه: «بعد كثير من التفكير والنقاش مع متحف متروبوليتان وجميع الأطراف المعنية، قررت، بحزن شديد، أنه من الأفضل ألا يقام المعرض في الوقت الحالي. لا أزال أتحمل المسؤولية الكاملة عن الألم الذي سببته كلماتي في الماضي، ولا سيما الأذى الذي ألحقته بالمجتمعين اليهودي والآسيوي، وأنا أكرر أسفي العميق لذلك».

المتحف كان يدرك حساسية المسألة وحاول استيعاب تبعاتها، حيث أجرى، بحسب التقارير، مشاورات مع شخصيات وحاخامات من المجتمع اليهودي، لتمهيد الطريق للمعرض. بل تم الاتفاق أن تناول مسيرته وعبقريته الفنية لن يتجاهل ماضيه، أو بالأحرى تلك النقطة السوداء التي أثارت غضبهم عليه.

تصميم من إبداعه معروض في متحف اللوفر بباريس (رويترز)

لكن بموازاة جمعيات رأت أنه يستحق العودة بعد أن اعترف بأخطائه، انتقدت شخصيات سياسية ومجتمعية أخرى في نيويورك، مثل رئيسة مجلس المدينة جولي مينين، ومانحون وشخصيات من المجتمع اليهودي قرار تكريمه بهذا الحجم. ومما زاد من حساسية الأمر وجعل القرار أكثر إيلاماً واستفزازاً لهذه الفئة، توقيت المناسبة. فموعد الحفل المقرر في 3 مايو 2027 يتزامن مع بداية ذكرى المحرقة، وفي وقت تشهد فيه قضية معاداة السامية نقاشات كثيرة هذا العام. ومن هناك تحولت القضية من نقاش حول مصمم إلى اختبار لمؤسسة ثقافية تحتاج إلى ممولين ورعاة، وليست لديها الإمكانات الكافية لتجاهل تأثيرهم.

تأثير آنا وينتور تحت المجهر

ما يُحسب لغاليانو أنه لم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه. أقرّ في بيانه بمسؤوليته عن الألم الذي سبّبته كلماته، قائلاً إنه لا يريد للجدل المحيط به أن يضع المتحف في موقف صعب، أو أن يصرف الانتباه عن عمل معهد الأزياء والجهود التي يقوم بها.

أما آنا وينتور، فبقيت إلى النهاية في صفّه. وصفت انسحابه بأنه قرار شجاع، وأكدت دعمها له وللمتحف، مشيدة بموهبته الاستثنائية وحرفيته وتأثيره الممتد على أجيال من المصممين.

أحد تصاميمه في مجموعته لخريف 2024 (ميزون مارجيلا)

حتى الآن لم يتم الإعلان عن تفاصيل معرض الربيع المقبل، ومن سيحل محل جون غاليانو. لكن هناك إجماعاً أن ملء الفراغ سيكون معقداً وصعباً، لأن المعرض لم يكن مجرد حدث عادي، بل هو مشروع كبير لمعهد الأزياء، كما كان سيمنح حفل الميت قصة واضحة ومحوراً ثقافياً يلتف حوله عالم الموضة. الآن على المتحف أن يجد معرضاً بديلاً بفكرة قوية تُساعده على تجاوز الأزمة في وقت قصير نسبياً.

ويبقى سؤال مُلحّ، لكن لا يُعبر عنه بصوت عالٍ؛ هل ما زالت آنا وينتور قادرة على فرض القرارات الصعبة، أم أن العالم الذي بنته بدأ يتغيَر؟!


«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
TT

«الإسكافي»... علامة مصرية ترد الاعتبار لحرفة تقليدية

تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل قبل شحنها أو عرضها للبيع

يعد الحذاء الجلد بتصميمه الكلاسيكي قطعة لا غنى عنها في خزانة كل رجل أنيق؛ فهو ليس مجرد «تفصيلة» بقدر ما هو قطعة أساسية تعكس ذوقه، وشخصيته، ومدى اهتمامه بجودة ما يرتديه.

وبينما تفرض الموضة إيقاعها المتسارع على ألوان الحذاء، وخاماته، وأشكاله، تظل الأحذية الجلدية المصنوعة يدوياً محتفظة بمكانتها، بوصفها رمزاً للحرفية الراقية، والفخامة الهادئة. فهي تكون أكثر متانة، وتبقى مدة أطول مع صاحبها، لا سيما إذا جمعت بين الكلاسيكية والأناقة المعاصرة.

التوأم زياد ونادين فتح الله (الشرق الأوسط)

إيماناً بهذه المفاهيم، وأهمية الحرف اليدوية، أطلق التوأم المصري زياد ونادين فتح الله في عام 2017 علامتهما المتخصصة في هذا النوع من الأحذية تحت اسم «الإسكافي». انطلقا من فكرة واضحة تستهدف إحياء مهنة «صانع الأحذية الشعبية» التي كانت على وشك الاندثار بسبب وسائل التصنيع الحديثة التي تعتمد على الآلات، شأنها شأن كثير من الحرف اليدوية المصرية.

تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية (الشرق الأوسط)

دخول نادين وزياد هذا المجال بالتحديد لم يأتِ من فراغ. ففي بعض الحكايات لا تبدأ المهنة باختيار، أو صدفة، وهذا ما يمكن قوله عليهما. فهذا الإرث تسلل إلى وجدانهما منذ الطفولة عندما كان جدهما ووالدهما يصطحبانهما إلى الورش الحرفية لتصنيع احتياجات الأسرة. هناك اكتشفا هذا العالم، وكيف تتحول الخامات البسيطة إلى قطع تحمل بصمة صانعها.

الصنعة وراثة

يقول زياد فتح الله لـ«الشرق الأوسط»: إن «الشغف بكل ما هو مصنوع يدوياً انتقل إلينا كإرث عائلي؛ فترسخت لدينا قناعة بأن الحرفة مهارة، وثقافة، وهوية تستحق الحفاظ عليها، وتطويرها».

حذاء أكسفورد المدبب كما تصوره الثنائي ونفذه الحرفيون (الشرق الأوسط)

لم تكن بداية الثنائي فتح الله في مجال الإكسسوارات، بل في تصنيع الملابس، وتطور الأمر إلى تصنيع الأحذية. فكرة أن تتخصص في تصنيع أحذية كلاسيكية يدوية فاخرة ربما تبدو غريبة وجريئة في مصر، وأن تتحول إليها من قطاع الملابس، فإن ذلك يعني الخروج من «منطقة الأمان» إلى حد كبير، لكنهما قررا خوض المغامرة، والعودة بالرجل المصري إلى أناقة أيام زمان بإحياء فكرة الإسكافي، على أن تكون هذه المرة في معرض فاخر، أو متجر إلكتروني بدلاً من الدكاكين العتيقة في الحارات الشعبية المصرية.

تعتمد العلامة على مجموعة من أمهر الحرفيين (الشرق الأوسط)

تقول نادين: «قبل أن تتحول صناعة الأحذية إلى خطوط إنتاج ضخمة تعتمد على السرعة، والكميات الكبيرة، كان الإسكافي يمثل أحد أبرز رموز الحرفة اليدوية. يعتمد على مهارته، وخبرته، من دون الاستعانة بالآلات الحديثة؛ ولذلك كان الإسكافي في الأحياء والأسواق التقليدية مقصداً لمن يرغب في ترميم حذائه المفضل، أو اقتناء تصميم ينفذ خصيصاً وفق احتياجاته».

من الدكاكين إلى المعارض

في المرحلة الأولى كان التصنيع لدى حرفيين في ورشهم، ثم افتتحا استوديو خاصاً متخصصاً بالكامل في صناعة الأحذية حسب الطلب في حي روكسي بالقاهرة. وسرعان ما توسَّع نشاطهما، فتم إنشاء مصنع بمنطقة العباسية. في هذه المرحلة زادت خبرتهما، وقناعتهما بأن الجودة تعني التفاني، والدقة. فصنع حذاء واحد قد يستغرق عدة أسابيع، حيث يخضع فيها لخطوات تصنيعية متنوعة يقوم بها عدة حرفيين ماهرين، وكل منهم خبير في مجاله قبل اكتمال القطعة، ثم وصولها إلى صاحبها.

العراقة والحداثة تجتمعان في حذاء من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

أكثر ما شجعهما في مسيرتهما أن هيمنة صناعة الأحذية آلياً لم تمنع شريحة من الرجال الشغوفين بالجودة والتفرد من البحث عن الحذاء اليدوي المصنوع من الجلد الطبيعي الخالص الذي كان يقدمه الإسكافي قبل سنوات. هذه الشريحة هي التي يستهدفانها بتصاميم مستوحاة من أحذية أكسفورد، وديربي، ولوفر، مع إعادة تقديمها بروح معاصرة من خلال لمسات خفيفة، وألوان تتناغم مع اتجاهات الموضة في كل موسم. ويضيف زياد موضحاً: «أن نجاح العلامة يقوم أيضاً على خبرات الحرفيين الذين يشكلون قلبها النابض، فهم فريق متكامل من الصناع، وينتمي بعضهم إلى أجيال تجاوزت الستين والثمانين عاماً، ورثوا المهنة، وينتمي بعضهم إلى جيل جديد من الشباب جرى تدريبهم، لضمان انتقال الخبرة، واستمرارها».

تصميم على المقاس

ويؤكد المؤسسان أن الأحذية المصنوعة يدوياً لا تنافس المنتجات الجاهزة من حيث الشكل فحسب، بل تقدم حلولاً عملية يصعب أن توفرها الصناعة التجارية؛ فالتفصيل حسب الطلب يلبي احتياجات أشخاص يعانون من مقاسات غير متوفرة في الأسواق، سواء كانت كبيرة جداً، مثل المقاسات التي تتجاوز 46، وتتجاوز الـ49، أو صغيرة بالنسبة للأحذية الرجالية، مثل 36 أو 38، وهي فئات كثيراً ما تواجه صعوبة في العثور على حذاء مناسب، بل يشعر بعض أصحابها بالحرج من تجربة الشراء التقليدية.

يحرص المؤسسان على أن يكون حتى الرباط من الجلد الطبيعي (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر الخدمة على اختلاف المقاسات؛ إذ تستقبل الورشة أيضاً عملاء يعانون مشكلات في القدم، مثل القدم المسطحة، أو ارتفاع مشط القدم، أو اختلاف قياس القدمين. ويجري تصميم كل حذاء وفق القياسات الدقيقة لكل عميل؛ بما يحقق الراحة والدعم اللازمين، ويحول الحذاء إلى قطعة مصممة خصيصاً لصاحبها، وفق زياد فتح الله.

أما عشاق الأناقة الكلاسيكية، فإنهم يجدون في الأحذية اليدوية فرصة لامتلاك تصميمات تحمل بصمتهم الشخصية، من خلال اختيار نوع الجلد، ولونه، وطريقة الخياطة، والتفاصيل الدقيقة، ليكتسب الحذاء في آخر مرحلة تفرده، عكس الإنتاج المتشابه الذي تفرضه المصانع الكبرى.

لكل المناسبات بما فيها المساء والسهرة (الشرق الأوسط)

نقل الحرفة للمستقبل

وعن سر الحفاظ على مستوى الجودة، يؤكد التوأم أن تطوير الحرفة لم يعتمد على الدراسة الأكاديمية وحدها، بل جاء من سنوات طويلة من الممارسة اليومية، والاطلاع المستمر على أحدث تقنيات الصناعة في هذا المجال، وذلك عبر السفر، ومتابعة المدارس الأوروبية الرائدة -ولا سيما في إيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا- التي لا تزال تحافظ على تقاليد صناعة الأحذية اليدوية الراقية، إلى جانب الكتب المتخصصة، والدورات التدريبية.

حذاء ذا سولاس من الإسكافي بلمسة حديثة (الشرق الأوسط)

كما أطلقا أخيراً خطاً جديداً من الأحذية اليومية (Active)، حيث لا يندرج ضمن الأحذية الرياضية التقليدية، بل يعتمد على الجلد الطبيعي بالكامل مع نعل مسطح، وخفيف الوزن، ليمنح مرتديه راحة طوال اليوم، فيما يناسب شكله الملابس الكاجوال.

ويكشف التوأم أن موسم خريف وشتاء 2026 سيشهد إطلاق أول مجموعة نسائية متكاملة، وبالمواصفات التي تميز العلامة، وتُلبِي طموح التوأم. فحلمهما لن يكتمل إلا بإنشاء أكاديمية مصرية متخصصة لتعليم صناعة الأحذية اليدوية وفق تصريحهما، حيث تعيد الاعتبار لحرفة الإسكافي، وتُغري شريحة شابة من الحرفيين بحملها إلى المستقبل.