مجموعة «ترينيتي» تحتفل بمائة عام من التألق والنجومية

مديرتها الإبداعية ماري لور سيدير لـ«الشرق الأوسط»: تجديد أيقونة كاملة الأوصاف تحدٍّ كبير لأي مُبدع

غرايس كيلي تلبس خاتم «ترينيتي» (كارتييه)
غرايس كيلي تلبس خاتم «ترينيتي» (كارتييه)
TT

مجموعة «ترينيتي» تحتفل بمائة عام من التألق والنجومية

غرايس كيلي تلبس خاتم «ترينيتي» (كارتييه)
غرايس كيلي تلبس خاتم «ترينيتي» (كارتييه)

خاتم ألهب الخيال وأقبل عليه الرجال قبل النساء. تزيَّن به مثقفون من أمثال جون كوكتو ونجوم من هوليوود مثل غريغوري بيك وغرايس كيلي، وحتى أفراد من الطبقات المالكة والأرستقراطية مثل دوق ويندسور. الخاتم المعني هنا، هو من مجموعة «ترينيتي» التي تحتفل دار «كارتييه» هذا العام بمئويتها. قرن مرَّ على هذا الإبداع، ولا يزال متربعاً على عرش النجومية بوصفه أكثر التصاميم تعبيراً عن الحب. لم ينجح أي من التصاميم التي صُممت بعده وترفع شعار الحب، وهي كثيرة، في سحب البريق منه. تشرح ماري لور سيريد في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن «السبب يعود بكل بساطة إلى «تمتعه بمفردات الحب الصادق الذي يخاطب كل العلاقات الإنسانية».

خضع هذا التصميم للكثير من التجديدات لكنها لم تلمس أساسياته قط (كارتييه)

كان اللقاء مع ماري لور سيريد، المديرة الإبداعية في قسم صناعة الساعات وتصميم المجوهرات في «كارتييه» في مقر الدار الرئيسي بالجادة السابعة بباريس. أما المناسبة فكانت بالطبع طرح النسخة الاحتفالية من «ترينيتي» التي طُلب منها وضع لمساتها عليها. لا تُخفي المصممة أن مجرد فكرة إعادة صياغة المجموعة كانت مثيرة للخيال والقلق على حد سواء. فبقدر ما كان كل شيء متوفراً لها، كانت الصعوبة أو «بالأحرى الحساسية» حسب قولها «تكمن في أن المجموعة ظلت دائماً حاضرة وبقوة... لم يخفت وهجها منذ ولادتها في عام 1924، وهو ما يمكن أن يضع أي مبدع على المحك وأمام تحديات كبيرة». وتتابع: «سهل على الواحد منا ابتكار شيء من لا شيء، لكن أن تتولى تجديد منتج كامل الأوصاف فهذا هو التحدي بعينه».

ماري لور سيدير (تصوير: جون فرانسوا روبير)

كانت ماري لور تقول هذا وهي تجلس أمام طاولة كبيرة وُضعت عليها التصاميم الجديدة التي جادت بها قريحتها وتُجسد رؤيتها. بدأت باستعراضها أمامي وهي تشرح وتراقب ردة فعلي باهتمام. ثم غلبها الفضول وهي تسألني عن رأيي الخاص بها. كان هدوؤها وتواضعها يُخفيان وراءهما قوة ناعمة تواقة للابتكار، فضلاً عن بركان من الأفكار. تشعر بأنها فخورة بما توصلت إليه من أشكال هندسية تواكب روح العصر من دون أن تنافس التصميم الأصلي لكنها كأي مُبدع مسكونة بالرغبة في الكمال.

تحتفل مجموعة ترينيتي بمناسبة مرور 100 عام على ابتكارها بتصميمين جديدين جريئين وإعادة إصدار السوار والخاتم الأيقوني بالحجم الكبير (كارتييه)

تعترف في لحظة من اللحظات بأنها ليست عفوية بطبيعتها. فكل خطواتها مدروسة، ولا تقوم بأي منها إلا بعد أن تسأل وتتخيَّل وتدرس كل الخيارات. «التصميم بالنسبة لي لا يقتصر على إضافة أحجار كريمة وزخرفات، بل يجب أن يتضمن معنى يرقى به إلى مستوى فني أو فكري». وهذا تحديداً ما جسدته في مجموعة تختزن في كل تفاصيلها الجمالية والتقنية معاني الحب الأبدي والصادق». وبتواضع تضيف: «كل ما قمت به أنني شكَّلتها بهندسية تواكب متطلبات العصر، حيث أخذ الشكل الدائري الأيقوني شكلاً مربعاً».

ثم تستطرد بحماس أن كثيرة هي دور المجوهرات التي لها تاريخ وجذور عريقة. فبعضها يعود إلى قرون. قليل منها فقط لم يترك للزمن سبيلاً لكي يؤثر على وهجه. دار «كارتييه» واحدة من هذه الفئة. فهي تزيد تألقا وتعتُقاً رغم سنواتها الـ174، وفضل كبير في هذا يعود إلى ثروتها الأرشيفية التي لا تقدر بثمن، بحيث لا يحتاج مصمموها وحرفيوها سوى إلى الغوص في هذا «الإرث لشحذ أفكارهم وصياغة تصاميم تمنح أمجاد الماضي بُعداً مستقبلي، لا سيما وأن كل ما فيه من إبداعات تتمتع بمفردات غنية وحكايات مثيرة لا تزال تلمس القلوب وتدغدغ الخيال». تجدر الإشارة إلى أن علاقة ماري لور بـ«كارتييه» بدأت في عام 2002، قبل أن تنتقل للعمل في دار «هاري وينستون» لمدة 12 عاماً، عادت بعدها إلى «كارتييه» بيتها الأول في عام 2016. ومنذ ذلك الحين وهي تُشرف وتتولى تأجيج جذوة الابتكار، أحياناً بالعودة إلى أيقونات قديمة تجددها وتضخها بديناميكية معاصرة.

بينما جاء بعضه بتدرجات الذهب جاء البعض مرصعاً بالألماس (كارتييه)

«فهناك تصاميم كثيرة وُلدت في لحظة زمنية ماضية، ومع ذلك لم تبقَ رهينة لحظة ولادتها... بل تتطلع دائماً إلى المستقبل أو تستبقه».

مجموعة «ترينيتي» عندما طُرحت أول مرة في عام 1924، وفق ما قالته، اعتُبرت هدية من «كارتييه» يُعبِّر بها الأحبة عن مشاعر الحب الأبدي والوفاء ببلاغة لا تحتاج إلى كلام. كان التصميم من بنات أفكار لويس كارتييه. صاغه بثلاث حلقات متشابكة ومتحركة معتمداً على البلاتين والذهب الأصفر والذهب الوردي. كان لويس يريدها أن تُعبِّر عن الحب بكل أشكاله وأنواعه، من حب الأبناء وحب الأسرة وحب الأصدقاء إلى حب الأزواج والحب اللانهائي واللامحدود، وهذا ما لمس وتراً حساساً لدى كل من أقبلوا عليه وأسهموا في انتشاره.

ارتبط خاتم «ترينيتي» بجون كوكتو إلى حد أن البعض يقول إنه هو الذي ألهم لويس كارتييه بتصميمه (كارتييه)

العديد منهم كانوا من الفنانين والنجوم، مثل جون كوكتو ونجوم من أمثال رومي شنايدر وغرايس كيلي وغريغوري بيك وهلم جرا. كانت المجموعة أنيقة وجريئة في مزجها الألوان والحلقات ببعض. كانت بإجماع الكل ثورية من ناحية أن كل حلقة لا تغطي على باقي الحلقات، وبطريقة يصعب معها معرفة أي حلقة في الأعلى وأيها في الأسفل. تشير ماري لور إلى أنها ولحد الآن تصاب بالدهشة وهي تُمعن في التقنية المستعملة فيها.

من هذا المنظور كانت تدرك تماماً أن العملية تحتاج إلى رؤية شجاعة تُجنِّبها الوقوع في مطب الفينتاج. «فالارتباط بالإرث والتاريخ لا يعني استنساخ القديم وإضافة زخرفات عليه، بل لا بد أن يتضمن الكثير من الابتكار». أما كيف توصلت ماري لور إلى وصفتها، أو بالأحرى التعويذة الناجحة، فباقتصارها بداية على التفاصيل القابلة للتغيير، مثل الحجم ونوعية المعادن، وفي مرحلة ما، دفعها جموح الفنان بداخلها إلى أن تُغيِّر الشكل الدائري إلى هندسي مربع لنتيجة أكثر حداثة وعصرية. لم يؤثر الشكل الجديد على شخصية المجموعة الأيقونية لكنه ارتقى بها ومنحها لغة سلسة تخاطب جيلاً شاباً لا يرغب أن يركب موجات الموضة السريعة، بل يريد قطعاً لها قصة ومعاني وفي الوقت ذاته يستعملها في مناسبات عديدة.

النجمة الفرنسية الراحلة رومي شنايدر تلبس خاتم «ترينيتي» (كارتييه)

وهذا ما راعته ماري لور أيضاً، إذ يمكن ارتداء الخاتم بتصميمه المتشابك بثلاث حلقات من الذهب للحصول على إطلالة نهارية بسيطة وأنيقة، ولإطلالة مسائية متألقة، يمكن تحريك الحلقات لإبراز حبات الألماس التي تُرصعه». وتتابع أن الخاتم في حُلته الجديدة «يقوم على التشكيل ثم التفكيك. مثل لعبة البازل. السوار أيضاً خضع لتغييرات في حجمه. فشتان بين شكله الهندسي الحالي وأول تصميم ظهرت به الممثلة كيندال لي في مجلة فوغ في عام 1925».

الخاتم في حُلته الجديدة يتخذ شكلاً متعدد الأجزاء وهو نهج غير مألوف في التصميم يقوم على التشكيل ثم التفكيك (كارتييه)

في 2024 ومع بلوغ المجموعة عامها المائة، كان من البديهي أن تُفكر «كارتييه» ومديرتها الإبداعية ماري لور سيدير بالاحتفال بهذه المناسبة بشكل يليق بها، علماً بأنها لم تكن هذه المرة الأولى التي تعود فيها الدار إلى هذا التصميم لتحييه وتجدده. ففي الفترة ما بين سبعينات وثمانينات القرن الماضي، دخل هذا التصميم حياتنا اليومية من خلال الولاعات والأقلام وقطع الديكور، وفي 1990 تم إطلاق خاتم بثلاث حلقات مصنوع من ثلاثة أنواع من الذهب بأبعاد مميزة تواكب صيحات الموضة السائدة في تلك الفترة. وفي عام 2004، تم إصدار مجموعة بسوار بحجم كبير وآخر مرصع بالألماس الوردي والأصفر والأبيض. وفي عام 2001، أُدخل السيراميك الأسود لأول مرة على المجموعة.

لكن عام 2024 ليس ككل الأعوام. إنه يسجل مائة عام على أيقونة لم يؤثر على بريقها وقصتها الزمن. وهذا ما يجعل مهمة ماري لور صعبة، ليس لافتقادها القدرة والمهارة، بل لأن حجم التوقعات كبير ومساحة تغيير وجه أيقونة لها تاريخ عريق وقصص ملهمة مُقيّد بعض الشيء. فبالإضافة إلى أنه كان مبتكراً وسابقاً لأوانه في عام 1924 بإعطاء التصميم الأولوية والصدارة على حساب الأحجار الكريمة، كانت المجموعة الخطوة الأولى نحو الاتجاه المعاصر كما نعرفه الآن. بالإضافة إلى هذا، فإن الخاتم في عام 1924 أثبت أنه لا يُفرِّق بين الجنسين. أمر أكده إقبال نجوم ونجمات على حد سواء، الشاعر والفنان الفرنسي جون كوكتو، مثلاً اشتهر بارتدائه خاتمين عوض واحد، بينما استعملته بعض النجمات أيضاً داخل قلادة.

الممثل غريغوري بيك أيضاً انجذب إلى تصميمه (كارتييه)


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.