مسلسل «كما تحب» يتسبب في نكسة الأناقة الهادئة

الحرب الباردة بين الأسلوب الراقي وأناقة «اللوغو»

يتابعها البعض فقط لمتابعة آخر الصرعات (إتش بي أو)
يتابعها البعض فقط لمتابعة آخر الصرعات (إتش بي أو)
TT

مسلسل «كما تحب» يتسبب في نكسة الأناقة الهادئة

يتابعها البعض فقط لمتابعة آخر الصرعات (إتش بي أو)
يتابعها البعض فقط لمتابعة آخر الصرعات (إتش بي أو)

لم يعُد يخفى على أحد أن الموضة جزء لا يتجزأ من الحبكة الدرامية لأي فيلم أو مسلسل. في الكثير من الأحيان تكون هي البطل بلا منازع، إلى حد ينعكس على نسبة المشاهدة.

التعليقات على الماركات والألوان والقصات والتي تغطي على التحليلات الفنية، تشهد على هذا. في عصر هوليوود الذهبي، كانت الأزياء بطلاً صامتاً. فمن منا لا يتذكر فستان أودري هيبورن الأسود الناعم في فيلم «إفطار في تيفاني» أو الفستان الأزرق السماوي لغرايس كيلي في فيلم «للقبض على لص». الأول أطلق المصمم الفرنسي هيبار جيفنشي إلى العالمية، والآخر عزز مكانة إديث هيد كأقوى مصممة أزياء في تاريخ السينما. لكن شتان بين تأثيرها في ذلك العهد وبينها الآن.

صوتها ارتفع إلى حد الصراخ في بعض المسلسلات التلفزيونية على الأخص. وليس أدل على هذا من السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي» التي يمكن القول إن الموضة فيها هي الحلقة الأقوى. فالسلسلة بمثابة عرض أزياء أسبوعي يسلط الضوء على مصممين شباب أو يُروّج لبيوت أزياء عالمية، مثل «فندي» التي ارتفعت مبيعات حقيبتها الأيقونية «الباغيت» بعد ظهور بطلة المسلسل بها، وكذلك أحذية مانولو بلانيك وفساتين «فيفيان ويستوود» وغيرها من العلامات التي شهدت انتعاشاً إثر تغني كاري الشخصية التي لعبت دورها سارة جسيكا باركر بقيمتها.

لا يختلف اثنان أن تزامنها مع بداية الألفية شكّل فرصة لنجاحها. فحقبة التسعينات التي غلب عليها أسلوب هادئ يرفع شعار «القليل كثير» أصاب الطبقات المتوسطة المتنامية بملل. فهذه الطبقة شهدت حينذاك انتعاشاً اقتصادياً، وبالتالي كانت تريد الاستمتاع به وإعلانه على الملأ من خلال نقشات أو قصات ترتبط بدار أزياء عالمية يتعرف عليها الناظر بسهولة.

يتابعها البعض فقط لمتابعة آخر الصرعات (إتش بي أو)

في مسلسل «كما تُحب» «And Just Like ...» يبدو اليوم مثل الأمس. تعود البطلة كاري التي تلعب دورها سارة جيسيكا باركر وصديقاتها بنفس العقلية والطموحات حتى بعد أن كبرن سناً. غني عن القول أن المصممين، صغاراً وكباراً، عدّوا المسلسل منصة دعائية لهم، لا سيما، أنه في الحالات الاستثنائية التي لا يستطيع فيها المشاهد تخمين اسم الماركة التي تظهر بها إحدى البطلات، فإنها تتبرَع بذكرها من دون رقيب أو حسيب.

اللافت، أن عرض المسلسل تزامن مع مسلسل «Succession». الاثنان استعملا عنصر الموضة، والاثنان تنافسا على استقطاب أكبر عدد من المشاهدين، مع اختلاف كبير يتلخّص في أنهما من مدرستين مختلفتين تماماً. بينما يُروِج «كما تحب» لموضة «اللوغوهات» وأزياء موقّعة بأسماء عالمية من الرأس إلى القدمين بالبنط العريض، يُروِج الثاني «Succession» لأسلوب مضاد يتبنى مبدأ «الفخامة الهادئة»، من بيوت أزياء مثل «لورو بيانا» و«كوتشينللي» و«هيرميس» وغيرهم.

أزياء تبدو بسيطة وعادية جداً قد تكون مجرد «تي_شيرت» أو بنطلون جينز، لكنها بأسعار باهظة وحرفية عالية. هذا الأسلوب الذي بدأ يتسلل لساحة الموضة في المواسم القليلة الأخيرة، واعتقد البعض أنه سيكتسح الساحة، يقوده أثرياء ينحدرون من أسر عريقة ويُلمون بأسرار الموضة وخباياها، وبالتالي لا يهمهم إذا كان الناظر سيُقدّر سعرها أم لا. المهم أنه هو يعرف قيمتها.

من هذا المنظور، فإن متابعة مسلسل «Succession» بمثابة لعبة تخمين للعلامات التجارية التي يلبسها الممثل، بينما ما على المشاهد وهو يتابع «كما تحب» «And Just Like That» سوى الاسترخاء. بطلاته يتبرَعن بكل المعلومات عن طيب خاطر. وبما أن الموضة تعتمد على كل ما يحرك العواطف ويؤجج الرغبة وحركة البيع والشراء، فإن بيوت الأزياء العالمية مثل «دولتشي أند غابانا» و«لويس فويتون» و«بيربري» وغيرها، تستهدف الشباب والطبقات حديثة الثراء التي تريد الاحتفال بنجاحها بأي ثمن. هذه الشريحة هي التي تتوجه لها بيوت أزياء عالمية بتصاميم لا تخطؤها العين، وأسعار تُلهب الجيوب، مثل حقيبة من جلد التمساح مرصعة بالذهب والماس طرحها مصمم دار «لويس فويتون» الجديد فاريل ويليامز باسم «مليونير» للدلالة على قيمتها التي تقدر بمليون دولار.

أصبحت السلسلة بمثابة عرض أزياء أكثر منها دراما (إتش بي أو)

منذ الحلقة الأولى لمسلسل «كما تحب» تبيّن هذا الأمر عندما أعلنت الممثلة نيكول آري باركر، التي تلعب شخصية ليزا تود ويكسلي، وهي في طريقها لحفلة بفستان أنيق وقبعة ريش تُزيِن رأسها: «هذا ليس جنوناً، إنه فالنتينو». في لقطة أخرى، تظهر وهي تصطحب أطفالها إلى المخيم بجاكيت في غاية الأناقة ووشاح أخضر بنقشات دار لويس فيتون المعروفة. أما البطلة كاري، التي لعبت دورها الممثلة سارة جيسيكا باركر، فحدث بلا حرج. إنها لا تكُف عن ترديد أن التسوق بالنسبة لها دواء وعلاج.

حقيبة أو فستان من ماركة عالمية بالنسبة للبطلات الأربع أهم من أي شيء آخر (إتش بي أو)

شارلوت، التي تؤدي دورها الممثلة كريستين ديفيس، هي الأخرى تتقاسم مع بقية صديقاتها الهوى نفسه. فهي تظهر بحقيبة من ماركة «بيربري» البريطانية المعروفة بنقشاتها. وحتى عندما تدخل المطبخ، تلبس مريلة وغطاءً للأذن من الماركة نفسها. في لقطة أخرى، صرَّحت وهي تتحسر كيف بأن ابنتها المراهقة باعت فستاناً من ماركة «شانيل» لتحقيق حلمها في مجال الموسيقى. في السياق نفسه، تظهر سيما، التي تؤدي دورها الممثلة ساريتا تشودري، وهي تندب حظها بعد سرقة حقيبتها من ماركة «هيرميس بيركين». كانت تتحدث عنها بوصفها كنزاً لا يُعوَّض.

لقطة من «كما تحب» (إتش بي أو)

هذا الاهتمام المفرط بالموضة، أو على الأصح الماركات العالمية، وصل تأثيره إلى حد تخصيص مجموعة من المتابعين حساباً على تطبيق «إنستغرام» يتابعه أكثر من 277 ألف متابع يُناقشون فيه الأزياء التي تظهر في كل حلقة. كذلك الأمر بالنسبة لمسلسل «Succession» الذي أصبحت له صفحة باسم «Successionfashion» يتابعها نحو 184 ألف متابع.

بالنظر إلى الفرق في عدد المتابعين، فإن أسلوب الفخامة الهادئة، الذي تم تبنيه على تطبيق «تيك توك» مؤخراً وهلَلت له جهات وبيوت أزياء عدة تهتم بالأناقة الراقية، ربما يكون قد تعرَض إلى نكسة. فمن الواضح أن هناك حركة مضادة تقودها الغالبية تريد الاحتفال بالموضة بكل مبالغاتها حتى تُدخل السعادة على نفسها في وقت يعاني فيه العالم اضطرابات بيئية واقتصادية. فالموضة بالنسبة إلى هؤلاء أيضاً «علاج» وهروب من واقع قاتم يعاني الركود والأزمات السياسية والاجتماعية.


مقالات ذات صلة

«فندي» تُدخل «الرافيا» عالمها الخاص

لمسات الموضة بعد انتهاء حرفيات مدغشقر من دورهن تنتقل الحقيبة إلى معامل الدار في روما لوضع اللمسات النهائية (فندي)

«فندي» تُدخل «الرافيا» عالمها الخاص

كان مهماً لسيلفيا فندي، منذ البداية، أن تخدم هذه الحقائب؛ أياً كانت خامتها وتصميمها ولونها، صاحبتها بشكل يومي وفي كل المناسبات من دون أن تتأثر بعاديات الزمن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة الملياردير روبرت مردوخ مع عروسه الجديدة (أ.ب)

سر حذاء الملياردير روبرت مردوخ

أثارت صورة لقطب الإعلام روبرت مردوخ في يوم عُرسه وهو جالسٌ مع عروسه الجديدة إيلينا جوكوفا (67 عاماً) على كنبة بيضاء الكثير من الاهتمام.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة استلهم غاليانو في تشكيلته لربيع وصيف 2024 من الروايات المتناقلة وصيحات الموضة الرائجة خلال فترة زمنية ماضية (ميزون مارتن مارجيلا)

أحداث غزة تؤخر عودة جون غاليانو إلى ساحة الموضة

مؤشرات كثيرة تقول إن عملية تقبله واستقباله بدأت منذ فترة وإن الحملة الشرسة لإلغائه خفّت حدتها لولا أحداث غزة لكان تيمة حفل الميتروبوليتان لعام 2024

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة اللقطة التي تظهر تفوق «التوكسيدو» على الفستان (أ.ف.ب)

«سيلين» تعيد «التوكسيدو» للصدارة في مهرجان «كان»

إذا كان هناك شيء واحد سلطت المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي الضوء عليه في مهرجان «كان» الأخير، فهو أن الموضة خيار يعكس حالة مزاجية وشخصية. أكدت لنا…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المنافسة على أشدها بين الزمرد والياقوت لجمالهما ورمزيتهما في ثقافات متعددة (جيمفيلدز)

الأحمر والأخضر يتنافسان على جذب الشابات

في الوقت الذي تراجع فيه الألماس نسبياً، تحتدم المنافسة على دور البطولة بين الياقوت والزمرد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أطلق لها العنان»... من الرياض إلى مدريد

شانتال خويري تتوسط المرشحات الثماني قبل الإعلان عن الفائزات (خاص)
شانتال خويري تتوسط المرشحات الثماني قبل الإعلان عن الفائزات (خاص)
TT

«أطلق لها العنان»... من الرياض إلى مدريد

شانتال خويري تتوسط المرشحات الثماني قبل الإعلان عن الفائزات (خاص)
شانتال خويري تتوسط المرشحات الثماني قبل الإعلان عن الفائزات (خاص)

«عندما تؤمن المرأة بالمرأة وتدعمها فإن الفائدة تعم كل المجتمع؛ لأن المرأة بطبعها معطاءة ومستعدة أن تنقل خبراتها، وتشارك محيطها في نجاحاتها وإنجازاتها. في هذه الحال، نحن لا نساعد امرأة بوصفها فرداً، بل نضع لبنة أساسية لبناء المستقبل». هذا ما قالته اللبنانية شانتال خويري، الرئيسة التنفيذية لشؤون الثقافة في مجموعة «بيستر» في حفل «أطلق لها العنان» لعام 2024. مبادرة أطلقتها منذ عام ضمن برنامج «دو غود» (Do Good) الذي ترعاه تحت راية مجموعة «بيستر كوليكشن».

شانتال خويري مع المرشحات الثماني ومديرة قرية «لاس روزا» بمدريد (بيستر كوليكشن)

في كل عام تنتقل إلى منطقة معينة، تفتح فيها للمرأة أبواب المشاركة في مسابقة «أطلق لها العنان» لينتهي المطاف بثماني فائزات يجري اختيار ثلاث من بينهن لنيل الجوائز الكبرى في حفل كبير. الدورة الأولى كانت في الرياض. كان اختيارها بوصفها أول محطة مهمة له أسباب عدة، منها جذور شانتال خويري العربية، إلى جانب الطفرة التي تشهد دخول المرأة العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجالات الأعمال، وإحرازها كثيراً من النجاحات فيها. كانت دورة ناجحة أكدت فيها المرأة العربية أنها ذات كفاءة عالية.

يكون التركيز عموماً على رائدات ناشئات يتمتعن بأفكار مبتكرة، ورغبة صادقة لوضع بصماتهن الإيجابية على محيطهن «هؤلاء لا يحتجن إلا إلى دفعة بسيطة تمكّنهن من إطلاق العنان لقدراتهن»، حسب قول شانتال.

أهم شرط في المسابقة هو امتلاك شركة ناشئة لا يتجاوز عمرها 3 سنوات من العمل، تستهدف إحداث تأثير اجتماعي أو ثقافي أو بيئي إيجابي، ويتماشى عملها مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

شانتال خويري الرئيسة التنفيذية لشؤون الثقافة في مجموعة «بيستر»

وتؤكد شانتال: «الفكرة من المبادرة ليست استثماراً مادياً بقدر ما هي استثمار في المستقبل». كل فائزة ستحصل على مكافأة قدرها 100000 دولار أمريكي لتمكينها من توسيع شركتها، وتطوير الفكرة التي تقدمت بها، بالإضافة إلى حصولها على برنامج تعليمي مفصل مع شريك إقليمي وتوجيهات قيمة من مؤسسة «أشوكا» في المنطقة التي توجد فيها الفائزة.

جرى تلقي هذا العام ما لا يقل عن 954 طلباً للمشاركة من مجموع أميركا اللاتينية. وبعد كثير من المشاورات والنقاشات، جرى اختيار 8 متسابقات. بدأ تأهيلهن بخضوعهن لدروس وتوجيهات في معهد مونتيري للتكنولوجيا في مكسيكو سيتي. بعدها انتقلن إلى ساو باولو للوقوف أمام لجنة تحكيم لتقديم أفكارهن وثمار ما تعلمنه في ريادة الأعمال، لكن ككل المسابقات، لا بد من غربلة الأهم من المهم، حسب نوعية المشروع، ومدى توافقه وخدمته للمجتمع.

الفائزة بالجائزة في العام الماضي العراقية سارة علي لالا واللبنانية نور جابر (بيستر كوليكشن)

في العام الماضي مثلاً فازت العراقية سارة علي لالا، لابتكارها سوق إيكوسينتريك المستدامة عبر الإنترنت، التي تقوم على مفهوم الاقتصاد الدائري للحد من النفايات البلاستيكية وتلوث الأغذية الناتج عن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.

كذلك اللبنانية نور جابر مؤسسة منصّة «نواة» الرقمية، التي تهدف إلى تعزيز الصحة الجنسية والإنجابية للمرأة، والتوعية بأهميتها ضمن مساحة رقمية آمنة وسهلة الوصول وباللغة العربية.

أما الجائزة الثالثة فتقاسمتها كل من الجزائرية فلة بوتي، التي أطلقت مبادرة إيكوتاشيرا لتوفير حلول ري منتظمة واقتصادية ومتكاملة وفق نظام إنشاء بيئي شامل يحسن جودة الهواء، ويخفض درجات الحرارة في المدن الكبيرة، والإماراتية نُهير زين تقديراً لمشروعها لوكذر، وهو عبارة عن مادة نباتية مصنوعة من قرون النباتات المجففة تراعي التزامات الاستدامة والمبادئ الأخلاقية.

أقيمت دورة هذا العام في مدريد لعلاقتها التاريخية بأميركا اللاتينية (بيستر كوليكشن)

هذا العام، تغير المكان وتفاصيل الحفل، ولم تتغير المبادئ التي تأسست عليها المبادرة؛ حيث أقيمت في «غاليريا دي كريستال» بمدريد. كان الاختيار هنا لدواعٍ عملية، من الناحية اللوجيستية والثقافية على حد سواء، لارتباط دول أميركا اللاتينية بإسبانيا لغةً وتاريخاً، من دون أن ننسى الانتعاش الذي تشهده مدريد على مستوى الخدمات السياحية، من فنادق ومطاعم، في شتى الفنون، وهو ما ينعكس على التسوق عموماً، وتلمسه قرية «لاس روزا» الواقعة على مسافة نحو 30 دقيقة بالسيارة من وسط مدريد.

أهداف الجائزة

تعد جائزة «أطلق لها العنان» (Unlock Her Future) جزءاً أساسياً من برنامج مجموعة «بيستر» العالمي للأعمال الخيرية بعنوان «دو غود (Do Good)»، الذي أطلقته شانتال خويري منذ 7 سنوات تقريباً. وقد بدأ بإعادة تدوير فساتين الزفاف بتوفيرها لفتيات من مجتمعات فقيرة لإدخال السعادة إلى قلوبهن، وفي الوقت نفسه ترسيخ فكرة الاستدامة وتدوير السلع. مع الوقت تطور البرنامج إلى ما هو أكبر: العمل على فتح أبواب الإبداع والاختراع أمام شريحة أكبر من النساء بغض النظر عن أعمارهن وجنسياتهن. المهم أن تتوفر لديهن الموهبة والرغبة في خدمة الغير. لا يختلف اثنان أن الجائزة التي تُقدمها مجموعة «بيستر» قيّمة ويمكن أن تُغير حياة ومصائر الفائزة والمحيطين بها، إن لم نقل العالم، كما هي الحال بالنسبة للكولومبية فالنتينا أغيدولو، التي فازت هذا العام بجائزة لاختراعها جهازاً محمولاً يساعد على كشف سرطان الثدي مبكراً، وهو ما يمكن أن يُغير مصائر كثير من النساء في القرى والأماكن البعيدة اللواتي يصعب عليهن إجراء فحص الماموغرام. أما ثاميريس بونتيس من البرازيل ففازت بجائزة على ابتكارها تقنيات متطورة لاستعمال الأعشاب البحرية بديلاً للمواد البتروكيماوية.

آني روزا من المكسيك فازت بالجائزة مناصفة مع ليدي كروز من بوليفيا (بيستر كوليكشن)

مثل العام الماضي، حصلت مشاركتان على الجائزة الثالثة مناصفة: آني روزا من المكسيك، وقد أسست شركة تستعمل تقنيات تنظيف مياه المحيطات والأنهار، وتقوم بتشجيع الاستدامة باستعمال مواد قابلة للتدوير من شأنها توفير مصادر عيش للعاملين في جمع القمامات. أما ليدي كروز من بوليفيا، ففازت بابتكار تقنية تساعد صغار المزارعين على التكيف مع تغير المناخ من خلال الاشتراك في البيانات المتخصصة والخدمات الاستشارية؛ ما يمكّنهم من تحسين ممارساتهم الزراعية في إدارة الري، ومن ثم تحقيق غلات أعلى.

ما يُحسب لمجموعة «بيستر» التي تضم 12 وجهة تسوق في أوروبا والصين أنها لم تبق رهينة فكرة واحدة وهي توفير سلع ومنتجات فاخرة بأسعار مخفضة. تكيَّفت مع الأوضاع، وتوسعت لتكون هذه القرى تجربة حياة تشمل كل ما لذ وطاب من متع؛ فهي قريبة من المدن في البلدان التي توجد فيها مثل لندن وباريس وميلانو وبرشلونة ومدريد ودبلن وبروكسل وميونيخ وفرنكفورت وشنغهاي وسوجو. «بيستر فيلج» وحدها تضم أكثر من 1300 متجر، إلى جانب مطاعم عالمية ومتاجر مؤقتة حسب المواسم، لكن اللبنانية ديزيريه بولييه، رئيسة وكبيرة مسؤولي التجارة العالمية لمجموعة «بيستر» ترى أنه من أجمل ما حققته المجموعة لأكثر من ربع قرن هو عملها على تحسين حياة الآخرين انطلاقاً من مبدأ «رد الجميل» بتحفيز التغيير الاجتماعي، وتشجيع الممارسات المستدامة لدعم أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، إلى جانب التركيز على رسم ملامح مستقبل مزدهر للنساء والأطفال في جميع الأماكن.

ماذا يحدث بعد عام من تسلم الجائزة؟

توفير التمويل الأولي أو رأس المال الأساسي ينقل ما كان مجرد فكرة إلى كيان تشغيلي كامل، بإنشاء البنية التحتية، وتوظيف موظفين جديد وتدريبهم. وفي لقاء جانبي مع نور جابر، مؤسسة منصّة «نواة» الرقمية قالت إنها كانت تملك خبرة واسعة في مجال الصحة العامة بفضل دراستها، لكنها لم تكن تمتلك المعرفة والمهارات الملائمة والكافية في مجال الشركات والتمويل وريادة الأعمال؛ «لهذا لعبت الشراكة مع مجموعة (بيستر) دوراً أساسياً في تعزيز فهمي لاستراتيجيات الأعمال الفعالة وريادة الأعمال الاجتماعية والممارسات المستدامة؛ ما عزز الجدوى التجارية لمنصة (نواة) الرقمية للصحة على المدى البعيد». هناك أيضاً جانب آخر لا يقل أهمية، وهو ربط شبكة علاقات عامة مكونة من خبراء أعمال ومتخصصين.

من جهتها، قالت العراقية سارة علي لالا، مؤسسة سوق إيكوسينتريك إن هذه الجائزة «كانت نقطة تحول بالنسبة لنا؛ حيث أسهمت في التحقق من فكرة مشروعنا، ومنحتنا الثقة لإحداث تأثير أكبر في مجال الأسواق المستدامة، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار التكاليف الباهظة». الجائزة مكنت سارة وغيرها من بناء المشروع دون الحاجة إلى قروض عالية الفائدة.