الأناقة القادمة... فخامة مبطنة بالهدوء

الموضة تعود لصوابها وتتخفَف من أسلوب «الماكسيماليزم»

الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب  في تشكيلة «تودز» (خاص)
الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب في تشكيلة «تودز» (خاص)
TT

الأناقة القادمة... فخامة مبطنة بالهدوء

الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب  في تشكيلة «تودز» (خاص)
الأسلوب الإيطالي العصري كان الغالب في تشكيلة «تودز» (خاص)

إعلان دار «غوتشي» استغناءها عن مصممها أليساندرو ميكييلي كان إيذانا بنهاية «الماكسيماليزم» وكل ما هو صارخ بالألوان والنقشات المتضاربة. لسنوات نجح هذا الأسلوب في استقطاب شريحة معينة من الزبائن وتحقيق أرباح طائلة لمجموعة «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي»، إلا أنه أصاب السوق بالتُخمة في الأخير ما أدى إلى تراجع المبيعات لصالح بيوت أزياء أخرى تتبنى أسلوبا راقيا بلغة هادئة.

دار «بيربري» عادت إلى جذورها البريطانية لتكتب مرحلة جديدة في تاريخها (خاص)

الفخامة الهادئة... عنوان بدأ يُحدِد مسار الموضة منذ فترة، وحسب ما رأيناه في عروض الأزياء الأخيرة وكذلك أرقام مبيعات بيوت ارتبط اسمها بالكلاسيكية والترف، فإنه الأسلوب القادم. مجموعة «إيرمينغلدو زينيا» التي تخاطب رجلا أنيقا لا يحب استعراض نفسه أو جاهه سجلت أرباحا تفوق الـ1.5 مليار يور في نهاية العام الماضي. ومن بين ما أكدته المجموعة التي تملك، إلى جانب «زينيا»، ثوم براون واستحوذت مؤخرا على «توم فورد» أن قسم التفصيل الراقي، الذي يعتمد على جودة الأقمشة والألوان الحيادية، انتعش بصورة كبيرة في عام 2022 رغم عدم استقرار السوق الصينية. وتُشير المجموعة إلى أن هذا الانتعاش متزايد حيث يتوقع أن يتجاوز الملياري يورو بحلول 2025.

في عرض «إيترو» تنوعت القطع وبقيت بعيدة عن الصرعات (خاص)

رغم أن بيوت أزياء كبيرة لا تزال تعتمد على «اللوغو» لأنها تلمس شريحة معينة من الزبائن المتعطشين للانخراط في نادي الأناقة العالمية، فإن هذا لا يشمل الطبقات الراقية التي تنأى بنفسها عن كل ما يشي بأن ما تلبسه غالٍ أو يخضع لإملاءات الموضة الموسمية. الفخامة بالنسبة لهذه الشريحة تكمن في كل التفاصيل. في التبطين والخامات وطرق نسج الخيوط وغيرها. لهذا هي مستعدة لدفع أكثر من 1000 دولار لقاء كنزة من الكشمير أو2000 دولار لقاء قميص مبتكر، ناهيك عن بدلة رسمية أو شبابية مهما كلَفت.

«فندي» اعتمدت هذا الموسم ألواناً هادئة وقصات مبتكرة (خاص)

هذه الحركة التي تنضوي تحت عنوان الفخامة الهادئة، بدأت تتسلل إلى ساحة الموضة منذ سنوات. جاءت كرد فعل على أسلوب ثقافة الشارع السبور الذي ساد واستقوى خلال جائحة كوفيد وانتشر. وربما يمكن القول بأن بادرة التغيير الفعلي توضَحت إثر إعلان دار «غوتشي» استغناءها عن مصممها أليساندرو ميكييلي. فهذا الأخير رفع شعار «الماكسيماليزم» وكل ما هو صارخ وضاج بالألوان والنقشات المتضاربة لسنوات، واستقطب شريحة مهمة من الشباب محققا بذلك أرباحا طائلة لمجموعة «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي» و«سان لوران» و«سيلين» وغيرها. لكنه لم يعد مناسبا للوقت الحالي، بعد أن تبيَن أن بيوت الأزياء التي كانت تتبنى أسلوبا راقيا بلغة هادئة هي التي تخطف القلوب وتصل إلى الجيوب. الدليل أن إيرادات بيوت مثل «بوتيغا فينيتا» و«سان لوران» ارتفعت وإيرادات «غوتشي» تراجعت في عهد أليساندرو. ولأن هذا الأخير ظل متمسِكا بنظرته الفنية ولم يقبل التخفيف من مبالغاتها، كان الفراق هو الحل الوحيد.

السهل الممتنع كما طرحته «لورو بيانا» لربيع وصيف 2023 (خاص)

وسواء كانت أسباب انتعاش هذه الموجة أنها جاءت كرد فعل على أسلوب الماكسيماليزم أو ابتعادا عن موجة «اللوغوهات» التي تغطي الـ«تي - شيرتات» وغيرها، فإن الجميل فيها أنها تتماشى مع مفهوم الاستدامة السائد حاليا. فعُمر قطع تجذب الأنظار ببريقها وبهرجتها قصير، ينتهي بعد موسم واحد، أو بعد استعمالها لمرة واحدة أو اثنتين على الأكثر مقارنة بعُمر قطعة أنيقة وفخمة قد تكون أغلى لكن ثمنها فيها، حيث يمكن استعمالها لعدة مرات ولسنوات. في تصريح لهيذر كامينيتسكي، رئيسة موقع «مايتريزا» في أميركا، فإنها موجة تعكس الوضع الاقتصادي الحالي «فهناك أوقات يكون فيها كل شيء مقبولا وسهلا، لكن اضطراب الوضع الحالي لا يُشجع على ذلك، بقدر ما يُشجع على تبني موضة مضمونة تخفي بين طياتها معاني الترف من دون استعراض أو ابتذال».
اللافت أيضا أن هذا التوجه لا يقتصر على بيوت أزياء عالمية مثل «برونيللو كوتشينيللي» و«لورو بيانا» و«زينيا» و«ذي رو»، بل طال علامات تجارية شعبية مثل «بنانا ريبابليك». هذه الأخيرة مثلا طرحت مؤخرا منتجات من الجلد والكتان والكشمير بألوان حيادية، وتصاميم كلاسيكية تناسب كل زمان ومكان. وكانت النتيجة في صالحها، حيث حصدت ما زرعته أرباحا لا يستهان بها بعد سنوات عجاف.

منذ أكثر من شهرين تقريبا اختُتمت دورة الموضة العالمية لخريف 2023 وشتاء 2024. دورة بدأت في نيويورك وانتهت في باريس بعد أن مرّت على لندن وميلانو. وإذا كان هناك بُد من إعطاء الدورة عنوانا، فسيكون «ترويض الشطحات الجامحة». غابت الألوان والنقشات المتضاربة وحل محلها هدوء تطبعه أناقة راقية مُفصَله بشكل يتجنب كل ما يؤثر على المبيعات، بما في ذلك الجدل. فزمن حرية الإبداع والتعبير الفني من دون قيد أو شرط ولّى بسبب تنامي حركات شبابية جديدة ترفع شعارات طنانة ضد التمييز والظلم بكل أشكاله. حل محلها حذر أثَر على عملية الإبداع وقنّنها. والدليل أن بيوت أزياء حققت الكثير بخضِها المتعارف عليه في السابق، ارتأت هذا العام أن تسلك طريقا مضمونا، تجسَد في الابتعاد عن الصرعات وتبني كل ما هو كلاسيكي ومعاصر. لحسن الحظ، أن هذا الحذر كان في صالح المستهلك والموضة على حد سواء. ما تستشفه طوال أسابيع الموضة الأربعة أن المستهلك لم يعد ينبهر بالتقليعات. يمكن القول أيضا بأنه ملّ من الفرقعات التي كان الغرض الأول منها أن يتم تداولها على شبكات السوشيال ميديا من أجل الحصول على تغطيات مجانية. حتى استعمال مصممي دار «كوبرني» سيباستيان ماير وأرنو فايون هذا الموسم التكنولوجيا بشكل مثير لم يُحقق التأثير المطلوب على عكس محاولاتهما السابقة.
صحيح أن الجانب الترفيهي جزء مهم من أي عرض أزياء، إلا أنه لم يعد يلعب دور البطولة على حساب الأزياء. فزبون اليوم يحن إلى ماضٍ كان فيه عالم الموضة يستلهم من الفن ويقدم تحفا تحاكيه من دون أي تعقيدات. من جهتهم، انتبه صُنَاع الموضة إلى أن جيل زي، قد يحرك مبيعات الصرعات، وربما يتمتع ببلاغة في التعبير عن رغباته وقضاياه، لكن في أرض الواقع، فإن القوة الشرائية الحقيقية ليست بيده وحده، بل بيد جيل الأمهات والجدات. فهن من يتمتعن بثروات لا بأس بها، وهن من يعملن في مناصب متنوعة يحتجن فيها لتغيير أزيائهن وإكسسواراتهن بما يتماشى مع المكان والمناسبات. على الأقل هذا ما قرأناه في كل العواصم العالمية الأربع مؤخرا.
الأجواء في العواصم العالمية:
في نيويورك كانت متفائلة نوعا ما، وفي لندن شابها نوع من الإحباط من الحالة الاقتصادية المزرية مع تمرُد هنا وهناك ذكرنا حينا بالراحلة فيفيان ويستوود التي جعلت قضايا اجتماعية وسياسية ومناخبة قضيتها، وحينا بنوستالجيا إلى الماضي جسدتها محاولات جادة للعودة إلى الجذور. دار «بيربري» كانت مثالا على هذا حيث بدأ المصمم دانييل لي مرحلة جديدة فيها. رموز قديمة غيَبها المصمم الإيطالي السابق ريكاردو تيشي برزت للواجهة مرة أخرى في أول عرض له للدار وسط ترحيب وتهليل الجميع.
في ميلانو كانت الأجواء هادئة وراقية. حتى تنوعها الذي خاطب كل الأذواق كان لذيذا يتراوح بين الوقار والإثارة. لم يعط الانطباع بأنه خضع لإلحاح المُسوقين أو أذعان لـ«ما يطلبه المستهلك».
أسبوع باريس لم يختلف عن سابقيه. هو أيضا توخى الحيطة والحسابات الدقيقة. صور عارضات «ميوميو» مثلا ورغم غرابتها تؤكد شيئا واحدا وهو أن الغرابة لم تطل الأزياء أو الإكسسوارات واقتصرت على الماكياج والشعر المنكوش. المصمم أوليفييه روستينغ الذي يعشق الإثارة ويدين بنجاحه للنجمات، اقتصر عرضه هذه المرة على قلة وفي مكان أصغر من المعتاد. تبريره أنه أراد العودة إلى ما أسسه بيير بالمان، إلا أنه كان بمثابة تمرد ضمني على السوشيال ميديا التي يتقنها جيدا واستعملها بحرفية عالية لحد الآن. في النهاية لا يصح إلا الصحيح حسب تصريحه «فلا بد من العودة إلى الجودة... لكي تفهم المستقبل عليك أن تفهم الماضي لهذا فإن هذه التشكيلة هي احتفاء بالدار التي أعمل فيها».
«الكسندر ماكوين» و«سان لوران» و«ديور» وغيرهم قدموا دروسا قيمة في التفصيل الرجالي وتأنيثه ليدخل خزانة المرأة بسهولة. هذا اللعب على الذكوري والأنثوي كان سمة مشتركة بين عدة بيوت. تجلت في التايورات المفصلة ذات الأكتاف الصارمة، والبنطلونات الواسعة كما في استعمال ربطة العنق التي استعملت بسخاء شديد لم نر له مثيلا من قبل. «فالنتينو» مثلا أطلق على تشكيلته عنوان «بلاك تاي»، وكان هذا الإكسسوار البطل فيها بلا منازع. ظهرت حينا بشكلها التقليدي وحينا آخر كانت بمثابة المشبك الذي يربط منطقة الصدر في فستان من دون رقبة أو أكتاف.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.