أبوظبي... عاصمة سياحية هادئة

وجهة آمنة للعائلات ومحبي المغامرات

متحف اللوفر بمبناه الجميل (شاترستوك)
متحف اللوفر بمبناه الجميل (شاترستوك)
TT

أبوظبي... عاصمة سياحية هادئة

متحف اللوفر بمبناه الجميل (شاترستوك)
متحف اللوفر بمبناه الجميل (شاترستوك)

لأن أبوظبي تتمتع بصفات المدن السياحية العالمية، ولكنها أكثر أمناً وأماناً، تناسب العائلات وتناسب أيضاً سفر السيدات بمفردهن، خاصة وأن هناك إقبالاً كبيراً على السفر الفردي للنساء حول العالم، ففي هذه المدينة تشعر بالأمان إلى حد كبير؛ وهذا ما جعلها تحتل المرتبة الأولى في عام 2021 بصفتها أكثر مدينة آمنة في العالم، متفوقة على مونتريال وميونخ، فتنتشر في جميع طرقاتها وعلى متن وسائل النقل وعند الشواطئ الكثير من كاميرات المراقبة؛ مما يجعل السرقات ومضايقات السياح أمراً نادراً. هذا من ناحية الأمن، أما من الناحية السياحية، فأبوظبي تضم الكثير من النشاطات والمعالم السياحية التي تضعها على خريطة أجمل المدن التي يمكن أن يتمتع بها السائح بالطعام والثقافة وزيارة المعالم القديمة والحديثة في الوقت نفسه. أبوظبي كسرت أرقاماً قياسية كثيرة؛ ففيها أكبر سجادة في العالم تجدها في مسجد الشيخ زايد، كما تضم أكبر لوحة فسيفسائية في العالم، وأكبر نفق هوائي للقفز، وأعلى جدار تسلق اصطناعي، وأسرع لعبة في العالم تابعة لعالم فيراري في جزيرة ياس.

هذه هي أبوظبي باختصار، هيّا لنتعرف على عاصمة الإمارات بإسهاب، لا يمكن أن تذكر أبوظبي دون مقارنتها مع شقيقتها الكبرى دبي؛ وذلك لأنهما مدينتان سياحيتان رائعتان، ولكن بمزايا مختلفة على رغم المسافة القريبة التي تربط بينهما والتي لا تزيد على ساعة إلى ساعة ونصف بالسيارة، ولكن المقارنة جميلة وتصبّ في مصلحة السائح الذي يفوز بالنهاية بزيارة المدينتين.

دبي أكبر من أبوظبي من حيث المساحة وتشتهر بالحياة الليلية الصاخبة فيها، وبفنادقها الراقية ومطاعمها العالمية الجميلة ولكن وفي الوقت نفسه تجد فيها المطاعم الشعبية والفنادق الاقتصادية؛ مما يجعل الإقامة فيها أرخص من تلك التي تتوفر في أبوظبي التي تعدّ وجهة أغلى من حيث الأسعار بالمقارنة مع دبي، ولكنها أكثر هدوءاً منها وتتمتع بشواطئ رائعة وفيها الكثير من المواقع التقليدية التي تعكس تاريخ الإمارات، بالنهاية المدينتان تستحقان الزيارة بالطبع.

إذا كانت زيارتك إلى أبوظبي بهدف العمل تستطيع تصميم برنامج سياحي سريع لرؤية أشهر معالمها في وقت قصير، وإذا كنت من المهتمين بالثقافة والطعام فلا بد من زيارة متحف اللوفر الذي افتتح عام 2007 بشراكة فرنسية - إماراتية؛ فهذا المتحف أكثر من رائع لأكثر من سبب، بدءاً بالهندسة المعمارية الجميلة على هيئة مدينة مصغرة تنتشر فيها المباني البيضاء وواحة من الماء وسقف رائع لمبناه، ومروراً بالقطع الفنية الغربية والشرقية والمعارض المؤقتة مثل المعرض الحالي الذي يحكي قصة سينما بوليوود، ومعرض للفنان رامبرينت، وانتهاء بالأكل في أحد مطاعم ومقاهي المتحف، مثل مطعم «فوكيتس» الرائد عالمياً الذي يقدم المأكولات التي اشتهر بها في فرعه عند شارع الشانزليزيه في باريس منذ عام 1899، ويشرف عليه الشيف بيير غانيير الحائز نجوم ميشلان للتميز.

من أطباق «إم شريف» الواقع في فندق روز وود (الشرق الأوسط)

ولمحبي المقاهي يقدم مقهى المتحف جلسات خارجية وداخلية مع قائمة مخصصة للأطفال، المقهى من تصميم جان نوفيل، ويطل على مباني أبوظبي الشاهقة. ولمحبي المشروبات والوجبات الخفيفة فيقدم «مارتا بار» أطباقاً مبتكرة وصحية في أجواء راقية جداً.

ولمحبي المشي (عندما يسمح الطقس بذلك) ننصح بزيارة كورنيش أبوظبي الذي يعدّ من أهم الوجهات السياحية في المدينة، فهذا الكورنيش يمتد على مسافة 8 كلم ويضم الكثير من المقاهي والمطاعم ويناسب العائلات والأطفال؛ لأنه يضم ممرات خاصة للدراجات الهوائية والـ«سيغ ويز» والـ«سكوترز» الكهربائية بالإضافة إلى ملاعب خاصة وشاطئ جميل تقام بمحاذاته الكثير من النشاطات السنوية، مثل النشاطات الترفيهية ومهرجانات خاصة بفنون الطهي والموسيقى ويقصدها سكان وزوار المدينة لمشاهدة الألعاب النارية ليلة رأس السنة.

جامع الشيخ زايد

جامع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، صرح إسلامي يُعرف اليوم باسم «مسجد الشيخ زايد» أو «المسجد الكبير»، ويعدّ سادس أكبر مسجد في العالم من حيث المساحة، المسجد مفتوح أمام الجميع من الطوائف والأديان كافة، فيتعين على جميع الزوار الالتزام بمعايير خاصة باللبس المحتشم، ويمكن شراء عبايات من المحال التابعة للمركز التجاري القريب من المسجد (تأجير العبايات ألغي بسبب الجائحة)، أنصح بالالتحاق بدليل سياحي يقوم بشرح مفصل عن تاريخ المسجد وما تشاهد فيه من روعة حقيقية، تنظم الجولات كل نصف ساعة، وهي مجانية ويقوم بها عاملون ومتطوعون في المسجد، من أجمل ما يمكنك أن تشاهده داخل المسجد السجادة التي صُنعت في إيران وعمل على تنفيذها 1200 شخص متخصص بنسج السجاد، بالإضافة إلى 20 فنياً، فهي مؤلفة من أكثر من مليوني عقدة وتزن 47 طناً وكلفت نحو 30 مليون درهم إماراتي. أجمل وقت للزيارة عند الغروب، يسمح داخل وخارج المسجد بالتصوير، ولكن في أماكن محددة فاتبع التعلميات الخاصة بالتصوير.

زيارات مناسبة للعائلات والأطفال

تُعد جزيرة ياس وجهة مثالية للعائلات التي تبحث عن أنشطة ترفيهية استثنائية؛ إذ يمكن للأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً الدخول مجاناً إلى عالم فيراري أبوظبي، وياس ووتروورلد أبوظبي، وعالم وارنر براذرز أبوظبي، بشرط قيام أحد البالغين بمرافقتهم، كما بإمكانهم الإقامة وتناول الطعام مجاناً عند حجز إحدى باقات الإقامة بأسعار تبدأ من 478 درهماً إماراتياً لكل بالغ. ويمكن للعائلات الاستفادة من العروض المجزية عند الإقامة لليلتين وثلاث ليالٍ، بأسعارٍ تبدأ من 631 درهماً إماراتياً و784 درهماً إماراتياً على التوالي لكل بالغ، بالإضافة إلى سباقات الكارتينغ في حلبة مرسى ياس التي تقدّم للأطفال تجربة قيادة مجانية لا تفوت. وتستطيع العائلات الاستمتاع بعرض الإقامة مع وجبتين بأسعار تبدأ من 150 درهماً إماراتياً لكل بالغ، والذي يتيح للأطفال تناول الطعام مجاناً. ويمكن للأهالي الاسترخاء خلال فترة إقامتهم، مع خصم خاص للعائلات بنسبة 20 في المائة على الخدمات في جميع فنادق الوجهة.

عالم فيراري أبوظبي

تقدم عالم فيراري أبوظبي للضيوف والعائلات مجموعة متنوعة من الألعاب الحماسية والمرافق الترفيهية التي سجلت الكثر من الأرقام القياسية العالمية، والتي تتيح للضيوف من مختلف الفئات العمرية فرصة قضاء أوقات عامرة بالمرح والترفيه بعيداً عن حر الصيف، بما فيها عروض الدرون، والأوبرا، والفقرات البهلوانية، والعروض الموسيقية على الإيقاعات الإيطالية، كما تتوفر صفوف إعداد البيتزا، ومحطات الطهي الحية، وغيرها من الأنشطة الحصرية لتجربة صيفية رائعة.

ياس ووتروورلد أبوظبي

تقدم ياس ووتروورلد أبوظبي تجارب فريدة مستوحاة من الثقافة الإماراتية العريقة للغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وتوفر الوجهة المائية الرائدة، مجموعةً متنوعة من العروض الممتعة التي تلبي جميع الأذواق، بما فيها يوم السيدات، الذي يتيح لهنّ الاستمتاع داخل المدينة المائية وسط أجواء من الراحة والخصوصية، وفعالية ليالي الأضواء، التي تقدم فيها عروض وفقرات بهلوانية ضوئية مذهلة.

عالم وارنر براذرز أبوظبي

يحتضن عالم وارنر براذرز أبوظبي ست مناطق ترفيهية مع أكثر من 35 من شخصيات « الأنيميشن» والـ«دي سي سوبر هيروز»، ليقدم لضيوفه تجربة فريدة ومميزة. كما وتدعو المدينة الترفيهية الداخلية الأكبر في العالم ضيوفها للاستمتاع بلحظات لا تُنسى في موسم «دي سي سوبر هيروز»، خلال الفترة الممتدة بين 2 يوليو (تموز) و4 سبتمبر (أيلول). كما سيتمكن الضيوف من لقاء شخصيات الـ«دي سي سوبر هيروز» الجدد وفريق الأبطال «جستس لييغ» والاستمتاع بالأنشطة والفعاليات الترفيهية العائلية المختلفة التي ستنشر أجواء الفرح والبهجة في المدينة الترفيهية.

كلايم أبوظبي

يُعدّ كلايم أبوظبي مرفق الترفيه الرياضي والمغامرات الداخلية الأبرز في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتيح لهم اختبار تجارب ترفيهية مفعمة بالحماس في أكبر نفق هوائي للقفز الحر الداخلي، وأعلى جدار تسلق داخلي في المنطقة. ويقدم كلايم أبوظبي لزواره فرصةً لصقل مهاراتهم، والاستمتاع بلحظات مميزة مع العائلة والأصدقاء، من خلال الأنشطة المتنوعة والتجارب الرياضية المشوقة التي تناسب جميع المستويات والفئات العمرية.

أين تأكل؟

تنتشر في أبوظبي مطاعم عالمية كثيرة، مثل هاكاسان وزوما وغيرها، ولكن المطاعم التي جربناها وكانت لافتة، فكان اثنان منها تابعان لفندق «قصر الامارات»، الأول يقدم المشاوي الغربية ولحم الواغو والخضراوات المحضّرة بابتكارات رائعة على الطريقة الأوروبية، اسم المطعم «باربيو القصر»، ولمحبي الطعام الإيطالي أنصحكم بزيارة مطعم Talea by Antonio Guida الذي يقدم تجربة إيطالية فريدة تعتمد على الرائحة والمذاق والشكل.

من المطاعم الإيطالية الجيدة في أبوظبي أيضاً، مطعم «سولي» Sole التابع لفندق «كونراد إتحاد تاورز»، وهذا المطعم يعتمد على تقديم الأسماك والأطباق الإيطالية التي تتغير بحسب المواسم في إيطاليا، ويقدم المطعم أيضاً أطباق السمك بحسب الصيد اليومي، فجربنا سمك الـ«سول» والبطاطس مع الكمأة السوداء.

ولمحبي المأكولات اللبنانية بطريقة عصرية جداً، فلا بد من الأكل في مطعم «إم شريف سي كافيه» الموجود داخل فندق «روز وود» في جزيرة الماريه، هذا المطعم استثنائي من حيث الموقع المطل على الماء مباشرة وعلى أجمل منظر لمباني المدينة جميلة التصميم، أما بالنسبة للأطباق فحدث ولا حرج؛ لأنها متنوعة جداً ولذيذة وتجمع ما بين النكهات التقليدية والعصرية في الوقت نفسه، من ألذ ما يمكن تذوقه الباذنجان المشوي مع الروبيان وبرغر السمك وبالطبع أطباق الحلوى على أنواعها.


مقالات ذات صلة

دبي تعزز مكانتها في مؤشر المراكز المالية العالمية بقطاع التكنولوجيا

عالم الاعمال دبي تعزز مكانتها في مؤشر المراكز المالية العالمية بقطاع التكنولوجيا

دبي تعزز مكانتها في مؤشر المراكز المالية العالمية بقطاع التكنولوجيا

حققت دبي إنجازاً بتقدمها في مجال التكنولوجيا المالية، وفقاً لتصنيف خبراء القطاع في أحدث تقرير لمؤشر المراكز المالية العالمية.

رياضة عربية أركاداغ التركماني هزم ضيفه المحرق البحريني (الاتحاد الآسيوي)

«أبطال آسيا 2»: المحرق يسقط في أركاداغ... والجزيرة يتعادل في هيسور

تغلب فريق أركاداغ بطل تركمانستان على ضيفه المحرق البحريني بنتيجة 1 - صفر الثلاثاء، ضمن منافسات الجولة الأولى من دور المجموعات لبطولة دوري أبطال آسيا الثاني.

«الشرق الأوسط» (أركاداغ (تركمانستان))
تكنولوجيا لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)

«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

عجزت «أمازون ويب سيرفيسز» عن استعادة الوصول إلى منشأتها في البحرين وإحدى مناطق استضافة البيانات في الإمارات بعد أضرار خلّفتها حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة عربية يوري سيزار يحتفل بهدف فوز شباب الأهلي على تراكتور (الاتحاد الآسيوي)

«النخبة الآسيوي»: شباب الأهلي يتخطى تراكتور الإيراني بهدف سيزار

فاز شباب الأهلي الإماراتي على ضيفه تراكتور الإيراني 1 - صفر الاثنين، ضمن الجولة الأولى لمرحلة الدوري من منطقة الغرب في دوري أبطال آسيا للنخبة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والشيخ عبد الله بن زايد (الخارجية السعودية)

وزيرا خارجية السعودية والإمارات يبحثان احتواء التصعيد في المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع الشيخ عبد الله بن زايد، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي، مستجدات الأوضاع الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
TT

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد وأنماط الحياة، ومن بينها صناعة السفر والسياحة. فمع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر في أنحاء مختلفة من العالم، بدأ المناخ يدخل بصورة متزايدة في قرارات المسافرين: إلى أين يسافرون؟ ومتى؟ وما نوع التجربة التي يبحثون عنها؟

إسكتلندا من البلدان التي استفادت من موجة الحر التي ضربت انجلترا (أ.ف.ب)

لسنوات طويلة، ارتبطت العطلة الصيفية الأوروبية بالشمس والبحر والوجهات المتوسطية، من إسبانيا وإيطاليا إلى اليونان وكرواتيا. لكن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية بدأ يغير هذه المعادلة. فالسائح الذي يريد التجول في مدينة تاريخية أو ممارسة أنشطة في الهواء الطلق قد يجد أن الحرارة الشديدة تجعل التجربة أقل راحة، بل وأحياناً أكثر خطورة.

ومن هنا برز اتجاه سياحي جديد يعرف باسم «Coolcation»، أي اختيار وجهة أكثر برودة أو اعتدالاً هرباً من حرارة الصيف. وبدأت دول شمال أوروبا، مثل النرويج وفنلندا والسويد وآيسلندا، إلى جانب المناطق الجبلية في وسط أوروبا، تستفيد من هذا الاتجاه المتنامي.

ادنبرة من المدن التي استفادت بسبب تغير المناخ (إ.ب)

اسكوتلندا... نموذج للخريطة السياحية الجديدة

تقدم اسكوتلندا مثالاً واضحاً على هذا التحول؛ ففي الوقت الذي تعرضت فيه أجزاء من إنجلترا لموجات حر قوية، أصبحت اسكوتلندا وجهة جذابة لمن يبحثون عن طقس أكثر اعتدالاً، فضلاً عن طبيعتها التي تشمل المرتفعات والبحيرات والسواحل.

وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع حجوزات الرحلات الجوية إلى المطارات الاسكوتلندية بنسبة 15 في المائة خلال يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026، في حين تراجعت الحجوزات إلى لندن وبقية إنجلترا. وكان الطقس الأكثر برودة أحد العوامل التي ساعدت على جذب الزوار، إلى جانب الطبيعة والثقافة والفعاليات. كما شهدت إدنبرة موسماً قوياً للمهرجانات، مع ارتفاع مبيعات التذاكر بنحو 30 في المائة.

لكن من المهم عدم اختزال نمو السياحة الاسكوتلندية في عامل الطقس وحده؛ فالرحلات الجوية المباشرة، والمهرجانات، والترويج السياحي، والطبيعة، كلها عوامل ساهمت في تعزيز جاذبية البلاد.

السياحة تنتعش في أوروبا الشمالية (إ.ب)

هل يشجع تغير المناخ السياحة الداخلية؟

أحد أهم آثار هذه الظاهرة هو إمكانية تعزيز السياحة الداخلية. فعندما تصبح بعض الوجهات الخارجية شديدة الحرارة أو أكثر تكلفة، قد يفضل المسافر قضاء عطلته داخل بلده، خصوصاً إذا كانت هناك مناطق محلية توفر طقساً أكثر راحة وتجارب مختلفة.

وفي بريطانيا، يمكن أن تستفيد اسكوتلندا من هذا الاتجاه؛ إذ يستطيع السائح الإنجليزي الوصول إليها دون الحاجة إلى السفر دولياً، والاستمتاع بالطبيعة والثقافة والمدن التاريخية.

لكن التجربة الاسكوتلندية في 2026 تظهر أن المناخ وحده لا يكفي؛ فارتفاع تكاليف المعيشة والإقامة والنقل يمكن أن يحد من قدرة الأسر البريطانية على السفر، حتى عندما تكون الوجهة المحلية جذابة. ولذلك تحتاج السياحة الداخلية إلى مزيج من الأسعار التنافسية، وسهولة الوصول، والمنتجات السياحية المناسبة.

ما يحدث في اسكوتلندا ليس حالة منفردة؛ ففي أوروبا، بدأت الوجهات الشمالية والأكثر اعتدالاً تستفيد من الاهتمام بالسياحة الصيفية الأقل حرارة. وفي المقابل، لا تزال إسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها من الوجهات المتوسطية تحتفظ بمكانتها القوية، لكن بعض المسافرين بدأوا بتغيير توقيت رحلاتهم.

التغير المناخي يغير خريطة السفر (بيكسيلز)

فبدلاً من السفر في ذروة يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، يتجه بعض السياح إلى مايو (أيار) ويونيو (حزيران) أو سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، عندما تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالاً. وهذا يعني أن تغير المناخ قد يؤدي إلى إعادة توزيع السياحة جغرافياً وزمنياً في آن واحد: من المناطق شديدة الحرارة إلى المناطق الشمالية والجبلية، ومن ذروة الصيف إلى مواسم الربيع والخريف.

كما أن تأثير الحرارة ليس موحداً على جميع الأنشطة. فقد تستفيد الشواطئ والمسابح ومرافق الأنشطة المائية من الطقس الحار، بينما تواجه المعالم السياحية والأنشطة التي تتطلب المشي أو البقاء في الخارج لساعات طويلة تحديات أكبر.

بالنسبة إلى الوجهات الشمالية، يمثل هذا التحول فرصة اقتصادية مهمة؛ فزيادة عدد الزوار تعني مزيداً من الإنفاق على الفنادق والمطاعم والنقل والأنشطة السياحية، وقد تساعد على دعم الشركات المحلية والمجتمعات الريفية.

لكن زيادة أعداد السياح تفرض في المقابل تحديات تتعلق بالبيئة والبنية التحتية والازدحام والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما أن المناطق التي تستفيد اليوم من مناخها المعتدل ليست محصنة من آثار تغير المناخ مستقبلاً.

لذلك، فإن المستفيد الحقيقي من التحول المناخي سيكون الوجهة القادرة على التكيف مع المناخ، وإدارة أعداد الزوار، وتوفير تجربة مستدامة، والحفاظ على أسعار تنافسية.

تكشف تجربة اسكوتلندا عن تحول أعمق في صناعة السياحة؛ فالمناخ لم يعد مجرد خلفية للرحلة، بل أصبح جزءاً من قرار اختيار الوجهة وتوقيت السفر.

وقد لا يعني ذلك نهاية السياحة المتوسطية أو انتقال السائحين جميعاً إلى شمال أوروبا، لكنه يشير إلى ظهور خريطة سفر أكثر تنوعاً. ففي المستقبل، قد يصبح السؤال بالنسبة للسائح ليس فقط: «إلى أين أذهب؟»، بل «ما الطقس الذي سأجده هناك؟ ومتى يكون أفضل وقت للزيارة؟».

ومن هذه الزاوية، تبدو اسكوتلندا مثالاً مهماً على السياحة في عصر تغير المناخ؛ فالمناخ الأكثر برودة، الذي كان في السابق مجرد سمة طبيعية للبلاد، يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية سياحية في عالم تصبح فيه موجات الحر أكثر حضوراً.

إن قصة اسكوتلندا ليست مجرد قصة عن سياح يبحثون عن طقس بارد، وإنما مؤشر على تحول أوسع: المناخ بدأ يعيد رسم خريطة السفر الأوروبية، ويدفع صناعة السياحة إلى التفكير في وجهات جديدة، ومواسم مختلفة، ونماذج أكثر استدامة للسفر.


«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
TT

«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

على ضفاف البحر الأحمر، الساحل الشرقي لمصر، وعلى بُعد 45 كيلومتراً جنوب مدينة الغردقة، توجد هذه اللوحة الطبيعية النابضة بالحياة، التي تتلاشى فيها الضوضاء أمام هدير الأمواج التي تعانق ضوء الشمس، لتمنح الزائر تجربة استرخاء لا تُضاهى.

«سوما باي» ليست مجرد منتجع سياحي، بل وجهة عالمية للمشاهير ولكل من يبحث عن الهدوء، والجمال، واعتدال الأجواء طوال العام، فمع اختلاف فصول العام تكون وجهة مثالية، حيث تشهد شواطئها، الممتدة بطول 11 كيلومتراً، حركة لا تتوقف للاستجمام أمام المياه النقية، أو القفز في الماء، أو الغوص لاستكشاف الشعب المرجانية.

ممارسة القفز في الماء أثناء الغروب تجربة لا تُضاهى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

لذا، سواء كنت تخطط لعطلة رومانسية تبقى في الذاكرة، أو ترغب بقضاء وقت ممتع مع العائلة، أو الأصدقاء، فإن المنطقة توفر تجربة مميزة تناسب الجميع، مقدمةً تجربة استثنائية تتجاوز مفهوم الإجازة التقليدية، لتصبح رحلة ساحرة تجمع بين الهدوء، والفخامة، وجمال الطبيعة البكر، بما يجعلها مكاناً متكاملاً يعكس التطور الذي تشهده المناطق الساحلية المصرية.

مناظر بانورامية خلابة

تظل «سوما باي» خياراً مثالياً للباحثين عن وجهة تجمع بين الفخامة والخصوصية في قلب الطبيعة، حيث تتميز بموقعها الجغرافي الفريد داخل خليج سوما باي، إذ تحيط بها مياه البحر الأحمر من ثلاث جهات «شبه جزيرة»، مما يمنح هذا الخليج مناخاً معتدلاً طوال العام.

كما أن الموقع الاستراتيجي يقدم للزائر فرصة التمتع برؤية مناظر بانورامية خلابة على امتداد البصر للبحر والسماء، وعلى مدار اليوم، تتبدل طبيعة «سوما باي» مع تغير الساعات لتقدم أوجه متعددة من سحر مصر؛ فمع شروق الشمس على الشواطئ ونسائم الصباح تكون الفرصة مواتية لمنح الزائر نفسه إحساساً بالاستجمام، أو بدء اليوم بجلسة يوغا أمام صوت الأمواج.

الطريق إلى الغطس في سوما باي يبدأ بالسير وسط البحر الأحمر أعلى الممشى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بينما تعد ساعة الغروب وسط هذه الطبيعية الأخّاذة، حيث انعكاس الشفق الأحمر على الشواطئ والمياه الفيروزية الصافية، مشهداً يبعث في النفس طاقة متجددة، وفرصة لعيش لحظات من التأمل أمام صوت الموج. أما المساء، ومع أجوائه الصاخبة التي تخلقها الفعاليات الفنية والموسيقية المتنوعة، فتشهد المنطقة طاقة حيوية تفرض نفسها على المكان.

ويتيح هذا التنوع على مدار ساعات النهار والليل للزائر تجربة لا تُنسى، ويجعل من «سوما باي» ملاذاً رائعاً لعطلة مميزة في واحدة من أبرز الوجهات السياحية على ساحل البحر الأحمر.

تمتد الفخامة إلى ما تضمه «سوما باي» من مجموعة من أرقى المنتجعات السياحية الفاخرة فئة 5 نجوم، والتي تتنوع في تقديم خدماتها ما بين ملاعب الغولف ومارينا لليخوت، أو تقديم تجربة استشفائية بتوظيف مياه البحر في العلاج، ما يجعلها وجهة للباحثين عن الاسترخاء والرفاهية.

سوما باي تمنح زائرها رحلة ساحرة استثنائية تجمع بين الهدوء والفخامة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بين المغامرة والمنافسة

تحتل «سوما باي» مكانة خاصة لدى محبي المغامرة والترفيه وعشاق الرياضات المائية عالمياً، إذ ترسخ مكانتها بوصفها أحد أفضل مواقع الغوص في البحر الأحمر، وتوفر المنطقة تجربة غنية للمبتدئين والمحترفين على حد سواء؛ حيث يمتد داخل البحر ممشى بطول 420 متراً يتيح للزوار الوصول بسهولة إلى أعماق الشعاب المرجانية المتنوعة.

وإلى جانب الغوص، تشتهر المدينة بكونها مركزاً رائداً لرياضة «الكايت سيرف»، عبر ركوب الأمواج بالألواح، مستفيدة من الظروف الطبيعية والمناخية التي توفرها المنطقة.

وخلال السنوات الأخيرة لم تعد منطقة «سوما باي» مجرد وجهة للاسترخاء والتمتع بالطبيعة الخلابة فحسب، بل تحولت بفضل بنيتها التحتية المتطورة وقدرتها على توفير بيئة تنافسية عالمية المستوى، إلى قبلة رئيسية لاستضافة أبرز الفعاليات الرياضية المحلية والدولية، لترسم بذلك مساراً جديداً يعزز من تنافسية هذا المقصد السياحي على الخريطة العالمية.

كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة أبرز الفعاليات الرياضية التي تحتضنها سوما باي (وزارة الشباب والرياضة المصرية)

هذا التطور جعلها ضمن أجندة الحكومة المصرية، ممثلة في وزارتي السياحة والآثار والشباب والرياضة، إذ تسعى الحكومة إلى تنظيم أهم البطولات المحلية والعالمية في إطار تعزيز السياحة الرياضية، حيث توضع «سوما باي» على رأس أجندة الفعاليات، بهدف تحويلها إلى مركز استراتيجي للرياضات المائية والاحترافية.

وأثمر هذا التوجه عن استضافة المنطقة لجولات سلسلة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، في حدث يعكس الالتزام المصري بتوفير بيئة رياضية عالمية المستوى، تضاهي أكبر المراكز الرياضية في العالم.

ولا يتوقف الحضور عند الرياضات المائية؛ فقد سجلت «سوما باي» سبقاً تاريخياً في المنطقة باستضافة منافسات التنس على «ملاعب عشبية»، لتكون بذلك أول وجهة في الشرق الأوسط وأفريقيا تنظم بطولات من هذا النوع، مما يعد نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية الرياضية الإقليمية.

كما نجحت المنطقة في استقطاب فئات متنوعة من الزائرين من مختلف القارات، وهو ما تجلى في تنظيم مهرجانات التحمل الرياضي هذا العام، تحت رعاية الاتحاد المصري للخماسي الحديث، والتي شهدت مشاركة آلاف المتسابقين من عشرات الجنسيات.

كذلك امتد هذا التنوع الرياضي ليشمل «كأس مصر للفروسية»، التي تجمع بين أصالة رياضة قديمة وأجواء حديثة في بيئة البحر الأحمر الساحرة.

ومع هذا الحضور الرياضي المكثف، أضحت «سوما باي» وجهة لا تكتفي بتقديم الترفيه، بل تصيغ تجربة رياضية استثنائية، في أجواء مميزة تجمع بين التحدي والمتعة وروح المنافسة.


رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
TT

رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)

في لبنان، لا تحتاج المسافات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تماماً. رحلة واحدة قد تبدأ من شاطئ المتوسط، بين أزقة البترون وملاحات أنفه، ثم تتجه نحو سهل البقاع وكرومه وسهله، قبل أن تنتهي في بيروت، حيث تختلط طبقات التاريخ بالحياة اليومية والمقاهي والمطاعم والواجهة البحرية.

ولمن يريد اكتشاف لبنان بعيداً عن الرحلات التقليدية، تبدو البترون وأنفه، ثم البقاع وزحلة، وصولاً إلى بيروت، مساراً يجمع في أيام قليلة بين البحر والطبيعة والتاريخ والطعام، ويكشف في كل محطة وجهاً مختلفاً من البلاد.

البردوني في مدينة زحلة من المعالم السياحية الجميلة (الشرق الأوسط)

البترون وأنفه: البحر بطعم لبناني

تبدأ الرحلة شمالاً باتجاه البترون، المدينة الساحلية التي تجمع بين أجواء المتوسط وشوارعها القديمة وواجهتها البحرية. والمشي في أزقتها، والتوقف عند الميناء والحي التاريخي يمنح الزائر فرصة للتعرف إلى جانب أكثر هدوءاً وأصالة من المدينة، بينما يشكل الطعام جزءاً أساسياً من التجربة، مع تنوع المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية واللبنانية.

وتستحق البترون يوماً كاملاً، لا مجرد محطة عابرة. ويمكن بدء الجولة من المدينة القديمة، بين البيوت الحجرية والأزقة الهادئة التي تعكس تاريخ المكان، ثم التوجه إلى سور البحر الفينيقي، أحد أبرز معالم المدينة. بعدها يمكن زيارة كنيسة سيدة البحر والتجول في محيط الميناء، قبل التوجه إلى الشاطئ والجلوس في أحد المقاهي والمطاعم المطلة على البحر. ومن التفاصيل التي تمنح زيارة البترون طابعها الخاص تذوق «ليموناضة» البترون الشهيرة، التي أصبحت جزءاً من هوية المدينة، إلى جانب استكشاف الملاحات القديمة والتقاط الصور عند الساحل، ولا سيما في ساعات الغروب. أما في فصل الصيف، فتتوفر خيارات عدة لمحبي البحر، من السباحة إلى الرياضات المائية.

إقامة في بيوت تقليدية في «دومين دو شوشين» (الشرق الأوسط)

ومع نهاية الجولة، يمكن اختيار أحد مطاعم المدينة في محيط السوق القديمة لتناول وجبة لبنانية، قبل متابعة الطريق شمالاً إلى أنفه.

في أنفه، يصبح البحر أكثر حضوراً، بينما تتغير ملامح الساحل بين الصخور والملاحات والمشهد البحري المفتوح. ويطلق اللبنانيون على المنطقة اسم «أنفوريني»، تيمناً بسانتوريني في اليونان، في إشارة إلى التشابه بين المدينتين الساحليتين، ولا سيما في الألوان والأزقة المرصوفة بالحجارة البيضاء والبيوت ذات الأبواب الزرقاء المزينة بالورود والزهور.

أنفه من المناطق الساحلية الرائعة في لبنان (الشرق الأوسط)

ومن الأماكن التي يمكن التوقف عندها لتناول الغداء مطعم «شي فؤاد»، المتخصص في المأكولات البحرية الطازجة. وكان المكان في الأصل منزل العائلة التي تديره اليوم، قبل أن يتحول إلى مطعم حافظ على جانب من ذكرياته العائلية وطابعه البحري. ويمكن للزائر تمضية جزء من النهار فيه والاستمتاع بالجلسة البحرية والسباحة في البركة الصغيرة أو في البحر.

منظر مطل على مدينة زحلة في البقاع (الشرق الأوسط)

البقاع: حين يتغير المشهد

بعد الساحل، تتجه الرحلة نحو البقاع، حيث يتبدل المشهد بسرعة. فالسهل الواسع والجبال المحيطة والكروم ترسم صورة مختلفة تماماً عن الساحل الشمالي، بينما تظهر المائدة اللبنانية هنا مرتبطة بالطبيعة والضيافة والمنتجات المحلية.

وفي منطقة قب الياس يقع «دومين دو شوشين»، الذي يقدم المأكولات اللبنانية التقليدية في الهواء الطلق. ويضم المكان غرفاً فندقية تحافظ على طابعها القروي، مع ديكورات بسيطة وقناطر تستحضر شكل المنازل الريفية اللبنانية.

ولا تقتصر التجربة هنا على الطعام والإقامة، إذ يمكن القيام برحلة مشي «هايكينغ» برفرة دليل متخصص بمعالم المنطقة، تسبقها وجبة فطور لبناني مستوحاة من أجواء القرى والطبيعة المحيطة بالمكان. وهكذا تصبح الرحلة إلى البقاع انتقالاً من مجرد مشاهدة المناظر إلى التفاعل معها.

شلالات البردوني (الشرق الأوسط)

زحلة والبردوني: مدينة الشعر والماء

من قب الياس، تأخذ الرحلة طريقها نحو زحلة، إحدى أبرز مدن البقاع وأكثرها ارتباطاً بالهوية الثقافية والتراثية للبنان.

نشأت زحلة وتطورت على ضفاف نهر البردوني، الذي يعبر المدينة بين الجبال ويمنحها مشهداً طبيعياً مميزاً، حتى أصبح اسمه جزءاً من صورة زحلة وذاكرتها. ويعود تاريخ المنطقة إلى عصور قديمة، بينما ازدهرت المدينة بصورة خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتحولت إلى مركز تجاري وثقافي مهم في البقاع، كما ارتبط اسمها بالهجرة والتجارة.

زحلة عصب البقاع (الشرق الأوسط)

أما اليوم، فيبقى نهر البردوني واحداً من أشهر معالم زحلة، ولا سيما المنطقة السياحية الممتدة على جانبيه، حيث المطاعم والمقاهي وأماكن الجلوس. هنا يمكن للزائر أن يجمع بين الغداء وصوت المياه والمناظر الجبلية، وأن يرى المدينة من زاوية مختلفة.

ومن البردوني يمكن الصعود إلى مقام سيدة زحلة والبقاع للاستمتاع بإطلالة واسعة على المدينة والسهل، ثم العودة إلى النهر لقضاء الأمسية وسط أجواء زحلة الحيوية.

في هذه المدينة تحديداً، تبدو عناصر الرحلة الثلاثة حاضرة في مكان واحد: الطبيعة، والمائدة، والحكاية.

زحلة من المدن السياحية المميزة في لبنان (الشرق الأوسط)

بيروت: مدينة تصل الماضي بالحاضر

بعد البحر والجبال والكروم، تأتي بيروت لتكون المحطة الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه مدينة تختصر الكثير مما سبق. هنا يلتقي البحر بالتاريخ، وتجاور الأبنية القديمة المطاعم والمقاهي والحياة الليلية.

يمكن بدء الجولة من وسط بيروت وساحة النجمة، حيث تتجاور الأبنية التاريخية مع المساحات الحديثة، ثم الانتقال إلى الحمامات الرومانية وساحة الشهداء والجامع العمري الكبير، في جولة تكشف طبقات متعددة من تاريخ العاصمة.

ومن هناك، يستحق المتحف الوطني في بيروت زيارة خاصة، لما يقدمه من رحلة في تاريخ لبنان وآثاره. وبعدها يمكن الانتقال إلى شارع الحمرا أو الجميزة ومار مخايل لاكتشاف جانب آخر من المدينة، أكثر حيوية واتصالاً بالمشهد الثقافي والمطاعم والمقاهي.

«دومين دو شوشين» إقامة في أجواء ريفية (الشرق الأوسط)

ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع الرحلة. يتجه المشهد نحو البحر، إلى كورنيش بيروت وصخرة الروشة، حيث تتداخل مياه المتوسط مع صورة المدينة. ويمكن أيضاً المرور بـزيتونة باي، الذي يجمع المرسى والمطاعم والمقاهي في واجهة بحرية حديثة.

لكن الروشة تبدو مختلفة عندما تُرى من البحر. ومن التجارب التي يمكن إضافتها إلى جولة بيروت رحلة قصيرة بالقارب حول صخرة الروشة. تنطلق القوارب من المنطقة المحيطة بالصخرة لتأخذ الزائر بمحاذاة الساحل، وتتيح له رؤية المعلم الشهير من زاوية مختلفة عن تلك التي يوفرها الكورنيش.

ومع الاقتراب من الصخرة، تظهر التجاويف والممرات الطبيعية المحيطة بها بصورة أوضح، بينما تضفي الرحلة إحساساً بالمغامرة. وفي ساعات العصر وقبل الغروب، تصبح التجربة أكثر جمالاً مع انعكاس أشعة الشمس على مياه المتوسط، لتتحول الصخرة إلى خلفية طبيعية للمشهد البيروتي.

غروب الشمس عند صخرة الروشة (أ.ب)

المائدة جزء من الرحلة

لا تكتمل جولة بيروت من دون التوقف عند مائدتها. فالمطبخ اللبناني هنا ليس مجرد خيار لتناول الطعام، بل جزء من التجربة التي يختبر من خلالها الزائر جانباً من شخصية المدينة.

ومن الخيارات الممكنة «البيروتي»، الذي يقدم المطبخ اللبناني والمتوسطي بلمسة عصرية، ويتيح تذوق مجموعة من الأطباق اللبنانية في أجواء حيوية.

«أم شريف ديلي» في وسط بيروت (أ.ف.ب)

ومن الخيارات الأخرى «قمر داون تاون»، الذي يقدم المطبخ اللبناني في أجواء مناسبة للغداء أو العشاء، إضافة إلى «أمالين دي تي»، لمحبي النكهات اللبنانية التقليدية في منطقة وسط المدينة.

أما إذا كان الخيار هو وجبة سريعة، فيمكن التوجه إلى «أم شريف ديلي»، وهو تابع لسلسلة «أم شريف»، ويقدم السندويشات بلمسة عصرية.ولمن يريد إنهاء اليوم أمام مشهد الغروب، يبقى محيط صخرة الروشة والكورنيش المطل عليها من أبرز الخيارات. ويمكن أن يكون التوقف عند فرع مقهى «ستارباكس» هناك فرصة لمتابعة غروب الشمس مع فنجان من القهوة.

الملاحات في أنفه (إ.ب.إ)

لبنان... منظر، مائدة، وحكاية

ربما تكمن متعة لبنان في أنه لا يقدم نفسه للزائر من خلال مدينة واحدة أو مشهد واحد. فبين ساحل البترون وأنفه، ومائدة الشمال، وسهل البقاع وكرومه، وأجواء زحلة وضفاف البردوني، ثم بيروت بتاريخها وصخبها وواجهتها البحرية، تتبدل الصورة من محطة إلى أخرى، فيما تبقى روح المكان حاضرة في التفاصيل.

إنها رحلة لا تحتاج إلى مسافات طويلة كي تكشف اختلاف لبنان وتنوعه، يكفي أن تبدأ من البحر، وتمر بالكروم، وتنتهي أمام المتوسط من جديد.