10 سنوات من حُكم الملك سلمان تصعد بالسعودية إلى قمة العالم

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)
TT

10 سنوات من حُكم الملك سلمان تصعد بالسعودية إلى قمة العالم

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

«منّي عليكم يا هل العوجا سلام». يتكرر هذا المقطع من قصيدة سعودية واسعة الانتشار أشارت بعض المصادر التاريخية إلى أنها قيلت بعد معركة البكيرية التي خاضها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن قبل أكثر من قرن.

في عام 1436ه، وفي الشهر ذاته من تلك المعركة، تولى الملك سلمان مقاليد الحكم في السعودية، وما زال لتلك الأبيات وقعها وما زال السعوديون، يتداولون باستمرار تلك الصور والفيديوهات التي تظهر تأثر مليكهم بمعانيها وتاريخها، وجادل الكثير من المؤرّخين بأن الملك سلمان أحد المراجع التاريخية الأكثر رصانة في سرد تاريخ البلاد منذ تأسيسها قبل 3 قرون وحتى مرور 10 سنوات من حكمه لها.

ضمان المستقبل باختيار ولي عهد شاب

بعد أيام من احتفاء السعوديين باليوم الوطني الـ94 لبلادهم، تحلّ اليوم ذكرى وطنية خاصة تتمثل بالذكرى العاشرة لتولّي الملك سلمان مقاليد الحكم في البلاد، في فترةٍ مفصلية بتاريخها، قاد خلالها مؤسسة الحكم السعودية للانتقال من جيل أبناء المؤسس إلى جيل أحفاده.

بدأت البلاد بذلك دورة حياة جديدة انطلقت معها نهضة اقتصادية واجتماعية ورافقها ثقل سياسي، وإعادة إحياء للمكتسبات ومكامن القوة التاريخية، وأصبح عنوان المرحلة «الابتكار والتمكين والنهضة الاقتصادية والاجتماعية» بعد أكثر من 55 عاماً قضاها الملك سلمان حاكماً للعاصمة الرياض، في مدة من أطول فترات الخدمة لحاكم محلي قبل أن يتولى ولاية العهد ووزارة الدفاع في 2012 ثم الحكم في العام 2015.

دبلوماسية فعّالة بـ160 زيارة و29 قمة

نظراً للدورين الإقليمي والدولي اللذين أثبتت الرياض قدرتها على قيادتهما خلال حكم الملك سلمان، حيث ركّزت السعودية على التعاون متعدد الأطراف فأسّست مع عدد من الدول عدداً من التحالفات لأول مرة، مثل التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، ويضم في عضويته 42 دولة، بالإضافة إلى تحالف دعم الشرعية في اليمن، كما أصبحت السعودية وجهة لكثير من زعماء العالم للتنسيق والتشاور وتعزيز التعاون نظير الدور المتصاعد للبلاد على المسرحين الإقليمي والدولي.

الملك سلمان بن عبد العزيز لدى زيارته أندونيسيا ولقاء رئيسها جوكو ويدودو في أبريل 2019 (واس)

وإلى جانب الزعماء وقادة الدول الذين استقبلهم الملك سلمان خلال القمم والمناسبات الكبرى التي استضافتها البلاد، أو على هامش الفعاليات الدولية الكبرى، فقد استقبل الملك سلمان منذ توليه الحكم ما يزيد على 160 زيارة من قادة الدول والحكومات، في رقم قياسي أظهر أهميّة السعودية وثقلها خلال المرحلة التي تولى فيها الحكم والسياسات التي تنتهجها البلاد تجاه المنطقة، كما احتضنت السعودية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، أكثر من 29 قمة تعدّدت ظروفها ما بين قمم اعتيادية ولقاءات تشاورية، وطارئة، توزّعت في أربع مدن ومحافظات (الرياض، جدة، مكة المكرمة، الظهران، العُلا).

كما أجرى الملك سلمان أكثر من جولة خارجية في زيارات رسمية أو تمثيل بلاده في مناسبات دولية أو إجازات خاصة، وشملت في البداية الولايات المتحدة ثم دول مجلس التعاون الخليجي، كما زار عدداً من الدول الآسيوية في جولة شملت ماليزيا، وإندونيسيا، وبروناي، واليابان، والصين، والمالديف، بالإضافة إلى الأردن، ومصر، وتركيا، وروسيا، والصين والمغرب.

وشهدت السياسة الخارجية السعودية حراكاً دبلوماسياً متصاعداً خلال السنوات الماضية من عهد الملك سلمان؛ إذ أخذت السعودية على عاتقها حماية أمنها القومي الذي كان يواجه تهديداً بالغ التعقيد آنذاك في ضوء التحركات الإيرانية التي أكّد عليها آنذاك رئيس الوزراء الإسرائيلي بالقول إن إيران تسيطر على أربع عواصم عربية، وبرّر مسؤول إيراني ذلك بأنه دليل تنامي نفوذ بلاده في المنطقة.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لدى استقباله الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني وأعضاء المجلس في جدة خلال شهر مايو 2022 (واس)

وأعلنت السعودية تأسيس تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية لمواجهة انقلاب الحوثيين على الحكومة اليمنية في مطلع عهد الملك سلمان، ونجحت في حماية حدود البلاد الجنوبية ودعم الشرعية اليمنية في مسعاها لمنع الحوثيين من السيطرة على كامل الأراضي اليمنية.

وفي يوليو (تموز) 2017، أعلن الديوان الملكي السعودي أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أجرى خلال الأيام الماضية الاتصالات اللازمة بالكثير من زعماء العالم، بمن فيهم الرئيس الأميركي (آنذاك) دونالد ترمب، لبذل مساعيهم لعدم إغلاق المسجد الأقصى في وجه المسلمين، وعدم منعهم من أداء فرائضهم وصلواتهم فيه، وتكلّلت هذه الجهود بالنجاح وأعلنت الشرطة الإسرائيلية حينها إزالة كل الإجراءات الأمنية التي استحدثتها في الحرم القدسي، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» باسم الآغا، سفير فلسطين في الرياض، أن «تواصل وتحركات الملك سلمان بن عبد العزيز وتضحيات أبناء الشعب الفلسطيني ودعم مخلصي الأمة، أفشل المخطط الصهيوني، وهو ما سيقود لانتصارات قادمة»، على حد تعبيره.

وفي سبتمبر (أيلول) 2018، رعى الملك سلمان اتفاق إنهاء الصراع بين إثيوبيا وإريتريا وتوقيع مصالحة بينهما في قمة ثلاثية بمحافظة جدة، غرب السعودية، بعد نزاع دموي استمر لأكثر من عقدين.

وخليجيّاً، أجرى الملك سلمان جولة خليجية شملت الإمارات، وقطر، والبحرين والكويت، في ديسمبر (كانون الأول) 2016، لقيت الترحيب والإشادة وانعكست على العلاقات الخليجية – الخليجية وفقاً لمراقبين فيما بعد، أحرزت رؤية خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، لتعزيز وتفعيل العمل الخليجي المشترك، التي أقرّها المجلس الأعلى في دورته الـ36 عام 2015، تقدّماً في تنفيذها وفقاً لبيان القمة الخليجية الماضية.

وأعاد «بيان العُلا» الخليجي في مطلع عام 2021، العمل الخليجي المشترك إلى مساره الطبيعي، والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، مؤكداً على وحدة الصف والتماسك بين دول المجلس والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، لتعود بذلك العلاقات الكاملة بين السعودية ومصر والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى بعد قطعها في يونيو (حزيران) 2017.

«لا مكان للتطرف والانحلال»

ومع الصعود الذي بدأت تشهده البلاد على أكثر من صعيد بعد أشهر من تولي الملك سلمان الحكم، وضع الملك النقاط على الحروف وأكّد في كلمة تاريخية أمام مجلس الشورى عام 2017 أنه «لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحلٍّ يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال»، ووضعت هذه الكلمة التاريخية الأنظمة والتشريعات في السعودية على أبواب التطوير لتتوافق مع ما ينتظر البلاد من مستقبل اقتصادي تعيشه اليوم، وانفتاح على العالم ومختلف الثقافات.

تعزيز الهويّة الوطنية

وسعت السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده إلى تعزيز الهوية الوطنية بزخم غير مسبوق، في ضوء برامج تعزيز الثقافة والتراث وتمكين «وزارة الثقافة»، فضلاً عن البرامج والمشروعات الاقتصادية ذات البعد الذي يعزّز الهوية التاريخية، على غرار منطقتي العُلا شمال البلاد، والدرعية العاصمة الأولى للدولة السعودية، وأصبحت الهوية السعودية في أفضل أحوالها اليوم وفقاً لمراقبين محلّيين ودوليّين للشأن السعودي.

ويظهر ذلك المسعى في معرض إجابة ولي العهد عن سؤال حول مشروع «الصحوة» الذي كان سائداً: «استطعنا خلال سنة واحدة أن نقضي على مشروع آيديولوجي صُنع على مدى 40 عاماً، وسنعود بالسعودية إلى الإسلام المعتدل». وأضاف في تصريحٍ آخر، أن «الهويّة السعودية قويّة وتزداد قوة وتطوراً بالانفتاح، وإن أصحاب الهوية الضعيفة هم من يقلقهم الانفتاح على العالم».

تقوية مركز الدولة

وصدر عدد من التشريعات في سبيل تعزيز مركز الدولة الذي بات وفقاً لمتابعين في حالةٍ أقوى بوضوح معالم رؤية البلاد عند إطلاق «رؤية 2030» آنذاك، لتتكامل فيها جهود هياكل الدولة، واستدل على ذلك ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال مقابلة تلفزيونية في أواخر أبريل (نيسان) من عام 2021، قائلاً: «بسبب ضعف مركز الدولة، وعدم وجود سياسة عامة، لم تتمكّن وزارة الإسكان من أن تحول مبلغ 250 مليار ريال رُصدت لها في 2011 و2015 إلى مشروعات على الأرض». واستطرد: «لا يستطيع وزير الإسكان النجاح دون أن تكون هناك سياسة عامة للدولة بالتنسيق مع البلديات، والبنك المركزي، والمالية، وسن التشريعات والقطاع الخاص إلى آخره، فمثلاً الـ250 ملياراً أُعيدت للخزينة وصرفت ميزانية سنوية؛ لكن كانت نتائج ذلك ارتفاع نسبة الإسكان من 47 في المائة إلى 60 في المائة في 4 أعوام فقط، وهذا يشير إلى أين نحن متجهون».

كما توجهت السعودية خلال السنوات العشر الماضية من حكم الملك سلمان إلى إطلاق عشرات البرامج والاستراتيجيات الوطنية، لإعادة هيكلة وتنظيم القطاعات الحيوية في البلاد، والقطاعات الجديدة والمستحدثة، بما ينعكس على أداء تلك المنظومات، على غرار «الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجيستية، واستراتيجية قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، والاستراتيجية الوطنية للاستثمار، والاستراتيجية الوطنية للسياحة»، فضلاً عن استراتيجيات المناطق وتأسيس هيئات التطوير التي من شأنها استحداث الفرص الاستثمارية والتنموية، وتعزيز الجهود لدعم اقتصاد المدن، بالإضافة إلى إنشاء وزارات جديدة تُعنى بتعزيز إمكانات البلاد في قطاعات غير معزّزة في السابق مثل «وزارة الصناعة» علاوةً على تنظيم وترتيب مهام الكثير من الوزارات الأخرى.

تحقيق 87 % من أهداف «رؤية 2030»

وبجانب التغيّرات التي طرأت على كل ما يرتبط بالبلاد داخليّاً وخارجيّاً، اتّسم الاقتصاد السعودي مع تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، بمستهدفات جريئة مثل (تنويع مصادر الدخل، وترشيد الاعتماد على النفط، وتحسين جودة الحياة) بما ينعكس على كل الجوانب الإنسانية، في ضوء المشروع التنموي للإصلاح الاقتصادي والانفتاح الاجتماعي «رؤية السعودية 2030» التي وافق عليها مجلس الوزراء برئاسة الملك سلمان في أبريل (نيسان) عام 2016، وأوشكت على أن تكمل 87 في المائة من أهدافها بعد 8 سنوات من إطلاقها، وفقاً لوزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، رغماً عن الطوارئ الاقتصادية والسياسية التي عصفت بالعالم في أكثر من مكان، وأهمها جائحة «كوفيد - 19».

عقد من الزمن يُضاعف حجم الناتج المحلي

وفي برهان على نجاح الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة السعودية خلال السنوات الـ10 الماضية من حكم الملك سلمان، قفز الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للهيئة العامة للإحصاء من 2.4 تريليون ريال (654 مليار دولار) في العام الأول لحكم الملك سلمان إلى نحو 4 تريليونات ريال سعودي (أكثر من تريليون دولار) في العام الماضي 2023، بينما زاد حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أكثر من 17.6 مليار دولار في 2022، وهو الأعلى منذ عقد؛ ما يكشف ثقة المستثمرين العالميين في الاقتصاد السعودي.

ولتدعيم التوجّه نحو تنويع مصادر الدخل الوطني، عمل «صندوق الاستثمارات العامة»، على تنفيذ توجيهات خادم الحرمين الشريفين، بتأسيس منظومات وقطاعات جديدة باسم «المشروعات الكبرى»، وهي تعتمد على التقنية والمعرفة وتعزز من استخدامها في السعودية، وتُسهم في اكتساب الهوية السعودية والإرث المحلي التاريخي زخماً غير مسبوق، وتوسّع دور الصندوق ليصبح أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، حيث استثمر في الكثير من المشاريع المحلية والعالمية وبات لدى السعودية خمسة مشاريع كبرى.

وإضافة إلى النهضة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، ساهمت المشروعات الكبرى في جعل السعودية في مقدّمة الدول الجاذبة للاستثمارات والسياح؛ ونتيجةً لذلك فازت البلاد خلال السنوات العشر الماضية بتنظيم واستضافة مناسبات دولية كبرى مثل «إكسبو 2030» و«كأس العالم 2034» و«كأس العالم للأندية» و«كأس آسيا لكرة القدم 2027» و«دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029» في تروجينا بنيوم وغيرها من المناسبات الكبرى، كما استضافت الكثير من القمم والمؤتمرات والمنتديات التي لم تستضفها بهذا القدر من قبل في مجالات الاقتصاد والتنمية والبيئة والطاقة والذكاء الاصطناعي مثل الاجتماع الخاص الأول من نوعه للمنتدى الاقتصادي العالمي، ومنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار.

كما حققت الرياضة السعودية نهضة غير مسبوقة، خصوصاً على صعيد كرة القدم، مع استقطاب «دوري روشن السعودي» عدداً من كبار النجوم العالميين من لاعبين ومدربين، ضمن مشروع رياضي ساهم في جذب الأنظار إلى السعودية والقطاع الرياضي فيها.

مكافحة الفساد

ودخلت البلاد منذ انطلاق «رؤية 2030» التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإشراف من خادم الحرمين الشريفين، في ورشة عمل تنموية وبرامج إصلاح اقتصادي جذرية، كان في مقدّمتها فعلياً خطط مكافحة الفساد المالي والإداري، ومكافحة الهدر المالي في أروقة الحكومة على أعلى مستوى.

ولأجل ذلك؛ أصدر الملك سلمان في نوفمبر 2017، أمراً ملكياً بتشكيل «اللجنة العليا لمكافحة الفساد» برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهي أول لجنة عليا لمكافحة الفساد في السعودية، وجعل للّجنة أن تقوم «استثناءً» من الأنظمة والتنظيمات والتعليمات والأوامر والقرارات بحصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام، وبالتحقيق وإصدار أوامر القبض والمنع من السفر، واتخاذ ما يلزم مع المتورطين في قضايا الفساد العام، مع رفع تقرير مفصّل إلى خادم الحرمين الشريفين عند إكمال اللجنة مهامها وما توصلت إليه.

وأنجزت اللجنة في أيامها الأولى إحدى أشهر قضايا مكافحة الفساد التاريخية فيما عُرف بـ«قضية الريتز» بعد احتجاز عدد من الموقوفين من أمراء ومسؤولين كبار وسابقين بتهم الفساد، أسفرت عن تسويات أوّلية تقدر بنحو 50 مليار ريال، وفقاً لمصدر سعودي تحدّث لـ«رويترز».

المرأة إلى جانب الرجل في التنمية... و6 سفيرات

وفضلاً عن إماطة ملف «قيادة المرأة للسيارة» عن طريق الإصلاح الداخلي، من خلال الأمر الملكي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، فقد توسّعت مساهمة المرأة في التنمية، وتبوّأت مناصب حكومية ودبلوماسية كبرى لأول مرة في البلاد، فأصبح لدى السعودية 6 سفيرات في دول مهمّة، وتضاعفت مشاركتها في سوق العمل، لتحقق السعودية أسرع نسبة نمو في مشاركة المرأة في العالم، فقد قفزت نسبة المنشآت التي تقودها النساء من 21.5 في المائة لعام 2016، لتبلغ 45 في المائة لعام 2022، من إجمالي الشركات الناشئة، وفقاً لإحصاءات رسمية.

الحوكمة ورقمنة الخدمات

وانتقلت الحكومة السعودية إلى تأسيس واقع جديد لتعاملاتها عبر مبدأين: الأول الحوكمة في مجالس إدارات القطاعات المستحدثة والبرامج الجديدة المنبثقة عن «رؤية 2030»، والآخر «الحكومة الرقمية» التي غيّرت من شكل التعاملات القديمة، وساهمت في التقليل من البيروقراطية التقليدية التي كانت سمة قديمة في القطاعين العام والخاص، وفقاً للمستخدمين.

ووافق مجلس الوزراء على إنشاء «هيئة الحكومة الرقمية» في مارس (آذار) عام 2021، في نقلة نوعية نحو تعزيز الأداء الرقمي داخل الجهات الحكومية، ورفع جودة الخدمات المقدمة، وتحسين تجربة العملاء مع الجهات الحكومية، وحققت البلاد تقدماً كبيراً في تبني الحكومة الإلكترونية، ليصل إجمالي إنفاق الحكومة على التحول الرقمي العام الماضي أكثر من 3 مليارات دولار، وفقاً لأرقام رسمية.

وفي سياق مواجهة جائحة كورونا، أحرزت السعودية نجاحاً في التحول الرقمي، حيث طوّرت تطبيق «توكلنا» الذي بات فيما بعد جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين، كما فعّلت منصات التعليم عن بعد لضمان استمرار العملية التعليمية لجميع المراحل الدراسية، واستفاد من هذه المنصة أكثر من 6 ملايين طالب، وفق وزارة التعليم.

«كورونا»... التزام داخلي وقيادة دولية

كانت جائحة كورونا (كوفيد - 19) إحدى أكبر الأزمات العابرة للقارّات والتي عانى منها العالم خلال القرن الحالي، كما كانت أحد أكبر التحديات التي واجهتها السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين، خصوصاً أنها كانت تترأس «مجموعة العشرين» حينها؛ ما يجعلها في موقف قيادة دولي بارز لمواجهة الجائحة، ودعا خادم الحرمين الشريفين إلى عقد جلسة طارئة لقادة دول مجموعة العشرين لمناقشة مبادرة السعودية لمساعدة الدول المتضررة من تداعيات جائحة كورونا (كوفيد - 19)، وتبنّى القادة المبادرة السعودية وعملوا على تنفيذها، وأكد المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الدكتور عبد الله الربيعة، أن السعودية قدمت 713 مليون دولار خلال 2020، لدعم الدول لمواجهة جائحة كورونا (كوفيد - 19).

داخليّاً، أخذ الملك سلمان وحكومته زمام المبادرة، وفي كلمةٍ موجّهة للمواطنين والمقيمين في السعودية طمأن الجميع بثقة منقطعة النظير، قائلاً: «إن بلادكم مستمرة في اتخاذ كل الإجراءات الاحترازية لمواجهة هذه الجائحة، والحد من آثارها، مستعينةً بالله تعالى، ثم بما لديها من إمكانات، في طليعتها عزيمتكم القوية في مواجهة الشدائد بثبات المؤمنين العاملين بالأسباب». ووضعت هذه الكلمات الإطار العريض لكيفية مواجهة البلاد هذه الجائحة فيما بعد.

اتخذت السعودية الكثير من الإجراءات الفعالة وحققت إنجازات بارزة للحد من آثار الجائحة وضمان سلامة المواطنين والمقيمين على أراضيها، وكشف وزير الصحة السعودي، فهد الجلاجل، عن أن بلاده بقيادة الملك سلمان وفّرت العلاج للجميع دون استثناء للمواطنين والمقيمين بما فيهم مخالفو نظام الإقامة، وكذلك رفع الطاقة الاستيعابية لجميع الخدمات الصحية، في غرف العناية المركزة والمستشفيات، وتوفير كل الإمكانات اللازمة من الأدوية واللقاحات والمختبرات والأدوات والتجهيزات في وقت قياسي، وتسخير الأنظمة التقنية لمواجهة الجائحة.

وفي آخر مؤتمر صحافي دوري حول «كوفيد - 19»، كشف المتحدث باسم وزارة الصحة محمد العبد العالي، عن أن الإجراءات التي اتخذتها السعودية كانت عالية التأثير لحماية المجتمع بتضافر الجهود الحكومية وتغطية أكثر من 99 في المائة من المستهدفين بالتطعيم.

 

وكان من أبرز العوامل التي أسهمت في احتواء انتشار الفيروس استعداد السعودية المبكر، وقوة نظامها الصحي، حيث بلغ معدل الإصابة في السعودية 9 إصابات لكل 1000 نسمة، ووصل التوصل في إجراء الفحوص معدل 13 ألف فحص لكل 100 ألف نسمة، في حين وصل معدّل الإماتة بين المصابين إلـى 1 في المائة، بالمقارنة مع المعدل العالمي الذي بلغ 3.47 في المائة حتى نهاية أغسطس (آب) 2020.

واقتصاديّاً، أطلقت السعودية برامج دعم مالي للشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من الجائحة، وشمل ذلك تخصيص ما يربو على 18 مليار دولار لمساعدة الشركات على تجاوز آثار الجائحة، وحزمة تحفيز اقتصادي بلغت 32 مليار دولار لدعم الاقتصاد خلال الجائحة، وتضمّن الدعم إعفاءات وتأجيلات للرسوم والضرائب، وأقرَّ البنك المركزي برنامجاً بـ13 مليار دولار، شمل تأجيل المستحقات لستة أشهر وتقديم التمويل الميسر للشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الكثير من البرامج والمبادرات النوعية لمساعدة المجتمع على التعافي ومواجهة التأثيرات الاقتصادية والانعكاسات السلبية.

إلى جانب ذلك، نجحت السعودية في تأمين الحج والعمرة، فخلال موسم حج 2020، طبَّقت إجراءات وقائية صارمة، لتتمكّن البلاد من إدارة الحج بنجاح مع تقليل عدد الحجاج إلى 10000 فقط مقارنة بملايين الحجاج في السنوات السابقة، كما استخدمت التقنية وجميع الأدوات المتاحة لمساعدة الحجاج والمعتمرين على إتمام شعائرهم خلال تلك المرحلة.

إلى جانب ذلك، شرعت السعودية بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين في إجراءات تهدف إلى توطين إنتاج اللقاحات والتقنيات الطبية بالتعاون مع شركات عالمية؛ لتعزيز أمنها الصحي المستقبلي.

السياحة والترفيه

لم يكن قطاع الترفيه مفعّلاً في السعودية، وقد يكون ملغيّاً بالكامل من أجندة الحكومة في العقود السابقة، حتى مايو (أيار) 2016، حينما أمر خادم الحرمين الشريفين بإنشاء «هيئة عامة للترفيه» تختص بكل ما يتعلق بنشاط الترفيه، لتنطلق الهيئة في إحداث واقع جديد للسعوديين بتنويع مصادر ترفيههم وتستقطب الكثير من الزوار والسياح من مختلف مناطق العالم إلى الكثير من مناطق السعودية، حتى وصل عدد الزوار في الفعاليات والأنشطة الترفيهية خلال العام الماضي 2023 إلى أكثر من 72 مليون زائر بزيادة 17 في المائة مقارنة بعام 2022، في حين بلغ عدد التراخيص الصادرة أكثر من 6 آلاف ترخيص مُنحت في 117 مدينة.

 

خادم الحرمين الشريفين في احتفال بمناسبة وضعه حجر أساس مشروع القدية في العام 2018 (واس)

وافتتحت السعودية مسارحها واستعرضت مخزونها الثقافي والأدائي، واستقطبت الإمكانات اللازمة كافة لتصبح وجهة عالمية في هذا القطاع.

أما في قطاع السياحة، فقد أصبحت السعودية رقماً سعباً على الساحة الدولية في هذا القطاع وفقاً لجميع الأرقام المحلية والدولية، حيث أُطلقت الاستراتيجية الوطنية للسياحة في 2019، وخلال شهر من ذلك التاريخ أُطلقت التأشيرة السياحية، التي فتحت أبواب السعودية للزوار من مختلف دول العالم؛ للتعرف على البلاد التي توصف بالقارة، وتضم مواقع تاريخية مسجلة في قائمة «يونيسكو» ومواقع سياحية متنوعة وواعدة.

وكان أحمد الخطيب، وزير السياحة السعودي، أعلن مؤخراً أنه مع نهاية النصف الأول من العام الحالي وصلت مساهمة المنظومة في الناتج المحلي 5 في المائة، وأن القطاع يسير بخطى ثابتة إلى تحقيق نسبة 10 في المائة، بما يعادل 600 إلى 700 مليار ريال من دخل السياحة في الاقتصاد السعودي.

واحتلت السعودية الترتيب الـ11 بين دول العالم في استقبال سياح الخارج، وأصبحت الدولة الأسرع نمواً بين دول مجموعة العشرين في هذا الشأن، كما حقّقت البلاد نمواً نسبته 153 في المائة في القطاع، مقارنة بعام 2019، وبلغ حجم الإنفاق 255 ملياراً بنهاية عام 2023، وبنهاية عام 2023 استقبلت السعودية أكثر من 100 مليون سائح دولي ومحلي، محقّقة مستهدف «رؤية السعودية 2030» ليصبح المستهدف الجديد لعام 2030 الوصول إلى 150 مليون زائر، وارتفاع مساهمة القطاع السياحي بـ750 مليار ريال في الاقتصاد.


مقالات ذات صلة

أمر ملكي باعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

أمر ملكي باعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون

صدر أمرٌ ملكي يقضي باعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون، وفقاً لنظامها الخاص، ومقرها مدينة الرياض؛ لتكون جامعة متخصصة في مجالات الثقافة والفنون.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين يوجّه باستضافة الخليجيين العالقين في مطارات السعودية

وجَّه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، السبت، بالموافقة على استضافة جميع العالقين في مطارات السعودية من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين وولي العهد يعزّيان قيادة الكويت بوفاة سلمان الصباح

بعث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، برقيتي عزاء للشيخ مشعل الأحمد أمير دولة الكويت في وفاة الشيخ سلمان الصباح.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

الملك سلمان: تأسيس دولتنا قام على التوحيد والعدل وجمع الشتات

أكد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، أن الدولة السعودية قامت على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة
TT

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تُغيِّر أدوات القياسات البيولوجية القابلة للارتداء، والتطويرات العلمية الحديثة الأخرى، وتوفر مزيد من البيانات، نظرة الجيش الأميركي إلى الأداء البشري، ولا سيما كيفية تكيُّف الجنود مع مخاطر ارتفاع درجة حرارة أجسامهم.

قرن من الدراسات حول تأثير الحرارة على الجنود

يدرس الجيش الأميركي آثار الحرارة على قواته منذ قرن تقريباً، وتحديداً منذ إنشاء مختبر هارفارد للإجهاد عام 1927، بناءً على طلب الجيش. ومع ذلك، فإن نهج الجنود والقادة تجاه المهام البدنية الأساسية -كالجري الموقوت، والأنشطة الخارجية الشاقة، والتعرض للعوامل البيئية- لا يزال متأخراً عن الكم المتزايد من البحوث العلمية حول مخاطر الحرارة، أحياناً بسنوات أو عقود. وقد يتغير هذا الوضع أخيراً في ظل مبادرات جديدة لتوسيع نطاق البحث في الأداء البشري.

تفاعل الجسم مع البيئة

وصرح المقدم ديفيد ديغروت، مدير مركز الحرارة التابع للجيش، لموقع «ديفنس ون» بأن الأجهزة القابلة للارتداء الجديدة -التي تتعقب مؤشرات مثل معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم- توفر للمدربين العسكريين والجنود نافذة جديدة لفهم كيفية تفاعل أجسامهم مع البيئة.

وتقدم هذه البيانات رؤى قيِّمة قبل ظهور أعراض الإجهاد الحراري. ويُعدُّ التوقيت عاملاً حاسماً: فبحلول الوقت الذي يُصاب فيه الجندي بالإجهاد الحراري أو تظهر عليه الأعراض الأولى لضربة شمس أشدّ خطورة، يكون الوقت قد فات في كثير من الأحيان لمنع حدوث مشكلة صحية قد تُبعده عن التدريب أو ما هو أسوأ.

أدوات لرصد ضربة الشمس

وأضاف ديغروت على هامش «منتدى الحرارة» الذي عُقد في 4 مارس (آذار) في فورت بينينغ، بجورجيا: «لدينا بعض التقنيات القابلة للارتداء، غير الجراحية، والتي لا تزال قيد التطوير، والتي ستتمكن، ليس بالضرورة من منع ضربة الشمس، ولكن من اكتشافها في وقت أبكر بكثير» بما يصل إلى 12 دقيقة، مما يتيح الوقت للحدّ من حدّتها.

مسيرة «الجندية الجيدة»

وعلى عكس ما يتم تداوله من أن تجاهل المشقة هو السمة المميزة لـمسيرة «الجندية الجيدة»، وهي الفكرة التي تعود إلى قرون مضت، يسعى ديغروت إلى تذكير الجنود والمدربين والقادة، بأنه ليس من المنطقي محاولة تحطيم رقم قياسي شخصي خلال كل مسيرة أو جري؛ ففي بعض الأحيان من الأفضل ببساطة الوصول إلى الحد المقبول، وتأجيل تحطيم الرقم القياسي إلى يوم آخر. كما أوضح أن شرب الماء وحده لا يوفر الحماية من الأمراض المرتبطة بالحرارة. في الواقع، أشار إلى أن 80 في المائة من ضحايا ضربة الشمس يتمتعون بترطيب كافٍ للجسم.

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)

مع عودة دونالد ترمب إلى المكتب البيضاوي مطلع 2025، لم تحتج استراتيجيته المحدثة لـ«الضغوط القصوى» سوى أقل من عام كي تفرض إيقاعها الكامل على إيران. ففي غضون أشهر، انتقلت البلاد من جدلٍ حول إحياء الاتفاق النووي إلى واقع الحرب على أراضيها للمرة الثانية في عمر الجمهورية الإسلامية، بعد نحو أربعة عقود على نهاية حربٍ لا تزال ذاكرتها الجماعية ثقيلة على من عاشها.

في الواقع، كانت سحب الحرب تتراكم فوق سماء طهران قبل أن يبدأ ترمب مسار العودة إلى البيت الأبيض. تلاشت الآمال بإحياء الاتفاق النووي، في حين تسارعت عجلة تخصيب اليورانيوم الإيراني، في مسارٍ انتهى إلى حرب الـ12 يوماً، وانكشاف حدود الردع الإيراني أمام ضربات استباقية إسرائيلية انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً، ثم عودة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك».

مع ذلك، لم يبدأ هذا المسار من واشنطن، بل من طهران نفسها. قبل شهور من الانتخابات الأميركية، راهنت المؤسسة الحاكمة على «استراحة تكتيكية» عبر انتخاب مسعود بزشكيان الذي بدأ مهامه في أغسطس (آب) 2024، كرئيسٍ إصلاحي بخطاب أقل صدامية مع الغرب، يقدم نفسه مديراً لـ«حرب اقتصادية» لا لمغامرة صاروخية. اختار فريقاً للسياسة الخارجية متمرساً بغرف التفاوض، في مقدمته وزير الخارجية عباس عراقجي؛ في إشارة فُسرت غربياً كتهيئة مبكرة لمرحلة مفاوضات جديدة، ومحاولةٍ لخفض التوتر وإعادة تهيئة الملف النووي لاحتمالين متناقضين: إما إدارة ديمقراطية بقيادة كامالا هاريس تسعى لاستكمال إرث أوباما وبايدن، أو عودة ترمب بنسخة أشد من «الضغوط القصوى» لإغلاق ملف إيران بطريقته.

عاد دونالد ترمب رئيساً، بكاريزما مألوفة، إلى المشهد الأميركي في سياق دولي أكثر توتراً، ومع حرب مفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران، الأمر الذي خلط أوراق الرهانات في طهران. فالرجل الذي يحمل في سجله قرار اغتيال قاسم سليماني لم يكن بالنسبة للنخبة الحاكمة وجهاً غامضاً، بل خصم مجرب يعود ومعه سجل كامل من الانسحاب من الاتفاق النووي، وتصعيد العقوبات. لذلك استقر التقدير على أنه لن يغير مقاربته الأساسية، بل سيحاول توسيعها: «ضغوط قصوى» في الاقتصاد والمال، مرفوقة برسالة سياسية واضحة، مفادها أن التراجع الإيراني يجب أن يكون ملموساً في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية معاً. في ظل هذا التصور، بدا أن هامش المناورة المتاح أمام طهران يضيق، حتى قبل أن تبدأ جولات التفاوض غير المباشر.

عودة «الضغوط القصوى»

بعد أقل من أسبوعين على أداء اليمين، وقع ترمب في 4 فبراير (شباط) 2025 مذكرةً رئاسية للأمن القومي أعادت إطلاق سياسة «الضغوط القصوى» بصياغةٍ أكثر حزماً وتفصيلاً. حددت المذكرة ثلاثة محاور رئيسية: حرمان إيران من أي طريق إلى سلاح نووي أو صواريخ عابرة للقارات، وتفكيك شبكاتها ووكلائها المصنفين على قوائم الإرهاب الغربية، وكبح تطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والقدرات غير المتماثلة.

على المستوى التنفيذي، كُلفت وزارة الخزانة بفرض أقصى ضغط اقتصادي، وتشديد إنفاذ العقوبات، وإصدار إرشادات تحذر قطاعات الشحن والتأمين والمواني من التعامل مع طهران أو وكلائها، في حين أُوكل إلى وزارة الخارجية تعديل أو إلغاء الإعفاءات السابقة، والعمل مع الحلفاء على استكمال إعادة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك»، ودفع صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، بالتوازي مع تكليف وزارة العدل بملاحقة الشبكات المالية واللوجيستية والواجهات المرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة.

هكذا تحول شعار ترمب القديم: «لن نسمح لإيران بسلاح نووي»، إلى إطار عملٍ شامل يربط الاقتصاد والأمن الداخلي والجبهة الدبلوماسية في مسار ضغط واحد على طهران.

على الجانب الإيراني، جاء الرد الأول مزيجاً من الإنكار والتحسب. لم يغلق المرشد علي خامنئي باب المفاوضات، لكنه لم يفتحه على مصراعيه أيضاً؛ فسمح بمسار تفاوضي غير مباشر بدأ برسالة من ترمب حملها وسيط خاص، ردت عليها طهران برسالة موجزة. من هذه القناة انطلقت خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين فريق ترمب بقيادة ستيف ويتكوف وفريق عباس عراقجي، بمشاركة وسطاء أوروبيين وإقليميين.

في العلن، تحدث عراقجي عن «استعداد لمحادثات مسؤولة إذا احترمت واشنطن تعهداتها»، وعن إمكانية التوصل إلى «اتفاق متوازن» يعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي. في الكواليس، حاول الفريق الإيراني توسيع هوامش المناورة عبر اللعب على التباينات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، وإثارة حساسيات داخل فريق ترمب نفسه حيال أكثر شخصياته تشدداً، أملاً في أن تُترجَم هذه التناقضات إلى مرونة في شروط الصفقة.

عراقجي وفريقه على هامش الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما يوم 19 أبريل الماضي (رويترز)

خمس جولات تفاوضية

مع ذلك، ظل جوهر التباين ثابتاً في الجولات الخمس جميعاً. أصرت واشنطن على تجريد إيران من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة القريبة من العتبة النووية، وإعادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى دور المراقب الكامل في جميع المواقع الحساسة، وعلى أن يتضمن أي مسار لاحق جدولاً زمنياً واضحاً لبحث مدى الصواريخ الباليستية، ومفاصل أساسية من نشاط إيران الإقليمي.

في المقابل، تمسكت طهران بأولوياتها القديمة: رفع العقوبات النفطية والمالية كشرطٍ مسبق، وضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أميركية من الاتفاق الجديد، واستبعاد ملف الصواريخ من أي نص ملزم، ورفض توصيف علاقاتها مع حلفائها في المنطقة بـ«السلوك المزعزع للاستقرار».

هكذا خرجت كل جولة بخلاصة شبه متكررة: تقدم تقني في هوامش النصوص، وانسداد سياسي في قلبها.

في الخلفية، كانت علاقة إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية تنزلق تدريجياً إلى منطقة أشد توتراً. منذ سنوات، تطالب الوكالة بتفسيراتٍ لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير مصرح عنها، وبإعادة كاميرات المراقبة وأجهزة القياس التي عُطلت أو أزيلت تباعاً بعد انسحاب واشنطن من اتفاق 2015. وبحلول 2025، كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة قد بلغ مستوى يرى خبراء الوكالة أنه «يختصر الزمن التقني للوصول إلى العتبة النووية متى توافرت الإرادة السياسية». من زاوية العواصم الغربية، تحوّل البرنامج إلى مزيج من تقدّم مادي وتعتيم سياسي. ومن زاوية طهران، صار ملف الوكالة امتداداً لحملة «الضغوط القصوى»، لكن بأدوات قانونية وفنية هذه المرة.

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعترض الصواريخ فوق تل أبيب (أ.ب)

حرب الـ12 يوماً

وعلى خط موازٍ، كانت المنطقة كلها تعيش ارتدادات زلزال 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. «طوفان الأقصى» فتحت الباب أمام عامين من حرب ظلٍّ عالية الكثافة بين إسرائيل ووكلاء إيران، من الحدود اللبنانية حتى البحر الأحمر. ومع كل ضربة إسرائيلية لقوافل أو مواقع مرتبطة بـ«الحرس الثوري» في سوريا، كانت معادلة الردع التقليدية تفقد بعضاً من غموضها الذي كان يشكّل جزءاً من قوتها. لكن طهران تمسكت بخيار إدارة المواجهة عبر الوكلاء وتجنب الانخراط المباشر من أراضيها، إلى أن جاءت اللحظة التي قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب: حرب الـ12 يوماً، حين انتقلت النيران للمرة الأولى بهذا الحجم بين إيران وإسرائيل فوق الأرض الإيرانية نفسها، لتصيب في الصميم العقيدة التي رسخها قاسم سليماني بـ«نقل المعركة إلى ما وراء الحدود»، وإبقاء ساحات الوكالة مشتعلة كي لا تصل الحرب إلى الداخل الإيراني.

خلال الأيام الأولى من حرب الـ12 يوماً، نفذت إسرائيل سلسلة ضربات مركزة داخل إيران استهدفت قواعد صاروخية ومراكز قيادة رئيسية، إلى جانب منشآت مرتبطة بسلسلة التخصيب، وبعض مرافق البحث والتطوير. في تلك الجولة الأولى تحديداً، خسر «الحرس الثوري» عدداً من كبار قادته الميدانيين، وسقطت معهم «عقول مدبرة» من الفيزيائيين والمهندسين والمسؤولين الفنيين في البرنامج النووي، في ضربةٍ أصابت رأس الهرم العسكري - التقني أكثر مما أصابت البنية المادية وحدها.

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ويبدو في الخلفية «برج ميلاد» أبرز معالم العاصمة الإيرانية يوم 16 يونيو 2025 (رويترز)

بعد ذلك بأيام، انتقلت المواجهة إلى مستوى أعمق مع تنفيذ عملية «مطرقة منتصف الليل» التي شاركت فيها قاذفات شبح وعمليات هجومية في الفضاء السيبراني عطلت جزءاً من منظومات الإنذار والرصد. استُهدفت في هذه العملية مواقع محورية في دورة التخصيب، ومراكز تصنيع وتجميع أجهزة الطرد المركزي، وبعض الوحدات الحساسة في البنية التحتية النووية، ما أجبر إيران على وقفٍ اضطراري لبعض أنشطتها لأسباب تقنية وأمنية. في الخطاب الرسمي، جرى التركيز على الصواريخ التي أصابت أهدافاً داخل إسرائيل وعلى «فرض وقف إطلاق النار»، لكن التقييم الهادئ داخل مؤسسات القرار كان أكثر تحفظاً: البرنامج النووي لم يمحَ من الوجود، لكنه خضع لاختبار قاسٍ كشف أن الردع الإيراني، بصيغته الراهنة، لا يمنع توجيه ضربة مركزة إلى قلب المشروع النووي عندما تتقاطع الظروف السياسية والعسكرية.

هذه الهزة العسكرية سرعت انكشاف خطوط التصدع داخل النخبة الحاكمة. الرئيس مسعود بزشكيان حذر علناً من «خطر حربٍ ثانية على الأراضي الإيرانية»، ملمّحاً إلى أن «الطرف الآخر أثبت استعداده لضرب المنشآت النووية نفسها»، في إشارة غير مباشرة إلى أن تجاهل مسار التفاوض بات يحمل تكلفة أمنية متزايدة. في المقابل، شدد الجناح الأكثر تشدداً على أن أي مراجعة بعد الحرب ستكون «مكافأة للعدو» وتشكيكاً في جدوى «المقاومة» كخيار استراتيجي، رافضاً ربط الخسائر العسكرية بخيار العودة إلى طاولة المفاوضات.

مرشد إيران علي خامنئي يلقى خطاباً سنوياً أمام قادة القوات الجوية في الجيش الإيراني عشية ذكرى الثورة يوم 7 نوفمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

تباينات داخلية

في هذه الأجواء، اختار المرشد علي خامنئي أن يردّ على صدمة الحرب بإعادة ترتيب دوائر الاستشارة لا بتغيير المبدأ. كلف علي لاريجاني، الرئيس السابق للبرلمان وأحد أقرب مستشاريه، برئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، وأجاز إنشاء «مجلس دفاع» جديد تحت مظلته، يضم قادة عسكريين ومسؤولين حكوميين وأمنيين لتقديم تقديرات أكثر تكاملاً حول الحرب والبرنامج النووي ومسار المفاوضات.

ظاهرياً، كان الهدف توسيع قاعدة التشاور بعد تجربة الـ12 يوماً، لكن عملياً عكس القرار مزيجاً من الاعتراف بأن الحسابات السابقة لم تكن كافية، والإصرار في الوقت نفسه على إبقاء القرار النهائي في يد دائرة ضيقة تدير ملفَّي الردع والتفاوض معاً، ضمن حدود لا تتجاوز الإطار الذي رسمته «الضغوط القصوى» من الخارج، وهاجس الحفاظ على تماسك النظام من الداخل.

لم تكن الخلافات بعد الحرب محصورة في تقييم الأداء العسكري، بل امتدت إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل بالملف النووي بعد «مطرقة منتصف الليل»؟ في طهران بدأ يتبلور خط يرى أن أفضل رد على الضربة هو تعميق «الغموض النووي المدار»، لا انسحاب رسمي من معاهدة حظر الانتشار، بل تموضع في منطقة رمادية: مخزون مرتفع من اليورانيوم المخصب، ورقابة منقوصة للوكالة الدولية، وإشارات مبهمة إلى «القدرة» من دون اعتراف بالسعي إلى سلاح. في المقابل، حذر تيار آخر من أن غموضاً بلا مسار تفاوضي واضح قد يتحول من ورقة ردع إلى عامل استدراج لضربات استباقية جديدة، وتطبيع استهداف المنشآت النووية. وبين المنطقين، استقر الموقف العملي على معادلة ضيقة: لا استعداد لتنازلات من نوع «صفر تخصيب» كما يطالب ترمب، ولا قرار بكسر الجسور نهائياً، بل إدارة مؤقتة للأزمة بانتظار تغيّر موازين القوى.

عرض جدول زمني عملياتي لضربة قاذفات أميركية على إيران في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الأميركية يوم 22 يونيو 2025 (أرشيفية- أ.ف.ب)

عودة العقوبات الأممية

وفي خضم هذا السجال، جاءت خطوة الأوروبيين بتفعيل آلية «سناب باك» وإعادة العقوبات الأممية على إيران، بدعوى عدم امتثالها لالتزاماتها النووية. بريطانيا وفرنسا وألمانيا دفعت بالملف إلى مجلس الأمن، فأُعيد إحياء القرارات الستة السابقة. النتيجة أن طهران وجدت نفسها في وضع ملتبس: من الناحية القانونية، عادت القيود الدولية على السلاح والصواريخ وتجميد الأصول. ومن الناحية العملية، واصلت إيران، ومعها بكين وموسكو، التعامل مع المشهد كأن شيئاً لم يتغير. في الخطاب الإيراني الداخلي، صيغت المفارقة بعبارة مكثفة: العقوبات الأممية «موجودة وغير موجودة في آن واحد»، لكنها بالنسبة للمصارف والمستثمرين كانت موجودة بما يكفي لتجميد شهية المغامرة.

في نهاية 2025، بدت حصيلة «العودة الترمبية» ثقيلة على طهران: خمس جولات تفاوض غير مباشر بلا اختراق حقيقي، وحرب الـ12 يوماً التي كشفت ثقوب منظومة الردع، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة، وريال يواصل الهبوط إلى قيعان تاريخية تُترجَم يومياً في الأسواق وأسعار الوقود وسلة الغذاء. في المقابل، لم تغير القيادة الإيرانية ثابتين أساسيين: رفض صريح لفكرة «صفر تخصيب» كما تطالب إدارة ترمب، وامتناع محسوب عن فتح مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وبهذا المعنى، يغدو ما تسميه طهران «صبراً استراتيجياً» أقرب إلى حالة «شلل استراتيجي». بين ضغط خارجي يتصاعد وهامش مناورة داخلي يضيق، تدخل إيران عام 2026 وهي لا قادرة على العودة إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة من موقع قوة، ولا مستعدة للاعتراف بأن تكلفة الاستمرار على المسار الحالي تتزايد سياسياً واقتصادياً وأمنياً. هكذا لم تقرب حرب الـ12 يوماً و«سناب باك» بين الموقفين، بقدر ما كشفت أن كلاً من الطرفين يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه: واشنطن تراهن على أن اقتصاداً منهكاً وعملةً منهارة سيدفعان طهران، في لحظةٍ ما، إلى قبول صفقة قاسية. في حين يراهن جزء من النخبة الإيرانية على أن أي إدارة أميركية لن تتحمل تكلفة حرب شاملة جديدة، وأن الانتظار حتى نهاية ولاية ترمب أقل تكلفة من الخضوع لشروطه. من هنا، تصبح قراءة العام الجديد محاولة لترسيم حدود هذا الشلل، واستشراف السيناريوهات المفتوحة أمام طهران بين حربٍ ثانية، وهدنة مُدارة، وصفقة قسرية تُفرض تحت سقف «الضغوط القصوى».

رجل دين إيراني يمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران يناير الماضي(إ.ب.أ)

ثلاثة مسارات متوقعة

من هذه النقطة، تتفرع أمام إيران في 2026 ثلاثة مسارات رئيسية، ليست متعارضة بالضرورة، بل قابلة للتداخل زمنياً: أولها مسار الانزلاق البطيء نحو مواجهة ثانية، إذا استمرّت عملية إعادة بناء القدرات الصاروخية والنووية تحت الضغط، وتكررت الاحتكاكات في مضيق هرمز تحت عناوين من قبيل رفض تفتيش السفن أو الرد على عقوبات جديدة. في سيناريو من هذا النوع، قد ترى واشنطن وتل أبيب أن «الحسم الآن أقل تكلفة من الانتظار»، فتذهب أي ضربة مقبلة أبعد من المنشآت والقواعد إلى طبقات أعلى في هرم السلطة، في محاولة لاستهداف «مركز القرار» لا أطرافه فقط.

المسار الثاني هو تجدد موجات الاحتجاج والانفلاتِ الاجتماعي - المعيشي، تغذّيه حلقة مفرغة من انهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتآكل الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخياً الخزان الرئيسي لأي إصلاح تدريجي. في هذا السيناريو، تتحوّل «الضغوط القصوى» من أداة ضغط خارجية إلى عامل تفجير داخلي؛ إذ يجد النظام نفسه أمام معادلة شائكة: تشددٌ إضافي في الملفين النووي والصاروخي يعني مزيداً من الانكماش في الحياة اليومية واتساع رقعة السخط، وتراجعٌ مفاجئ أمام شروط ترمب يُقرأ في الشارع على أنه اعترافٌ متأخر بعجز المسار السابق، ما يفتح الباب أمام دورة احتجاج جديدة، أقل قابلية للضبط وأكثر ارتباطاً مباشرةً بسؤال جدوى التكلفة الإقليمية للمشروع الإيراني.

أما المسار الثالث، والأكثر ترجيحاً في المدى القصير، فهو محاولة شراء الوقت عبر «تجميد متبادل» غير مكتوب: تخفيف فعليّ غير معلَن لوتيرة التخصيب العالي، وفتح نوافذ محدودة للتعاون الفني مع الوكالة، وضبط إيقاع «المحور» لتجنب صدمات من حجم حرب الـ12 يوماً، مقابل قبول أميركي بإدارة الوضع على قاعدة الاحتواء لا التسوية، مع إبقاء منظومة العقوبات - الأميركية والأممية - في مكانها. هذا المسار لا يحل شيئاً جذرياً، لكنه يسمح لكل طرف بالادعاء أنه لم يتراجع عن خطوطه الحمراء، في حين يستمر استنزاف إيران اقتصادياً، وتبقى معادلة الردع ناقصة، ويظل احتمال الانفجار قائماً في الخلفية.

في حصيلة العام، يمكن القول إن 2025 كان العام الذي انتقلت فيه سياسات ترمب من خانة التهديد النظري إلى واقعٍ ملموس في الجغرافيا والاقتصاد الإيرانيين: ضربة عسكرية مشتركة قلّصت هامش البرنامج النووي، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة عبر «سناب باك»، وتشديد الخناق على صادرات النفط وشبكات التمويل، ومحاولة إعادة تعريف موقع إيران في الاستراتيجية الأميركية كخصمٍ مقيَّد القدرة أكثر منه قوةً صاعدة. في المقابل، ردت طهران بمزيج من الغموض النووي، وضبط إيقاع «المحور»، والرهان على الزمن. هكذا، تدخل إيران عام 2026 وهي عالقة في معادلة صاغتها مذكرة «الضغوط القصوى»: نظامٌ لا يملك ترف الذهاب إلى حرب شاملة، ولا يملك في الوقت نفسه سهولة الدخول في تسوية بشروط خصمه. التحدي الحقيقي لم يعد كيف تخرج طهران من ظل ترمب، بل ما إذا كانت تمتلك، تحت هذا الخناق المتدرج، القدرة على إنتاج استراتيجية ثالثة تتجاوز خيارَي الانفجار البطيء أو الانتظار السلبي إلى أن يفرض الزمن - لا التفاوض ولا الضربات - شكل النهاية.


النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)

عندما دخلت الحرب الإسرائيلية على غزة شهرها الثاني، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. كان مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية السابق، جوزيب بورّيل، يتناول طعام العشاء في العاصمة البلجيكية مع مجموعة ضيّقة من الصحافيين، وقال: «هذه حرب طويلة قد تنتهي بحصول الفلسطينيين على الدولة، أو تقضي نهائياً على حل الدولتين. لكنها في الحالتين ستكشف ضعف السياسة الخارجية للاتحاد وعجز الدول الأعضاء عن التوافق حول موقف موحَّد من القضايا المصيرية التي تمسّ أمنها بشكل مباشر».

وها هي أوروبا اليوم، بعد عامين على حرب مدمرة رفعها تقرير دولي مستقل إلى مرتبة الإبادة، تقف عاجزة حتى عن فرض الحد الأدنى من العقوبات التجارية التي تطالب بها عدة دول أعضاء وتنادي بأكثر منها الحشود الشعبية التي تخرج كل أسبوع في المدن الأوروبية، احتجاجاً على جمود الحكومات والمؤسسات أمام المجازر والانتهاكات الإسرائيلية.

في الأشهر الأولى من الحرب كان الاصطفاف الأوروبي واضحاً بجانب الموقف الإسرائيلي، خصوصاً من الدول الوازنة، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ومن رئيسة المفوضية، أورسولا فون در لاين، التي كانت تتعرض لانتقادات شديدة بسبب انحيازها السافر إلى جانب إسرائيل، وعدم تجاوبها مع دعوات حكومات إسبانيا وآيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا إلى تعليق اتفاقية الشراكة الموقعة بين الاتحاد والدولة العبرية.

واشتدّت تلك الانتقادات بعد صدور تقرير، وضعته أجهزة الاتحاد، ويؤكد الانتهاكات الإسرائيلية لبنود أساسية في الاتفاقية تتعلق باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. لكن رئيسة المفوضية بقيت على موقفها المماطل، مدعومة من بعض الدول الأعضاء، خصوصاً ألمانيا التي صرحّت غير مرة بأنها ترفض مجرد طرح موضوع العقوبات على إسرائيل، الذريعة التي كانت تلجأ إليها رئيسة المفوضية، رغم انتقادات بعض كبار المسؤولين، هو نظام التصويت المعمول به في اجتماعات المجلس، الذي يقتضي للموافقة على العقوبات أغلبية موصوفة غير متوفرة من غير ألمانيا وإيطاليا والمجر.

لكن بعد صدور التقرير الدولي الذي وضعته مجموعة من الخبراء المستقلين، الذي خلص إلى أن الارتكابات الإسرائيلية في غزة تستوفي شروط توصيفها بالإبادة، وفقاً لأحكام القانون الدولي، وبعد تنامي الاحتجاجات الشعبية في العديد من البلدان الأوروبية، خصوصاً بعد قرار الحكومة الألمانية حظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وجدت رئيسة المفوضية نفسها مضطرة لطرح موضوع العقوبات على إسرائيل، وتعليق بعض بنود اتفاقية الشراكة معها على المجلس.

ويقال إن التغيير الذي طرأ على الموقف الألماني، الذي بدوره دفع فون در لاين إلى تغيير موقفها وقلب المعادلة داخل المجلس، لم يكن غريباً عن التحول في موقف الكنيسة الكاثوليكية الألمانية الوازنة في تحديد مواقف الفاتيكان في القضايا الكبرى.

وكان البابا ليو الرابع عشر أشار، في أول حديث صحافي مطوَّل له كشف عنه، مطلع الشهر الماضي، أن الفاتيكان ليس جاهزاً بعد لاتخاذ موقف رسمي في صدد وصف حرب غزة بالإبادة، ثم أضاف: «يزداد عدد الذين يستخدمون هذا المصطلح، بمن فيهم منظمتان تدافعان عن حقوق الإنسان في إسرائيل نفسها».

لكن بعد طرحها خطة مشتركة لفرض عقوبات على إسرائيل، تتضمن رسوماً جمركية على سلع مستوردة منها كانت حتى الآن معفاة من الرسوم، وإنهاء المعاملة التفضيلية التي تحظى بها الدول العبرية مع شريكها التجاري الأول في العالم، فضلاً عن عقوبات على اثنين من أعضاء الحكومة الإسرائيلية وتجميد أصولهما على الأراضي الأوروبية، ألقت المفوضية الكرة في ملعب الدول الأعضاء الذين سيعود لهم قرار تفعيل هذه العقوبات في المجلس.

ولم يتحدد إلى اليوم موعد مناقشة هذه الخطة في المجلس الأوروبي تمهيداً للموافقة عليها وتفعيلها؛ ما يتركها مجرد حبر على ورق النيات الأوروبية المتأرجحة بين التواطؤ، وعقدة الذنب، والرضوخ للضغوط الإسرائيلية والأميركية التي نادراً ما تخرج دولة أوروبية من شباكها. وعند مشارف انقضاء عامين على مقتلة غزة التي أحدثت تغييراً جذرياً في الخطاب السياسي والشعبي الأوروبي حيال الصراع في الشرق الأوسط، لكن من غير تغيير يُذكر حتى الآن في القرار الرسمي لحكومات الدول الأعضاء، عاد جوزيب بورّيل ليقول في حديث هاتفي من برشلونة: «في غزة، خسر الاتحاد الأوروبي روحه».