الموت يغيب «رائد فن العرائس» التونسي لسعد المحواشي

عقب عرضه «ما يراوش» ضمن فعاليات مهرجان «القاهرة للمسرح التجريبي»

الفنان التونسي لسعد المحواشي... صفحته على «فيسبوك»
الفنان التونسي لسعد المحواشي... صفحته على «فيسبوك»
TT

الموت يغيب «رائد فن العرائس» التونسي لسعد المحواشي

الفنان التونسي لسعد المحواشي... صفحته على «فيسبوك»
الفنان التونسي لسعد المحواشي... صفحته على «فيسبوك»

غيّب الموت رائد فن العرائس التونسي لسعد المحواشي، في مصر، وخيم الحزن على اليوم الأخير من فعاليات مهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» إثر الوفاة المفاجئة للمحواشي (الجمعة) بعد ساعات من عرض مسرحية «ما يراوش» ضمن عروض المهرجان.

ويعد المحواشي أحد مؤسسي «المركز الوطني لفن العرائس» بتونس، ويعمل أستاذاً لتصميم العرائس بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس. وتتنوع أعماله بين مسرح الصغار والكبار، ومن أبرزها «طبيب الضيعة»، و«الكسوة»، و«العرائسي». ونال العديد من الجوائز منها فوز عرضه «لقاء» بالجائزة الأولى لأحسن عمل مسرحي موجه للأطفال ضمن فعاليات «المهرجان العالمي لفن العرائس» في ماليزيا عام 2017.

ونعت اللجنة العليا لمهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» برئاسة الدكتور سامح مهران، الراحل، الذي وصفته في بيان لها بـ«إحدى علامات فن العرائس في تونس والعالم العربي»، بينما تقدمت وزارة الثقافة التونسية في بيان آخر بـ«خالص التعازي إلى كل مبدعي الساحة الثقافية وفنانيها ولكل مؤسسات العمل الثقافي» إثر وفاة الفقيد.

منسق عام المهرجان، الدكتور محمد الشافعي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشكلات الصحية للراحل بدأت في مقر إقامته بالفندق، وتم نقله إلى المستشفى على الفور، حيث أثبتت الفحوصات ارتفاع نسبة السكر لديه، ووجود جلطة على المخ منذ 24 ساعة، وتم إبلاغ السفارة التونسية التي نقلته إلى مستشفى آخر، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة». وأضاف أن «وفاة مبدع ورائد في مجال تصميم العرائس، هو مصاب جلل لصُناع الحركة المسرحية في تونس ومصر والعالم العربي، ومشاعر الحزن والصدمة التي شعر بها الجميع تؤكد عمق الروابط الفنية بين دولنا العربية».

لسعد المحواشي... صفحته على «فيسبوك»

ومسرحية المحواشي الأخيرة «ما يراوش» هي من إنتاج المركز الوطني التونسي لفن العرائس، دراماتورجيا وإخراج محمد منير العرقي، وبطولة هيثم وناسي، وفاطمة الزهراء المرواني، وأسامة الماكني. ويدور العرض في أجواء من الفانتازيا حول مجموعة من فاقدي البصر يتوهون في الغابة، ويطرح العمل أسئلة حول معنى الحياة وفقد البصر.

المخرج المسرحي عبد الله الشحي، مدير مسرح عجمان الوطني بالإمارات، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «المحواشي قدم خدمات كبيرة لمسرح الدمى في تونس والعالم العربي، وتخرجت أجيال في هذا التخصص على يديه».

في حين أوضح الناقد والباحث الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «المحواشي بدأ تجربة فريدة من نوعها منذ الثمانينات من القرن الماضي، تتمثل في تبني ثقافة العرائس والدمى ونشرها على امتداد الوطن العربي وليس تونس فقط»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «الراحل كان يمرر رسائل تتعلق بالوعي وإشاعة البهجة عبر أعماله، سواء تلك التي تخاطب الكبار أو الصغار».


مقالات ذات صلة

أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

يوميات الشرق أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)

أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

تحدث الفنان المصري أحمد أمين عن أسباب تقديمه الجزء الثاني من مسلسل «النص»، خلال موسم دراما رمضان الحالي، بدلاً من تقديم «الصفارة 2».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)

ديناصور يختنق بـ800 حجر في حلقه قبل 120 مليون عام

اكتشف علماء نوعاً غامضاً من الديناصورات عاش قبل نحو 120 مليون سنة، وعُثر في أحفورته على مئات الحصى في حلقه...

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

قبل عقود على تسونامي الموسيقى الكورية الذي اجتاح العالم، ثلاث فتيات جلبن رياحاً كوريّة إلى لاس فيغاس. من هنّ «الشقيقات كيم»؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)

عملة دُفعت أجرةً لحافلة في بريطانيا تحمل أصلاً فينيقياً عمره 2000 عام

عُثر على عملة معدنية غريبة الشكل، كانت تُستخدم لدفع أجرة الحافلة في ليدز في خمسينات القرن الماضي، وتبيَّن أنها تعود إلى حضارة قديمة يتجاوز عمرها 2000 عام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة
TT

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تُغيِّر أدوات القياسات البيولوجية القابلة للارتداء، والتطويرات العلمية الحديثة الأخرى، وتوفر مزيد من البيانات، نظرة الجيش الأميركي إلى الأداء البشري، ولا سيما كيفية تكيُّف الجنود مع مخاطر ارتفاع درجة حرارة أجسامهم.

قرن من الدراسات حول تأثير الحرارة على الجنود

يدرس الجيش الأميركي آثار الحرارة على قواته منذ قرن تقريباً، وتحديداً منذ إنشاء مختبر هارفارد للإجهاد عام 1927، بناءً على طلب الجيش. ومع ذلك، فإن نهج الجنود والقادة تجاه المهام البدنية الأساسية -كالجري الموقوت، والأنشطة الخارجية الشاقة، والتعرض للعوامل البيئية- لا يزال متأخراً عن الكم المتزايد من البحوث العلمية حول مخاطر الحرارة، أحياناً بسنوات أو عقود. وقد يتغير هذا الوضع أخيراً في ظل مبادرات جديدة لتوسيع نطاق البحث في الأداء البشري.

تفاعل الجسم مع البيئة

وصرح المقدم ديفيد ديغروت، مدير مركز الحرارة التابع للجيش، لموقع «ديفنس ون» بأن الأجهزة القابلة للارتداء الجديدة -التي تتعقب مؤشرات مثل معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم- توفر للمدربين العسكريين والجنود نافذة جديدة لفهم كيفية تفاعل أجسامهم مع البيئة.

وتقدم هذه البيانات رؤى قيِّمة قبل ظهور أعراض الإجهاد الحراري. ويُعدُّ التوقيت عاملاً حاسماً: فبحلول الوقت الذي يُصاب فيه الجندي بالإجهاد الحراري أو تظهر عليه الأعراض الأولى لضربة شمس أشدّ خطورة، يكون الوقت قد فات في كثير من الأحيان لمنع حدوث مشكلة صحية قد تُبعده عن التدريب أو ما هو أسوأ.

أدوات لرصد ضربة الشمس

وأضاف ديغروت على هامش «منتدى الحرارة» الذي عُقد في 4 مارس (آذار) في فورت بينينغ، بجورجيا: «لدينا بعض التقنيات القابلة للارتداء، غير الجراحية، والتي لا تزال قيد التطوير، والتي ستتمكن، ليس بالضرورة من منع ضربة الشمس، ولكن من اكتشافها في وقت أبكر بكثير» بما يصل إلى 12 دقيقة، مما يتيح الوقت للحدّ من حدّتها.

مسيرة «الجندية الجيدة»

وعلى عكس ما يتم تداوله من أن تجاهل المشقة هو السمة المميزة لـمسيرة «الجندية الجيدة»، وهي الفكرة التي تعود إلى قرون مضت، يسعى ديغروت إلى تذكير الجنود والمدربين والقادة، بأنه ليس من المنطقي محاولة تحطيم رقم قياسي شخصي خلال كل مسيرة أو جري؛ ففي بعض الأحيان من الأفضل ببساطة الوصول إلى الحد المقبول، وتأجيل تحطيم الرقم القياسي إلى يوم آخر. كما أوضح أن شرب الماء وحده لا يوفر الحماية من الأمراض المرتبطة بالحرارة. في الواقع، أشار إلى أن 80 في المائة من ضحايا ضربة الشمس يتمتعون بترطيب كافٍ للجسم.

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

«مطرقة الليل» في 2025... ترمب ينهي «أنصاف الحلول» في إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين كبار قتلوا في الضربات الإسرائيلية في طهران يوم 28 يونيو الماضي (أرشيفية- أ.ف.ب)

مع عودة دونالد ترمب إلى المكتب البيضاوي مطلع 2025، لم تحتج استراتيجيته المحدثة لـ«الضغوط القصوى» سوى أقل من عام كي تفرض إيقاعها الكامل على إيران. ففي غضون أشهر، انتقلت البلاد من جدلٍ حول إحياء الاتفاق النووي إلى واقع الحرب على أراضيها للمرة الثانية في عمر الجمهورية الإسلامية، بعد نحو أربعة عقود على نهاية حربٍ لا تزال ذاكرتها الجماعية ثقيلة على من عاشها.

في الواقع، كانت سحب الحرب تتراكم فوق سماء طهران قبل أن يبدأ ترمب مسار العودة إلى البيت الأبيض. تلاشت الآمال بإحياء الاتفاق النووي، في حين تسارعت عجلة تخصيب اليورانيوم الإيراني، في مسارٍ انتهى إلى حرب الـ12 يوماً، وانكشاف حدود الردع الإيراني أمام ضربات استباقية إسرائيلية انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً، ثم عودة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك».

مع ذلك، لم يبدأ هذا المسار من واشنطن، بل من طهران نفسها. قبل شهور من الانتخابات الأميركية، راهنت المؤسسة الحاكمة على «استراحة تكتيكية» عبر انتخاب مسعود بزشكيان الذي بدأ مهامه في أغسطس (آب) 2024، كرئيسٍ إصلاحي بخطاب أقل صدامية مع الغرب، يقدم نفسه مديراً لـ«حرب اقتصادية» لا لمغامرة صاروخية. اختار فريقاً للسياسة الخارجية متمرساً بغرف التفاوض، في مقدمته وزير الخارجية عباس عراقجي؛ في إشارة فُسرت غربياً كتهيئة مبكرة لمرحلة مفاوضات جديدة، ومحاولةٍ لخفض التوتر وإعادة تهيئة الملف النووي لاحتمالين متناقضين: إما إدارة ديمقراطية بقيادة كامالا هاريس تسعى لاستكمال إرث أوباما وبايدن، أو عودة ترمب بنسخة أشد من «الضغوط القصوى» لإغلاق ملف إيران بطريقته.

عاد دونالد ترمب رئيساً، بكاريزما مألوفة، إلى المشهد الأميركي في سياق دولي أكثر توتراً، ومع حرب مفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران، الأمر الذي خلط أوراق الرهانات في طهران. فالرجل الذي يحمل في سجله قرار اغتيال قاسم سليماني لم يكن بالنسبة للنخبة الحاكمة وجهاً غامضاً، بل خصم مجرب يعود ومعه سجل كامل من الانسحاب من الاتفاق النووي، وتصعيد العقوبات. لذلك استقر التقدير على أنه لن يغير مقاربته الأساسية، بل سيحاول توسيعها: «ضغوط قصوى» في الاقتصاد والمال، مرفوقة برسالة سياسية واضحة، مفادها أن التراجع الإيراني يجب أن يكون ملموساً في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية معاً. في ظل هذا التصور، بدا أن هامش المناورة المتاح أمام طهران يضيق، حتى قبل أن تبدأ جولات التفاوض غير المباشر.

عودة «الضغوط القصوى»

بعد أقل من أسبوعين على أداء اليمين، وقع ترمب في 4 فبراير (شباط) 2025 مذكرةً رئاسية للأمن القومي أعادت إطلاق سياسة «الضغوط القصوى» بصياغةٍ أكثر حزماً وتفصيلاً. حددت المذكرة ثلاثة محاور رئيسية: حرمان إيران من أي طريق إلى سلاح نووي أو صواريخ عابرة للقارات، وتفكيك شبكاتها ووكلائها المصنفين على قوائم الإرهاب الغربية، وكبح تطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية والقدرات غير المتماثلة.

على المستوى التنفيذي، كُلفت وزارة الخزانة بفرض أقصى ضغط اقتصادي، وتشديد إنفاذ العقوبات، وإصدار إرشادات تحذر قطاعات الشحن والتأمين والمواني من التعامل مع طهران أو وكلائها، في حين أُوكل إلى وزارة الخارجية تعديل أو إلغاء الإعفاءات السابقة، والعمل مع الحلفاء على استكمال إعادة العقوبات الأممية بموجب «سناب باك»، ودفع صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، بالتوازي مع تكليف وزارة العدل بملاحقة الشبكات المالية واللوجيستية والواجهات المرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة.

هكذا تحول شعار ترمب القديم: «لن نسمح لإيران بسلاح نووي»، إلى إطار عملٍ شامل يربط الاقتصاد والأمن الداخلي والجبهة الدبلوماسية في مسار ضغط واحد على طهران.

على الجانب الإيراني، جاء الرد الأول مزيجاً من الإنكار والتحسب. لم يغلق المرشد علي خامنئي باب المفاوضات، لكنه لم يفتحه على مصراعيه أيضاً؛ فسمح بمسار تفاوضي غير مباشر بدأ برسالة من ترمب حملها وسيط خاص، ردت عليها طهران برسالة موجزة. من هذه القناة انطلقت خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين فريق ترمب بقيادة ستيف ويتكوف وفريق عباس عراقجي، بمشاركة وسطاء أوروبيين وإقليميين.

في العلن، تحدث عراقجي عن «استعداد لمحادثات مسؤولة إذا احترمت واشنطن تعهداتها»، وعن إمكانية التوصل إلى «اتفاق متوازن» يعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي. في الكواليس، حاول الفريق الإيراني توسيع هوامش المناورة عبر اللعب على التباينات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، وإثارة حساسيات داخل فريق ترمب نفسه حيال أكثر شخصياته تشدداً، أملاً في أن تُترجَم هذه التناقضات إلى مرونة في شروط الصفقة.

عراقجي وفريقه على هامش الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما يوم 19 أبريل الماضي (رويترز)

خمس جولات تفاوضية

مع ذلك، ظل جوهر التباين ثابتاً في الجولات الخمس جميعاً. أصرت واشنطن على تجريد إيران من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة القريبة من العتبة النووية، وإعادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى دور المراقب الكامل في جميع المواقع الحساسة، وعلى أن يتضمن أي مسار لاحق جدولاً زمنياً واضحاً لبحث مدى الصواريخ الباليستية، ومفاصل أساسية من نشاط إيران الإقليمي.

في المقابل، تمسكت طهران بأولوياتها القديمة: رفع العقوبات النفطية والمالية كشرطٍ مسبق، وضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أميركية من الاتفاق الجديد، واستبعاد ملف الصواريخ من أي نص ملزم، ورفض توصيف علاقاتها مع حلفائها في المنطقة بـ«السلوك المزعزع للاستقرار».

هكذا خرجت كل جولة بخلاصة شبه متكررة: تقدم تقني في هوامش النصوص، وانسداد سياسي في قلبها.

في الخلفية، كانت علاقة إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية تنزلق تدريجياً إلى منطقة أشد توتراً. منذ سنوات، تطالب الوكالة بتفسيراتٍ لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير مصرح عنها، وبإعادة كاميرات المراقبة وأجهزة القياس التي عُطلت أو أزيلت تباعاً بعد انسحاب واشنطن من اتفاق 2015. وبحلول 2025، كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة قد بلغ مستوى يرى خبراء الوكالة أنه «يختصر الزمن التقني للوصول إلى العتبة النووية متى توافرت الإرادة السياسية». من زاوية العواصم الغربية، تحوّل البرنامج إلى مزيج من تقدّم مادي وتعتيم سياسي. ومن زاوية طهران، صار ملف الوكالة امتداداً لحملة «الضغوط القصوى»، لكن بأدوات قانونية وفنية هذه المرة.

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعترض الصواريخ فوق تل أبيب (أ.ب)

حرب الـ12 يوماً

وعلى خط موازٍ، كانت المنطقة كلها تعيش ارتدادات زلزال 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. «طوفان الأقصى» فتحت الباب أمام عامين من حرب ظلٍّ عالية الكثافة بين إسرائيل ووكلاء إيران، من الحدود اللبنانية حتى البحر الأحمر. ومع كل ضربة إسرائيلية لقوافل أو مواقع مرتبطة بـ«الحرس الثوري» في سوريا، كانت معادلة الردع التقليدية تفقد بعضاً من غموضها الذي كان يشكّل جزءاً من قوتها. لكن طهران تمسكت بخيار إدارة المواجهة عبر الوكلاء وتجنب الانخراط المباشر من أراضيها، إلى أن جاءت اللحظة التي قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب: حرب الـ12 يوماً، حين انتقلت النيران للمرة الأولى بهذا الحجم بين إيران وإسرائيل فوق الأرض الإيرانية نفسها، لتصيب في الصميم العقيدة التي رسخها قاسم سليماني بـ«نقل المعركة إلى ما وراء الحدود»، وإبقاء ساحات الوكالة مشتعلة كي لا تصل الحرب إلى الداخل الإيراني.

خلال الأيام الأولى من حرب الـ12 يوماً، نفذت إسرائيل سلسلة ضربات مركزة داخل إيران استهدفت قواعد صاروخية ومراكز قيادة رئيسية، إلى جانب منشآت مرتبطة بسلسلة التخصيب، وبعض مرافق البحث والتطوير. في تلك الجولة الأولى تحديداً، خسر «الحرس الثوري» عدداً من كبار قادته الميدانيين، وسقطت معهم «عقول مدبرة» من الفيزيائيين والمهندسين والمسؤولين الفنيين في البرنامج النووي، في ضربةٍ أصابت رأس الهرم العسكري - التقني أكثر مما أصابت البنية المادية وحدها.

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ويبدو في الخلفية «برج ميلاد» أبرز معالم العاصمة الإيرانية يوم 16 يونيو 2025 (رويترز)

بعد ذلك بأيام، انتقلت المواجهة إلى مستوى أعمق مع تنفيذ عملية «مطرقة منتصف الليل» التي شاركت فيها قاذفات شبح وعمليات هجومية في الفضاء السيبراني عطلت جزءاً من منظومات الإنذار والرصد. استُهدفت في هذه العملية مواقع محورية في دورة التخصيب، ومراكز تصنيع وتجميع أجهزة الطرد المركزي، وبعض الوحدات الحساسة في البنية التحتية النووية، ما أجبر إيران على وقفٍ اضطراري لبعض أنشطتها لأسباب تقنية وأمنية. في الخطاب الرسمي، جرى التركيز على الصواريخ التي أصابت أهدافاً داخل إسرائيل وعلى «فرض وقف إطلاق النار»، لكن التقييم الهادئ داخل مؤسسات القرار كان أكثر تحفظاً: البرنامج النووي لم يمحَ من الوجود، لكنه خضع لاختبار قاسٍ كشف أن الردع الإيراني، بصيغته الراهنة، لا يمنع توجيه ضربة مركزة إلى قلب المشروع النووي عندما تتقاطع الظروف السياسية والعسكرية.

هذه الهزة العسكرية سرعت انكشاف خطوط التصدع داخل النخبة الحاكمة. الرئيس مسعود بزشكيان حذر علناً من «خطر حربٍ ثانية على الأراضي الإيرانية»، ملمّحاً إلى أن «الطرف الآخر أثبت استعداده لضرب المنشآت النووية نفسها»، في إشارة غير مباشرة إلى أن تجاهل مسار التفاوض بات يحمل تكلفة أمنية متزايدة. في المقابل، شدد الجناح الأكثر تشدداً على أن أي مراجعة بعد الحرب ستكون «مكافأة للعدو» وتشكيكاً في جدوى «المقاومة» كخيار استراتيجي، رافضاً ربط الخسائر العسكرية بخيار العودة إلى طاولة المفاوضات.

مرشد إيران علي خامنئي يلقى خطاباً سنوياً أمام قادة القوات الجوية في الجيش الإيراني عشية ذكرى الثورة يوم 7 نوفمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

تباينات داخلية

في هذه الأجواء، اختار المرشد علي خامنئي أن يردّ على صدمة الحرب بإعادة ترتيب دوائر الاستشارة لا بتغيير المبدأ. كلف علي لاريجاني، الرئيس السابق للبرلمان وأحد أقرب مستشاريه، برئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، وأجاز إنشاء «مجلس دفاع» جديد تحت مظلته، يضم قادة عسكريين ومسؤولين حكوميين وأمنيين لتقديم تقديرات أكثر تكاملاً حول الحرب والبرنامج النووي ومسار المفاوضات.

ظاهرياً، كان الهدف توسيع قاعدة التشاور بعد تجربة الـ12 يوماً، لكن عملياً عكس القرار مزيجاً من الاعتراف بأن الحسابات السابقة لم تكن كافية، والإصرار في الوقت نفسه على إبقاء القرار النهائي في يد دائرة ضيقة تدير ملفَّي الردع والتفاوض معاً، ضمن حدود لا تتجاوز الإطار الذي رسمته «الضغوط القصوى» من الخارج، وهاجس الحفاظ على تماسك النظام من الداخل.

لم تكن الخلافات بعد الحرب محصورة في تقييم الأداء العسكري، بل امتدت إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل بالملف النووي بعد «مطرقة منتصف الليل»؟ في طهران بدأ يتبلور خط يرى أن أفضل رد على الضربة هو تعميق «الغموض النووي المدار»، لا انسحاب رسمي من معاهدة حظر الانتشار، بل تموضع في منطقة رمادية: مخزون مرتفع من اليورانيوم المخصب، ورقابة منقوصة للوكالة الدولية، وإشارات مبهمة إلى «القدرة» من دون اعتراف بالسعي إلى سلاح. في المقابل، حذر تيار آخر من أن غموضاً بلا مسار تفاوضي واضح قد يتحول من ورقة ردع إلى عامل استدراج لضربات استباقية جديدة، وتطبيع استهداف المنشآت النووية. وبين المنطقين، استقر الموقف العملي على معادلة ضيقة: لا استعداد لتنازلات من نوع «صفر تخصيب» كما يطالب ترمب، ولا قرار بكسر الجسور نهائياً، بل إدارة مؤقتة للأزمة بانتظار تغيّر موازين القوى.

عرض جدول زمني عملياتي لضربة قاذفات أميركية على إيران في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع الأميركية يوم 22 يونيو 2025 (أرشيفية- أ.ف.ب)

عودة العقوبات الأممية

وفي خضم هذا السجال، جاءت خطوة الأوروبيين بتفعيل آلية «سناب باك» وإعادة العقوبات الأممية على إيران، بدعوى عدم امتثالها لالتزاماتها النووية. بريطانيا وفرنسا وألمانيا دفعت بالملف إلى مجلس الأمن، فأُعيد إحياء القرارات الستة السابقة. النتيجة أن طهران وجدت نفسها في وضع ملتبس: من الناحية القانونية، عادت القيود الدولية على السلاح والصواريخ وتجميد الأصول. ومن الناحية العملية، واصلت إيران، ومعها بكين وموسكو، التعامل مع المشهد كأن شيئاً لم يتغير. في الخطاب الإيراني الداخلي، صيغت المفارقة بعبارة مكثفة: العقوبات الأممية «موجودة وغير موجودة في آن واحد»، لكنها بالنسبة للمصارف والمستثمرين كانت موجودة بما يكفي لتجميد شهية المغامرة.

في نهاية 2025، بدت حصيلة «العودة الترمبية» ثقيلة على طهران: خمس جولات تفاوض غير مباشر بلا اختراق حقيقي، وحرب الـ12 يوماً التي كشفت ثقوب منظومة الردع، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة، وريال يواصل الهبوط إلى قيعان تاريخية تُترجَم يومياً في الأسواق وأسعار الوقود وسلة الغذاء. في المقابل، لم تغير القيادة الإيرانية ثابتين أساسيين: رفض صريح لفكرة «صفر تخصيب» كما تطالب إدارة ترمب، وامتناع محسوب عن فتح مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وبهذا المعنى، يغدو ما تسميه طهران «صبراً استراتيجياً» أقرب إلى حالة «شلل استراتيجي». بين ضغط خارجي يتصاعد وهامش مناورة داخلي يضيق، تدخل إيران عام 2026 وهي لا قادرة على العودة إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة من موقع قوة، ولا مستعدة للاعتراف بأن تكلفة الاستمرار على المسار الحالي تتزايد سياسياً واقتصادياً وأمنياً. هكذا لم تقرب حرب الـ12 يوماً و«سناب باك» بين الموقفين، بقدر ما كشفت أن كلاً من الطرفين يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه: واشنطن تراهن على أن اقتصاداً منهكاً وعملةً منهارة سيدفعان طهران، في لحظةٍ ما، إلى قبول صفقة قاسية. في حين يراهن جزء من النخبة الإيرانية على أن أي إدارة أميركية لن تتحمل تكلفة حرب شاملة جديدة، وأن الانتظار حتى نهاية ولاية ترمب أقل تكلفة من الخضوع لشروطه. من هنا، تصبح قراءة العام الجديد محاولة لترسيم حدود هذا الشلل، واستشراف السيناريوهات المفتوحة أمام طهران بين حربٍ ثانية، وهدنة مُدارة، وصفقة قسرية تُفرض تحت سقف «الضغوط القصوى».

رجل دين إيراني يمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران يناير الماضي(إ.ب.أ)

ثلاثة مسارات متوقعة

من هذه النقطة، تتفرع أمام إيران في 2026 ثلاثة مسارات رئيسية، ليست متعارضة بالضرورة، بل قابلة للتداخل زمنياً: أولها مسار الانزلاق البطيء نحو مواجهة ثانية، إذا استمرّت عملية إعادة بناء القدرات الصاروخية والنووية تحت الضغط، وتكررت الاحتكاكات في مضيق هرمز تحت عناوين من قبيل رفض تفتيش السفن أو الرد على عقوبات جديدة. في سيناريو من هذا النوع، قد ترى واشنطن وتل أبيب أن «الحسم الآن أقل تكلفة من الانتظار»، فتذهب أي ضربة مقبلة أبعد من المنشآت والقواعد إلى طبقات أعلى في هرم السلطة، في محاولة لاستهداف «مركز القرار» لا أطرافه فقط.

المسار الثاني هو تجدد موجات الاحتجاج والانفلاتِ الاجتماعي - المعيشي، تغذّيه حلقة مفرغة من انهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتآكل الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخياً الخزان الرئيسي لأي إصلاح تدريجي. في هذا السيناريو، تتحوّل «الضغوط القصوى» من أداة ضغط خارجية إلى عامل تفجير داخلي؛ إذ يجد النظام نفسه أمام معادلة شائكة: تشددٌ إضافي في الملفين النووي والصاروخي يعني مزيداً من الانكماش في الحياة اليومية واتساع رقعة السخط، وتراجعٌ مفاجئ أمام شروط ترمب يُقرأ في الشارع على أنه اعترافٌ متأخر بعجز المسار السابق، ما يفتح الباب أمام دورة احتجاج جديدة، أقل قابلية للضبط وأكثر ارتباطاً مباشرةً بسؤال جدوى التكلفة الإقليمية للمشروع الإيراني.

أما المسار الثالث، والأكثر ترجيحاً في المدى القصير، فهو محاولة شراء الوقت عبر «تجميد متبادل» غير مكتوب: تخفيف فعليّ غير معلَن لوتيرة التخصيب العالي، وفتح نوافذ محدودة للتعاون الفني مع الوكالة، وضبط إيقاع «المحور» لتجنب صدمات من حجم حرب الـ12 يوماً، مقابل قبول أميركي بإدارة الوضع على قاعدة الاحتواء لا التسوية، مع إبقاء منظومة العقوبات - الأميركية والأممية - في مكانها. هذا المسار لا يحل شيئاً جذرياً، لكنه يسمح لكل طرف بالادعاء أنه لم يتراجع عن خطوطه الحمراء، في حين يستمر استنزاف إيران اقتصادياً، وتبقى معادلة الردع ناقصة، ويظل احتمال الانفجار قائماً في الخلفية.

في حصيلة العام، يمكن القول إن 2025 كان العام الذي انتقلت فيه سياسات ترمب من خانة التهديد النظري إلى واقعٍ ملموس في الجغرافيا والاقتصاد الإيرانيين: ضربة عسكرية مشتركة قلّصت هامش البرنامج النووي، وعودة العقوبات الأممية إلى الواجهة عبر «سناب باك»، وتشديد الخناق على صادرات النفط وشبكات التمويل، ومحاولة إعادة تعريف موقع إيران في الاستراتيجية الأميركية كخصمٍ مقيَّد القدرة أكثر منه قوةً صاعدة. في المقابل، ردت طهران بمزيج من الغموض النووي، وضبط إيقاع «المحور»، والرهان على الزمن. هكذا، تدخل إيران عام 2026 وهي عالقة في معادلة صاغتها مذكرة «الضغوط القصوى»: نظامٌ لا يملك ترف الذهاب إلى حرب شاملة، ولا يملك في الوقت نفسه سهولة الدخول في تسوية بشروط خصمه. التحدي الحقيقي لم يعد كيف تخرج طهران من ظل ترمب، بل ما إذا كانت تمتلك، تحت هذا الخناق المتدرج، القدرة على إنتاج استراتيجية ثالثة تتجاوز خيارَي الانفجار البطيء أو الانتظار السلبي إلى أن يفرض الزمن - لا التفاوض ولا الضربات - شكل النهاية.


النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

النيات الأوروبية في امتحان التواطؤ وعقدة الذنب والرضوخ للضغوط

أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)
أورسولا فون دير لاين خلال إلقائها خطاباً رئيسياً عن حالة «الاتحاد» من «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ - 10 سبتمبر 2025 (أ.ب)

عندما دخلت الحرب الإسرائيلية على غزة شهرها الثاني، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. كان مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية السابق، جوزيب بورّيل، يتناول طعام العشاء في العاصمة البلجيكية مع مجموعة ضيّقة من الصحافيين، وقال: «هذه حرب طويلة قد تنتهي بحصول الفلسطينيين على الدولة، أو تقضي نهائياً على حل الدولتين. لكنها في الحالتين ستكشف ضعف السياسة الخارجية للاتحاد وعجز الدول الأعضاء عن التوافق حول موقف موحَّد من القضايا المصيرية التي تمسّ أمنها بشكل مباشر».

وها هي أوروبا اليوم، بعد عامين على حرب مدمرة رفعها تقرير دولي مستقل إلى مرتبة الإبادة، تقف عاجزة حتى عن فرض الحد الأدنى من العقوبات التجارية التي تطالب بها عدة دول أعضاء وتنادي بأكثر منها الحشود الشعبية التي تخرج كل أسبوع في المدن الأوروبية، احتجاجاً على جمود الحكومات والمؤسسات أمام المجازر والانتهاكات الإسرائيلية.

في الأشهر الأولى من الحرب كان الاصطفاف الأوروبي واضحاً بجانب الموقف الإسرائيلي، خصوصاً من الدول الوازنة، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ومن رئيسة المفوضية، أورسولا فون در لاين، التي كانت تتعرض لانتقادات شديدة بسبب انحيازها السافر إلى جانب إسرائيل، وعدم تجاوبها مع دعوات حكومات إسبانيا وآيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا إلى تعليق اتفاقية الشراكة الموقعة بين الاتحاد والدولة العبرية.

واشتدّت تلك الانتقادات بعد صدور تقرير، وضعته أجهزة الاتحاد، ويؤكد الانتهاكات الإسرائيلية لبنود أساسية في الاتفاقية تتعلق باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. لكن رئيسة المفوضية بقيت على موقفها المماطل، مدعومة من بعض الدول الأعضاء، خصوصاً ألمانيا التي صرحّت غير مرة بأنها ترفض مجرد طرح موضوع العقوبات على إسرائيل، الذريعة التي كانت تلجأ إليها رئيسة المفوضية، رغم انتقادات بعض كبار المسؤولين، هو نظام التصويت المعمول به في اجتماعات المجلس، الذي يقتضي للموافقة على العقوبات أغلبية موصوفة غير متوفرة من غير ألمانيا وإيطاليا والمجر.

لكن بعد صدور التقرير الدولي الذي وضعته مجموعة من الخبراء المستقلين، الذي خلص إلى أن الارتكابات الإسرائيلية في غزة تستوفي شروط توصيفها بالإبادة، وفقاً لأحكام القانون الدولي، وبعد تنامي الاحتجاجات الشعبية في العديد من البلدان الأوروبية، خصوصاً بعد قرار الحكومة الألمانية حظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وجدت رئيسة المفوضية نفسها مضطرة لطرح موضوع العقوبات على إسرائيل، وتعليق بعض بنود اتفاقية الشراكة معها على المجلس.

ويقال إن التغيير الذي طرأ على الموقف الألماني، الذي بدوره دفع فون در لاين إلى تغيير موقفها وقلب المعادلة داخل المجلس، لم يكن غريباً عن التحول في موقف الكنيسة الكاثوليكية الألمانية الوازنة في تحديد مواقف الفاتيكان في القضايا الكبرى.

وكان البابا ليو الرابع عشر أشار، في أول حديث صحافي مطوَّل له كشف عنه، مطلع الشهر الماضي، أن الفاتيكان ليس جاهزاً بعد لاتخاذ موقف رسمي في صدد وصف حرب غزة بالإبادة، ثم أضاف: «يزداد عدد الذين يستخدمون هذا المصطلح، بمن فيهم منظمتان تدافعان عن حقوق الإنسان في إسرائيل نفسها».

لكن بعد طرحها خطة مشتركة لفرض عقوبات على إسرائيل، تتضمن رسوماً جمركية على سلع مستوردة منها كانت حتى الآن معفاة من الرسوم، وإنهاء المعاملة التفضيلية التي تحظى بها الدول العبرية مع شريكها التجاري الأول في العالم، فضلاً عن عقوبات على اثنين من أعضاء الحكومة الإسرائيلية وتجميد أصولهما على الأراضي الأوروبية، ألقت المفوضية الكرة في ملعب الدول الأعضاء الذين سيعود لهم قرار تفعيل هذه العقوبات في المجلس.

ولم يتحدد إلى اليوم موعد مناقشة هذه الخطة في المجلس الأوروبي تمهيداً للموافقة عليها وتفعيلها؛ ما يتركها مجرد حبر على ورق النيات الأوروبية المتأرجحة بين التواطؤ، وعقدة الذنب، والرضوخ للضغوط الإسرائيلية والأميركية التي نادراً ما تخرج دولة أوروبية من شباكها. وعند مشارف انقضاء عامين على مقتلة غزة التي أحدثت تغييراً جذرياً في الخطاب السياسي والشعبي الأوروبي حيال الصراع في الشرق الأوسط، لكن من غير تغيير يُذكر حتى الآن في القرار الرسمي لحكومات الدول الأعضاء، عاد جوزيب بورّيل ليقول في حديث هاتفي من برشلونة: «في غزة، خسر الاتحاد الأوروبي روحه».