البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

بولسونارو الابن يستعد لوراثة والده... ولولا يسابق الزمن لتحفيز مناصريه

الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)
الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)
TT

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)
الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق فلافيو بولسونارو، عضو مجلس الشيوخ ونجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الفوز على منافسه الرئيس الحالي إيغناسيو لولا في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والاشتراعية،rnوبات قاب قوسين من حسم النتيجة النهائية لصالحه في الجولة الثانية قبل نهاية الشهر الحالي. نال بولسونارو، البالغ من العمر 45 عاماً، 47 في المائة من الأصوات، مقابل 45 في المائة لمنافسه لولا الذي تجاوز الثمانين من عمره هذه السنة. rnوكان الزعيم الجديد للمعسكر اليميني المتطرف يتصدَّر النتائج طيلة عملية الفرز في مواجهة لولا الذي يُعدُّ آخر الممثلين الكبار لليسار في أميركا اللاتينية.

فلافيو بولسونارو مع منتخبين من حزبه الليبرالي في تجمُّع حزبي قبل الجولة الثانية من الانتخابات ببرازيليا (رويترز)

نزلت نتيجة الجولة الأولى من هذه الانتخابات كالصاعقة على الأوساط السياسية في البرازيل، وفي أميركا اللاتينية، وأظهرت قدرة اليمين المتطرف على العودة إلى السلطة في أكبر دول المنطقة وقاطرتها الاقتصادية الأولى. وكان لولا الذي يقود حزب «العمال» البرازيلي منذ تأسيسه، قد فاز في الانتخابات السابقة على جايير بولسونارو، والد منافسه، الذي أصبح الآن على أعتاب تأكيد فوزه في الجولة الثانية المقررة في الخامس والعشرين من الشهر الحالي.

في أول تصريح له بعد إعلان النتائج من مقر المحكمة العليا للانتخابات في العاصمة برازيليا، قال بولسونارو: «إن البرازيل تواقة إلى التغيير وإنهاء عصر حزب العمال»، من غير أن يأتي على ذكر والده الذي يقضي عقوبة الإقامة الجبرية في منزله بعد إدانته بتهمة التحريض على الانقلاب والتخطيط لقلب النظام في أعقاب الانتخابات الرئاسية السابقة. وسارع لولا، من جانبه، إلى الظهور أمام أنصاره ليقول: «إن النتائج في الانتخابات قد تكون أحياناً غير متوقعة»، مذكّراً بالمرات السابقة التي مهَّدت تلك النتائج لفوزه 3 مرات بالرئاسة، ومحذّراً من أن «فلافيو بولسونارو يمثّل باباً مفتوحاً على القلق، وسيرته حافلة بالتواطؤ في فضائح الفساد، والتعامل مع الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون».

لكن ما لا شك فيه أن طموح لولا بالفوز بولاية رئاسية رابعة يُتوِّج بها مسيرته السياسية الاستثنائية التي بدأها زعيماً نقابياً تدرَّج من أدنى المستويات ومن غير إعداد أكاديمي يُذكر، قد أُصيب بانتكاسة كبيرة تكاد تقطع الطريق أمام اليسار البرازيلي للفوز في الجولة الثانية، إذ كان هو المرشح الوحيد للأحزاب والقوى اليسارية، وبالتالي بات هامش المناورة أمامه ضيّقاً جداً للحصول على مزيد من التأييد الذي أصبح مقتصراً على قدرته في إقناع الذين امتنعوا عن التصويت للذهاب إلى صناديق الاقتراع أواخر هذا الشهر، لا سيما أن بولسونارو يضمن تأييد المرشحين اليمينيين الذين خرجوا من السباق في الجولة الأولى والذين يمثلون 7 في المائة من الأصوات.

الرئيس لولا خلال تجمع انتخابي في برازيليا... أغسطس الماضي (د.ب.أ)

ويشكِّل هذا الفوز الجزئي على لولا نصراً كبيراً لبولسونارو الابن الذي كانت استطلاعات الرأي تستبعد فوزه بوصفه مرشحاً ضعيفاً لا يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، فضلاً عن أنه يخضع حالياً للتحقيق في عدد من فضائح الفساد المالي المزعوم. وهو أيضاً فوز يرسِّخ صدارة التيار اليميني البرازيلي الذي يقوده والده الموجود تحت الإقامة الجبرية بموجب عقوبة لفترة 27 عاماً؛ بسبب قيادته المحاولة الانقلابية مطلع عام 2022، والذي وعد نجله بالعفو عنه في حال وصوله إلى الرئاسة.

لكن النصر الذي أحرزه اليمين البرازيلي في هذه الجولة الأولى من الانتخابات لم يقتصر على فوز بولسونارو، بل شمل انتصارات في معارك أخرى بالغة الأهمية، مثل فوز المرشح اليميني لمنصب حاكم ولاية ساو باولو، أكبر الولايات البرازيلية وأكثرها ثراء، بفارق 26 نقطة على منافسه اليساري فرناندو حداد المرشح لخلافة لولا في زعامة المعسكر اليساري. وزاد الحزب الليبرالي الذي يتزعمه بولسونارو رصيده في مجلس النواب الذي كانت له فيه أكبر كتلة منذ عام 2022، بحيث بات قادراً على عزل قضاة المحكمة العليا وإصدار عفو عن المعتقلين لإدانتهم بالهجوم الانقلابي على المقر الرئاسي، فضلاً عن فوز زوجة بولسونارو واثنين من أولاده بمقاعد في مجلس الشيوخ الذي أصبحت كتلة الحزب الليبرالي فيه تضاعف كتلة حزب «العمال» 3 مرات.

وكان لولا حذّر مواطنيه عشية الجولة الأولى من أنهم «أمام الاختيار بين تعزيز النظام الديمقراطي من جهة والبربرية من جهة أخرى، والمفاضلة بين التنمية والتخلف»، في حين كان بولسونارو يردد في تصريحاته حتى اللحظة الأخيرة: «إن البرازيل لم تعد تحتمل مزيداً من التخلف».

منذ عودة ترمب إلى الحكم، حقَّق اليمين المتطرف 8 انتصارات في انتخابات

بلدان أميركا اللاتينية، مقابل 8 هزائم لليسار الذي في حال انهزام لولا أواخر

هذا الشهر، لن يتبقّى له سوى المكسيك حصناً أمام الزحف اليميني الجارف

مفترق تاريخي بين نموذجين

تضع هذه الانتخابات البرازيل أمام مفترق تاريخي بين نموذجين متضاربين في كل شيء تقريباً. المعسكر التقدمي يعدّ التصويت لصالح لولا دفاعاً عن الفقراء والمهمشين الذين يشكِّلون الأغلبية الساحقة من المواطنين، وأيضاً عن الحقوق المدنية والحريات العامة. ورغم أن الاعتقاد السائد في هذا المعسكر هو أن لولا لم يعد المرشّح المثالي للمنصب، فإن المؤيدين يرون فيه الوحيد القادر على إلحاق الهزيمة بمرشح اليمين.

وكانت ولاية لولا الثالثة رئيساً للبلاد شهدت بداية مضطربة؛ بسبب المحاولة الانقلابية التي قادها بولسونارو وانتهت بإحباط الهجوم المسلح على المقر الرئاسي. ثم كانت المواجهة مع الإدارة الأميركية عندما فرض الرئيس دونالد ترمب حزمةً من الرسوم الجمركية على الصادرات البرازيلية، ومطالبته لولا بإصدار عفو عن بولسونارو أو عدم إحالته على المحاكمة، إلى أن بدأت العلاقات بين واشنطن وبرازيليا تتجه نحو الاستقرار، لكن دعم ترمب للمعسكر اليميني البرازيلي لم يتوقف.

اليمين البرازيلي، من جهته، بنى استراتيجية حملته الانتخابية على تخويف المواطنين من تحويل البرازيل إلى فنزويلا ثانية في حال فوز لولا، وعلى الوعود بعصر ذهبي للعلاقات مع الولايات المتحدة في حال فوز بولسونارو. ورغم عدم تمتع فلافيو بولسونارو بشعبية والده وقدراته على التعبئة، فضلاً عن خضوعه للتحقيق في قضايا فساد، فإن اليمين هبّ لتبنّي ترشيحه بوصفه الوحيد القادر على منافسة لولا وهزيمته. ومنذ مارس (آذار) الماضي يقضي بولسونارو الأب عقوبة السجن في منزله لأسباب صحية، وهو ممنوع من استخدام الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي. لكنه تمكَّن من فرض نجله مرشحاً للرئاسة عن المعسكر اليميني.

هواجس لولا وجهوده الآن منصبّة على مواطنيه الذين لم يذهبوا إلى الصناديق في يوم الاقتراع بالجولة الأولى، ويزيد عددهم على 33 مليوناً يمثلون 21 في المائة من الناخبين، وكيف بإمكانه أن يقنعهم بالتصويت لصالحه في الجولة الثانية. لكنه يدرك جيداً أنه لن يكون من السهل عليه تغيير صورته في أذهانهم بعد أكثر من 3 عقود في الصف الأول من المشهد السياسي و3 ولايات رئاسية، كانت أولاها في عام 1989. وبالنسبة لغالبية الناخبين الشبّان في البرازيل، يمثّل لولا صورة المؤسسات السياسية التقليدية التي تواجه رفضاً واسعاً في أوساط الرأي العام في أنحاء أميركا اللاتينية كافة. وكما أظهرت نتائج هذه الجولة الأولى، لم تغيّر فضائح الفساد المالي التي تحاصر فلافيو بولسونارو، ولا التسجيلات الصوتية المزعومة التي يتم تداولها على أساس أنها تدينه، من مزاج الناخبين الذين تغاضوا عن هذه الفضائح وانجروا إلى المعسكر الذي حصر المعركة الانتخابية في دائرة الرفض للمرشح المنافس وتأييد خصمه أياً كان هذا الخصم.

فلافيو بولسونارو يطمح لإنهاء حكم اليسار في البرازيل (أ.ف.ب)

أول الذين سارعوا إلى تهنئة فلافيو بولسونارو بفوزه في الجولة الأولى كان الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي تحدَّث عن «نصر تاريخي على المرشح الشيوعي لولا»، تلاه الرئيس الكولومبي المنتخب حديثاً آبيلاردو دي لا إسبيريلا الذي قال: «أتضرّع للخالق كي يرأف بالبرازيل الشقيقة كما فعل مع كولومبيا. التغيير الحقيقي هو الانتصار على اليسار».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من ناحيته، تحدث، الاثنين قبل الماضي، عن نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة البرازيلية التي كان يردد أنه يتابع تطوراتها باهتمام كبير. وقال: «نصر عظيم. أكاد لا أصدّق». لكنه أحجم عن إعلان دعمه صراحة لبولسونارو الذي كان استقبله في البيت الأبيض عشية انطلاق الحملة الانتخابية. وكانت الشرطة الفيدرالية البرازيلية باشرت التحقيق في بعض المؤشرات على تدخل الإدارة الأميركية في الانتخابات في أعقاب رصدها تحركات مشبوهة على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها من القنوات الإلكترونية الأخرى.

ويأتي هذا الفوز المفاجئ لليمين المتطرف في الجولة الأولى من الانتخابات البرازيلية بعد أشهر قليلة من فوز دي لا إسبيريلا في كولومبيا، وكيكو فوجيموري في البيرو، بعد أن كان مرشحو المعسكر اليميني المتطرف قد أحرزوا انتصارات متعاقبة في الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي والأكوادور وهندوراس، وقرروا توثيق التعاون العسكري مع واشنطن التي ما زالت تحكم قبضتها على فنزويلا وتدفع النظام الكوبي نحو الانهيار تحت حصار اقتصادي خانق. ومنذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حقَّق اليمين المتطرف 8 انتصارات في الانتخابات العامة التي شهدتها بلدان أميركا اللاتينية، مقابل 8 هزائم لليسار الذي في حال انهزام لولا أواخر هذا الشهر، لن يتبقَّى له سوى المكسيك حصناً أمام الزحف اليميني الجارف.

جايير بولسونارو وخلفه نجله فلافيو في صورة تعود إلى عام 2022 (أ.ف.ب)

«الدرع الأميركية»... والصين

وكان فلافيو بولسونارو وعد، في حال فوزه برئاسة البرازيل، بالانضمام فوراً إلى «الدرع الأميركية»، أي إلى الحلف الدبلوماسي - العسكري الذي شكَّلته واشنطن مع 14 دولة في أميركا اللاتينية والكاريبي. وفي حال تحقق هذا الوعد يَسقطُ من الجبهة اليسارية المُواجِهة العملاقُ البرازيلي الذي كان يقف إلى جانب النظام المتعدد الأطراف ضد «منطق القوة» الذي يفضِّله دونالد ترمب، وتبقى وحدها المكسيك والأوروغواي جزيرتين تقدميَّتين في شبه القارة الأميركية. وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أوضحت، على لسان ناطق باسمها في أغسطس (آب) الماضي، أن فوز المرشح فلافيو بولسونارو في انتخابات البرازيل من شأنه «أن يقضي إلى الأبد على أي شكوك أو تساؤلات حول سيطرة الولايات المتحدة على النصف الغربي من الكرة الأرضية»، علماً بأن هذا هو أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمنية الجديدة لواشنطن، استناداً إلى النسخة المعدّلة لـ«عقيدة مونرو» التي قوامها منع أي طرف خارجي من التدخل في شؤون القارة الأميركية.لكن هذه الاستراتيجية التي ترمي بشكل أساسي إلى إبعاد شبح النفوذ الصيني في الحديقة الخلفية لواشنطن، قد تحقق مكاسب قصيرة الأمد، لكن يصعب أن تثمر نتائج في الأمد الطويل. فخلال رئاسة جايير بولسونارو، اصطفت البرازيل إلى جانب واشنطن في المواقف السياسية، بينما كانت صادراتها إلى الصين تسجِّل ارتفاعاً مطرداً. وقد أعلن نجل بولسونارو مؤخراً أنه في حال فوزه سيوسِّع دائرة التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، لكن العلاقات مع الصين ستخضع لأقصى درجات البراغماتية، إدراكاً منه أن قطاع الصناعات الزراعية في بلاده بات يعتمد بشكل حيوي على صادراته إلى السوق الصينية. والأرجنتين، من جهتها، ما زالت تواصل تعزيز علاقاتها التجارية مع الصين، في الوقت الذي يفاخر فيه رئيسها خافيير ميلي بتحالفه الوثيق مع الإدارة الأميركية، وبتزعمه الجبهة الأميركية اللاتينية ضد اليسار والشيوعيِّين. يُضاف إلى ذلك أن الحكومة الجديدة في البيرو التي تقودها اليمينية المتطرفة كيكو فوجيموري، لن تكون قادرة على تقليص نفوذ بكين التي تسيطر على مرافق وبنى تحتية حيوية تعتمد عليها البلاد للنهوض من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي تسببت خلال السنوات الـ10 الماضية في أزمات سياسية طاحنة أدّت إلى تعاقب 9 أشخاص على رئاسة الجمهورية، وهدَّدت غير مرة بتقويض النظام الديمقراطي.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية

راغدة بهنام (برلين)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟