مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

من «الجيرة الاستثنائية» إلى حرب الإرادات

مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
TT

مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)
مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)

لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على سلع كندية بنحو 20 مليار دولار أميركي، ثم تعهد أوتاوا برد «دولار مقابل دولار»، نقل العلاقة من مساومة تجارية إلى اختبار للسيادة والتحمل. الأرقام تقول إن كندا هي الطرف الأضعف: فسوقها أصغر، ونحو ثلاثة أرباع صادراتها تتّجه جنوباً، بينما تستطيع الولايات المتحدة توزيع الضرر على اقتصاد أوسع وأكثر تنوعاً. لكن الجغرافيا صنعت بينهما اقتصاداً لا يتوقّف عند الحدود؛ فالسيارة الواحدة قد تعبرها مراراً، والمصافي الأميركية تعتمد على النفط الكندي، وولايات أميركية شمالية تشتري الكهرباء من كندا. لذا؛ حتى ولو كانت أوتاوا ستخسر أكثر، فهذا لا يعني أن واشنطن ستخرج رابحة.

على امتداد عقود، قدّمت الولايات المتحدة وكندا نموذجاً نادراً لتحويل أطول حدود غير محصّنة في العالم إلى مساحة إنتاج مشتركة.

بدأ التحرير المنظّم بـ«اتفاق التجارة الحرة» عام 1989، ثم توسّع مع «نافتا» عام 1994، وأعيد تثبيته في اتفاق آخر بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تفاوضت عليه إدارة دونالد ترمب الأولى.

ومع أن هذه الترتيبات لم تلغ النزاعات المزمنة بشأن الألبان والأخشاب وقواعد المنشأ، فإنها حصرتها داخل مؤسّسات وقواعد يمكن التنبؤ بها. ولكن، في يوليو (تموز) الماضي، رفضت واشنطن تمديد الاتفاقية تلقائياً، لتدخل مسار مراجعة أكثر غموضاً.

ولاية ترمب الثانية

بدأ الانقلاب مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مطلع 2025؛ إذ فرض رسوماً على الصلب والألمنيوم والسيارات ومنتجات أخرى، وردّت كندا برسوم على سيارات وسلع أميركية وبمنع بيع المشروبات الكحولية الأميركية في معظم المقاطعات.

وفي الوقت نفسه، نقلت تهديدات ترمب المتكرّرة بجعل كندا «الولاية الحادية والخمسين» الخلاف من حسابات العجز التجاري إلى سؤال الهوية الوطنية. ولم تعُد مسائل كالمقاطعة الشعبية للسلع والسياحة الأميركيتين، وخطاب «كندا ليست للبيع»، مجرد «أداتي ضغط»، بل صارت تعبيراً عن شعور بأن الشريك الأكبر لا يطلب تنازلات محدّدة، وإنما يريد أن يعيد «إعادة تعريف» العلاقة على أساس التبعية.

بعدها، أضاف اختلاف البلدين بشأن «حرب إيران» طبقة سياسية إلى انعدام الثقة؛ إذ أعلنت الحكومة الكندية في مارس (آذار) أنها لم تُستشر، وبالتالي لم تشارك ولا تعتزم المشاركة في العمليات الهجومية الأميركية - الإسرائيلية، على الرغم من تأييدها منع إيران من امتلاك سلاح نووي والدفاع عن شركاء المنطقة.

صفقة سقطت عند حدود السيادة

في تحقيق مفصل نشرته الـ«نيويورك تايمز»، بدا الاتفاق قريباً مساء الثلاثاء الماضي. فقد عرضت واشنطن خفض رسوم الصلب والألمنيوم والسيارات، وإلغاء رسم على الأخشاب، مقابل تراجع كندا عن إجراءات انتقامية وفتح أكبر لقطاعات الزراعة والطاقة والتجارة الرقمية. لكن التفاصيل أعادت الخلاف، عندما تمسّك وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك برفض منح الشاحنات المتوسطة والثقيلة المعاملة المخفّفة المقترحة للسيارات، في حين عدّت أوتاوا ذلك تهديداً تدريجياً للمصانع التي تنتج شاحنات شركتي «فورد» و«جنرال موتورز» الأميركيتين في ولاية أونتاريو الكندية.

الرواية الكندية تقول إن واشنطن أرادت أيضاً أن تراجع اتفاقات كندا المستقبلية مع دول ثالثة، وأن توائم رسومها على الصلب مع السياسة الأميركية، وأن تتراجع عن برنامج «اشترِ الكندي» وبعض قواعد إبراز المحتويين الكندي والفرنسي على منصات البث. وبالنسبة لإدارة ترمب، كانت هذه «ضمانات» لمنع الصين وغيرها من استخدام كندا «ممراً خلفياً» إلى السوق الأميركية. لكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رأى فيها انتقاصاً من حرية بلاده التجارية والثقافية، ولا سيما أن واشنطن رفضت تقديم ضمان يمنعها من تغيير الرسوم لاحقاً.

طبعاً، تقدّم واشنطن رواية معاكسة جزئياً؛ إذ قال الممثل التجاري جيميسون غرير إن الكنديين عادوا في الساعات الأخيرة للمطالبة بخفض الحد الأدنى لرسوم السيارات من 7 في المائة إلى الصفر، وبمعاملة أفضل للسلع المصنوعة من الصلب والألمنيوم. وفي هذا المعنى، لم تكن الطاولة تضم طرفاً مرناً وآخر متعنّتاً، بل حكومتين رفعتا سقف المطالب وهما تظنان أن الزمن يعمل لمصلحتهما. وعند العاشرة والنصف ليلاً، وبعد اتصال مع دوغ فورد، رئيس حكومة مقاطعة أونتاريو، أمر كارني المفاوضين الكنديين بالعودة إلى أوتاوا.

القوة الأميركية... وهشاشة الحساب الكندي

حساب ترمب واضح... فمن يتحمّل الألم لمدة أقصر يتراجع أولاً. وفي ميزان الاقتصاد الكلّي، يملك الرئيس الأميركي أسباباً قوية لهذا الرهان. فقد بلغ تبادل السلع والخدمات بين البلدين 872.3 مليار دولار عام 2025، وفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، لكن الاعتماد غير متناظر. فالسوق الأميركية تستوعب نحو 70 في المائة من الصادرات الكندية، وترتبط بها مباشرة قرابة 15 في المائة من اقتصاد كندا؛ في حين تمثل كندا شريكاً بالغ الأهمية، لكنها جزء من شبكة شركاء واسعة للاقتصاد الأميركي.

وهنا قدّر تريفور تومب، الاقتصادي في جامعة كالغاري الكندية، أن الرسوم الجديدة وحدها قد تكلف كندا نحو 90 ألف وظيفة على المدى الطويل. وقال جوزف شتاينبرغ، أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة تورونتو، للـ«نيويورك تايمز» إن رسماً يبلغ 50 في المائة قد يوقف صادرات بعض الشركات الكندية كلياً ويؤدي إلى إغلاق بعضها. وتتجمّع الصدمة، خصوصاً في الأخشاب والآلات والإلكترونيات والأثاث والبلاستيك، إضافة إلى صناعة السيارات التي تبيع أكثر من 90 في المائة من إنتاجها إلى الأميركيين.

هنا يظهر الجانب الذي يمكن وصفه بسوء تقدير كندي، إذا طال أمد المواجهة. إذ لا تستطيع اتفاقات حديثة مع كوريا الجنوبية والصين وألمانيا والهند أن تعوّض سريعاً سوقاً ضخمة ملاصقة بُنيت المصانع والطرق وخطوط الأنابيب لخدمتها. ثم إن الرسوم الانتقامية ترفع الأسعار على المستهلك الكندي نفسه. ويقدّر شتاينبرغ أن أثر الرسم، أيّاً كان اتجاهه، سيكون أكبر بنحو عشرة أضعاف على الاقتصاد الكندي بسبب فارق الحجم والاعتماد. وبالتالي، «وطنية» الرأي العام تمنح كارني وقتاً، لكنها لا تلغي الحساب الصناعي.

أميركا لا تحتاج إلى كندا... إلا حيث تحتاج إليها

مع هذا، تختزل عبارة ترمب «نحن لا نحتاج كندا، بل هم يحتاجون إلينا» ميزان القوة، لكنها لا تصف سلاسل الإنتاج. فقد أظهرت الـ«وول ستريت جورنال» أن شركة «ستيلانتيس» (مالكة كرايسلر) تجمع طراز «باسيفيكا» في مدينة وندسور الكندية الحدودية، وأن «جنرال موتورز» تنتج شاحنات في أوشاوا، و«فورد» تتأهّب لإنتاج شاحنات في أوكفيل. وبجانب أن «فورد» و«جنرال موتورز» تصنعان محركات كندية لشاحنات وسيارات رياضية تُباع في الولايات المتحدة، تمثل السيارات المُنتجة في كندا نحو 6 في المائة من المبيعات الأميركية، لكن القطع تعبر الحدود مرّات عدة؛ ما يجعل الرسم يتراكم داخل المنتج نفسه.

لذا؛ حذّر وارن براون، المسؤول السابق في «جنرال موتورز»، من أن رفع الرسم إلى 50 في المائة سيخفّض المبيعات ويرفع أسعار الملصقات والشحن، وأن البلدين سيواجهان إذ ذاك «مشقّة جدية». وحتى رئيس نقابة عمال السيارات الأميركية شون فين، المؤيد للرسوم الانتقائية لحماية الوظائف، عدّ التصعيد ضد بلد يتمتع بأجور ومعايير عمل ونقابات قوية توجيهاً خاطئاً للسلاح التجاري.

لكن، الاعتماد يزداد وضوحاً في قطاع الطاقة، حيث تفيد إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن قيمة واردات الولايات المتحدة من الطاقة الكندية بلغت 111 مليار دولار في 2025، وأن كندا تمدّ مصافي الغرب الأوسط بالنفط الثقيل الذي صُممت لمعالجته، فضلاً عن الغاز والكهرباء. كذلك تعتمد الزراعة الأميركية على البوتاس الكندي، وتعتبر كندا السوق الأولى لصادرات 32 ولاية أميركية. ومعنى هذا أن واشنطن ولو كانت أقدر على احتمال الضربة الإجمالية، سيكون الأذى حاداً في مصانع ومدن وقطاعات محدّدة.

«معركة تحمّل»... وصندوق اقتراع

إذن، لدى كارني أفضلية سياسية قصيرة الأجل. وفعلاً تظهر استطلاعات نقلتها «بوليتيكو» و«أكسيوس» غالبية كندية مؤيدة للتشدّد، وارتفعت شعبيته إلى 60 في المائة قبيل انهيار المفاوضات. وأيضاً وقف رؤساء المقاطعات من أحزاب مختلفة خلفه، وإن أخذ دوغ فورد المواجهة إلى مستوى شخصي بإهاناته ترمب وتهديداته المرتبطة بالكهرباء.

هذه الوحدة تجعل التراجع الفوري أشبه بخضوع، لكنها قد تتآكل إذا ارتفع معدل البطالة، البالغ أصلاً 6.4 في المائة، أو عجزت برامج الدعم عن إنقاذ الشركات الصغيرة.

في المقابل، يواجه ترمب اختباراً بعد أسابيع لا سنوات. ووجد استطلاع «نيويورك تايمز/ سيينا» في يونيو (حزيران) أن 54 في المائة من الناخبين المرجّحين في الولايات المتأرجحة يعارضون الرسوم، وبلغت النسبة 59 في المائة في ولاية ماين الحدودية. ومن ماين، حذرت سيناتورتها الجمهورية سوزان كولينز من أن الرسوم «خطأ يرفع تكلفة العائلات»، في حين وصف السيناتور الجمهوري توم تيليس سياسة «يوم التحرير» بأنها فشلت. بل، في ميشيغان وأوهايو وماين وأيوا، يستطيع الديمقراطيون ربط أسعار السيارات والطاقة والزراعة مباشرة بقرار البيت الأبيض.

هذا يفسّر الرهان الكندي على الصمود حتى انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، كما قال محللون لـ«أكسيوس» و«بوليتيكو»، ويفسر أيضاً إرجاء ترمب تنفيذ مضاعفة رسوم السيارات والصلب إلى الأول من يناير (كانون الثاني).

التهديد شديد، لكن المهلة تترك باب التسوية مفتوحاً وتؤجل قسماً من الألم إلى ما بعد الاقتراع. والرد الكندي المقرّر في 8 سبتمبر (أيلول) صُمّم بدوره ليستهدف الصلب والألبان والمعدّات الزراعية والإلكترونيات وغيرها، أي قطاعات قادرة على إيصال الشكوى إلى الكونغرس. وستشمل الإجراءات أكثر من 700 منتج أميركي، بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، أي نحو 20 ملياراً أميركياً.

كندا تبحث عن بدائل

الزعيم الكندي كارني يحاول تحويل المواجهة «مشروعاً» أوسع. فقد دعا في خطابه أمام «منتدى دافوس» في يناير الماضي، إلى «تحالف ديمقراطيات مؤيدة للتجارة الحرة» والعمل معاً لمواجهة ما سماه «الإكراه الاقتصادي الذي تمارسه القوى الكبرى». وهو سيتوجه في سبتمبر إلى ستراسبورغ لحضور خطاب حالة الاتحاد الأوروبي، قبل القمة الكندية - الأوروبية في أكتوبر (تشرين الأول). لكن «بوليتيكو» لاحظت أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا واليابان تجنّبت حتى الآن الانضمام إلى جبهة مضادة لواشنطن. فهي تتعاطف مع أوتاوا، لكنها تحتاج بدورها إلى السوق والحماية الأميركيتين، في حين آليات الرد الجماعي على الإكراه الاقتصادي لا تزال جنينية.

هنا تكمن خلاصة الأزمة. فربما أخطأت كندا إذا افترضت أن التضامن الشعبي والشراكات الجديدة يستطيعان سريعاً موازنة الجغرافيا والحجم الأميركيين. وربما أخطأت إدارة ترمب أكثر إذا تصوّرت أن التفوّق الاقتصادي يحوّل الإذعان نتيجةً تلقائية، أو أن تفكيك شبكة إنتاج قارية يمكن أن يحدث من دون رفع أسعار الأميركيين والإضرار بحلفائهم الصناعيين.

فالمواجهة ليست بين اقتصادين متساويين، لكنها أيضاً ليست مباراة يكسبها الأكبر بمجرد مضاعفة الرسم.

إنها معركة بين قدرة كندا على تحمّل خسارة اقتصادية مركزة، وقدرة ترمب على تحمل ارتدادها السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي. ولهذا؛ قد يكون المخرج الوحيد اتفاقاً مختلفاً بما يكفي كي لا يبدو أي من الطرفين أنه «وقّع تحت الإكراه».

اختلال القوة يرجّح كفة واشنطن... لكن تشابك السيارات والطاقة والانتخابات يحرم ترمب نصراً بلا تكلفة

مصافحة ودية بين ترمب وكارني ... قبل تفجر الخلاف الأخير (مصدر الصورة: البيت الأبيض)

أميركا وكندا... تجارة بين بلدين لا تفصلها الحدود

> تفيد الأرقام بأن العلاقة الأميركية - الكندية ليست تبادلاً تقليدياً بين بائع ومشترٍ، بل منظومة إنتاج وطاقة واستثمار مشتركة. ووفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات 872.3 مليار دولار عام 2025؛ إذ صدّرت الولايات المتحدة إلى كندا سلعاً بقيمة 333.6 مليار دولار واستوردت منها 381.9 مليار، أي بعجز سلعي مقداره 48.3 مليار، لا 60 ملياراً كما قال ترمب. لكن واشنطن حققت فائضاً في الخدمات بلغ 27.7 مليار دولار؛ ما يخفّض الاختلال الإجمالي ويبيّن أن العجز السلعي وحده لا يقدّم الصورة كاملة. السيارات هي المثال الأوضح على التكامل؛ إذ تنتقل المحركات والصلب والألمنيوم وقطع الغيار عبر الحدود مرات عدة قبل اكتمال المركبة. وأنتجت كندا 8 في المائة من سيارات أميركا الشمالية في 2025، وهي أكبر سوق خارجية للشاحنات الأميركية الكبيرة، في حين تعتمد مصانع «ديترويت» على تجميع ومحرّكات وقطع مصنوعة في أونتاريو. وفي قطاع الطاقة، بلغت قيمة التجارة الثنائية 137 مليار دولار عام 2025؛ منها 111 ملياراً واردات أميركية من كندا و26 ملياراً صادرات في الاتجاه المعاكس، حسب إدارة معلومات الطاقة. وتشمل الروابط النفط الخام والمنتجات المكرّرة والغاز الطبيعي وشبكات كهرباء عابرة للحدود؛ وجاء 67 في المائة من قيمة تجارة الكهرباء الثنائية من صادرات كندية إلى الولايات المتحدة. كندا هي أيضاً السوق الأولى لصادرات 32 ولاية، والأولى أو الثانية لـ44 ولاية، وفق وزارة التجارة الأميركية. وفي المقابل، يتجه نحو ثلاثة أرباع الصادرات الكندية إلى السوق الأميركية، ويدخل نحو 70 في المائة منها في سلاسل توريد أميركية. وتشمل أبرز المبادلات الآلات والسيارات وقطعها، والوقود والمعادن، والإلكترونيات والبلاستيك والمنتجات الزراعية والورقية. لذلك؛ لا تعني إعادة التوطين نقل مصنع واحد، بل إعادة رسم شبكة قارية استغرق بناؤها أكثر من ثلاثة عقود. وبمتوسط حسابي، تعبر الحدود تجارة تناهز 2.4 مليار دولار يومياً. ولا يقتصر الاعتماد على السلع، فقد حققت الولايات المتحدة صادرات خدمية إلى كندا بقيمة 92.3 مليار دولار في 2025، تشمل التمويل والتكنولوجيا والسفر وخدمات الأعمال، في حين توظف الاستثمارات المتبادلة عمالاً على جانبي الحدود. وهذا ما يحوّل أي رسم تكلفةً داخلية أيضاً.


مقالات ذات صلة

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟

حصاد الأسبوع 
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في

راغدة بهنام ( برلين)
حصاد الأسبوع الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع 
مسيّرة بيرقدار التركية واحدة من المسيّرات التي تُستخدم في القتال الجاري في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

السودان: الحرب قد تأتي من السماء

لا يحتاج سكان مدينة الأبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في السودان، إلى رؤية المقاتلين في الشوارع ليعرفوا أن الحرب اقتربت. يكفيهم سماع صوت في السماء، يعقبه إطلاق

أحمد يونس (كمبالا)
حصاد الأسبوع دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي

صبحي أمهز (بيروت)

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف من التعامل معه بصوت مرتفع. وفي غضون «الأيام المائة» التي أكملتها الحكومة أخيراً، تضمّن برنامجها المتضمّن أهم فقرتين وضعهما رئيس الوزراء ضمن أولى أولوياته، وهما: حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد. والواقع أن هذا الوضع بات يهدد كيان الدولة نفسه مع وضعها على حافة الإفلاس. من جهة ثانية، في حين يبدو ملف مكافحة الفساد شأناً داخلياً فإن ملف حصر السلاح، بقدر ما هو شأن داخلي يتمثل في العلاقة المتشنجة بين الحكومة وقوى السلاح المنفلت، فله بُعدان؛ أولهما إقليمي يتعلق بطبيعة العلاقة بين العراق وإيران. وثانيهما دولي يتمثل في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وبالطبع يبقى هناك قاسم مشترك بين ملف السلاح وطبيعة العلاقة المركّبة العراقية - الأميركية - الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

يبدو علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، في وضع مريح على صعيد إيفائه بوعده في البدء بتطبيق فقرتي محاربة الفساد وحصر السلاح من برنامجه الحكومي، إلا أنه بعد تجاوز حكومته فترة «الـ100 يوم» لا يزال يعاني من حصار المواعيد السياسية. والقضية الرئيسة هنا أن الحكومة لا تزال ناقصة 9 حقائب وزارية تدار حالياً بالوكالة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية على حصصها من هذه الوزارات.

ومع أن الزيدي لا يبدو مسؤولاً عن إكمال «الكابينة» (التشكيلة) الحكومية التي تحتاج إلى توافق سياسي بين القوى التي فازت بالانتخابات، وحازت على مقاعد برلمانية تؤهلها للحصول على حقائب، تكمن الإشكالية في أن تأخر إكمال «الكابينة» يبقي الحكومة على الحافة؛ إذ إن استقالة أي وزيرين منها، تحت أي ظرف، يفقدها شرعية البقاء، ويبقي رئيس الوزراء محاصراً من القوى السياسية التي يرفض بعضها إكمال الحقائب المتبقية لكي يبقى الزيدي رهينة لضغطه.

من ثم تتبقى القضيتان المتصلتان بفقرتي الفساد والسلاح.

محاربة الفساد

إجراءات محاربة الفساد بدأت منذ أربعة شهور عبر ما سُمي بـ«صولة الفجر» التي اعتقل خلالها عددٌ كبير من النواب والمسؤولين الكبار، كما فرّ وزراء ونواب ومسؤولون كبار آخرون. إلا أنه مع تأخر فتح ملف الموقوفين حالياً، أو إحالتهم إلى المحاكم، فإن بقاءهم خلف القضبان من دون محاكمة بات يُشعر بعض الناس بأن ثمة «مشروع» تسوية مالية معهم.

والواقع، يتزامن مع هذا الحال، مع بدء إجراءات حكومية على صعيد إلقاء القبض على مسؤولين بدرجات متدنّية وإحالتهم إلى القضاء. وهو يعطي انطباعاً بأن حملة محاربة الفساد تحوّلت من محاربة الفساد كـ«منظومة متكاملة»، إلى محاربة الرّشى التي هي أحد أوجه الفساد لا أكثر.

حصر السلاح

أما مسألة حصر السلاح بيد الدولة فقد تحوّلت إلى ملف شائك بعدما تمكّنت إيران ومَن معها من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من احتواء الأمر عبر تمديد مهلة التعامل مع ملف السلاح، بدلاً من حصره نهائياً بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الحالي إلى ما بعد هذا التاريخ.

العصا والعجلة

وسط هذه الوقائع، تسعى الأطراف السياسية إلى وضع مزيد من العِصّي في عجلة رئيس الوزراء الباحث عن إنجاز يحقّقه وسط دعم شعبي قوي من عدد كبير من القوى السياسية والجماهيرية. وبين أبرز الخطوات الهادفة إلى احتواء خطوات الزيدي، محاولات إيجاد ذرائع لتعطيل حملة محاربة الفساد، بحيث تقتصر على الحلقات الوسطى في الدولة.

ومن جهة أخرى، فإن الدخول الإيراني القويّ على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وجعله ملفاً إقليمياً مرتبطاً بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أدى إلى تمديد المهلة المقرّرة لحصر السلاح. وهذه محاولة يراد منها إفراغ خطوات الزيدي من محتواها الحقيقي. وللتذكير، كانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن موعد حصر السلاح بيد الدولة سيكون يوم 30 سبتمبر (الحالي)، وهو الموعد المقرر لانسحاب التحالف الدولي. لكن إيران دخلت على خط الموقف من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأبرزها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«حركة أنصار الله الأوفياء»، التي سبق لها أن أعلنت أن «لديها ارتباطاً عقائدياً» مع إيران. وبالتالي، فإن سلاحها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول، كونه سلاح «مقاومة»، وفق السردية التي تعتمدها في خطابها السياسي.

نوري المالكي (آ ف ب)

زيارات سريّة ومعلنة

هذا الدخول الإيراني لصالح هذه الفصائل، وتجاهل موعد 30 سبتمبر، تجسّد أولاً في زيارة سرّية – كما هي العادة - لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، تلتها بعد أقل من أسبوع زيارة مُعلنة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف امتدت لأيام. ثم تبعتها زيارة سرّية أخرى لممثل المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي جرى خلالها «تحديد طبيعة العلاقة» بين العراق وإيران، عبر الضغط على قوى «الإطار التنسيقي» لتبني سياسة أخرى، تختلف عن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء الزيدي للتخلص من النفوذ الأجنبي في العراق.

زيارة قاليباف، وفق مصادر عراقية مطلعة، لم تحقق كل أهدافها، وبالأخص، لجهة «تليين موقف الزيدي من مسألة حصر السلاح بيد الدولة». وطبقاً لما كُشف عنه من كواليس اللقاءات والاجتماعات التي عقدها قاليباف، سواءً مع رئيس الوزراء العراقي أو مع قيادات «الإطار التنسيقي»، بحضور الزيدي، فإن الأخير بقي متمسكاً بموعد 30 سبتمبر بسبب؛ كونه ملتزماً مع الجانب الأميركي بهذا الشأن.

بحسب التقديرات المتداولة، فإن الزيدي خلال لقاءات خاصة جمعته مع نواب ومسؤولين، ليس في وارد أي تنازل عن تلك المهلة. بل بالعكس، يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد مما تتصوّره القوى السياسية التي تضغط عليه من أجل المهادنة. ثم إنه ليس في وارد تقديم استقالته، على نقيض ما تتمناه بعض القوى المتورطة في الفساد بأمل «خلط الأوراق» من جديد. بل يرجّح المراقبون أن يلجأ رئيس الوزراء إلى الشعب في خطاب صريح، آملاً أن يضعف موقف هذه القوى، وخصوصاًـ إذا دخل على خط دعمه مقتدى الصدر، زعيم «التيار الوطني الشيعي» أكبر كتلة شيعية في البلاد.

الزيدي ليس في وارد أي تنازل عن المهلة الزمنية لحصر السلاح... ولا يفكّر بتقديم استقالته

عالي المقام

إيران، من جهتها، كثّفت ضغوطها على «الإطار التنسيقي»، وعلى الزيدي معاً، وبالأخص، بعد إعادة ترتيب «الإطار التنسيقي» بإضافة عضو جديد لقيادته هو شبل الزيدي، زعيم فصيل «الإمام علي» ورئيس كتلة «خدمات» في البرلمان العراقي، وذلك في أعقاب هروب أحمد الأسدي وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق والقيادي في «الإطار» إثر اتهامه بملفات فساد، واستقالة أبو الولاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء».

وفي هذا السياق، دخل المرشد مجتبى خامنئي، شخصياً، على الخط، حين أرسل ممثله الخاص، محسن قمّي، بهدف احتواء التداعيات الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء العراقي. وفي الوقت عينه، حث مبعوث خامنئي قوى «الإطار التنسيقي» على تحاشي وقوع أي صدام بين قوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة مع نهاية المهلة المقررة.

إيران لا تريد ذرائع للتصادم

الهدف الذي ترمي إليه إيران من خلال اتباع هذه السياسة الجديدة هو عدم منح الحكومة أي ذريعة للتصادم مع الفصائل، وذلك بتشكيل لجان، وبدء مباحثات، ووضع آليات لغرض تسليم السلاح، وتحديد أي سلاح، وما هو المقابل.

هذا يعني التلاعب بالمهلة، ولكن بما لا يؤدي إلى إغضاب الحكومة المرتبطة بتفاهم مع واشنطن، ولا أن يؤدي إلى استفزاز واشنطن التي لا أحد يعرف حدود رد فعلها في حال لم تفِ الحكومة العراقية بمهلة حصر السلاح.

... مخاوف عند «الإطار التنسيقي»

في هذا السياق، يقول الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الإطار التنسيقي) يشعر بالمخاطر المترتبة على حصر السلاح، كما يعرف مدى جدية واشنطن في هذا الملف، الأمر الذي جعلها تحاول قدر الإمكان البحث عن منفذ أو طريقة ما للامتناع عن تطبيق حصر السلاح مائة في المائة، لكن في الوقت نفسه يحقق الرضا الأميركي عن العراق».

وأضاف الدعمي أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعرف جيداً أيضاً أن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد يصبّان في النهاية في مصلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، بينما لا يريد (الإطار التنسيقي) لأي رئيس وزراء أن يحقق نجاحاً كبيراً. وبالتالي مسموح له أن يحقق نجاحاً محدوداً؛ لكيلا يتفرعن عليهم... بل يظل تحت سيطرتهم».

ثم أوضح أن «(الإطار)، في هذه الحالة، وبقدر ما يريد تجنب تأجيج الوضع مع أميركا فهو في الوقت نفسه لا يريد لرئيس الوزراء أن يبدو بطلاً شعبياً أمام الناس»، مؤكداً أن «هذا السلوك الذي تنتهجه القوى الشيعية ليس مقتصراً على معاملة الزيدي فقط، بل هو سياسة ثابتة اتبعتها مع كل رؤساء الوزراء السابقين، مع أن الفرصة الآن تختلف... حيث الكفة تميل الآن لصالح الزيدي كونه يحظى بدعم شعبي كبير يصعب مقاومته، ومع هذا تجري محاولات للالتفاف عليه».

لا لإسقاط الحكومة

من جانبه، حذّر نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى، من محاولات لإشعال «حرائق» في المشهد السياسي وإرباك الواقع العراقي.

وأكد المالكي، في تصريحات صحافية، دعم «الإطار التنسيقي» لاستمرار الحكومة ورفض تغييرها أو إسقاطها. وقال طبقاً لبيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن العراق «يمرّ بمرحلة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية»، مشيراً إلى وجود محاولات لإرباك المشهد السياسي، في وقت يواصل فيه «الإطار التنسيقي» دعمه للحكومة حرصاً على استقرار البلاد ومصالحها العليا.

ثم شدد رئيس الحكومة الأسبق على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، «بعيداً عن التصعيد أو المواجهة»، محذراً من «تحوّل هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه. وأن من يتصوّر أن أي صراع محتمل سيكون «شيعياً - شيعياً» فهو واهم؛ لأن تداعياته ستطال الدولة والمجتمع وجميع المكونات.

وتابع أن الحكومة و«الإطار التنسيقي» لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى اقتتال داخلي، داعياً إلى «بلورة رؤية وطنية وإقليمية واضحة تحول دون تعرض العراق للمخاطر، وتمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الصراعات أو تنازع المصالح الإقليمية والدولية، بما يحفظ أمنه وسيادته واستقراره».

«مجلس قيادة» شيعي

في هذه الأثناء، في سياق الترتيبات الجديدة التي «هندستها» إيران، فإن همام حمودي القيادي البارز في «الإطار التنسيقي» وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» - الذي جعلته إيران صلة الوصل بينها وبين باقي قيادات «الإطار» - أعلن عن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي لتفادي اندلاع حرب شيعية - شيعية.

حمودي حذر مما أسماه مسعى لإشعال حرب «شيعية - شيعية»، بالقول إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها - بحسب وصفه - في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وأضاف حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، إن «وجود المرجعية العليا والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة (بحسب وصفه) - ستحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية... ولن يفلحوا».


هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
TT

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في شعبية العائلة المالكة متأثرة بعدد من الفضائح، مع أن هذه الشعبية على يبدو تعافت أخيراً. فلقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البثّ العام «إن آر كا» بعد وفاة الملك هارالد، قبل أسبوع، أن شعبية العائلة المالكة وصلت إلى 72 في المائة في ارتفاع عن مايو (أيار) الماضي، عندما انخفض التأييد للعائلة إلى أدنى مستوياته، فبلغ 54 في المائة فقط! وطوال فترة حكمه التي امتدت 35 سنة، حظي الملك هارالد الراحل بشعبية عالية بين النرويجيين، وكان ينظر إليه على أنه «جدّ الأمة»، كما وصفه معلقون في النرويج. ومع أن الملك في النرويج لا سلطات فعلية له، فقد نجح بتوحيد البلاد، وكان دائماً يجد الكلام المناسب، حتى في أصعب الأوقات. أكثر من هذا، لم يتنازل هارالد عن العرش رغم أنه عانى في السنوات العشر الأخيرة من عدد من الأمراض المتتالية أثّرت بشكل كبير على صحته. وفي السنوات الأخيرة، هزّت العائلة المالكة عدة فضائح مرتبطة بزوجة ابنه هاكون، الملك الجديد، وابنته الأميرة مارتا لويز، التي تكبر هاكون سناً، لكنها لم ترث والدها على العرش بسبب قوانين قديمة، ما كانت تسمح إلا بتولي الذكور العرش. إلا أنه جرى تغيير القوانين تلك عام 1990 للسماح بالابن أو الابنة الكبرى بأن تصبح ولي العهد، ولكن بقي القانون القديم مطبقاً على أبناء هارالد. وبعد وفاة والده، تولّى هاكون العرش في مراسم متواضعة ألقى خلالها القسم، من دون حفل تتويج بعد إلغائه في النرويج قبل عقد من الزمن.

كان لافتاً غياب زوجة الملك هاكون («هوكون» كما يلفظ الاسم محلياً) عن حفل أدائه القسم غداة وفاة والده. عوضاً عن ميته ماريت، كانت ابنته إنغريد ألكسندرا حاضرة إلى جانبه، وأدّت القسم لتصبح وريثته على العرش.

العائلة الملكية برّرت غياب ميته ماريت بأنها تعاني من مضاعفات بعد إجراء عملية زرع رئة في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي. وبالفعل، شوهدت الملكة الجديدة تصل إلى مستشفى أوسلو برفقة زوجها الملك، بعيد حفل أدائه القسم، في سيارة «رينج روفر»، قادها هو بنفسه... ومكث معها قرابة الساعة ليغادر ويعود بعد وقت قليل ليأخذها معه.

فضائح «ميته ميريت»

بيد أن غياب الأميرة قد يكون أيضاً مناسباً للعائلة المالكة لإبعاد الأضواء عنها بسبب الفضائح الكثيرة المرتبطة بها منذ سنوات، التي تسببت بدعوات لتجريدها من ألقابها الملكية لأنها «غير جديرة بها». فمنذ سنوات، واسم ميته ماريت بات مرتبطاً بالمليونير الأميركي جيفري إبستين الذي وجد ميتاً في السجن بعد توقيفه بتهم تتعلق الاتجار بالقاصرين لأغراض جنسية من بين تهم أخرى. ولقد كشفت صحف نرويجية منذ عام 2019 عن علاقة صداقة تجمع بين ميته ماريت وإبستين.

وعلى الرغم من أن الملكة أعلنت مراراً أنها قطعت علاقتها به عام 2013، بعد سنتين من تعرفها عليه، فإن المراسلات التي كشف عنها الكونغرس الأميركي أخيراً أظهرت أنها لم تكن تقول الحقيقة. إذ أكّدت تلك الوثائق وجود علاقة صداقة قويّة بينهما وتبادلهما لرسائل شخصية خاصة لسنوات استمرت حتى عام 2014.

وللعلم، اعتذرت ميته ماريت لاحقاً عن علاقتها بإبستين، لكنها نفت علمها بأنه كان مُداناً بجرائم جنسية على الرغم من اعترافها في واحدة من المراسلات التي بعثتها له بأنها بحثت عن اسمه في محرّك «غوغل» وأن النتائج «لم تكن جيدة». وللعلم، أدين إبستين بجرائم جنسية وجرائم احتيال منذ عام 2005، واعتقل كذلك وحكم عليه بالسجن لأشهر عام 2008 مع أنه لم يعتقل في ملف كبير إلا في عام 2019.

فضيحة ثانية...هذه المرة لابنها

وتسببت علاقة ميته ماريت بإبستين بدعوات في الصحافة النرويجية لتجريدها من منصبها ولقبها، أسوة بالأمير أندرو في بريطانيا. واقترح البعض أن يبقى زوجها ملكاً بعد تتويجه، ولكن شرط ألا تُمنح هي اللقب ولا تُمنح أي واجبات ملكية. غير أن ارتباط الملكة الجديد بإبستين جاء وسط فضيحة أخرى ارتبطت بابنها من زوجها الأول قبل زواجها من هارالد. إذ كان ابنها داريوس يخضع لمحاكمة في جرائم اغتصاب وعنف وتهريب مخدرات، أدين فيها لاحقاً وحكم عليه بالسجن لـ4 سنوات... يخدمها الآن في الحبس المنزلي بعد إجباره على ارتداء سوار تعقُّب.

وسط كل هذه الفضائح، اختار هاكون الوقوف إلى جانب زوجته، مقدماً لها كل الدعم. وفي الواقع، فإن تلك الفضائح تعكس تاريخ الزوجين والمشاكل التي أحاطت بهما قبل زواجهما. فهي تنتمي إلى عامة الشعب، وليست ابنة عائلة أرستقراطية، ولكن تلك لم تكن العقبة الأساسية. ذلك أن الملكة سونيا، أم الملك هاكون، وزوجة الملك هارالد، كانت هي أيضاً من عامة الشعب. وكانت الأولى من العامة التي تدخل العائلة المالكة النرويجية.

غير أن تاريخ ميته ماريت، وعلاقاتها السابقة، أثبتت منذ البداية أنها تشكّل تحدّياً لولي العهد آنذاك. فقد تعارفا عام 1999، وتزوّجا بعد ذلك بـ3 سنوات، علماً بأنهما كانا يعيشان معاً قبل زواجهما، ما تسبّب كذلك بانتقادات داخل الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها العائلة المالكة النرويجية.

حياة غير عادية

للعلم، كان للملكة ميته ماريت ابن يدعى ماريوس، يبلغ من العمر 4 سنوات، عندما تعرّفت على هاكون، أنجبته من رجل أُدين بحيازة مخدرات. وعُرفت ميته ماريت أيضاً بماضيها الصاخب وحياتها المتقلّبة وتعاطيها المخدرات واختلاطها بأشخاص أدينوا لاحقاً بجرائم. بيد أنها قبل زواجها من هاكون، اعتذرت علناً عن ماضيها وأعلنت إدانتها للمخدرات.

وبالنسبة لهاكون، فإنه ظل على إعجابه بها رغم ماضيها الصاخب وانتقادات الصحافة لها، وأعلن قبل زواجهما أنهما حظيا بموافقة والديه، مضيفاً: «ما وجدناه معاً كان قوياً للغاية لدرجة لم أتمكن من التخلي عنه». ومن ثم، رزُق الزوجان بإنغريد ألكسندرا عام 2004، ثم بشقيقها سفيري ماغنوس في العام التالي.

فضلاً عما سبق، ووسط الفضائح الأخيرة، عادت صحة ميته ماريت إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت العائلة المالكة عام 2018 عن إصابتها بالتليّف الرئوي المُزمن. وساءت حالتها منذ مطلع العام، ما استوجب إجراء عملية زرع رئة لها خلال يونيو (حزيران) الماضي، يبدو أنها ما زالت تعاني من تبعاتها. وجاء الإعلان عن تدهور صحة ميته ماريت في وقت كانت تجري محاكمة ابنها داريوس وسط تغطية إعلامية كبيرة في النرويج.

الأميرة مارتا لويز... والتنجيم!

من جهة ثانية، يرى متابعون أن ميته ماريت ليست وحدها مصدر القلق بالنسبة للملك هاكون أو تراجع شعبيته، بل أيضاً شقيقته مارتا لويز كذلك. فهي الأخرى تسبب بمتاعب للعائلة المالكة كان آخرها ارتباطها بدوريك فيريت، وهو معلم روحي أميركي، أفريقي الأصل، ومن المؤمنين بنظريات المؤامرة.

ويصف الإعلام النرويجي فيريت بأنه «محتال»، لكن الأميرة مارتا نفسها تتهم الإعلام بأنه «عنصري» ويهاجم زوجها لأنه أسود. وبالفعل، تخلت الأميرة عن لقبها «صاحبة السمو» عام 2022 لكي تتمكن من متابعة مشاريعها التجارية، ولكنها واصلت استخدام لقب «أميرة»، وما زالت في ترتيب ولاية العرش بعد ابنة الملك هاكون.

بل يضاف إلى ما تقدّم، أن مارتا لويز نفسها تتسبب بجدل بسبب تعريفها نفسها بأنها «منجّمة» وتزعم القدرة على الاستبصار والتكلّم مع الملائكة (!)

بالتالي، في عام 2024، أظهر استطلاع للرأي حول مستوى التأييد الشعبي للملكية تراجعه إلى 68 في المائة مقارنة بـ81 في المائة عام 2017، وسمّى المُستطلعة آراؤهم الأميرة مارتا لويز وداريوس ابن ميته ماريت، السببين الرئيسين في تراجع تأييدهم للعائلة المالكة.

هاكون... الاستثناء

في ظل كل ذلك، نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده، بالوحدة والتواضع. وحقاً، تعهّد الملك هاكون نفسه في أول خطاب وجّهه للشعب، بأنه سيتبع طريقه الخاص كما فعل والده قبله، مع التأكيد على الأسس التي بُنيت عليها الملكية الدستورية في النرويج. وأعلن أنه سيبقي على شعار والده «كل شيء للنرويج». وعلّق رئيس الوزراء النرويجي على تولي الملك هاكون العرش بالقول إنه يتشارك كثيراً من الصفات مع والده، خاصة «قدرته على خلق مناخ من الوحدة» بين النرويجيين.

مسؤوليات متزايدة ... ودور منتظر

من ناحية ثانية، مع أن هاكون توجّ ملكاً في ظروف صعبة وتراجع في شعبية العائلة المالكة، فقد ولد وكبر بانتظار يوم يغدو فيه ملكاً. ولقد تحمل في السنوات الأخيرة مسؤوليات متزايدة مع غياب والده كثيراً بداعي المرض، ما جعله متمرّساً أكثر بالدور الأكبر، رغم تشكيك البعض بقدرته على ملء مكان والده الذي كان يحظى بشعبيته كبيرة. واليوم ها هو هاكون الملك الرابع في النرويج بعد إعادة الملكية عام 1905عندما استقلت البلاد عن السويد.

وهاكون هو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد وزوجته سونيا، وقد سمي على اسم جده الأكبر هاكون السابع، وهو أيضاً حفيد بعيد للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا السابقة. ومثل معظم الرجال في العائلة المالكة، لهاكون خلفية عسكرية؛ فقد خدم في البحرية النرويجية بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية عام 1995.

ولكن خلافاً لوالده وجدّه، فإن هاكون لم يدرس في جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، بل اختار عوضاً عن ذلك جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية، ثم حصل على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

ومع أن هاكون كان يعي منذ صغره أنه وريث للعرش النرويجي، فقد وجد مسؤولياته الملكية صعبة في البداية، وكتب في مذكراته التي نشرت عام 2023: «نعم أنا من العائلة المالكة، ولكنني في المدرسة لم أشأ الحديث بالأمر، فقد كان ذلك يشعرني بالقلق». وفعلاً، بخلاف أولاد العائلة المالكة، أرتاد مدرسة عامة من مدارس الدولة في الثمانينات، ما عكس إرادة والديه آنذاك بإعطاء ولديهما نشأة عادية قدر المستطاع. وسريعاً صار هاكون ولي العهد وهو في سن الـ17 فقط عند وفاة جده الملك أولاف الخامس وتتويج أبيه هارالد ملكاً عام 1991.

تفاصيل من حياته العائلية

التقى هاكون بزوجته ميته ماريت عام 1999 في حفل موسيقي بمدينة كريستيانستاند من حيث تتحدر هي. ووصفتها الصحافة آنذاك بـ«سندريلا كريستيانستاند» نظراً لنشأتها المتواضعة هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بارتباط الأمير بفتاة من العامة لديها ابن يبلغ من العمر 4 سنوات، تزوج هاكون من ميته ماريت عام 2001. وشبّه معلّقون في النرويج علاقتهما بعلاقة الملك إدوارد الثامن الذي تخلى عن العرش البريطاني كي يرتبط بواليس سيمبسون، السيدة الأميركية المطلقة.

آنذاك، تنبأ كثيرون بأن هذا الزواج قد يحمل نهاية العائلة المالكة. وتساءل كثيرون عما إذا كانت حياة ميته ماريت الصاخبة - قبل تعرفها على هاكون - مناسبة لحياة العائلة الملكية. لكنها نجحت بكسب ودّ النرويجيين عندما قدّمت اعتذاراً علنياً عن ماضيها وطلبت فتح صفحة جديدة. ومنذ زواجهما ينظر إليهما على أنهما يمثلان العائلة الملكية الحديثة، ويجيدان التواصل مع النرويجيين العاديين. ولكن شعبيتها عادت للتراجع، تحديداً مع تورط ابنها بقضايا اغتصاب، نفاها كلها، ثم تورّطها هي بعلاقة صداقة مع إبستين. ورغم تكرار العائلة الملكية بأن ماريوس لا يحمل أي ألقاب ملكية، فإن تلك الفضائح عادت وسلّطت الضوء بشكل سلبي على العائلة. وبالتالي، فالتحدّي الماثل أمام الملك هاكون اليوم هو مدى قدرته على إبعاد نفسه عن هذه الفضائح وإعادة الثقة وخلق مناخ وحدة بين النرويجيين كما فعل والده.


رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
TT

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

جدير بالذكر أن الملك في النرويج لا يتمتع بسلطات سياسية تنفيذية ولكنه يعتبر رمزاً للبلاد ووحدتها، وبالتالي يعد دوره بروتوكولياً أشبه بدور الملك في بريطانيا.

كان أول ملوك النرويج بعد الاستقلال هاكون السابع الذي تولّى العرش بين العامين 1905 و1957. وتميّز عهده الطويل بترسيخ أركان النظام الملكي الدستوري، وتعزيز الهوية الوطنية النرويجية. وكان من أبرز مفاصل حكمه إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التعاون مع الاحتلال النازي، وغادر بلاده إلى بريطانيا مع الحكومة النرويجية، ليغدو رمزاً للمقاومة والوحدة الوطنية.

خلف هاكون السابع ابنه أولاف الخامس الذي تولى العرش بين العامين 1957 و1991. عُرف بشخصيته المتواضعة والقريبة من الشعب. وشهد عهده مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي، بالتزامن مع اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ما ساهم في تحوّل النرويج إلى واحدة من أغنى دول العالم. وفضلاَ عن ذلك اشتهر الملك أولاف بحبه للرياضة والتزلج وبأسلوب حياته البسيط الذي جعله يحظى بشعبية واسعة.

هارالد الخامس، ابن أولاف، الذي توفي قبل أسبوع، ثالث ملوك النرويج. ولقد تولى العرش عام 1991 بعد وفاة والده وبقي في منصبه نحو 35 سنة حتى وفاته. وخلال سنوات عهده واجهت النرويج قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، بينما عزّز هارالد صورة الملكية باعتبارها مؤسّسة جامعة للنرويجيين. وكان زواجه من الملكة سونيا، وهي من عامة الشعب، علامة على تغيّر المجتمع والملكية النرويجية. ومثل أبيه قبله، عرف هارالد بشخصيّته القريبة من الشعب وكان يتمتع بروح فكاهة جعلته واسع الشعبية. وبالأمس، بعد وفاته خلفه ابنه هاكون الثامن بعدما أمضى عقوداً ولياً للعهد يتأهب لدوره الملكي. وعلى الرغم من أن عهده بدأ للتو، فإن الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها العائلة المالكة تراجعت أخيراً إلى حد ما.

الملك الجديد معروف باهتمامه بقضايا البيئة والشباب والتنمية وبخبرته الدولية الواسعة، بجانب كونه أول عاهل نرويجي يتلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة، بخلاف أبيه وجده اللذين درسا في جامعة أوكسفورد البريطانية، وهذا على الرغم من الروابط العائلية التي تجمع العائلتين الملكيتين النرويجية والبريطانية.