لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على سلع كندية بنحو 20 مليار دولار أميركي، ثم تعهد أوتاوا برد «دولار مقابل دولار»، نقل العلاقة من مساومة تجارية إلى اختبار للسيادة والتحمل. الأرقام تقول إن كندا هي الطرف الأضعف: فسوقها أصغر، ونحو ثلاثة أرباع صادراتها تتّجه جنوباً، بينما تستطيع الولايات المتحدة توزيع الضرر على اقتصاد أوسع وأكثر تنوعاً. لكن الجغرافيا صنعت بينهما اقتصاداً لا يتوقّف عند الحدود؛ فالسيارة الواحدة قد تعبرها مراراً، والمصافي الأميركية تعتمد على النفط الكندي، وولايات أميركية شمالية تشتري الكهرباء من كندا. لذا؛ حتى ولو كانت أوتاوا ستخسر أكثر، فهذا لا يعني أن واشنطن ستخرج رابحة.
على امتداد عقود، قدّمت الولايات المتحدة وكندا نموذجاً نادراً لتحويل أطول حدود غير محصّنة في العالم إلى مساحة إنتاج مشتركة.
بدأ التحرير المنظّم بـ«اتفاق التجارة الحرة» عام 1989، ثم توسّع مع «نافتا» عام 1994، وأعيد تثبيته في اتفاق آخر بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تفاوضت عليه إدارة دونالد ترمب الأولى.
ومع أن هذه الترتيبات لم تلغ النزاعات المزمنة بشأن الألبان والأخشاب وقواعد المنشأ، فإنها حصرتها داخل مؤسّسات وقواعد يمكن التنبؤ بها. ولكن، في يوليو (تموز) الماضي، رفضت واشنطن تمديد الاتفاقية تلقائياً، لتدخل مسار مراجعة أكثر غموضاً.
ولاية ترمب الثانية
بدأ الانقلاب مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مطلع 2025؛ إذ فرض رسوماً على الصلب والألمنيوم والسيارات ومنتجات أخرى، وردّت كندا برسوم على سيارات وسلع أميركية وبمنع بيع المشروبات الكحولية الأميركية في معظم المقاطعات.
وفي الوقت نفسه، نقلت تهديدات ترمب المتكرّرة بجعل كندا «الولاية الحادية والخمسين» الخلاف من حسابات العجز التجاري إلى سؤال الهوية الوطنية. ولم تعُد مسائل كالمقاطعة الشعبية للسلع والسياحة الأميركيتين، وخطاب «كندا ليست للبيع»، مجرد «أداتي ضغط»، بل صارت تعبيراً عن شعور بأن الشريك الأكبر لا يطلب تنازلات محدّدة، وإنما يريد أن يعيد «إعادة تعريف» العلاقة على أساس التبعية.
بعدها، أضاف اختلاف البلدين بشأن «حرب إيران» طبقة سياسية إلى انعدام الثقة؛ إذ أعلنت الحكومة الكندية في مارس (آذار) أنها لم تُستشر، وبالتالي لم تشارك ولا تعتزم المشاركة في العمليات الهجومية الأميركية - الإسرائيلية، على الرغم من تأييدها منع إيران من امتلاك سلاح نووي والدفاع عن شركاء المنطقة.
صفقة سقطت عند حدود السيادة
في تحقيق مفصل نشرته الـ«نيويورك تايمز»، بدا الاتفاق قريباً مساء الثلاثاء الماضي. فقد عرضت واشنطن خفض رسوم الصلب والألمنيوم والسيارات، وإلغاء رسم على الأخشاب، مقابل تراجع كندا عن إجراءات انتقامية وفتح أكبر لقطاعات الزراعة والطاقة والتجارة الرقمية. لكن التفاصيل أعادت الخلاف، عندما تمسّك وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك برفض منح الشاحنات المتوسطة والثقيلة المعاملة المخفّفة المقترحة للسيارات، في حين عدّت أوتاوا ذلك تهديداً تدريجياً للمصانع التي تنتج شاحنات شركتي «فورد» و«جنرال موتورز» الأميركيتين في ولاية أونتاريو الكندية.
الرواية الكندية تقول إن واشنطن أرادت أيضاً أن تراجع اتفاقات كندا المستقبلية مع دول ثالثة، وأن توائم رسومها على الصلب مع السياسة الأميركية، وأن تتراجع عن برنامج «اشترِ الكندي» وبعض قواعد إبراز المحتويين الكندي والفرنسي على منصات البث. وبالنسبة لإدارة ترمب، كانت هذه «ضمانات» لمنع الصين وغيرها من استخدام كندا «ممراً خلفياً» إلى السوق الأميركية. لكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رأى فيها انتقاصاً من حرية بلاده التجارية والثقافية، ولا سيما أن واشنطن رفضت تقديم ضمان يمنعها من تغيير الرسوم لاحقاً.
طبعاً، تقدّم واشنطن رواية معاكسة جزئياً؛ إذ قال الممثل التجاري جيميسون غرير إن الكنديين عادوا في الساعات الأخيرة للمطالبة بخفض الحد الأدنى لرسوم السيارات من 7 في المائة إلى الصفر، وبمعاملة أفضل للسلع المصنوعة من الصلب والألمنيوم. وفي هذا المعنى، لم تكن الطاولة تضم طرفاً مرناً وآخر متعنّتاً، بل حكومتين رفعتا سقف المطالب وهما تظنان أن الزمن يعمل لمصلحتهما. وعند العاشرة والنصف ليلاً، وبعد اتصال مع دوغ فورد، رئيس حكومة مقاطعة أونتاريو، أمر كارني المفاوضين الكنديين بالعودة إلى أوتاوا.
القوة الأميركية... وهشاشة الحساب الكندي
حساب ترمب واضح... فمن يتحمّل الألم لمدة أقصر يتراجع أولاً. وفي ميزان الاقتصاد الكلّي، يملك الرئيس الأميركي أسباباً قوية لهذا الرهان. فقد بلغ تبادل السلع والخدمات بين البلدين 872.3 مليار دولار عام 2025، وفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، لكن الاعتماد غير متناظر. فالسوق الأميركية تستوعب نحو 70 في المائة من الصادرات الكندية، وترتبط بها مباشرة قرابة 15 في المائة من اقتصاد كندا؛ في حين تمثل كندا شريكاً بالغ الأهمية، لكنها جزء من شبكة شركاء واسعة للاقتصاد الأميركي.
وهنا قدّر تريفور تومب، الاقتصادي في جامعة كالغاري الكندية، أن الرسوم الجديدة وحدها قد تكلف كندا نحو 90 ألف وظيفة على المدى الطويل. وقال جوزف شتاينبرغ، أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة تورونتو، للـ«نيويورك تايمز» إن رسماً يبلغ 50 في المائة قد يوقف صادرات بعض الشركات الكندية كلياً ويؤدي إلى إغلاق بعضها. وتتجمّع الصدمة، خصوصاً في الأخشاب والآلات والإلكترونيات والأثاث والبلاستيك، إضافة إلى صناعة السيارات التي تبيع أكثر من 90 في المائة من إنتاجها إلى الأميركيين.
هنا يظهر الجانب الذي يمكن وصفه بسوء تقدير كندي، إذا طال أمد المواجهة. إذ لا تستطيع اتفاقات حديثة مع كوريا الجنوبية والصين وألمانيا والهند أن تعوّض سريعاً سوقاً ضخمة ملاصقة بُنيت المصانع والطرق وخطوط الأنابيب لخدمتها. ثم إن الرسوم الانتقامية ترفع الأسعار على المستهلك الكندي نفسه. ويقدّر شتاينبرغ أن أثر الرسم، أيّاً كان اتجاهه، سيكون أكبر بنحو عشرة أضعاف على الاقتصاد الكندي بسبب فارق الحجم والاعتماد. وبالتالي، «وطنية» الرأي العام تمنح كارني وقتاً، لكنها لا تلغي الحساب الصناعي.
أميركا لا تحتاج إلى كندا... إلا حيث تحتاج إليها
مع هذا، تختزل عبارة ترمب «نحن لا نحتاج كندا، بل هم يحتاجون إلينا» ميزان القوة، لكنها لا تصف سلاسل الإنتاج. فقد أظهرت الـ«وول ستريت جورنال» أن شركة «ستيلانتيس» (مالكة كرايسلر) تجمع طراز «باسيفيكا» في مدينة وندسور الكندية الحدودية، وأن «جنرال موتورز» تنتج شاحنات في أوشاوا، و«فورد» تتأهّب لإنتاج شاحنات في أوكفيل. وبجانب أن «فورد» و«جنرال موتورز» تصنعان محركات كندية لشاحنات وسيارات رياضية تُباع في الولايات المتحدة، تمثل السيارات المُنتجة في كندا نحو 6 في المائة من المبيعات الأميركية، لكن القطع تعبر الحدود مرّات عدة؛ ما يجعل الرسم يتراكم داخل المنتج نفسه.
لذا؛ حذّر وارن براون، المسؤول السابق في «جنرال موتورز»، من أن رفع الرسم إلى 50 في المائة سيخفّض المبيعات ويرفع أسعار الملصقات والشحن، وأن البلدين سيواجهان إذ ذاك «مشقّة جدية». وحتى رئيس نقابة عمال السيارات الأميركية شون فين، المؤيد للرسوم الانتقائية لحماية الوظائف، عدّ التصعيد ضد بلد يتمتع بأجور ومعايير عمل ونقابات قوية توجيهاً خاطئاً للسلاح التجاري.
لكن، الاعتماد يزداد وضوحاً في قطاع الطاقة، حيث تفيد إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن قيمة واردات الولايات المتحدة من الطاقة الكندية بلغت 111 مليار دولار في 2025، وأن كندا تمدّ مصافي الغرب الأوسط بالنفط الثقيل الذي صُممت لمعالجته، فضلاً عن الغاز والكهرباء. كذلك تعتمد الزراعة الأميركية على البوتاس الكندي، وتعتبر كندا السوق الأولى لصادرات 32 ولاية أميركية. ومعنى هذا أن واشنطن ولو كانت أقدر على احتمال الضربة الإجمالية، سيكون الأذى حاداً في مصانع ومدن وقطاعات محدّدة.
«معركة تحمّل»... وصندوق اقتراع
إذن، لدى كارني أفضلية سياسية قصيرة الأجل. وفعلاً تظهر استطلاعات نقلتها «بوليتيكو» و«أكسيوس» غالبية كندية مؤيدة للتشدّد، وارتفعت شعبيته إلى 60 في المائة قبيل انهيار المفاوضات. وأيضاً وقف رؤساء المقاطعات من أحزاب مختلفة خلفه، وإن أخذ دوغ فورد المواجهة إلى مستوى شخصي بإهاناته ترمب وتهديداته المرتبطة بالكهرباء.
هذه الوحدة تجعل التراجع الفوري أشبه بخضوع، لكنها قد تتآكل إذا ارتفع معدل البطالة، البالغ أصلاً 6.4 في المائة، أو عجزت برامج الدعم عن إنقاذ الشركات الصغيرة.
في المقابل، يواجه ترمب اختباراً بعد أسابيع لا سنوات. ووجد استطلاع «نيويورك تايمز/ سيينا» في يونيو (حزيران) أن 54 في المائة من الناخبين المرجّحين في الولايات المتأرجحة يعارضون الرسوم، وبلغت النسبة 59 في المائة في ولاية ماين الحدودية. ومن ماين، حذرت سيناتورتها الجمهورية سوزان كولينز من أن الرسوم «خطأ يرفع تكلفة العائلات»، في حين وصف السيناتور الجمهوري توم تيليس سياسة «يوم التحرير» بأنها فشلت. بل، في ميشيغان وأوهايو وماين وأيوا، يستطيع الديمقراطيون ربط أسعار السيارات والطاقة والزراعة مباشرة بقرار البيت الأبيض.
هذا يفسّر الرهان الكندي على الصمود حتى انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، كما قال محللون لـ«أكسيوس» و«بوليتيكو»، ويفسر أيضاً إرجاء ترمب تنفيذ مضاعفة رسوم السيارات والصلب إلى الأول من يناير (كانون الثاني).
التهديد شديد، لكن المهلة تترك باب التسوية مفتوحاً وتؤجل قسماً من الألم إلى ما بعد الاقتراع. والرد الكندي المقرّر في 8 سبتمبر (أيلول) صُمّم بدوره ليستهدف الصلب والألبان والمعدّات الزراعية والإلكترونيات وغيرها، أي قطاعات قادرة على إيصال الشكوى إلى الكونغرس. وستشمل الإجراءات أكثر من 700 منتج أميركي، بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، أي نحو 20 ملياراً أميركياً.
كندا تبحث عن بدائل
الزعيم الكندي كارني يحاول تحويل المواجهة «مشروعاً» أوسع. فقد دعا في خطابه أمام «منتدى دافوس» في يناير الماضي، إلى «تحالف ديمقراطيات مؤيدة للتجارة الحرة» والعمل معاً لمواجهة ما سماه «الإكراه الاقتصادي الذي تمارسه القوى الكبرى». وهو سيتوجه في سبتمبر إلى ستراسبورغ لحضور خطاب حالة الاتحاد الأوروبي، قبل القمة الكندية - الأوروبية في أكتوبر (تشرين الأول). لكن «بوليتيكو» لاحظت أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا واليابان تجنّبت حتى الآن الانضمام إلى جبهة مضادة لواشنطن. فهي تتعاطف مع أوتاوا، لكنها تحتاج بدورها إلى السوق والحماية الأميركيتين، في حين آليات الرد الجماعي على الإكراه الاقتصادي لا تزال جنينية.
هنا تكمن خلاصة الأزمة. فربما أخطأت كندا إذا افترضت أن التضامن الشعبي والشراكات الجديدة يستطيعان سريعاً موازنة الجغرافيا والحجم الأميركيين. وربما أخطأت إدارة ترمب أكثر إذا تصوّرت أن التفوّق الاقتصادي يحوّل الإذعان نتيجةً تلقائية، أو أن تفكيك شبكة إنتاج قارية يمكن أن يحدث من دون رفع أسعار الأميركيين والإضرار بحلفائهم الصناعيين.
فالمواجهة ليست بين اقتصادين متساويين، لكنها أيضاً ليست مباراة يكسبها الأكبر بمجرد مضاعفة الرسم.
إنها معركة بين قدرة كندا على تحمّل خسارة اقتصادية مركزة، وقدرة ترمب على تحمل ارتدادها السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي. ولهذا؛ قد يكون المخرج الوحيد اتفاقاً مختلفاً بما يكفي كي لا يبدو أي من الطرفين أنه «وقّع تحت الإكراه».
اختلال القوة يرجّح كفة واشنطن... لكن تشابك السيارات والطاقة والانتخابات يحرم ترمب نصراً بلا تكلفة

أميركا وكندا... تجارة بين بلدين لا تفصلها الحدود
> تفيد الأرقام بأن العلاقة الأميركية - الكندية ليست تبادلاً تقليدياً بين بائع ومشترٍ، بل منظومة إنتاج وطاقة واستثمار مشتركة. ووفق مكتب «الممثل التجاري الأميركي»، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات 872.3 مليار دولار عام 2025؛ إذ صدّرت الولايات المتحدة إلى كندا سلعاً بقيمة 333.6 مليار دولار واستوردت منها 381.9 مليار، أي بعجز سلعي مقداره 48.3 مليار، لا 60 ملياراً كما قال ترمب. لكن واشنطن حققت فائضاً في الخدمات بلغ 27.7 مليار دولار؛ ما يخفّض الاختلال الإجمالي ويبيّن أن العجز السلعي وحده لا يقدّم الصورة كاملة. السيارات هي المثال الأوضح على التكامل؛ إذ تنتقل المحركات والصلب والألمنيوم وقطع الغيار عبر الحدود مرات عدة قبل اكتمال المركبة. وأنتجت كندا 8 في المائة من سيارات أميركا الشمالية في 2025، وهي أكبر سوق خارجية للشاحنات الأميركية الكبيرة، في حين تعتمد مصانع «ديترويت» على تجميع ومحرّكات وقطع مصنوعة في أونتاريو. وفي قطاع الطاقة، بلغت قيمة التجارة الثنائية 137 مليار دولار عام 2025؛ منها 111 ملياراً واردات أميركية من كندا و26 ملياراً صادرات في الاتجاه المعاكس، حسب إدارة معلومات الطاقة. وتشمل الروابط النفط الخام والمنتجات المكرّرة والغاز الطبيعي وشبكات كهرباء عابرة للحدود؛ وجاء 67 في المائة من قيمة تجارة الكهرباء الثنائية من صادرات كندية إلى الولايات المتحدة. كندا هي أيضاً السوق الأولى لصادرات 32 ولاية، والأولى أو الثانية لـ44 ولاية، وفق وزارة التجارة الأميركية. وفي المقابل، يتجه نحو ثلاثة أرباع الصادرات الكندية إلى السوق الأميركية، ويدخل نحو 70 في المائة منها في سلاسل توريد أميركية. وتشمل أبرز المبادلات الآلات والسيارات وقطعها، والوقود والمعادن، والإلكترونيات والبلاستيك والمنتجات الزراعية والورقية. لذلك؛ لا تعني إعادة التوطين نقل مصنع واحد، بل إعادة رسم شبكة قارية استغرق بناؤها أكثر من ثلاثة عقود. وبمتوسط حسابي، تعبر الحدود تجارة تناهز 2.4 مليار دولار يومياً. ولا يقتصر الاعتماد على السلع، فقد حققت الولايات المتحدة صادرات خدمية إلى كندا بقيمة 92.3 مليار دولار في 2025، تشمل التمويل والتكنولوجيا والسفر وخدمات الأعمال، في حين توظف الاستثمارات المتبادلة عمالاً على جانبي الحدود. وهذا ما يحوّل أي رسم تكلفةً داخلية أيضاً.

